المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : lll[ خطوات تغفو على عتبات الرحيل ]lll


.: المــاس :.
25-11-2007, 12:15 PM
ــالسلام عليكم ورحمة الله وبركاتهــ

قصه اعجبتني .. للــرائعه " ليتني غريبه " .. اعجبني اسلوبها .. وطريقة وصفها لشعور اصحاب القصه .. الي تخلي الواحد يعيش جو مع القصه وكأنه من ابطالها :) .. فحبيت انقلها لكم .. من بعد ما اخذت الاذن من كاتبتها .. مع انه كان بودي تشرفنا في مجالسنا .. وتنزل القصه بنفسها .. لكن معذوره يا الغلا ..

طبعاً القصه للحين فالجزء السادس .. او الخطوه السادسه .. وكل اسبوع راح تنزل الكاتبه خطوه من رائعتها ..

وراح انزل لكم كل يوم خطوه اللين تكتمل هالخطوات الست .. ومن بعدها كل ما نزلت الكاتبه خطوه راح انقلها لكم ..



...




نبدأ ..


بسم الله الرحمن الرحيم ..











lll[ خطوات تغفو على عتبات الرحيل ]lll







.
.



إليهم ..

من سكنوا حنايا الذاكرة .. استحلوها و استبدوا بها .. فأضحت عاجزة عن النسيان ..
من لازلت من الأمس إلى يومي .. حتى غدٍ .. أعيش على تلك الصور الغابرة .. حيث وجوههم الذاوية ..
لم أعد أميّز ملامحها ..

إليها ..

تلك العاجزة عن إخلاء سبيل أطياف الراحلين .. متشبثة بألمها .. غارقة به ..
مجنونة ..
تسخر من أحزانها بابتسامة .. تدمي روحها ..

إليكم ..

لمكامن الشعور في تلك القلوب الرحبة .. مشاعر دفينة ..
لفوضى الإحساس في نفوس مضنية .. أحاسيس حائرة ..
حتما ..
ستتفجر ..!

إليّ ..

لدمعتي الغبية التي لا أعرف لها سببا .. مشاعري المتخبطة بين أضلعي ..
حائرة .. متوجسة ..
لا تعرف الهدوء للحظة ..
إلا بعد دوي الرحيل ..!



.
.



ألفت لي مسكنا هنا .. يجرني إليه الحنين عائدة ..
لأحط الرحال مجددا .. بين وريقاتي الخاوية ..، و أحرف ..
ستتساقط هامات الكلمات منهزمة ..
تحت وطأة ما ستحمله هذه الحكاية ..
لا شيء يجعلني بهذه النشوة ..
كالدنو منكم مجددا



* همسة ،،،
فوضى تعتري روحي .. أتيه بها و تبعثرني .. بحاجة لأن أرمي بأثقال ما يحير إحساسي هنا ..
لربما إهتديت إلى تلك الطرقات التي ستعيدني .. إلى عتبات الرحيل ..
أو الحنين ..







أخيرا ،،
كل بوح لقلمي هنا هو لي .. مني .. و إليّ ..
أي حرف سيستبى من بين وريقاتي في ذمة من سينشلها من جعبتي إلى يوم الوعيد ..






عائدة ،،،
ليتني غريبة

.: المــاس :.
25-11-2007, 12:21 PM
> خطوات مسروقة <

.
.

ترتعش و تكاد ركبتاها أن تتهاوى .. لم تعد تقوى الوقوف .. و قوة زائفة تهتز على وجهها ..
تتزعزع ..
جسده القوي يميل على الباب .. واثقا .. ساخرا ..
- تبينيه أظهر ..؟!
يرتجف صوتها و هي تتدارك قلبها الأحمق .. قد يفضحها ..
و هي ترفع بصرها بشموخ منكسر .. و سبابتها المتخاذلة تشير نحو الباب ..!
- هيه إظهر ..
ما زال البرود يسكن عينيه .. يجتاح جسدها المرتعد .. و هي تريد أن تغمض عينيها للحظات فقط ..
لكنه سيدرك كم هي ضعيفة ..
و سيسعده ذلك ..
لا ..
لن يغلبها ..
عادت تنظر لوجهه الجامد اللامبالي .. تبحث في قسمات وجهه المتصلب عن صدى لإحساسها الأخرق ..
حتما لن تجد شيئا ..
هو .. هو
لم يتغير ..
و لن يفعل ..
شدت يدها و إصبعها يجد طريقه للثبات ..
و تكابد دمعة تسعى للفرار ..
- إظهر من بيتيه .. إظهر من حياتيه ..

.
.
.



.
.
.
.

> الخطـــــــــــــــوة الأولــــــــــــــــــــى <




كانت الشمس قد تبوأت مكانا في صدر السماء .. لتسلّط أشعتها الحارقة بلا رحمة .. تشعل الأرض جحيما ..
تلهب جدران تلك المنازل المتهاوية .. تذيب الأنفاس ..
و تكوي وجهها المتغضن بضيق .. و هي تلهث بتعب .. إذا كانت هذه أضواء شمس دنيا باهتة ..
و تحيلهم رمادا في هذا اليوم ..
فليجرهم الله من نار الآخرة إذا ..
رحمتك يا رباه .. الحر شديد هذا اليوم ..
تنفض الثوب المبتل بين يديها لتعلقه على حبل الملابس .. و هي تشخر ساخرة .. تحت وطأة هذه الشمس و حرارتها .. ستعود بعد لحظات لتجمع هذه الملابس ..
واصلت نفض الملابس و هي تنتعش لثوانٍ خادعة بالقطرات التي تتناثر منها .. فقد تعطل جهاز تنشيف غسالتهم .. عليهم نشر الثياب مبتلة تماما ..
تنهدت بقوة .. لا بأس ما دامت سترطب الأجواء في هذا الحر القاتل ..
مسحت جبينها المحمر بتعب ..و هي تواصل نشر الملابس .. حانت منها التفاته سريعة للسور القصير المتخاذل ..
المشترك بينهم و بين جيرانهم .. فكرت بداخلها أن ترمي بعض الحصى لتنبه فاطمة .. فتلاقيها ..
سرعان ما تراجعت عن هذه الرغبة ..
فهن بالتأكيد سيتحدثن عبر الفرجة التي توجد في الجدار القابع خلف المطبخ ..
و تحت لسعات هذه الشمس .. لا تعتقد بأنها ستجد متعة في الحديث .. الأفضل أن تتوجه للداخل فور انتهائها من هذه الملابس .. كي تقضي ما تبقى من أعمال ..
انتهت من نشر الملابس لتجيل نظرها في الباحة الخلفية لمنزلهم .. الباحة الضيقة .. التي لا يتجاوز طولها الثلاثة أمتار و عرضها المترين ..
حملت سلة الغسيل .. و استدارت متوجهة للحمام .. لتضعها حيث مكانها .. قرب الغسالة .. و لكنها توقفت عند باب المطبخ .. لتدلف بهدوء .. و هي تراها تدير ظهرها لها و تحرك الملعقة في القدر ..
مدت يدها تلمس كتفها لتنبهها إلى وجودها .. فالتفتت تلك بسرعة ثم ابتسمت بشغب و هي تشير لوجهها الجميل ضاحكة ..
عقدت الأولى جبينها بضيق .. لابد أن وجهها محمر بشدة فبشرتها البيضاء ستحترق حتما تحت أشعة الشمس ..
صفقت بيدها ثم دفعتها في وجهها بحركة طفولية مضحكة .. لتهتز تلك مجددا في ضحكة متقطعة و عينيها الواسعتين مغمضتين ..
قبل أن تشير لها أختها بيدها بحركة فنجان يشرب و تشير لعلبة الشاي في رف قريب .. و هي ترفع صوتها بشدة ..
- سوي جاهي .. سوي جاهي ..
هزت تلك رأسها و أشارت إلى عينيها ..
- أن عوني ..
ابتسمت تلك و اقتربت منها تطبع على خدها قبلة قويّة .. و تقول بصوت عادي تعلم أنها لن تسمعه و لكن تحرك شفتيها بوضوح ..
- تسلم عيونج ..
خرجت من المطبخ و وضعت السلة في الحمام الوحيد في المنزل باستثناء الحمام الملحق بالغرفة الخارجية الحقيرة التي يطلقون عليها مجلس الرجال ..!
أي رجال .. تلك الغرفة الضيقة لن تكفي سبعة منهم ..
نظرت للمساحة الصغيرة بين الغرف الثلاث التي يعتبرونها صالة و مكانا للجلوس حيث وضعوا جهاز التلفاز المسن .. ارتاحت لمرآها نظيفة ..
رفعت بصرها نحو الباب المقابل مباشرة .. لتتقدم بهدوء و تدير المقبض و تدفعه .. ليكشف خلفه عن غرفة ضيقة وُضع في زاويتها على الأرض مرتبة مربعة فُرش عليها غطاء و وزعت بها مخدتين عريضتين و بطانية ثقيلة ..
و بجانبها جلست تلك على الأرض بين يديها ثوبا لم تتبين ما الذي تفعله به .. اقتربت ببطء كي لا تشد ناظرها حركتها .. لتجدها ترتق شقا في طرف الثوب بإبرة .. جلست بجانبها لترفع تلك رأسها بابتسامة حنونة ..
شيء كالحلم ارتسم على وجهها الذي خطت به الأيام ما يكبر سنها الحقيقي .. بادلتها هي الابتسامة بصدق و هي تصيح بصوت عالٍ ..
- أمااه .. جاهي .. جاهي في الصالة ..
و تشير بيدها لتفهمها ما تقصد .. فتهز أمها رأسها بهدوء و هي تشير لما بين يديها .. ففهمت مقصدها بأن تريد أن تنهي ما بين يديها .. و هي تسمع حديثها المتقطع ..
- ثوب عفااه .. تبااه يوم ..
تذكرت .. أوف ،، عفرا و ما تريد .. فكرت بأن تلقي نظرة سريعة على فاطمة لتسألها الآن ما تريد ..
وقفت بسرعة و ركضت بخفة لتصل إلى الباحة الخلفية الضيقة خلف البيت .. فتلتقط بعض الحصى من الأرض و ترميها على المظلة التي تظلل جزء بيت جيرانهم الخلفي .. حيث يوقفون سيارتهم الوحيدة ..
لحظات و يصلها صوت فاطمة الناعمة و هي ترفعه كي تسمعها ..
- منوووه ..
رفعت صوتها هي الأخرى ..
- فطووووم أنا حور ..
أتاها صوت فاطمة مجددا ..
- بـــــــلاج حــــــــور ..؟
- تعالي صوب الفتحة برمسج ..
و ركضت للجدار القابع خلف المطبخ .. لتدس وجهها في الفتحة المستديرة .. قبل أن يطل وجه فاطمة من الجانب الآخر ..
- مرحباا ..
ابتسمت حور بود ..
- أهلين ..
- هاا شعندج بسرعة الغدا ع النار أخاف يحترق ..!
ابتسمت حور مازحة ..
- و إذا بيحترق بتفرق يعني .. بيسمم أهلج بيسممهم .. محترق و الا لا ...
مطت فاطمة شفتيها ..
- مالت عليج .. أنا أستاهل لي أخطط أطرش لج من الصالونة ..
اتسعت عينا حور بلهفة ..
- مسوية صالونة اليوم ..
نفخت فاطمة صدرها ..
- عيل .. الحين خلصينيه شعندج ..
رفعت عينيها للأعلى بحرج .. تشعر بالضيق دوما لإضطرارها أن تطلب من صديقتها شيئا رغم أنهم اعتادوا على تبادل احتياجاتهم ..
- آآممم .. فطوم بتخبرج .. بعده فستان عرس خوج سالم عندج ..؟!
هز فاطمة رأسها بعجب ..
- هيه .. بس هذا مفصلتنه قبل أربع سنين يمكن يطلع قصير عليج ..
هزت حور رأسها بسرعة ..
- لا هب أنا لي أباه .. عفاري تبا فستان للتخرج .. تعرفين باقلها شهرين و تتخرج من الثنوية .. قلت أشوفه بعده عندج ..؟!
ابتسمت فاطمة بحب ..
- أفاا عليج .. إلا عنديه .. و بييبه لج العصر إن شا الله .. كم حور عدنا .. تستاهل عفااري ..
قالت حور ببؤس ..
- على الله يطلع على مقاسها .. ناقة هاي هب بنية .. شوي و تطولنيه ..
ضحكت فاطمة برقة ..
- عادي لو ما يا عليها بنفكه من تحت أهم شي تلبس فستان في التخرج شرات باقي البنات ..
ابتسمت حور و مدت يدها عبر الفتحة لتقرص وجنة صديقتها بحب ..
- يعلنيه هب بلاج يا الغالية ..
أسدلت فاطمة أهدابها بخجل مصطنع ..
- أحرجتينيه ..
- قولي و الله ..!
- و الله ..
- هب كأنها هاي ريحة غداكم يحترق ..
اتسعت عينا فاطمة برعب .. الغداء.. و ركضت مسرعة .. فيما صرخت حور خلفها و هي تقهقه بقوة ..
- لا تنسين تييبين الفستان عسب تقايسه الناقه ..
ثم قهقهت مرة أخرى و هي تهز رأسها بخفة و تستدير نحو الداخل ..
- مقصّه ..!!

