المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غرباء (قصة من وحي الواقع)


دار القصه
07-07-2008, 12:20 AM
نشأت وتزوجت هناك... ومازالت معرفتي بديني لا تتجاوز التمسك ببعض العادات و التقاليد الموروثة... أما صلاتي وحجابي فلم أكن أفقه منهما إلا كما يفقه الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ..إلى أن التقيت بسيدة فرنسية مسلمة ... لم توبخني لكوني عربية مسلمة لا أدين للإسلام إلى باسمه ...بل غيرت مجرى حياتي وحياة زوجي ... تسربلنا بالإسلام حتى أصبحنا نغير على حرمة الله عندما تنتهك بعد أن كنا نمر عليها مر السحاب.!

ثلاثون عاماً قضيتها على أرض" فرنسا" التي لا تعرف الإسلام إلا سلاحاً يهدد بنيانها ..ولا تعرف العربية إلا لغة لأقوام متمردين.!
كانت هذه الأعوام كفيلة بأن تحرك براكين الشوق الخامدة في داخلي للعودة إلى وطني...أخذت أتذكر طفولتي الغضة وقريباتي اللواتي كن يلعبن معي أمام منزلنا المطل على مزرعة جدي... رغم الفقر المدقع الذي كنا نعيش فيه إلا أنني كنت أشعر بسعادة غامرة... كنا لا نرتدي إلا إزاراً واحداً ونشرب من قد واحد..وحياتنا كلها يجمعها هم واحد..
لكن القدر خطفني دون أن أودع وطني لترحل أسرتي إلى حيث المأوى و الملاذ الآمن من شر الفقر الذي اجتاحنا بلا هوادة.

وفجأة...وإذ بزوجي يدفع الباب بأقصى ما أوتي من بأس وقوة وهو يردد بنبرة الغاضب الثائر:
- إنا لله و إنا إليه راجعون...إنا لله و إنا إليه راجعون..
اعتدلت في جلستي , وقد انتفض قلبي من الروع.!
- لا حول و لا قوة إلا بالله ... ماذا حدث؟!
- انظري ماذا تقول الصحيفة..جماعات التبشير بدأت تبث سمومها في قرانا المسلمة؟!
- ماذا؟ وهل وصلوا إليها؟!
- ليس بغريب على دعاة النصرانية أن يصلوا حتى لجحور الأفاعي و ينصرونها..!
قلت بهدوء مطمئن نوعاً ما:
- قرية أهلك بعيدة عن هذه القرى يا "سعيد" أليس كذلك؟!
- ومن يضمن لي أنهم لن يصلوا إليها... إلى متى سنظل مكتوفي الأيدي؟!
ثم وضع يده على رأسه كأنه يسترجع ..وقال:
- إنهم أنذال ...إنهم أنذال
وقام ورمى بالصحيفة على منضدة كانت بالقرب منه..!
كنت لا أقل عنه اضطراباً وثورة وحرقة ...لكني أضرمت ذلك كله في داخلي حتى لا يؤثر ذلك على صحته... زاد هذا الأمر من إصراري على أن أفتح أمام زوجي أمر الرحيل إلى وطننا ..
تبعته لكي أهدئ من روعه ...وما إن خرجت من غرفتي حتى سمعت صوت الباب الخارجي يغلق... علمت حينها أنه وصل إلى درجة من الغضب لا تحتملها حالته الصحية المضطربة.
ما هي إلا ساعات حتى سمعت جرس الباب يقرع..
- من؟
وإذ بصوت فرنسي ناعم خلت أنها زميلة له في العمل..
أسرعت بارتداء خماري ثم فتحت الباب ..وإذ بامرأة شقراء بلباس رجال الأمن المركزي في حيِّنا...مدت يدها تصافحني ثم قالت بلهجتها ..
- سيدتي ..زوجك في مستشفى الصحة بجوار مركز الأمن العام ...وهذا العنوان .
ثم مدت إليَّ بورقة صغيرة.
ظننت أن الأمر مجرد ضيق تنفس يعتريه دائما... وكثيراً ما يعود المستشفى ...ارتديت ملابسي على عجالة من أمري ووصلت في غضون دقائق..
أخذت أبحث عن الغرفة المدونة على الورقة التي أخذتها من سيدة الأمن ...لكن دون جدوى...تشبثت بأقرب ممرضة كانت قريبة مني أن تساعدني...أخذت الورقة مني ...وما إن قرأتها حتى قالت بنبرة فهمت مغزاها ..:
- لقد نقل إلى المشفى العام.!
زادت ضربات قلبي ...و بكيت كما لم أبكِ من قبل.
وصلت إلى هناك ...واستقبلني الطبيب – وقد كان فرنسياً مسلما- عند غرفة العناية المركزة وكان مطرقاً رأسه في حُزن بالغ ...رجوته أن يطمئنني ...فجرحني بالحقيقة..
- سيدتي .. أحسن الله عزائك في زوجك.!
ومدَّ إليَّ بورقة ملفوفة بعناية.
سرت في نفسي قشعريرة غريبة... لم أشعر بنفسي بعدها إلا بإبرة مهدئ تُغرس في جسمي المنهك...
فتحت عيني وغذ بممرضة سمراء البشرة كسمرتي تماما تقف بجانبي ...تربت على كتفي... ارتحت لها كثيراً..
رجوتها أن تدعني أرى زوجي ...أومأت إليَّ بالموافقة ..ثم أخذت بيدي وسارت بي في ممرات خلتها خنادق موحشة ...وقد كانت..
انتهت بنا الممرات إلى غرفة مليئة بثلاجات الموتى ...أخرجتْ زوجي وكشفت الغطاء عن وجهه ... لم أستطع إلا أن ارتميت عليه وبدأت شهقاتي تعلو ...سحبتني الممرضة وهي تنهرني أن ذلك خطر على صحتي..
لم أكن أعبأ بصحتي بقدر ما كنت أريد أن أكحل عيني برؤيته ..
وما إن عدت إلى البيت حتى تذكرت الورقة التي أخذتها من الطبيب ...فتحت حقيبتي ...وكانت كما كانت ملفوفة بدقة وعناية ...وإذ بالدهشة تأخذ بي كل مأخذ..
" زوجتي الغالية... إن الدنيا لا تبقى مبتسمة دائما... وإن الطريق إلى الجنة شائك... ارحلي إلى وطنك وحققي أمنية كانت مسجونة في صدري منذ قرأت الصحيفة ...احملي معك هم دينك وعقيدتك ... وسيري بخطى ثابتة واثقة ..والله يحفظك"

