المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنا والفأر .. في مصيدة !!


احساس الدوحة
11-11-2007, 11:46 AM
حينما دخل الفأر حياتي كان كل شيء في عالمي قد انقلب بالفعل رأسا على عقب.


لا أدري ماذا دهاني هذه الأيام؟ ولماذا تعكر صفوي إلى هذا الحد؟ جاء الصيف غير مرحب به.. زفرة من جهنم بها رطوبة وحر وزحام.. خرجت جحافل المراهقين إلى المدينة ولم يعد ممكنًا أن أجد في الكون الرحب ركنا يخصني ويحفظ لي عزلتي.. حتى مكاني المفضل في الحديقة فقدته.. ربما يبدو هذا تافها بالنسبة لكم، ولكنه الشيء الذي أحتمل مضايقات اليوم من أجله.



أشياء كثيرة تغيرت مع بلوغي الأربعين.. زمان كنت أحب السفر و"التنطيط" وأمتلئ حماسة صوب الأشياء.. بالتدريج بدأت أتغير، والعالم أيضا يتغير.. لم أعد أفهم مصطلحات الشباب الجديدة، وحتى حينما ذهبت للسينما وجدتهم يضحكون على أشياء لم أجدها مضحكة.. لم أستغرق وقتا طويلا حتى فهمت أن "الرهينة" ليس اسم الفيلم فحسب، وإنما يعبر عن حالي أيضا.



بعد الأربعين



لا أعرف أسماء المطربين الجدد ولا نجوم الشاشة ولاعبي الكرة.. حتى الملابس التي يرتدونها أستغربها ولا أعرف أسماءها.. لماذا تشتكي؟ -هكذا يقول لي أصدقائي- لقد عشت أيامك فدعهم يعيشون أيامهم.



سمعا وطاعة.. معظم ما يهم الناس لم يعد يهمني.. صارت متعتي في الخلوة والاسترخاء.. أستعجل مرور اليوم حتى يأتي الليل ويبدأ عالمي الحقيقي.. أتسلل إلى باب الحديقة.. أحيي الحارس في ود.. أذهب إلى ركني البعيد الهادئ.. أستنشق هواء نقيا وأتأمل أشباح الأشجار تتهامس تحت الفتنة القمرية وأسترخي متذكرا دنياي القديمة..



في الصيف فقدت هذا كله.. زحام كيوم الحشر.. دخان سجائر وسباب قذر ومزاح فج واستخدام الأيدي والأقدام والكراسي كوسيلة للتعبير عن الود.. يستحيل أن تجد مراهقا لا يشتم صديقه -من قبيل الدلال- بشرف أمه وكرامة أبيه.. الصيف جنة المراهقين وجحيم الكبار.



غبار يلاحقني في كل مكان.. وحر رطب أود لو أخرج بسببه من جلدي.. نفير سيارات تصم الآذان ودروب ضاقت بالبشر وحتى العصافير تبدو منزعجة وكارهة للحياة.



أسير وسط الزحام بوجه متجهم وعينين منطفئتين.. ترفع ملامحي لافتة كبيرة تؤكد للجميع أنني منزعج.. ما الذي يبقيني في مصر؟.. سؤال لا يفتأ يتردد في ذهني.. والمدهش أن أسأله أنا الذي كتبت عن تفاصيل الحياة المصرية والحنين لمصر أكثر مما فعل أي أحد آخر!!



صيد الفئران



كنت قد تهيأت للنوم حينما سمعت خربشة في الغرفة المجاورة.. أصغيت قليلا فتكرر الصوت.. فأر!! هكذا سطع اليقين في ذهني، فنهضت بسرعة وأغلقت الباب عليه لأحاصره كي لا يتسلل إلى غرفة أخرى.



نهاية غير سعيدة ليوم غير سعيد.. ماذا أفعل ولا خبرة لدي في صيد الفئران.. بطرف عيني أبصرته.. كتلة من الشر والسواد -هكذا بدا لي وقتها- وفي لمحة بصر تسلل خلف المكتبة الجدارية.