* * * * *
نقلت طفلتها بعناية من يدٍ إلى أخرى و هي تدلف البيت بهدوء شديد .. تعلم جيدا أين ستجد أصحابه في هذا الوقت .. توجهت مباشرة نحو المطبخ .. لتتسع ابتسامتها حالما وقعت عيناها على أمها و هي تدور و تساعد الخادمة في إعداد الغداء ..
- السلام عليكم ..
التفتت أمها بحنان و هي تتقدم منها ..
- و عليكم السلام و الرحمة .. مرحبا .. مرحبا .. حيا الله من يا ..
قبلت رأس أمها و هي تناولها الصغيرة لتسلم عليها ..
- يحييج و يبقيج فديتج .. شحالج أمايا ..
تخرجها من المطبخ و تقودها للصالة ..
- بخير يعلج الخير .. شحالج انتي و شحال مريومتي - و ضمت الصغيرة لصدرها بحنان - بعدها مريظة ..؟!
تنهدت إبنتها ..
- يسرج حاليه .. مريوم تونيه يايبتنها من العيادة مسويلها أكسجين .. إدعيلها انتي بس ..
- الله يشفيها ..
- آمين ..
مدت أناملها تمررها على شعر ابنتها الغارقة في حضن أمها ..
- خالتيه وديمة شحالها ..
نظرت لها أمها شزرا ..
- لازم بتخبرين عنها سميتج .. ما تنشدتي عن خوانج ..
ضحكت وديمة بمرح ..
- شوه أمايه ليكون تغارين ..!
عقدت أمها جبينها ..
- أغار من شوه .. صدق ما عندكن سالفة يا بنات هالزمن ..
ابتسمت بهدوء ..
- لا صدق أمايه .. خالوه شحالها .. من زمان عديبها ..
تنهدت أمها بأسى ..
- لا تخبرينيه .. و الله أنا لي من زمان عنها .. من أسبوعين يمكن هب داريه عنها .. التهيت بالبيت و العيال و ما رمت أسير لها .. هي لو عندها تيلفون كان زين ..
ابتسمت وديمة بمرارة لزلة أمها ..
- و لو عندها تيلفون كيف بترمسينها ..
اتسعت عينا أمها بادراك قبل أن تزفر بضيق .. تابعت وديمة ..
- التيلفون عند هالخبلة حوورووه ... بس دومها مبندتنه ..
- هيه ترانيه تخبرت مايد البارحة و قاليه إنها ما تبطله .. مادري عيل ليش يايبتنه ..
- شوه يايبتنه بعد .. هذا لي يقاله ريلها يايبنه لها .. بس ما تبطله خايفة يتصل .. و الله إنها مشفرة هالبنية .. إلا ما أرضعتيها شي من العقل يا أميه ..
ضربتها أمها بخفة على ذراعها و هي تنهرها مدافعة عن ابنتها بالرضاعة ..
- حور أعقل عنج ظامة هل بيتهم كلهم هي و المها .. غير أبوها ما سوى خير يوم فرها في ذمة هالريال .. عنبوه من ملك عليها ما شافت شيفته ،،، أمبونها هب عارفتنه هي و أهله لي ما شافتهم غير يوم الملكة المنحوس ..
خففت وديمة عن أمها ..
- شوه تبين ابهم .. هاييلا هلهم .. و متفاهمين .. تعرفين انتي البير و غطاه .. خلينا برا هالسالفة أخير لنا ..
قالت أمها بقوة ..
- هاي بنتيه ..
- أدري فديتج .. بس شوه بتغيرين انتي من الوضع ..؟! ما باليد حيله يا أميه .. إذا أبوها راضي بالوضع .. نحن مالنا حجة عليه ..
نفخت أمها بقهر و هي تنظر لوجه الطفلة ..
يقع ظلم كبير على تلك الفتاة و الكل يتفرج ..!

* * * * *

عقدت جبينها بشدة و هي ترى المسألة تتعقد في عينها أكثر .. فأكثر .. حقا لن تجني شيئا من خلف هذه الفيزياء بخلاف خلل سيصيب دماغها مع نهاية العام ..
صفقت الكتاب بقوة لتدسه في حقيبتها المدرسية .. و تضم غطاء رأسها جيدا .. لتنظر عبر نافذة الحافلة للخارج و تزفر ببطء ..
زحمة الشوارع الضيّقة و هذه الأحياء المتقاربة .. و السيارات العائدة من أعمال أصحابها ..
كانت أصوات الفتيات في الحافلة المدرسية و هي تقلهم للبيت من المدرسة تعلو و تتفاوت و ضحكاتهن تملأ الجو ..
أيجدن في نفوسهن النشاط لشق الإبتسامة بعد يومهن الدراسي .. عجيب ..!!
من زحمة الأصوات يصل لمسامعها صوتين تألفهما كما تألف اسمها .. ضحكاتهن .. و حكاياتهن المتحمسة ..
رغم عنها وجدت نفسها تبتسم و هي تستمع لأختها التي تصغرها بسنتين و هي تتحدث بصوت عالٍ عن قصة تعرف هي جيدا أنها لم تحدث قط ،، و لكنها تستمتع بسرد الأكاذيب و الحكايات الملفقة .. هذا ما يجعلها محط الأنظار من زميلاتها .. هي و أختها الأخرى التي تكبر الصغيرة بسنة .. يستطعن الاندماج بسرعة معا في أي مكان ما ،،، و لم يكن ذاك صعبا عليهن في المدرسة .. حيث جميع من ينضم لذاك المجتمع يقاربهن في السن ..
شعرت بثقل يقع بجانبها على طرف المقعد الخالي .. لترى أختها التي تصغرها بسنة مسترخية و هي تلف غطاء رأسها بعنف ..
- أوووف .. حررر .. بموووت .. عفاري لو انصهرت حطونيه في الثلاجة ..
و راحت تضحك بشدة على نكتتها السخيفة .. فيما هزت عفرا رأسها باستخفاف ..
- وين هاي الثلاجة لي بتسدج ..؟!
نظرت بطرف عينها و هي تقول بتكبر ..
- شوه أخت عفرا .. عندج شك في رشاقتي ..؟!
رفعت عفرا حاجبا ساخرا ..
- لا حشا .. امنوه بيشك في حجمج يا نورة ما شا الله .. إنتي يقين تسدين عين الشمس ،،،
ابتسمت نورة بخبث ..
- كأنج تسبينيه .. بس ما عليه ،، ناقة ما ألومج أكيد تغارين ..
نظرت لها بضيق .. لا تحب أن يعيّرها أحد بطولها .. خصوصا شقيقاتها القصيرات القامة اللواتي تفوقهن طولا ..
- ما برد عليج يا حكيم الأقزام .. أشري لختج خليها تيي .. قربنا من راس شارع الفريق ..
رفعت نورة يدها بحماس و هي تشير لأختهن و تقول بصوت مرتفع تريد أن يصلها من بين أصوات الفتيات ..
- داانوووه ..
التفتت دانة نحوهن قبل أن تشير نورة لمقدمة الحافلة .. فالتقطت دانة حقيبتها ثم تقدمت للكرسي لتدفع نورة إلى الداخل و تجلس بجانبها .. رغم ضيق الكرسي الذي بالكاد اتسع لثلاثتهن .. إلا أنهن لم يشعر بالضيق .. لحظات و توقفت الحافلة عند موقفهن المعتاد .. حملن حقائبهن المدرسيّة على أكتافهن قبل أن يرفعن أطراف غطاء رؤوسهن على وجوههن و ينزلن من الحافلة تباعا ..، تحركت الحافلة مبتعدة و مفسحة لهن الطريق ليقطعن المسافة المتبقية بين البيت و المنزل مشيا على الأقدام .. تذمرت دانة بشدة ..
- ما بوصل البيت إلا أنا متسبحة عرق .. حر حر .. أففف .. الله المستعان ..
كادت تبكي حين رأت سيارة مقبلة من الشارع البعيد ..
- لااا .. هب ناقصينه هالسبال بعد ،،،
التفتن جميعا ليرن السيارة المقبلة .. هتفت نورة بحنق ..
- و الله العظيم لفره بحصى ،، هالثور ما يفطن .. عنبوه ما يحشم ييرانه .. أنا أقول شعنه ما تم معرس غير سنة امنوه يروم لواحد شراته هالحقير ..
كانت عفرا هادئة و صارمة ,,
- ما عليكن امنه .. سون طاف و امشن و لا تلفن يمين و لا شمال .. نورة و الله ليوصل الخبر لبوية هب حور لو رديتي عليه .. خليه يخيس هو و رمسته السم .. طنشن و الا بيشجعه المرادد .. سيده ..
قالت دانة بغصة ..
- لو أروم أقول لبوية بس .. و الله ليدفنه في القاع الكلب ..
همست نورة مع إقتراب السيارة التي أصبحت تمشي بقربهن ببطء ..
- خبلة انتي ..؟! بيدفنه و بيدفنا وياه .. ابوج ما عنده ون تو .. بقول انتن يريتنه .. طبيه الخايس ما يرزا ..
و ببطء أنزل زجاج نافذة السيارة ببطء شديد .. و هو يقول بصوت يحاول جاهدا أنا يكون رقيقا ..
- السلام عليكن بنات ..
واصلن البنات يحثثن الخطى بصمت .. لم يعدن حتى يتبادلن الأحاديث فيما بينهن ..
- أفاا ما تردن السلام .. السلام لله .. ما تبن توصيله ..
تشعر نورة بشيء يتصاعد في صدرها .. تريد أن تتوقف لتلتقط حجرا من حجارة هذا الشارع المهمل لترميها على رأسه عديم النفع .. و صوته النشاز يصلهن و هو يقول بخبث ..
- حرام و الله غصون البان تمشي تحت هالشمس .. فديت عرضاتهم العرب .. لو من أهلكن كان حطيت موتر و دريول خاص يوصلكن الين باب الحجرة ..
همست نورة بحقد لا يسمعها إلا أختيها ..
- إنقلع زين .. انته لو تروم سير بدل موترك .. لو تغازل ع سيكل أشرف لك من هالكشرة ..
حبست أختيها الضحكات باستماتة .. و تنفسن الصعداء حين لاح البيت الصغير لهن من بعيد .. قال هو مودعا ..
- الوعد باكر يا الغراشيب .. ارقبنيه ..
و أسرع من سير سيارته .. لا يستطيع اللحاق بهن حين يقتربن من البيت يخشى على نفسه من أبيهن ..
في حين تنهدت دانة بارتياح ..
- روحة بلا رده .. أونه ارقبنيه .. عنلاته الخسيس ..
دلفن من الباب الحديدي .. و أحنت عفرا رأسها كي لا ترتطم بقمته القصيرة .. ليدلفن إلى الداخل ..
دخلن الصالة ليجدن الجميع يجلس في الصالة .. أمهن و حور و المها .. و شقيقهن ذو الثلاثة عشر عاما .. و أخواتهن الصغيرات .. الأولى في الرابعة عشر من عمرها .. و الثانية لم تتجاوز العاشرة ..
هتف الفتى فور رؤيتهن ..
- هاا ... شرفن الشيخات يالله حطوو الغدا ..
لم تنتبه المها لوصولهن و لا أمها .. لامست حور طرف يدها لتلتفت لها .. ثم ترى أخواتها الثلاث قد وصلن ابتسمت لهن فأقبلن يقبلن رأس أمهن القابعة في زاوية الصالة .. واحدة تلو الأخرى ..
و حور تقول ..
- أبطيتن ..
عفرا و هي تلقي حقيبتها بثقل .. و تدلك كتفها ..
- الباص تأخر ..
- صليتن ..؟
- الحمد الله..
- خلاص بنحط الغدا ..
و هبت واقفة لتقف المها معها .. لحظات قبل أن يخرجن من باب المطبخ و حور تحمل صحن الغداء .. و المها بيدها إبريق ماء بارد ..
وضعوا الغداء و التفوا حول الصحن جميعا يتناولونه بنهم هتف الصبي بحماس ..
- مزنة صبيليه ماي ..
تذمرت الطفلة ذات العشرة أعوام ..
- أففف .. ليش تحطون الماي عندي .. ما يخصنيه .. بصب لنايف .. خلاف لي يبا الماي يصب لعمره ..
رفعت دانه يدها تضرب مؤخرة رأسها ..
- جب زين .. بتصبين و انتي حمارة .. أصغر القوم بشكارهم .. انتي بشكارتناا ..
صاحت مزنة مستنجدة ..
- حوووور قوليلهااااا ..
تأففت حور ..
- دانووه يوزي عن أختج .. خلينا نتغدا و ننظف المكان قبل لا يي أبوية ..
نظرت دانة لمزنة متوعدة .. لتصيح الأخيرة مرة أخرى ..
- حور تطالعنيه ..
نظرت حور لهن بغضب ..
- أفف .. و بعدين يعني .. دانووه قسم بالله أكسر راسج لو ما إصطلبتي .. عنبوه تحطين راسج براس هالياهل .. و بعدين انتي خلي عنج البزا و لو طالعتج بتاكلج يعني .. تغدن و انتن ساكتات ..
قال صوت هادئ من جانبها ..
- محد ياكل و هو ساكت إلا اليهود .. أبلة الدين قالت ..
نظرت نورة ساخرة لأختها ذات الأربعة عشر عاما ..
- أوووه رمست الشيخة هند مفتي مكة .. محد يرادها ..
إنعقد جبين حور في غضب حقيقي ..
- انتن بتصخن و الا شوه ..
نكس الجميع رؤوسهم يتابعون طعامهم بهدوء .. و نورة و دانة يتهامسن في شيء ما .. عفرا تنظر لحور ..
- تخبرتي فطوم عن الفستان ..؟!
هزت حور رأسها ..
- هيه بتييبه العصر .. نايف عقب الغدا لا ترقد .. خلص واجباتك .. مزنووه .. انتي بعد .. لا يي العصر الا و انتوو مخلصين ..
الوحيدتان اللتان لم تكونا منزعجتين من الحديث المعتاد كل يوم هما المها و أمهم ..
لأن شيئا من الحديث لم يصلهن ..!