شعور غريب اجتاحني ...مسحت ما نزف من عيني التي ابيضت من شدة الحزن أو كادت ... تزاحمت في رأسي مئات الأسئلة ..كيف السبيل إلى وطني؟.. كيف السبيل على نشر ديني وسط أسود التنصير هناك؟!..
وتمضي أيام العدة بأمر من مرارة الحنظل , ويتقدم لخطبتي ذاك الطبيب الذي سلمني وصية زوجي الراحل..

رفضت في بداية الأمر ..ثم بعد عدة أشهر عاد مجدداً طلبه ورضخت آملةً في وجود رجل يحميني من عقارب الحياة القارصة.!
ولم يمضِ على زواجنا إلا خمسة أشهر حتى صارحني بقوله:
-لي طموح نشدته من زواجي بكِ... وأجزم أنك ستوافقيني بشدة.
ابتسمت وقلت:
- وما هو؟!
- سأحقق وصية زوجك وسنرحل معاً..
وبنظرة مريبة قلت له:
-وكيف علمت بذلك؟!
- لا تلوميني ...زوجك " سعيد" هو من أملاني الوصية..!
لامس هذا الاسم الغض أذني العطشى ...أخذ شريط الذكريات يعرض أمامي كأشرطة السينما التي تصطدم دائماً بصخور الأحلام القاسية...
ولم أنتبه إلى نفسي إلا وأنا أردد:
( سعيد ...سعيد..)!
وإذ بزوجي يقوم كما لو كانت لسعته عقرب ينظر إليَّ بنظرة معاتبٍ ومشفق ... فطنت حينها أن الغيرة لا تجتاح النساء فقط بل الرجال أيضاً..