طرقت على المكتبة بقبضتي.. بطرف عصا خشبية غليظة.. أطفأت النور وأضأته.. صرخت كالهنود الحمر وأحدثت جلبة هائلة ليخرج من مكمنه.. كنت أتظاهر بمطاردته والحقيقة أنه لو جلس في منتصف الغرفة ينتظرني وقد وضع رِجْلاً على رجل لما عرفت كيف أتصرف معه.. ليس من ضمن مواهبي صيد الفئران يا ناس.. أنا ابن المدينة الذي لم يعش في الريف قط.



الله يرحمك يا أمي.. تداعت إلى ذهني ذكرى قديمة مضحكة.. تسلل فأر إلى مطبخها فاستعانت بجارها الذي حضر مرتديا فانلة وشورتًا وحذاءً رياضيا كأنه خارج للقنص في رحلة صيد.. وضع على رأسه قبعة مستديرة لا أعرف كيف استعارها وعلى كتفه بندقية رش!! أغلقت أمي باب المطبخ عليه فصرخ في ذعر وقال متسائلا: بتقفلي الباب ليه يا طنط؟



ردت في هدوء: عشان مايهربش لباقي البيت.

بدا منطقها معقولا ولذلك بلع ريقه وقال مستسلما: طيب..

ووقفت أمي خارج الباب تسمع من آن لآخر صرخات حادة تشبه صرخات الهنود الحمر وقفزات شديدة وصوت إطلاق نار.. في النهاية استدعت ابن البواب الذي دخل المطبخ وصرفه.. لم تنقض إلا دقيقة واحدة -هكذا حكت أمي ضاحكة فيما بعد- حتى خرج ابن البواب ممسكا بالفأر من ذيله في هدوء.

العنيد ظل محتميا بمخبئه الآمن.. سلطت كشافا قويا في الفرجة المظلمة خلف المكتبة وأحدثت ضجة جهنمية دون أن أنسى فتح البلكونة متيحا له مخرجا آمنا.



الأحمق لم يفهم.. لوهلة ظل متشبثا بمكانه ثم أرعبته الأضواء الباهرة فخرج لا إلى الشرفة المفتوحة ولكن في اتجاهي.. تراجعت في اشمئزاز فتوارى خلف الدولاب الكبير..



المصيدة!!.. هذا هو الحل الوحيد.. عمرتها بقطعة جبن رومي نفاذة الرائحة، وقد تحرك قلبي وأنا أضعها.. معدنية باردة غادرة، تحمل طعما فواحا وموتا مؤكدا.



أطفأت النور وأغلقت الغرفة آملا أن أجده -في الصباح التالي- حبيس المصيدة.. حاولت النوم بلا فائدة.. في الظلام رحت أتصوره داخل المصيدة يحاول الفهم بلا فائدة.. يحاول الهروب بلا فائدة.. يشم الأركان.. ينتقل من جانب إلى جانب باحثا عن مخرج.. لم تعجبني فكرة أن أنام فيما يبقى هو يتعذب. كنت أريد الخلاص منه دون ألم لو كان هذا ممكنا!



طيلة الليل أغادر فراشي وأدخل الغرفة الموصدة لأتفقد المصيدة لكنه كان ماكرا ومتشبثا بالحياة! في الصباح ظلت المصيدة عنوانا لفشلي وقوة إرادته برغم جوع يكابده الآن حتما. استشرت أصدقائي الريفيين.. الفئران بالنسبة إليهم من حقائق الحياة.. وصيدها يتم بالأيدي المجردة.. والفزع منها رقاعة وسوء تربية ومجلبة للسخرية.. في كل الأحوال نصحوني بسم الفئران.. لم تعد المصيدة تخدع الفئران قط..



السم وضعته هنا وهناك.. للمرة الألف تفقدت الغرفة المظلمة، ثم خلدت إلى النوم.. لم يعد هناك ما يشغلني سوى هذا الفأر.. كل مشاكل العالم توارت وبدت بعيدة لا تنتمي إلى عالمي.. لم أعد أتصور كيف يحيا الناس دون مطاردة فأر تسلل إلى منزلهم!



في سبيل قطعة الجبن



انزلقت إلى عالم النوم الساحر.. وبدأت جفوني تثقل حينما سمعت صوت خرفشة خلف الستار.. انتبهت حواسي كلها.. تكرر الصوت فقمت مفزوعا وقد تبدت لي الحقيقة.. الملعون فر إلى غرفتي أنا!!