* * * * *

سحب نفسا عميقا من السيجارة قبل أن ينفثه ببطء في جو سيارتها الفارهه .. نظر عبر زجاج نافذتها الذي لن يتبين من بالخارج شيئا منه .. و هو ينظر للفيلا العملاقة الجاثمة بسلطة على أنفاس الأرض كوحش مستعد لبلع من يقترب منها ..
فتحت باب سيارته ليرمي بعقب سيجارته على الأرض و يدوسها بطرف حذائه الفاخر ،،، و ابتسامة ساخرة تعلو شفتيه .. و هو يفكر بأنهم بالتأكيد ينتظرونه الآن .. ألقى نظرة لا مبالية على ساعته التي تقارب الثانية و النصف ظهرا .. و هو يكتم ضحكة خبيثة داخله ..لابد أنهم على نار .. لن يضيرهم الشعور بالجوع قليلا .. لم يهتم لكون من ينتظره بالداخل هم أبوه و إخوته .. و أعمامه الثلاثة و أبناءهم .. و على رأسهم جده .. و لان وجهه الصلب قليلا و هو يفكر بأنه الوحيد الذي سيجبرهم على انتظاره .. فكر بأن يجلس قليلا في الخارج لمجرد أن يضايقهم ..
و كأنما شعر برغبته تلك .. ارتفع رنين هاتفه بحدة يشق سكون الباحة الأمامية الشاسعة المساحة ،، يرفعه ببطء و رقم أبيه يتراقص على شاشته ..
- ألوو ..
كان أبيه غاضبا .. يتضح ذاك من صوته المكتوم ..
- انته وين ..؟
قال ببرود شديد ..
- عند باب البيت .. رب ما شر ..
نفخ والده بضيق ..
- أبطيت علينا .. لنا ساعتين هنيه و انته ما شرفت .. خوك الثاني وينه ..
شخر ساخرا ..
- أي واحد فيهم..؟! عندي أربعة ..
- حامد .. وينه ..
تصلب وجهه و هو يقول ..
- تلقاه يرتغد في واحد من هالمولات .. مادريبه وينه ..
أنهى أبوه المكالمة دون أن يزيد بكلمة واحدة ..
نظر لشاشة الهاتف لوهلة واحدة قبل أن يعيده لجيبه ثم ينظر لانعكاس صورته على نافذة سيارته السوداء .. يرتب وضع - الغترة - قبل أن يستدير متوجها نحو البوابة الرئيسية للبيت المقابلة له .. و هو يمشي بخطوات واثقة .. جسده القوي يقطع المسافة بهدوء .. ليصل إلى الباب و يفتحه على مصراعيه ..
خلف هذا الباب .. امتدت أمامه قاعة الإستقبال الفسيحة .. الفخمة .. بما علق على أسقفها من ثريات و وزع على مداها من الأثاث ما يشغلها .. توجه نحو المجلس الداخلي حين يجتمعون على الغداء كل خميس في بيت جده .. أو بالأحرى بيته .. المكان الذي تربى و كبر وسطه .. ترعرع وسط برود جدرانه .. و قسوة سكانه الذي ارتشفها منذ الصغر ليتعلمها .. و يتقنها درعا يكسو وجهه الذي اكتساه الجمود فور اقترابه من الباب .. لا شيء كان يذيب جمود تلك الملامح .. سوى ثقته بحب جده الشديد له و إن كان يميل لتربيته القاسية ،،، حتى أنشئه .. و جعله نسخة كانت الأقرب لجده .. الذي كان يرى انعكاس قوة شبابه في عيني حفيده الأكبر .. لا شيء كان يذيب الجليد الذي يكسو إحساسه تلك الأيام ،، سوى دفئ صدر تلك الحبيبة الذي قطع طريقه صوتها المرتجف و هي تنادي ..
- غيـــــــــــــث ..
توقف مكانه و ارتسمت على شفتيه ابتسامه صادقة تبخر كل جمود .. و كل كبر و هو يستدير ليجدها جالسة على أحد مقاعد جسدها الضئيل يكاد يختفي في المقعد الوثير ليحول عن اتجاهه و يخطو نحوها .. اقترب منها بسرعة ..
- السلام عليكم ..
صوتها الواهن يجيبه بابتسامة ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبـــا الســــــاع بالغالــــــي ..
انحنى بحب يطبع قبلة على رأسها و كفها الغضة ..
- لمرحب بااقي يا القلب .. شحالج فديتج ..
شدت على يده ..
- بخير فديت روحك .. شحالك انته .. ربك بخير ..
- يسرج حاليه يا الغالية .. ياغير هالشركة لعوزتنيه من قبظت الإدارة فيها ..
عقدت جبينها بضيق ..
- الله يسامحه سعيد .. لو طايع شوريه و مقبض الإدارة حد من أعمامك و إلا أبوك .. اروحك تراكض يمين و يسار لأشغالك ..
قال بابتسامة معاتبا ..
- أفاا يا أم علي .. أنا قدها و قدود و إلا شرايج ..
ابتسمت بحب و هي تمد يدها تضعها على ذقنه تلامس لحيته المشذبة بعناية ..
- و نعم و الله .. يا الله فديتك ما تبا تحدر عند الرياييل .. من الصبح يرقبونك ..
قال مازحا ..
- لا خلاص أنا بتغدا وياج اليوم ..
- متغدية أنا يا الغالي .. و إلا كان خاويتك .. سر قداهم يعلنيه هب بلاك أبطيت عليهم ..
قبل رأسها قبل أن يعود و يتوجه للمجلس مرة أخرى .. فتح الباب بقوة دون أن يقرعه لتستدير الرؤوس نحوه بقوة ..
ابتسامته الجانبية لم تخفى عن الأعين و هو يسلم بصوته الرجولي العميق ..
- السلام عليكم
ردوا السلام عليه و هو يتوجه رأسا نحو ذاك العجوز الذي لازالت معالم القوة واضحة على وجهه و هو يتصدر المجلس الواسع .. و هو ينظر إليه بفخر .. يقترب منه ليسلم عليه بحرارة .. ثم يلتفت لأبيه الجالس على مقربة منه و يسلم عليه و على أعمامه ثم بدأ يسلم على أبناء عمّه و إخوته ..
انتهى منهم ليجلس على يمين جده براحة .. يكبح ابتسامه لؤم و هو يستشعر الحقد في تلك العينين .. لحظات قبل أن يميل لجده أمام أعين الحاضرين و يتهامسان مطولا قبل أن يقهقه جده بحبور و عينيه تشعان بمكر و قسوة ..
فيقول هو بصوت جهوري ..
- الغـــــــدا يا يماعة الخــــــــير ..
كان الغداء كغيره كل خميس .. لم يختلف شيئا فيه .. المناقشات المعتادة و الأحاديث التي تعاد ..
مر الوقت بسرعة و هما يتصارعان بالنظرات .. هو لا يلقي له بالا و يصد نظراته الحاقدة ببرود .. و ذاك يشتعل غيرة و هو يحتقر هذا المغرور .. كم سيبرد غليله لو استطاع سكب قدر الحساء العملاق على رأسه ..
انفضوا بعد الغداء بسرعة مجيئهم .. لا عجب فالجميع مشغولون و تلك الساعات المستقطعة من أوقاتهم الثمينة لكي يجتمعوا بها ،،، راحت هباءً و هم في انتظار حفيد العائلة الأكبر .. الذي لم يكن ينوي سوى تضييع المزيد من الوقت .. كي يصل متأخرا لهذه الاجتماعات التي يكرهها ..
نفض هذه الأفكار المتزاحمة عن ذهنه و هو ينفض رماد السيجارة بهدوء ..
- بيقتلك هالسم لي إنته تتنصخه ..
التفت بسرعة نحو صاحب الصوت الجهوري .. ليقف على قدميه باحترام و هو يقول بهدوء ..
- تعرفنيه ما أدخن إلا نادرا ..
هز جده رأسه بحكمه و هو يتقدم نحو المكتب ليستوي على المقعد ذو الظهر العريض ..
- يوم تكون ضايق .. شوه لي فخاطرك ..
- اقترب من النافذة .. طوله الفارع و عرض منكبيه يكاد يسد فتحتها العريضة .. و هو يقول بصرامة ..
- الصفقة هاي يبالها تركيز .. و تعرفينيه أتنرفز يوم يكون ورايه أشغال مهمة ما قضيتها ..
- بس هذا ..؟!
هز رأسه ببطء و هو لا يزال ينظر للباحة الأمامية المزروعة أمامه و هي تمتد حتى السور البعيد لحدود أملاكهم ..
.
.
كان يدير له ظهره و هو يبدو غارقا في أفكاره ،،، أنفاس سيجارته الذاوية تتصاعد ببطء ..
قبل أن يقترب ليدس السيجارة المشتعلة في المنفضة .. و جبينه لا زال معقودا .. يبدو ذهنه بعيدا أميالا عن هنا ..
رفع فجأة عينيه الحادتين ليلتقي بعينيه .. هذا هو الرجل الذي كان تربية يده و أفكاره ،، و أهدافه ..
و رغباته أيضــا ،،
قال بهدوء و هو يمعن النظر فيه ..
- إلا ما قلتليه ..، ما فيه أخبار عن عميه حمد ..؟!
التوت شفتيه بسخرية مريرة .. ابنه هذا .. شوكة في الخاصرة .. لا أحد ،، لا أحد البتة قد يستطيع أن يتحدث معه عن ابنه هذا باستثنائه هو .. حتى أبناءه يتجنبون الحديث عن أخيهم البعيد ذاك خشية إغضابه .. و لكنه لا يبالي ..!! يتحدث عن الموضوع و كأنما يتحدث عن الطقس ..
نظر له بعين ثاقبة لبرهة .. قبل أن يقول بهدوء ..
- ماشي أخبار عنه .. آخر مرة سمعت بها عنه يوم ملكتك و الرمسة لي يبتها وياك ..
ثم رفع رأسه و هو يرى البرود لا زال يكسو وجه حفيده ..
- اعلومها حرمتك .. ما يبت شي من أخبارها ..؟!
شخر غيث ساخرا و هو يستدير متوجها نحو الباب ..
- اعلومها من اعلوم أبوها .. لا يوم الملكة و لا قبلها و لا عقبها .. ما عرف منها غير اسمها .. كانيه ما نسيته ..
عقد الجد جبينه ،،، شيء ما لم يعجبه في نبرة حديثه ..!!
هذا قد يهز خططه المرسومة .. رفع بصره ليرى غيث قد وصل للباب يمسك بقبضته ليقول بهدوء قبل أن يخرج ...
- الين اليوم مادري ليش طلبتنيه أخطبها .. و انته هب راضي على أبوها ..
انقبض فك العجوز و هو يقول بصلابة ..
- غيث ..
اعتدل حفيده في وقفته و تصلب جسده الفارع .. متأكد بأن هذه النبرة لا زالت ترهبه .. و يحترمها ..!
تابع يقول بهدوء متوعد ..
- هاي حدودك لا تتعداها ..
.
.
كان شيء ما يلمع في أفق عيني ذاك الرجل و ابتسامة ماكرة تناوش شفته ..
حقا يقلقه أحيانا حفيده هذا ..!!