وفي صباح اليوم الأول من شهر حزيران كنا قد وطئنا مطار مدينتي ..
الكل كان ينظر إليَّ بحقد وغضب ... منظري كان ملفتاً وسط القادمات من فرنسا ... كنت متلفعة بحجاب من رأسي حتى أخمص قدمي مما زاد نفور الأمن وازدرائهم ..
أخذت أنا وزوجي نتقدم شيئاً فشيئاً مع تقدم القادمين لإنهاء الإجراءات اللازمة للخروج من صالة المطار ... وبدون سابق إنذار سمعت دوي اسمي يدوي في الصالة بأكملها ... شخص ذا عينين جاحظتين وفم غليظ وجسم جث يوحي بشدة وغلظة ...
وبخطوات خلتها والله خطوات سجاَّن...وبنبرة عسكرية قال:

- أ أنت " شهيرة يونس"؟!
- نعم..
مدَّ يده إلي وقال:
- جواز سفرك..!
- تفضل..!
- انتظري هنا قليلاً..
وأشار إلى مقاعد الانتظار ... كانت علامات الدهشة تعتري زوجي ...ثم أردف قائلاً باستنكار:
- لماذا يأخذونه؟!
قلت وأنا أشير إلى نقابي..
- بسبب هذا؟!
- ماذا؟!
- نعم..هنا ...من يرتديه يصبح مجرماً!

وبعد غضون ثلاث ساعات ..دوى الدوي من جديد منادياً باسمي ... وحضر ذاك الرجل ممسكاً بجوازي وقال وهو يتظاهر كأنه لم يسألني من قبل..
- أ أنت شهيرة يونس؟
- نعم..!
- نحتاجك لبضع دقائق في تحقيقات سريعة..!
أودعت حقيبتي عند زوجي ورجوته أن يسأل الله الثبات ..

وفي غرفة التحقيقات جلست وأنا رافعة رأسي لأعلى ... شامخة بإسلامي وبحجابي..
وإذ بصوت رجولي يبدو عليه علامات اللامبالاة ..وقد حلق حولي أربعة من رجال الآمن ..وقال :

- أنت شهيرة يونس أليس كذلك؟!
- بلى..!
- لماذا أتيت إلى هنا بعد غياب ثلاثين عاما؟!
- لأنه وطني ليس إلا..!
- أتعلمين أن لباسك هذا ممنوع بقانون حكومي!
- أنا ألبسه لراحة أجدها في نفسي...
- لكنه ممنوع !
- أو تأمرون الرجل أن يلبس ثوباً ولا يلبس بنطالاً؟!
- لا..!
- إذن لمَ تمنعون المرأة من لبس ما تريد وأنتم تدعون الديمقراطية ؟!
- هو قانون ليس إلا ...نحن نسعى لتطبيقه ..
ثم أردف وهو يخط باسمي في سجل خاص بهم ..
- عموماً نحن سنضع اسمك لدينا احتياطا ..أي مخالفة تخالف الأنظمة نستطيع إحضارك في أي وقت..!
ابتسمت بخبث من تحت نقابي وأنا أقول:
- اطمئن..
ثم أشار لي أن أوقع على التحقيق ...سلمني جوازي وخرجت وقد زدت عزة وتمكيناً.
قابلني زوجي وهو متلهف لسماع ما حدث... أشرت إليه أن ننهي إجراءاتنا وفي الفندق سأحكي ما جرى..!
وما إن فُتحت بوابة المغادرة من صالة المطار إلا ونسيم الوطن الغائب يحتضنني ..يؤازرني ..يربت على كتفي ويقول :
هلمي إلى نجدتي ...فالجنة لا تنال بأثمان بخسة ...ولا بهمم كالهباء.!




منقوله

الشقردي
07-07-2008, 02:07 AM
غرباء في اوطاننا

فالغربة الحقيقية هنا وليست هناك


قصة تحوي الكثير والكثير في طياتها

دار القصه
07-07-2008, 02:59 PM
غرباء في اوطاننا

فالغربة الحقيقية هنا وليست هناك


قصة تحوي الكثير والكثير في طياتها

صدقت اخوي

وتسلم على المرور

أمواج
07-07-2008, 11:57 PM
ثبتنا الله وإياها على الحق

إختيار مميز ورائع أخوي دار القصه

دار القصه
08-07-2008, 01:54 AM
ثبتنا الله وإياها على الحق

إختيار مميز ورائع أخوي دار القصه

الله يثبت الجميع على الحق اختي

والرائع مرورك المميز