بسرعة أغلقت الباب وتكرر سيناريو المطاردة.. الليل بدا لا نهائيا ومفعما بكافة الاحتمالات.. جلبت المصيدة إلى غرفتي.. وتذكرت أن الفئران تكره البرد فأدرت جهاز التكييف.. وبدأ جسدي يستسلم.. كنت منهكا جدا لدرجة أنني لم أستطع سوى أن أجذب الغطاء على جسدي وأحاول النوم تاركا الفأر يلهو ويخربش ويتقافز.



أنام وأصحو على صوت خربشة فأحملق في الظلام.. أيها التعس ماذا جاء بك إلى هنا؟ بالتأكيد أنت الآن جائع وبردان.. تعيس مثلي.. مرهق مثلي.. متعب من الحياة مثلي، الكون بكل رحابته لم يعد يتسع لك ولا لي.. لذلك تجدني لا أكرهك ولا أرغب في إيذائك.. حتى لو كنت فأرا قبيح الشكل فليس ذنبك.. هكذا أنجبتك أمك وكانت مشيئة خالقك! ليتك تتسلل في سلام.



دائما أحترم حق المخلوقات في الحياة لذلك تجدني أشعر بالضيق.. غيري لا يقيم وزنا للحياة.. الطغاة يستبيحون حق الحياة المقدس حتى لأبناء جنسهم.. "هتلر"، "موسوليني"، "جنكيزخان"، "بيجين"، "شارون"، "جورج بوش"، "أيمن الجندي"! لا شك أنك أضفتني إلى القائمة، والحق معك.



أنام وأصحو.. الفجر ينبثق والأذان يرتفع.. أقوم للصلاة ملقيا نظرة على المصيدة الخاوية في راحة يخالطها أسف. جزء يتمنى الخلاص منك وجزء يتمنى لك السلامة.. لماذا تحرص على الحياة إلى هذا الحد؟ هل هي جميلة في عينيك؟ هل وقعت في عشق فأرة لطيفة؟ هل يحقق لك الإنجاب معنى الأبوة؟ أم هو محض امتداد بيولوجي أنت مجبر عليه؟..



الغرفة باردة كثلاجة.. ضوء الصباح يتسلل رائقا وبريئا وكأن مطاردة مخيفة لا تجري في أرجاء البيت الصامت منذ يومين.. مطاردة توشك أن تزهق نفسا تريد الحياة كما نريدها.



نهاية القصة جاءت مباغتة.. انتهيت من الصلاة وعدت لغرفتي فوجدته حبيس المصيدة.. قطعة الجبن الرومي اختفت. ولعله كان يفهم الأمر على حقيقته ويعلم أن تلك القطعة من الجبن هي طريقه للموت.. لكن الجوع أفقده إرادته.. وربما سأم حياة المطاردة.. تعب من الحياة كلها وبدا له الموت مريحا مرحبا به.



رحت أتأمله.. مستسلما.. أسود اللون، حزين العينين، تعيسا بائسا، معدوم الحيلة، يمد بوزه الطويل متشمما القفص.. ويدور في يأس حول نفسه.. يحرك يده الرقيقة.. يتطلع إلى أعلى..



وبينما كنت أحمله في قفصه المعدني إلى مصيره المؤكد كان شيء داخلي يعرف أنني الآخر سجين مثله في قفص أكبر - غير مرئي- اسمه الحياة .


بقلم / د.أيمن محمد الجندى

الشقردي
11-11-2007, 12:46 PM
تشبيه غريب

بين الحياة ومصيدة الفأر

قد يكون محقا في جانب معين


لكن تبقى حياة الانسان رهن يديه

ان شاء جعلها قفصا

وإن شاء جعلها ساحة للافراح

أمواج
11-11-2007, 01:19 PM
يعطيج العافيه أختي احساس الدوحة على القصه ..

وفعلا في شبه بين المصيده والحياة ..

احساس الدوحة
11-11-2007, 01:27 PM
اخي الشقردي

احيانا ظروف الانسان

تجبره ان يكون في قفص

ولا حيلة له في تغيير ذلك

تسلم عالمرور