* * * * *

في اللحظة التي دلف فيها البيت هب الجميع يقفون بجانب بعضهم البعض .. يسلمون عليه بالتوالي ،، فيما هرعت زوجته للمطبخ لتحضر غداءه .. عادوا يجلسون بجانب بعض قبالته ،، فيما شمر عن كمّه و هو لا يزال ساكتا .. لا يعود من عمله إلا و قد أنهكه التعب .. لا يجد في داخله الرغبة لتبادل الأحاديث معهم ..
كانوا يراقبونه بصمت يخالطه رهبة حضوره .. اعتاد منهم هذا التعامل .. كان يتناول غداءه بصمت رهيب ..
أنهى غداءه وسط سكوتهم .. قبل أن يرفع صوته الأجش آمرا ..
- حور .. نشي هاتيليه ماي بغسل إيديّه ..
قالت بخنوع ..
- إن شا الله ..
و هرعت تجلب وعاء ماء يغسل يديه فيه ..
نظر لابنه الوحيد الذي يجلس بين شقيقاته الست و أمهن .. شعر بضيق شديد لمرآه يجلس بين الفتيات فصاح ..
- نايـــــــف ..
انتفض ابنه بذعر ليرى أبوه يعقد جبينه بغضب ..
- نش ذاكر و إلا إذلف إيلس في الميلس ..
صمت الجميع و نايف يهب مسرعا للتوجه إلى كتبه رغم أنه قد أنهى المذاكرة للتو .. و لكنه ليس مستعدا أن يعصي أباه ليكون ضحيّة - عقاله - ،، أبــــــدا ..
أحضرت حور وعاء الماء ليغسل يده فيه بضيق ،، هكذا يكون مزاجه دوما بعد عودته من العمل .. ثائرا ..
من الإرهاق و جسده الذي شاخ و لم يعد يحتمل ضغط الأثقال التي يرميها على أكتافه ..
إنتزع عمامته الذي كان يربطها على رأسه ،، مصفرة من الغبار .. و العرق ..
و رماها أرضا و هو يقول لحور بجفاف ..
- إغسليها ..
هزت رأسها ..
- إنشا الله ..
هب واقفا و توجه لغرفته ليأخذ قيلولة قصيرة قبل صلاة العصر .. فالتقطت حور العمامة و وعاء الماء و هبت عفرا لكي تأخذ صحن الغداء الذي تركه والدها ..
وضعت الوعاء في المطبخ و قامت عفرا بغسل الصحون ثم توجهت مع إخوتها لغرفتهن المشتركة كي يواصلن المذاكرة .. جميعهن السبع فتيات يرقدن في غرفة ضيّقة فيما أصبحت الغرفة الوحيدة المتبقيّة لنايف وحده ..
غسلت عمامة أبيها القذرة .. و نفضتها لتعلقها على حبل الغسيل .. جيد ستجف قبل غروب الشمس ..
هذه العمامة التي تحتضن جهود أبيهم ،، تعبه ،، سعيه لإعالتهم ..
مدت يدها بحنان لتلامس العمامة .. لا يهم كيف يعاملهم أو كيف يقسو عليهم .. لا يهمها حقا ما تسبب لها من أذى حين أجبرها على ما لا تريد ..
يكيفيها بأن والدهم و أن لا يساوون شيئا دونه ..

* * * * *


كانت هذه خطوة البداية ،، و حتما للحديث بقيّة
إنتظروني كل خميس بإذن الله .. سيكون لنا لقاء هنــا

أمواج
25-11-2007, 01:44 PM
قصه مشوقه ورائعه ..

وطريقة الكتابه رائعه وجميله ..

في انتظار الجزء القادم ..

احساس الدوحة
25-11-2007, 03:27 PM
العفويه في القصه

هي الميزه الحلوه فيها

وحسيت اني قاعده مع حريم فريجنا هههه

اتابعكِ

.: المــاس :.
26-11-2007, 11:06 AM
قصه مشوقه ورائعه ..

وطريقة الكتابه رائعه وجميله ..

في انتظار الجزء القادم ..

تابعينا وفـــــــــــــاااالج طيب ..

.: المــاس :.
26-11-2007, 11:07 AM
العفويه في القصه

هي الميزه الحلوه فيها

وحسيت اني قاعده مع حريم فريجنا هههه

اتابعكِ

منوره يالغلا ..

.: المــاس :.
26-11-2007, 11:13 AM
الخطـــــــــــــــوة الثانيــــــــــــــــــــة } ..



[.. خطوات تلتمس طريق البداية .. ]



.
.
.

في غياهب ظلمات النعاس صوت الطرقات يشق السكون الخامل .. ينتشلها من رقادها بقوة .. لترفع رأسها بتعب من على المخدة و شعرها الجاف يسقط على وجهها .. فتتذمر بصوت أثقله النعاس ..
- امنووووووووه ..
كانت تلك أمها التي صاحت بها و هي لا تزال تطرق الباب بقوة ..
- رويييييض نشي و صلي العصر لا تطوفج الصلاة ..
هز رأسها الثقيل تنفض النوم قبل أن تقول ..
- انزيييييييييين خلاااااااااص ..
سكون أعقب الكلمات لترتمي مجددا على السرير .. خمس دقائق فقط ثم ستصلي .. خمس دقائق .. تقلبت على الفراش الوثير .. و راح جفناها يثقلان .. قبل أن تجفل بفزع حين عادت الطرقات تلح على بابها بقوة ..
- روووضووووه نشي صلي ..
مسحت وجهها بتعب ..
- نشييييت .. و الله نشيت ..
ألقت نظرة على ساعة الحائط لتجد عقاربها تشير للرابعة و النصف .. فدفعت عنها غطاء السرير متوجهه نحو الحمام لتتوضأ .. تخطو على أرضيته الرخامية الفخمة ..
أدارت الصنبور ليتدفق الماء الدافئ بقوة تحويه بين يديها لتنثره على وجهها البارد فتسترخي قليلا ..
كان اليوم متعبا للغاية ،،، المزيد من المحاضرات .. المزيد من الواجبات المنزلية .. ثم تأتي إلى البيت تنشد الراحة لسويعات قليلة فلا تجدها ..!!
تنهدت و هي تتوضأ ببطء .. قبل أن تخرج لترتدي ما يناسب الصلاة و تلف غطاء رأسها بإحكام ..
ترفع يديها لجانب رأسها .......
- اللـــــــــه أكـــــــــبر ..

* * * * *

تشد الغطاء لرأسها بقوة و هي تتمسك بثوب أختها الكبرى .. فيما راحت أختها الأخرى تسحب طرف الغطاء ..
- أقوووووولج خوزي أخيرلج .. و الله تتصفعين ..
صاحب الصغيرة باكية ..
- حووووووووور قولي لهنـــــــــــد .. أنا حجزت المكان قبلهااا .. أبا أوقف عدالج ..
صاحت هند بقسوة لا تظهرها إلا نادرا ..
- مزنووه خوزي أخيرلج .. عطيتج ويه أنا أوقف كل يوم عدالها في الصلاة ..
أغمضت حور عيناها لبرهة قبل أن تنهرهما بقوة ..
- بس إنتي وياها راحت علينا الصلاة و انتن تظاربن .. مزنووه شتبين بالوقفة عداليه ..
ضربت الأرض بقدمها ..
- ما أسمعج يوم تقرين ..
اتسعت عينا نورة بدهشة و هي تضحك ..
- يالخراطة أنا آخر وحدة و أسمعها .. - ثم غمزت بخبث - قولي إنج تبين عدالها يا الياهل ..
- أنا هب ياهل .. حور ما أسمعج .. ليش هندووه كله توقف عدالج .. و لا مرة قد وقفت عدالج ..
صاحت عفرا بإحباط ..
- فكنا وحدة توقف عسب نصلي .. ما ترزا علينا صلاة الجماعة كل الحسنات تروح في ظراباتكن .. يا الله حور عنديه إمتحان أبا أذاكر ..
تنهدت حور و هي تقترب من هند ..
- هند خليها توقف عداليه هالمرة .. حرام عليج .. راعي ختج الصغيرة .. ليس منا من لم يعطف على صغيرنا ..
كانت وجه هند واثقا و هي تقول ببرود ..
- و من لم يحترم كبيرنا وين راحت .. ما يخصنيه أنا هذا مكانيه كل يوم أصلي عدالج ..
كانت دانة تشير للمها و تشرح سبب تأخير صلاتهن .. فاقتربت من حور و هي تشير لهن ..
- سوعه .. صلاه أووح .. أكاني .. أكاني ..
التفتت حور لمزنة بغضب ..
- يا الله تعالي من الصوب الثاني مكان مهاوي .. و إن ما خليتي حركات الدلع هاي بسنعج .. راحت الصلاة و السبة دلعج ..
تحركت مزنة بفرحة لتقف بجانب حور و كأنما لم تسمع توبيخها .. اصطفن جميعا جنبا إلى جنب تؤمهن حور .. التي نهرت مزنة مرة أخرى ..
- قذلتج ظاهرة .. دخليها ..
عادت مزنة تلف غطاء رأسها على وجهها الطفولي الصغير ..
قبل أن تنتهي و تنظر لحور بابتسامة بادلتها إياها رغما عنها .. قبل أن تنظر للأمام و تخفض عينيها ..
- اللـــــــــه أكـــــــــبر ..

* * * * *

تنزل درجات السلم ببطء و هي تتثاءب بإرهاق .. لازال الإغراء قويا بأن تعود لتستلقي على فراشها الدافئ الوثير في ظلمة غرفتها و برودة مكيف الهواء ..
و لكن بمجرد أن وصلت منتصف السلم حتى طارت تلك الأفكار آخذةً معها ما تبقى من رغبة بالنوم و هي تتوقف في مكانها بذهول .. عينيها تتسع شيئا فشيئا و هي تمعن النظر في ذاك الوجه الصارم .. ابتسمت بحب و احترام و هي تسارع بالنزول .. و وجهها يشع فرحا برؤيته .. حتى وصلت إلى حيث استرخى على الأريكة ..
- السلام عليكم ..
رد ابتسامتها بهدوء و هي تنحني لتسلم عليه ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا بالشيخة روضة ..
جلست بجانبه و هي تقول ..
- لمرحب بااقي .. شحالك غيث ..
- بخير الله يعافيج .. اشحالج انتي .. و اعلوم دراستج ..
- لعلوم طيبة تسرك و ترفع راسك .. وينك معاد ييت البيت .. تولهنا عليك ..!
وضع يده على يدها يشد عليها ..
- مشغول فديتج .. وينها شيخة ..؟!
هبت واقفة تلتقط دلة القهوة من على الطاولة التي أمامها و تصب فنجانا له .. تمده باحترام ..
- مادريبها يمكن تصلي ..!
التقط الفنجان ليرتشفه دفعة واحدة ..
- سيري شوفيها .. أبا أسلم عليها قبل لا أظهر ..
هزت رأسها بطاعة لتنطلق بسرعة إلى الأعلى .. فيما خرجت أمها من المطبخ متوجهة إلى حيث يجلس هو ..
- حيا الله من يا ..
نظر غيث لزوجة أبيه و هي تجلس بوهن على الكرسي المقابل ..
- يحييج و يبقيج ..
- شحالك فديتك .. رب الشغل هب تعب عليك عقب الإدارة ..
أجابها بهدوء ..
- لا هب تعب ..
قالت بحنان ..
- يدتك شحالها ..
- طيبة ما عليها باس ..
دوما يبتر أطراف الحديث ،،، صمتت للحظة .. قبل أن تعود فتقول ..
- غيث ابوية .. طفت الثلاثين ما تبا تعرس ..
نظر لها غيث بسخريه و هو يكبح ضحكة فظّة ..
- أنا معرس عموه ..
عقدت جبينها لوهلة قبل أن تتذكر ثم يزداد الجبين إنعقادا و هي تقول بشيء من الضيق ..
- بعدك تباها بنت عمّك ..
رفع أحد حاجبيه متسائلا بغرور ..
- هيه بعدنيه .. حد قالج غير هالرمسة ..؟
هزت رأسها نفيا و هي تقول ..
- لا .. يا غير لك سنة و شي مالك عليها محد ياب طاري العرس ..
لم يرد على هذا السؤال و كأنما لا يستحق ذلك .. ظل وجهه الجامد ينظر للأمام .. فعادت تقول بشيء من التوتر ..
- كانك ما تباها ،، من اليوم نخطبلك شيختاا ..
نظر لها بشيء من البرود و صوته الصارم يتساءل ..
- شوه عموه .. شايفة شي ع البنية ..
هز رأسها بسرعة تنفي ذلك .. و صوتها يتضاءل ..
- لا حشى .. بس ....
استرخى أكثر في مقعده و التقط كوب الماء يرتشفه ببطء كأنا وجد في ارتباكها ما يسليه ..
- بس شوه ..؟!
عقدت جبينها و هي تقول بسرعة ..
- انته تعرف إن أمها صمخه و ختها بعد .. يمكن عيالك ييون شراتهم ..
كاد غيث يختنق بالماء الذي يشربه .. أبنــــــــــاءه ..!! لم يفكر بشيء كهذا ،،، الزواج ليس من أولوياته .. و لا يهمه .. آخر ما يريده الآن هو تضييع الوقت في دوامة تفاهات نسائية .. رد بقسوة و عينيه تتسلطان على زوجة أبيه المهزوزة ..
- البنت عايبتنيه و لو أمها بكما عميا ما تشوف .. أنا تخيرتاا لنيه أباها .. و صكي السالفة ..
انتفضت تحت وطأة كلماته و نظراته القاسية .. و وضع هو الكأس الفارغ على الطاولة بقوة .. لا يهمه أن يكذب فهو معتاد على ذلك .. و لكنه يجد فائدة من هذا الزواج ،،، على الأقل لا يزعجونه بطلبهم منه أن يتزوج كما كانوا يفعلون مسبقا .. رغم أن والده وجد وسيله يضغط بها عليه بعد أن استلم إدارة الشركة الجديدة .. و هي حثه على تحديد موعد الزواج ..يسانده في ذلك أعمامه الثلاثة .. و إبن عمه فهد .. شعر بالبرود يسري في صدره و هو يتذكر نظراته الحاقده على الغداء هذا اليوم .. قست ملامح وجهه أكثر قبل أن يرفع عينه نحو الاثنتين اللتان تنزلان الدرج بسرعة .. اغتصب ابتسامه فاترة صغيرة يستقبل بها أخته التي لم يرها منذ ما يقارب الأسبوعين ..
- مرحبا بشيختهم ..
سلمت عليه بأدب و جلست بجانب أمها .. قبل أن تقول بصوت خشن نوعا ما ..
- لمرحب بااقي .. شحالك ..
قال بسرعة و هو ينهض من مكانه ..
- حاليه طيب .. شعندكن .. ساعة لين تنزلين تسلمين ..
ارتبكت شيخة و هي ترد ..
- لا بس كنت أصلي .. ايلس .. ما شفناك ..
قال بهدوء ..
- مستعيل .. مرة ثانية ..
اقتربن يسلمن عليه مرة أخرى قبل أن يدير ظهره لهن متوجها للخارج ..
في اللحظة التي خرج تجاوز فيها الباب خارجا .. تنهدت أمهن بشيء من الراحة ،،، وجود ابن زوجها الأكبر دوما يرهبها و يربكها .. التفتت لابنتها الصغرى تنظر إليها شزرا ..
- ما شا الله عليج .. غادية حرمة .. ما نشوفج ترتزين بالكندورة إلا يوم خوج هنيه .. و الا صراويلج ما تخلينها ..
أدارت لأمها جانب وجهها .. ليست في مزاج للرد عليها ..
زفرت بضيق و هي تستشعر محاضرة ما قادمة في الطريق ..
.
.
.
في اللحظة التي خرج فيها من الباب وقعت عيناها على السيارة التي دلفت للتو من البوابة الرئيسية متوجهة ببطء نحو الفيلا .. اشتد فكه بقسوة و هو يرى أخيه الأصغر منه سنا يترجل منها دون أن ينتبه إليه .. فهتف بحزم ..
- حامــــــــد ..
أجفل بقوة قبل أن يلتفت لأخيه الأكبر الذي يقف أمام باب البيت كالوحش المستعد لأن يفتك به .. صفق باب السيارة بسرعة ثم اتجه نحوه ليسلم بقلق ..
- مرحبا و الله .. السلام عليك بو سيف ..
لكن غيث لم يرد سلامه .. قال بصوت يقطر جليدا ..
- وين كنت اليوم ع الغدا ..؟
جال ببصره متجنبا التقاء بعينيه الحادتين ..
- كنت معزوم عند الشباب ..
صمت يمر للحظات قبل أن يهز غيث رأسه بهدوء و يقول بصوت صارم ..
- لو ييت يوم الخميس مرة ثانية و لقيت الرياييل كلهم ملتمين إلا انته .. ما تلوم إلا نفسك ..
ثم قبض على كتفه بقوة ساحقة و هو يصر على أسنانه بغضب ..
- سمعت ..
هز حامد رأسه بارتباك ..
- إن شا الله ..
تركه و هو يأخذ نفسا عميقا ..
- شوه مسوي في الشركة ..
- الدوام طيب ..
هز رأسه بجمود ..
- فهد مأذنك ..؟!
هز رأسه بلا ..
- ما يروم و أبويه في الشركة لي شرات ما له .. هب عبده يتأمر عليّه ..
نظر له غيث بقوة ..
- لا تيلس تتعنتر .. فهد يتصيّد لك و بيدور أي شي عسب يستفزك ..

* * * * *

أضافت ورق الشاي على الماء و هو يغلي تراقب تقلبه ببطء و لونه يتحول تدريجيا إلى الأحمر .. قبل أن تطفئ الموقد و تضع الإبريق في الصحن الذي وضعت به الأكواب و توجهت نحو الباحة الأمامية الصغيرة التي كانت مصبّه إسمنتية قاسية فرشت عليها قطعة حصير بالية ،،، تصل هناك لتجد والدها و قد سند ظهره على الجدار و مدد قدميه للأمام متكأ على مخدة ثقيلة .. جلس نايف بجانبه يقرأ شيئا من كتابه بصوت عالٍ و أبوها يهز رأسه مستمعا و أمها جالسة بقربه و تلعب بشعر رأس مزنة الملقى في حجرها .. و مقابله استرخت المها و بيدها كتاب ما لم تتبينه .. فيما تقطع عفرا الجدار الذي يحتوي الباب .. ذهابا و إيابا و هي تردد متمتمة ما تحاول حفظه .. لم تجد لدانة أو نورة أثرا لابد أنهما تستذكران دروسهما بالداخل ..
تعلم جيدا بأن الأولى تتضايق من الإزعاج أثناء استذكار دروسها .. و الثانية لا تجد بدا من ملازمة شقيقتها ..
وضعت الصحن على الأرض و راحت تسكب الشاي في أكواب و توزعه .. مدت الأول لأبيها و هي تحدثها ..
- عفاري ،، جاهي ..
أشارت بيدها ..
- لحظة بس ..
و تابعت سيرها و هي تدس وجهها في الكتاب بلهفة ..
التفتت للمها و مدت لها كوبا من الشاي ثم لامست ركبتها برقه لتنبهها ...رفعت رأسها عن الكتاب بانتباه ..
- أشكووورااه ..
وضعت حور يدها على صدرها بابتسامه .. ثم راحت ترتشف الشاي ببطء ..حرارته تلذع طرف لسانها ..
و هي تراقب وجه أمها المستدير .. فكرت بأن أكثر من يقاربها شبها هي المها و هند .. غريب في حين أنا المها هي الوحيدة التي ورثت عاهتها .. في حين اكتفت هي و بقيّة البنات بلون بشرتها الأبيض و مال نايف للون أبيهن ..
ابتسمت حين فكرت بأن المها أيضا تملك ملامح مشتركة مع أبنــاء خالتها و بالأخص مايد ..!
أدارت طرف إصبعها على حافت الكوب ،، اشتاقت له كثيرا .. مر أسبوع طويل لم تره فيه .. رغم أنه وقتا طويل مر و لم ترى أحدهم خلاله إلا أنها لم تعتد منه أبــدا غيابا طويلا كهذا ..!
تعلم أنه منشغل بالبحث عن وظيفة ،، و أنه يحاول جاهدا إيجاد عمل له بعد أن تخرج بشهادته المتواضعة تمنت له التوفيق من قلبها ،،، و فكرت بأن ترسل له رسالة نصية عبر هاتفها ذاك كما اعتادت ..هبت واقفة على قدميها فسألها أبوها ..
- وين ..؟؟
ارتبكت و هي تقول له ..
- بسير أشوف البنات داخل و رادة ..
هز رأسه موافقا و هو يطلب من نايف أن ينهض لكي يمشي على ساقيه المتورمتين من الوقوف ،، دوما يكون والدها أكثر هدوءا في العصر .. يشرب الشاي .. و يقوم نايف بتدليك قدميه بالمشي عليها .. لا تعلم حقا كيف يحتمل ثقل إبنه على قدميه ،،، لا بد أنه يشعر بتعب شديد حد التبلد ..!
دفعت باب غرفتهن المشتركة لتجد نورة و قد انبطحت على بطنها و هي تهمس بصوت خافت و عيناها على كتابها .. فيما وقت دانة أمام مرآة خزانة الملابس العتيقة .. و هي تجمع شعرها بيد واحدة و ترفعه إلى الأعلى و تدير رأسها إلى كل الجوانب متأملة .. تنظر لها حور بعجب ..
- شوه تسوين ..؟
التفتت لها دانه ..
- أتخيل شعري قصير .. شوفي كيف بيظهر شكلي ..!
هزت حور كتفيها فلم يبدو لها أي فرق واضح و هي تشد شعرها الطويل إلى الأعلى ..
- عادي ما شي تغيير ..
تركته دانة و نفضت رأسها ليتناثر شعرها حول وجهها ..
- لنيه ما قصيته .. بس تدرين شوه .. حلو الطويل ما أتخيل عمريه قاصة شعريه ..!!
شخرت نورة باستهزاء ..
- تتخيل بعد ،، أقول ماما .. حتى التخيلات إنسيها لا يسمعج أبويه و يلعن خيرج ..
عقدت دانة جبينها ..
- تبالغين ،، هب لهالدرجة .. حور .. حلو الطويل صح ..
حور و هي تبحث تحت أكوام الأغراض المتزاحمة في خزانتها الخاصة ..
- هيه حلو ..
عادت دانة تنظر للمآة ..
- تخيلي شعريه كيرلي .. أووف بيطلع رهيب ..
أخرجت حور رأسها للحظة من الخزانة باستفهام ..
- شوه كيرلي ..؟!
- يعني ملتوي شرا الفير .. صح نوري ..
نورة و عيناها لا تزال تتجول على أشطر كتابها ..
- حمدي ربج إن شعرج و شعر خواتج طالع على أمايا .. تخيلي وارثين كشّة أبويه و نحن ما عدنا استشوار ..!! ما تخيل ،،، بتشوفين بنات المدرسة ييزن منه ليف لمطبخهم ..
ضحكت دانة بقوة ..
- واايد تبالغين .. بعدين ابوية هب لهذاك الزود شعره خشن .. بس صدق حلو إن شعورنا طالعه على أمايا .. نايف مسكين يمكن يطلع على أبوية .. صح حور ..؟!
ما زالت تنثر أكوام الأغراض بلا كلل .. و ذهنها مشغول بغير ما تقول دانه ..
- هممم .. هيه ..
- أونه هيه .. انتي ما تسمعينيه .. شوه تسوين ..
تأففت حور بضيق ..
- أدور التيلفون ..
استوت نورة جالسة بلهفة ..
- بتظهرينه ..؟؟؟
وقفت حور بعيدا عن الخزانة و هي تلقي نظرة شاملة .. أين وضعته يا ترى ..!
- لا بس بطرش مسج لمايد .. بس مالقيته ..
قالت نورة بحماس ..
- بدور وياج حور ..
نظرت لها شزرا ..
- مشكورة خلج في كتبج ..
لوحت نورة بيدها بضيق ..
- هاي يزاتيه انيه أبا أساعدج ..
طرقعت بإصبعها و هي تتذكر مكانه ..
- انتي ما تساعدينيه لوجه الله .. يا غير بتناشبينيه .. الا ربيعتيه .. أو بنت صفي .. و مس كول بس .. تأذين الواحد ..
ضحكت دانة بهدوء و هي تعقد شعرها على قمة رأسها .. و تلتقط كتابها من حقيبتها المرمية على طرف فراشها ..
- عطوووووها .. لقطي ويهج نوري .. بعدين أي مس كول .. صدق ويه فقر ،، حبيبتي رقمها خط ..
ألقت نورة عليها نظرة متكبرة ..
- جب زين ..
أخرجت حور رأسها من الخزانة بفرحة .. و هي ترفعه بين يديها ..
- لقيته ..!
تركت دانه الغرفة و هي تلوح بيدها ..
- مبروك ..
.. فيما أعادت نورة رأسها لكتابها .. جلست حور على الفراش الأقرب لها و هي تنظر إليه .. منذ مدة طويلة لم تخرجه من مكانه .. نظرت للجهاز الذي ما زال جديدا لندرة استعماله و شاشته اللامعة .. و مر ببالها صورة زوجة أبيه و هي تقدم الكيس لها بفتور في تلك الليلة .. نفضت الصورة بسرعة ،،، لم تكن تلك أفضل لياليها على الإطلاق .. الحقيقة أنه بعد تلك الليلة لم يتغير شيء في حياتها أبدا باستثناء امتلاكها لهذا الهاتف و طقم المجوهرات التي احتفظت به أمها لها .. حياتها ما زالت تسير على نفس المنوال و هذا مريح لها جدا .. فبالنسبة لها كان الضغط كبيرا لكي توافق على الزواج .. ابتسمت ساخرة .. زواج ..!!
غريب .. هي لا تعرف هذا الزوج أبدا .. لو رأته يمشي في الشارع لن تتعرفه .. هذا رائع . فبهذا نالت مرادها .. تكون متجاهَله و مرمية أفضل من أن تكون بعيدا عن إخوتها و أبويها .. و تجد نفسها وسط مجموعة من الأقرباء لم تصادفهم طوال حياتها و الحديث عنهم محرم عنهم بين هذه الجدران ..! من يستطيع إخبارهم عن أولئك الأقرباء المجهولين ..؟؟ أمها ..؟! مستحيل هي نفسها لم تصادفهم .. أبوها ..؟! انتفضت بذعر لمجرد التفكير في سؤاله .. سيخنقها بيديه .. فموضوع أهله هذا جرح مكشوف ليست مخبولة لتذر عليه الملح و تثير جنونه .. لربما كانت أمها نورة تعرف شيئا عن الموضوع ..؟؟
- شوه تسوين تخاطر عن بعد .. ليش تتأملين التيلفون ..
لم تدر حور بالا لتعليق نورة ،، و صوت طنين الهاتف يرتفع معلنا وصول رسالة جديدة ،، ابتسمت بحب هذه من أحد إخوتها .. فلم تضف أيّة أرقام لهذا الهاتف باستثناء أربعة .. إخوتها الثلاثة و رقم أمها نورة .. حتى رقمه هو لا تعرفه ،، و تكاد تكون متيقنة بأنه لا يعرفه هو الآخر .. و إلا لما لم يحاول الاتصال إلى الآن ..!
كانت الرسالة من وديمة .. قرأتها على عجل قبل أن تبتسم بهدوء ،، لتختار إحدى الرسائل الأخرى من الهاتف و تعيد إرسالها لها ..
تفتح صفحة جديدة الآن تبتسم بشغب و هي ترص أحرف العتاب على شاشة هاتفها ..
لحظات ،، تضيف إسمــه ..
إرســـال الآن ..
.
.
و فتح الباب على إتساعه لتنتفض بذعر هي و نورة .. عقدت جبينها بعصبية و هي تنهرها بحدة ..
- ما عندج اسلوب .. خشعتي الباب ..
هزت دانة رأسها ..
- سوري سيس .. ويايه ضيوف ..
و تنحت جانبا .. سامحه لها بالدخول ،، سدت بجسدها النحيل الباب ترتدي - الكندورة - و الحجاب الأبيض العريض الذي غطى و جهها و نصف جسدها .. تزيله بهدوء و هي تقول بمرح ،،
- السلام عليكم ..
اعتدلت نورة بسرعة جالسة .. و هبت حور واقفة بترحيب ..
- مرحبا فطوم .. و عليكم السلام و الرحمه ..
وضعت الكيس الذي تحمله بيدها على السرير الأقرب و سلمت على حور و نورة ..
- لمرحب بااقي حواري .. شحالج ..
- ترتوب ،، و انتي ..
- زي البومب .. نورة شحالج ..
نورة تغلق الكتاب بهدوء و تضعه جانبا ..
- بخير الله يعافيج .. شحالج انتي ..
- الحمد الله ،،،
أجالت بصرها في الغرفة التي لم تكن مرتبة جدا .. فراش إحداهن ما زال غطاءه مرميا و كتب مزنة على فراشها مبعثرة ، خزانة حور التي نهضت لتغلقها مفتوحة على مصراعيها و الفوضى فيها تعلن تلقيها هجوما منذ لحظات .. ابتسمت بهدوء ..
- ياخي أحب أيلس في حجرتكن فيه جو حلوو ..
ضحكت نورة ..
- تطنزين ،، تراها مرتبة الحين .. حمدي ربج ما قد شفتيها الصبح يوم نسير المدرسة كيف تكون ..
ضحكت فاطمة .. و حور تغلق الهاتف و تدسه في الخزانة ..
- لا الحمد الله عيل .. الله رحمنيه ،، حورووه مسودة الويه ،، ليكون ترمسين عنتر من ورانا ..
قلبت حور شفتيها باشمئزاز ..
- أخيييه .. ما يقى إلا هو ..
ضحكت فاطمة بقوة ..
- أونه أخييه .. شفتيه إنتي أصلا .. سالم خوية يقول إنه غاوي ..
بدا الاستياء واضحا على وجه نورة و دانة و هن يتبادلن النظر عند ذكرها لإسمه .. في حين جلست حور بجانب فاطمة التي استقرت بجانب نورة ..
- أحيانا أشك فيه أخوج هذا أحسه هب طبيعي .. دندون .. سيري زقري عفاري و المها ..
دانة تجلس قربهن و شيء من البرود يضطرم في صدرها بعد ذكر فاطمة لأخيها ..
- عفاري تسوي جاهي و بتييبه الحين .. و المها تمسد أبوية ..
التفتت فاطمة نحو حور بعتب ..
- سبالوه ليش ما قلتيليه إن أبوج هنيه .. و الله قفطت .. أخيّل منه ..
قالت حور بلا مبالاة ..
- جب زين .. تدرين به أبوية ما يظهر مكان العصر .. و بعدين شيبه كبر أبوج .. لا تستحين و لا عندج خبر ..
دفعت عفرا الباب بقدمها و هي تتقدم بصحن يحوي إبريق شاي و أكواب و صحن من البسكويت ..
أفسحن مجالا لها بينهن و هن يتزاحمن في هذه الفرجة الضيقة ،، و نورة تقول بدهشة ...
- بسكوت من وين يبتيه ..
أشارت عفرا برأسها لفاطمة ..
- فطوم يابته ..
نظرت نورة لفاطمة ..
- تعالي كل يوم ..
قرصتها فاطمة ..
- غصبن عنج .. - ثم نظرت لعفرا - عفاري سيري جربي الفستان قبل لا نتقهوى أبا أشوفه عليج ..
هزت عفرا رأسها و التقطت الكيس المرمي على فراش دانة و توجهت إلى الحمام ..
قالت فاطمة بحبور ..
- باركن ليه ..
نورة بلهفة و هي تقضم بسكوته ..
- ع شوه .. انخطبتي .. و أنا أقول البنية توزع بسكوت .. ما حيدج كريمة ..
- إذا انخطبت بييج .. بتبرا منكن .. لا سجلت في التوطين و عقب خمس شهور .. آممم يعني بداية تسعة ببدا دراسة وياهم ..
بدت الحيرة على وجوه البنات مع دخول المها للغرفة .. ابتسمت لها فاطمة .. فردت تلك الابتسامة بحلاوة و هي تجلس بجانب حور .. فيما تابعت فاطمة بحماس ..
- هذا برنامج مسونه الشيخ خليفه عسب يوطن الوظايف .. و المواطنين لي ما عندهم غير الثنوية .. يعني شرات حالتيه أنا و الأخت حور .. يسويلهم دورة في وحدة من الجامعات لمدة ست شهور أو أكثر يتعلمون فيها انجليزي و كمبيوتر .. و يعطيهم معاش ع الدراسة .. خلاف يحصلون شهادة و وظيفة زاهبة ترقبهم .. شرايكن ..؟!
اتسعت أعينهن بلهفة ..و قالت حور بقوة ..
- الله يطول عمره أبونا خليفه .. هب مقصر و الله ..روعة الصراحة منها تتكسبين و تشغلين وقتج ..
نظرت لها فاطمة بطرف عينها ..
- انزين يوم عايبتنج تعالي ويايه ..
رفعت حور حاجبيها .. بدأ سبب هذا الخبر يتبين لها .. و كأنما عرفت فاطمة بأن حور استشفت نواياها توسلتها ..
- دخيلج حور .. تخيلي أنا و انتي ندرس رباعة .. و بعدين انتي بتحصلين فايدة بدل اليلسة في البيت .. لج أربع سنين من خلصتي الثنوية و انتي مرتزة هنيه .. لا شغله و لا مشغله .. سجلي ويايه ..
هز حور رأسها على الفور رفضا ..
- لا فطوم أبدا أبدا .. ماروم ..
مطت فاطمة شفتيها .. و الإحباط بادٍ على وجهها ..
- ليــــــــــــــش ..!
انعقدت حواجبها بعدم رضا على الفكرة ..
- وين أسير أدرس يختي .. امنوه بيتم في البيت ..؟!
هز فاطمة كتفيها ..
- أمج و المها ..!
نورة و دانة يستمعن بهدوء للنقاش فيما تراقب المها بصمت دون أن تستشف ما يجري ..
- تبينيه أخليهن بروحهن في البيت ..!! مستحيل حبيبتي .. تخيلي استوا شي عليهن ..! كيف بيتصرفن ..
تدخلت نورة بهدوء ..
- شوه بيستوي عليهن مثلا ..؟! و يعدين انتي طول عمرج تدرسين في المدرسة ما لج إلا أربع سنين من يلستي في البيت ..
نظرت لها حور بهدوء ..
- الحين تعودن يعتمدن عليّه أخت نورة .. لا ماليه بارض .. أنا ما ودرت الجامعة عسب ألقى لي يلهيني غيرها ..
تأففت فاطمة تظربها على كتفها بإحباط ..
- افف منج .. أحبطتينيه .. ع العموم قدامج خمس شهور تقررين فيها ..
شخرت حور ساخرة ..
- ع العموم ما ظنتيه أبوية بيوافق .. بيصكنيه طراق يلصقنيه في اليدار يوم أقوله بسير أشتغل مادري أدرس بمعاش ..
صمتن جميعا حين دفعت عفرا الباب و دلفت و هي ترتدي الفستان .. ثم سرعان ما ارتفعت صرخات التشجيع مع اتساع ابتسامتها و هي تدور حول نفسها مستعرضة ،،
نظرت لها حور بفرحة صادقة ،، كان الفستان قديما و قد ولت صرعته من زمن .. رغم ذلك بدا أن فاطمة قد حافظت عليه جيدا .. بدا رائعا و هو ينسدل بنعومة على طول عفرا ..
كانت سعيدة لحصولها على الفستان .. فلطالما أعربت عفرا عن خوفها من اقتراب حفلة التخرج و هي لم تحصل على رداء لهذه المناسبة بعد ،،
للحظات مر خاطر أحمق داخلها و هي تراقب سعادة عفرا الواضحة على محياها و ترى أن الفستان ملائما لها .. فكرت بأنهم قانعين و راضين بأقل القليل .. لم تعترض عفرا و لم تشتكٍ من الفستان الذي أرثته السنون و مضى عهده حتى بدا أنه سيكون رثا في عيون الأخريات ..!
لا يهم ،، كل ما تبالي به هي الفرحة بالفستان ..
كانت نورة قد بدأت تغني بصوت فظ أحدى الأغنيات و هي متحمسة .. تشاركها فاطمة ..فيما هبت دانة من مكانها تلتقط يد عفرا و تراقصها .. فضحكت بقوة و هي تنظر للمها التي لم تفارق الابتسامة شفتيها ،،
أخلت الصحن البلاستيكي من الأكواب لتقلبه و تبدأ الدق عليه بديلا عن الطبل ،، و نورة ترفع الصوت مرة بازعاج و تخفضه فجأة ،، كان الصوت نشازا بشدة و فاطمة تشاركها بغناءها الحاد .. و لكنهن لم يبالن .. عفرا و دانة يرقصن باتقان على تلك الأغنية .. و دانة تقوم بحركات مضحكة دفعت المها للانفجار ضاحكة و هي تضع يدها على فمها .. لم تلمها حور و هي تشاركها الضحك ،، فالمنظر مثير للسخريه و هي تسمع نشوز هذه الأغنيه .. فما بالها بالمها التي ترى تمايل شقيقاتها المجنون على أنغام لا تلامس مسمعها ..
.
.
و فجأة انفتح الباب بقوة ..
توقفن عفرا و دانة عن الرقص و يد إحداهن شاهقة في الهواء .. حور ضمت الصحن لصدرها بذعر .. فيما اندست نورة خلف فاطمة التي بدت تهتز ضحكا من أشكالهن و مرآهن على هذا الحال ،،
أطل برأسه من الباب و هو يقول بصوت تعمد أن يخشنه نظرا لوجود ابنة جيرانهم هنا ..
- يقول ابوية إن ما انطبيتن ،، يا ويلكن .. أصواتكن واصلة الشارع ..
تنهدت حور براحة حقيقية و هي تعيد الصحن إلى الأرض و الأكواب عليه ،، فيما شتمت نورة بعنف و دانة تصيح ..
- عنلاتك يا الهرم .. روعتنا .. تحريناك أبويه ..
ألقت عفرا نفسها على الفراش الأدنى ..و هي تضع يدها على قلبها ..
- قلبي طبول .. يمييه شوه هالرعب ..
خرج نايف من الغرفة و فاطمة تتسع عيناها ..
- خيييييييبة مسويلكن رعب أبوكن ..
هزت حور رأسها نفيا ..
- لا رعب و لا شي .. بس تخيلي أشكالنا و هو حادر في هالعفسة و بناته المخبل غاديات طققات ..
أجالت بصرها في حالة الغرفة الفوضوية و هي تقول بتفكير ..
- شرايكن نرتب شوي .. و عفرا تسير تبدل الفستان ..؟؟

* * * * *

كانت الأرض لا زالت ساخنة تنفث أنفاسها بخارا رطبا من الأرض بعد لهيب شمس اليوم ..
و الآن و قد شرعت بالرحيل .. موليةً ظهرها لأحداث النهار .. أصبحت نسائم جافة خفيفة .. تسري بهدوء على الأرض ..
تتيه في المساحات الشاسعة بين هذه الأسوار العالية البعيدة ..
تتخبط بينها ،،، فلا تجد مفرا من الدوران هنا ،، لا سبيل لحريتها ..
تجلس هي بهدوء تام .. السجادة العجمية الثمينة مفروشة على الأرض لتستقر عليها ..
و متكأ وضع لها لتسند جسدها الغض عليه ،،، مرآها بهذا الحجم و قد تضاءلت كثيرا بفعل كبر السن لا يوحي بأولئك الرجال الذين أنجبتهم ..
و أصبح لهم من الولد ما فاقهم طولا ..
هذه المرأة .. الوحيدة هنا .. إلا مِن خادمة تقف خلفها مستعدة لتلقي أي أمر منها ..
و أوعية القهوة الجاهزة المصفوفة أمامها ..
تجلس .. جسدا في هذه البقعة المكشوفة ..
و روحها تبعد أميالا عن هذه الأرض .. تسري بهدوء بعيدا عن هذه الجدران العالية ..
البـاردة ..
بعيدا عن وسع هذا المكان و خلوِّه .. بعيدا عن صور تخفيها في نفسها ..
تصارع شوقا ينخر قلبها الكبير ،،، المســـن ..
قلبها المتلوع بخفيه ..
لأيّام فقط ،، أيام ضبابية ..
مرت كغيمة محملة بقطرات ستتهاوى لتروي ذاك الجفاف الذي استبد بجزء قصيّ من روحها ..
لتلك اللحظات فقط .. اعتقدت أنها قريبة من ذاك الحنين ..
من ذاك الحلم ..
اعتقدت أنها قاب خطوة أو أدنى ..
مدت راحتيها بلهفة .. راجية .. أن تسقط الغيمة تلك القطرات ..
أن تجود بما تحمل ..
تروي ظمأ تلك السنين ،،،
و لكن الغيمة لم تفعل ..!!
أعلنت الرحيل مع إمتداد الأيــام بلا جديد ،،
مع رحيلها يوما بعد يوم .. و الحلم يصبح أبعد مما كان قبلا ..
و على ضفاف خيبة وقفت هي تشهدها ..
تلك الغيمة ..
راحلة .. تحمل القطرات .. و الشوق القديم ..
و لقاء بدا غافيا تحت أكوام التشتت ،،
لا يوقظه من سباته سوى عمر يمضي ..
مع تلك الغيمة .. إلى حيث تقبع أراضي الرحيل ..!
.
.
و على هذا الألم الذي اجترته من خافق لم يعد ينبض بغير أمل واهٍ ..
أرخت أسدال جفونها المجعدة .. المتعبة ..
معلنة رحيل تلك الدمعة ..
تعانق وجنتها الغائرة بمواساة ،،، تذوي بجفاف تلك العبرة البائسة ..
و هي تمسحها بسرعة ..
لن يراها أبدا ذاك الذي تردد الجدران الضخمة صدى صوته و هو قادم إليها ،،
قادم إلى هنا ..
ينبئها قلبها المحب بذلك ،،
و بسرعة انهمار أحزانها الغابرة تلك ،، أشرق وجهها الضئيل بابتسامة حلوة ،،
و هي تراه متجها نحوها يتحدث في الهاتف بتسلط ..
هذه النبرة .. و هذه النظرة ..
القوة ،،،
و حتى هذه الهامة العريضة ..
خطواته الواثقة .. و هو يمشي مقبلا إلى حيث تجلس ،،
ترى فيها انعكاس شباب رجل كانت تعرفه ..
رجل كان رفيق تلك الطرقات التي سلكتها في العمر السالف ..
يقف أمامها الآن و هو يغلق هاتفه بقوة ..
صوته الرجولي الخشن تترنم بصداه جدرانها ..
- السلام عليكم ..
شيء في قلبها يتضخم ،،ينشي روحها .. ينفض عنها الأحزان ..
تحبـــــه ،، إبنها أم حفيدها ..
هذا الذي احتضنت في بين ثنايا فؤادها ،، صورا عزيزة ستحملها بداخلها ما بقيت حيّه ..
صوتها يهتز بحبور ،،
- و عليكم السلام و رحمة الله ،، مرحبـــــا فديتــــــك ..
لحظات و عيناه الحادتين تمعنان النظر .. تجرد قناع الهدوء ،، لتكشف ما يخفي ..
يجلس بجانبها فيما تمسك هي - الدلة - لتصب له فنجانا من القهوة ..
- ياي من الشركة ..؟!
التقط الفنجان ،،، يتمتع بمراقبتها و هب تتوهه عما ألمّ بها في وحدتها ..
- لا ياي من بيت ابوية .. سرت أشوف البنات و أسلم عليهن .. لي أسبوعين او أكثر ما شفتهن ..
- شحالهن ..؟
هز كتفيه و هو يرتشف الفنجان دفعة واحد ،، و يمده لها ..
- بخير ما عليهن باس .. أبوي سيف وينه ..؟
تعيد ملأه..
قطرات القهوة الساخنة تتدفق من فوهة - الدلة - ،،،
- عنده شغل في المكتب .. بيخلصه و بيي ..
ابتسم لها بحنان ..
- أفااا و مودرنج اروحج هنيه ..
لم تجبه .. بل نظرت اليه بابتسامة صغيرة .. احتضنت عينه نظراتها تلك .. ليضع فنجانه أرضا .. و يقترب منها بصمت ..
يلتقط يدها الضئيلة في راحة يده الكبيرة ،، ليطبع قبلة حانية عليها ..
شيء في وجهها و هي تنظر إليه بأمل ،، شعر بأنه أهملها كثيرا في الفترة الأخيرة ..
فالشركة الجديدة أصبحت تلتهم وقته مؤخرا ،، و لكنه بذل الكثير ليصل هذا المركز ..
الكثير ..
رفع رأسه يتأمل وجهها المتأثر و دمعة هزيلة ترتعش على أطراف المقلة .. فتأوه و هو يعتصر يدها ..
- الحين بلاج يا أميه .. ؟؟
مسحت دمعتها بسرعة و هي تقول بابتسامة مرتجفة ..
- ماشي ،، بس حسيتنيه من زمان ما شفتك ..
هز رأسه بهدوء ..
- أدري إنيه مقصر يا الغالية بس الشغل آكل و شارب ويانا ..
هزت رأسها بتفهم .. و ابتلعت غصتها .. نظرت له بتردد ..
كانت تريد أن تسأله شيئا .. لكــــــــــن ،،،
لم ترد له أن يعتقد بأنها تضغط عليه .. لم ترده أن يعلم بأنها تريد ذاك ..
همست بخفوت .. و كأنما تخشى من ذاك الذي تفصلها عه الجدران أن يسمعها ..
- غيـــــــث ..
شد على كفها مجددا ،،
- عونج ..
- عانك الرحمن .. آآآ ما .. ما رمست حد قريب ..؟
عقد جبينه بعدم فهم ..
- حد مثل منوه يا أميه ..؟
قالت بخجل و شعور بالذنب يتعاظم داخلها و هي تتخيل زوجها يستمع لأسئلتها ..
- ما رمست حرمتك ..؟
للحظات لم يفهم شيئا ..!! ثم فجأة لمع الإدراك في عينيه .. شعر بشفقة هائلة و حزن غريب على حال هذه العجوز يتدفق في عروقها ..
أحمق .. أحمق ..!
كان عليه أن يدرك بأنها مشتاقة له .. تريد أدنى خبر ،، أي كلمة ..
تتلهف فقط لسماع إسمه ..
خلع - الغترة - لييريح رأسه الثقيل على ركبتها .. ماذا يقول ..؟!
أنه حتى اليوم لم يرى من يشار بأنها زوجته ..؟! أنه لو صادفها هنا لن يعرفها ..
أنها لا تعني لها شيئا البتة .. و أنها لا تشغل من حيز التفكير في دماغه المعقد شعره ..؟!
أيبوح لها بذاك السر ،، و أن أمنيتها أُستغلت من قبله بطريقة بشعة ..!!
أم يواصل الكذب كما يفعل دوما حين يتظاهر بما هو عليه ..؟!
أيحطم هذه العجوز .. أيكسر جسور الأمل البعيدة التي تبنيها يوما عن يوم ..؟!
أيحرق بقايا سفن لا تزال تطفو باستماتة على شفير اليأس ..
رفع رأسه ليلتقي بعينيها و هي تنظر له بترقب .. تضم شفتيها بقوة ..
متوترة ..!!
قال بهدوء ..
- بلى قريب رمستاا .. تسلم عليج ..!
انفرجت شفتيها عن ابتسامة حلوة ،، و هي تقول بصوت متهدج ..
- الله يسلمها ..
لم يعطها الكثير لهذه الفرحة غير المتوقعة ..!
كذبة صغيرة فقط .. ليشع وجهها سعادة ..
شعر بالذنب يكتنف روحه .. ماذا ؟؟ أيستمتع بإيهامها ..! أم أنه يفضل إزهاق حلم صامت يرى إنعكاسه على محياها ..؟
سرعان ما شتم نفسه بقوة في سره و هو يسمعها تهمس له ..
- غيث ،، ما بتييبها أشوفها ..؟!هاتها هنيه .. إعزمها .. أبا أشوفها ..! أبوك سيف ما بيقول شي لو انته لي يبتها ..
أي مأزق وضع نفسه فيه ..؟!
- ما بطيع يا أميه ..
عقدت جبينها بشدّة ..!
- ليش ..؟!
شرح لها يحاول التملص دون تحطيمها ..
- وين تيي الله يهديج .. البنت تخيّل .. و بعدين أنا بعدنيه ما خذتاا .. عسب أتحوط بها و أرتغد وياها ..
قالت بهدوء ..
- الحين هي حرمتك ع سنة الله و رسوله .. و مالك عليها .. - سحبت نفسا عميقا و هي تخنق دمعتها المتخاذلة - بس لو ما تبانيه أشوفها .. ما عليه .. ما يحتاي ..
ثم رفعت رأسها تمنع دمعتها و هي تضم طرف - الشيلة - لمقلتها ..
في تلك اللحظة شعر بأنه وغد .. بأي حق يدفع أمه للحزن .. بأي حق يضيّق الخناق على صدرها الوسيع الذي لطالما احتضن همومه ..؟
استوا جالسا و هو يحرك يده في شعره الكث القصير ..
- أفاا و الله .. كنها أم علي زعلت ..؟! خلاص يا الغالية لا تكدرين خاطرج .. و لا تضيقين صدرج .. عطينيه يومين بس و أنا برتب لج الموضوع ..
لم ترد عليه .. فقط ازداد تدفق دموعها .. فاقترب يقبل جبينها ..
- بس فديتج .. و الله ان دموعج تذبحنيه .. امسحينهن لا يشوفهن أبوية سيف ..
مسحت بقوة و هي تقول بصوت خافت ..
- الله يحفظك .. الله يخليك ..
ابتسم لها بهدوء ..
- أهم شي رضاج يا الغالية ..
انزلقت دمعتها مرة أخرى ..
- راضية .. راضية الله يرضا عليك يا حبيبي ..
.
.
عاد يستلقي مجددا و يريح رأسه في حجرها كما اعتاد منذ صغره ..
لاحقا ..
حين يختلي بنفسه ..
سيجد الوقت ليفكر بهذه المعضلة الذي ألقى بنفسه فيها ..!

* * * * *



>>

.: المــاس :.
26-11-2007, 11:17 AM
تتمـــــــة




في اللحظة التي دلف فيها ذاك المقهى المكتظ تعمد أن يصفق الباب بقوة و كأنما يريد أن ينبه الموجودين لوصوله ،، التفتت بعض الرؤوس إليه .. فيما نظر هو لابن عمه و واضح بأنه يكبح ابتسامة و عينيه تلمع بفرحة طفولية ،، تقدم الإثنان من طاولة خالية في صدر المكان .. كانت هذه خاصة بهما .. دوما محجوزة لهم .. يمر من بين الطاولات المتفرقة و الرجال يصيحون له و يلوحون من هنا و هناك ،، يبتسم و هو يرفع يده محييا ،، رؤيته لهذه التراحيب تنشي روحه .. و هذه العيون الحاقدة .. و الوجوه التي تدعي اللامبالاة بخسارة الأمس كانت تسليه .. توقف ابن عمه عند احدى الطاولات يتحدث مع جالسيها و يتبادلون التهاني فيما تابع هو السير حتى بلغ طاولتهم الخاصة ليستقر عليها بهدوء ..
يسترخي و يجيل بصره في المكان بمتعه شديدة ،، يعشق نظرات الإعجاب هذه .. هذه الوجوه المتطلعة إليه كبطل لهم .. و هذه الوجوه الكالحة .. أضنتها الهزيمة ، و الحقد ..
توقف النادل عند رأسه ليشير له بجلب بعض القهوة لهما ..
استقر ابن عمه على الطاولة أمامه و هو يقلب هاتفه المحول .. و يتذمر قائلا ..
- شيييييت .. عنلاتك يا الهرم ما تقوليه إن عندكم عزيمة الليلة ..
هز كتفيه بعدم إهتمام ..
- ياخي ما كنت أدري .. أبوية توه مخبرنيه قبل لا أمرك ..
قال الأول باحباط ..
- غيث خوية يتصل .. - و خشن صوته و هو يقول بغلظة قاسية - مابا أوصل إلا و انته هناك .. - ثم تنهد ببؤس - ماداني العزايم لي يسوونها عسب أشغالهم .. امنوها عازمين ..؟
ابتسم و هو يستمع له و هو يقلد اخيه الأكبر . الحقيقة أنه معجب جدا بذاك الرجل .. تمنى من قلبه لو أنه كان أخوه هو ..سنده و قوة شخصيته ،،، و تميزه عن بقية أبناء العائلة ..
تلك القسوة ..
و ذاك الغرور ،،،
ابتلع الفكرة الحمقاء و هو يفكر بأن شقيقه الأكبر يشكل حصارا خانقا دون الحاجة للتعذيب الذي يمارسه غيث على إخوته لإلزامهم ..
- واحد من معارف يدي.. شغلة مصالح ياخي .. بعدين لاحقين عدنا ساعتين نيلس فيها ،، ما قلتليه .. شوه السيارة لي لقيتها ...
الآن تتألق عيناه بحماس مجنون و هو يقول ..
- ما بتصدق ..! فتك 4.8 وسط .. و الموتر عليه .. Y2K TORBO .. MOTEC M 800 ..
ثم وضع راحتي يده على الطاولة و هو يرفع حاجبه بهدوء مستفز و حماسه قد انتقل لابن عمه الي انحنى للأمام باهتمام شديد ..
- المكينه فول استروكر .. ومن قوة النيسان يكسر القير .. ويخلي القراري مال القير مثل السلكس ..بوسته 2.4 بار... !!
الآن تتسع ابتسامته بجشع ..
- لا و يقولك يابوله SLR مكلرين وعليه غاز وماقدر يطوف النيسان .. و يتسابق ويا R1 .. صاروخ يا هزاع هب موتر.. و الله لا يكسرهم في السباق ..!
الآن يسترخي هزاع في مقعده ..
- و البدي يا بو شهاب ..؟!
هز أحمد رأسه بثقة ..
- بديه وكاله .. لا مخفف و لا شي ..! إلا بيبان الدبة من ورا .. شرايك ..؟!
قال هزاع بغرور ..
- ما بيطر الكاسر ..
شخر أحمد بسخريه ..
- مينون انته ..؟! الكاسر ما رامتله مواتر تيم [ مطراش * ].. بس صدق آخذه ..
عقد هزاع جبينه و هو يهمس ..
- وين بتحطه ..؟! في البيت ..؟
اتسعت عينا أحمد برعب ..
- صاحي انت ..!! لو يشوفه غيث قلصنيه به و شخطبيه ويلات في سباق الخرابيط ع قولته .. انته تدري انه محد يدري اننا نشارك في السباقات .. تدري أفكر أحطه في كراجات المزرعة ..؟ شرايك ..؟
حك هزاع لحيته بتفكير ..
- محد بيدريبه ..، الحين وينه الموتر ..؟
لوح بيده ببساطة ..
- عطيته واحد من الشباب يركب شعار التيم ،، [ Kings *].. و بعطيه شيك باكر الظهر يوم بستلم الموتر و تتحول الملكية ..
هز هزاع رأسه برضا ..
- ما تضيّع وقت ..!
ابتسم أحمد بكبر ..
- ولد عمك أعيبك ..
رفع هزاع رأسه بشيء من الغرور ..
- هيه تراك طالع عليّه ،، - أشار باصبعه السبابة لصدره بفخر و هو يردد كلام المقال الذي قرأه في الشبكة العنكبوتية بالأمس - هزاع بن سعيد شاب لم يتجاوز الثانية و العشرين من عمره .. يحتل المركز الأول للمرة الثالثة على التوالي لمصلحة فريق [ Kings ]..- ثم اتسعت ابتسامته فبدا طفلا كبيرا فخورا بما يفعل - أنا أشهد إن كينجس عينوا خير يوم دخلونيه أنا و انته فريقهم ..
أشار أحمد له بعينه ..
- خلاص لم ثمك .. مصبّح شوماخر ياي قدنا ..
ابتسم هزاع بغرور فائق ،،، و هو يغمز لأحمد منتظرا أن يصل مصبح لطاولتهم .. الصوت الأجش يأتيه من فوق رأسه ..
- مرحبا شباب ..
تبادلان النظرات .. قبل أن يردا معا ..
- هلا و الله ،،
مال يستند بيديه على حافة الطاولة و ابتسامة صفراء تتربع وجهه ..
- شحالكم ..؟
أحمد يرد و هزاع يرتشف القهوة ببرود ..
- بخير .. اعلوم ..؟
هز كتفيه ..
- أبد .. مبروك يا بو سلطان اللقب .. فرحنا لك ..
ارتفعت شفت هزاع العليا بتكبر ..
- الله يبارك فيك .. هه .. صدق و الله ،،، ماحيد [ لا تهاب *] يحبونيه عسب يفرحون ليه ..
نظر له مصبح بقوة ..
- و امنوه قال إنا فرحانين لسواد عينك ،، فرحانين لن ما يهزك تكنسل .. الوعد بينا السباق الياي ..
ابتسم هزاع بهدوء ..
- إن أحيانا ربك لين يومها .. يصير خير ..
كان التحدي يحتد في عيني مصبح .. و هو يواجهه ..
- بنشوف ..
و استدار دون كلمة أخرى تاركا المكان متوجها لطاولته مرةً أخرى ..
قبل أن يقول أحمد بهدوء غريب و هو يرفع فنجان القهوة ..
- ما حب هالمصبح .. و لا أرتاح له .. أحسه نذل ..
.
.
لم يجبه هزاع بعد تلك الكلمات ،،، و كأنما استطاع انتشالها من خاطره ..
ظل ساهما و ذكرى معايرته مصبح بعد خسارته الأخيرة تدور في ذهنه ..
لم يكن ودّه هذا مريحا ..
إطلاقا ..!

* * * * *
يده تعتصر شاشة الهاتف بهدوء و هو يراقب الكلمات التي ارتسمت على شاشته ،،، ابتسامة تتداعى أمام شعوره بالذنب ..
رسالتها المعاتبة أتت و كأنما شعرت بما ينوي عليه ..
تنهد بعمق قبل أن يزيح هاتفه جانبا .. التقط أوراقه الذي كان يفحصها للتو قبل أن يقاطعه صوت الرسالة ..
عاد يرجعها للمرة المليون .. و كأنما يخشى أن يتغير شيء فيها لمجرد وضعها قليلا جانبا ..
الآن يصفها بترتيب .. يضعها فوق بعضها البعض .. قبل أن يمسك الدباسة ليطبق فكيها الحديديين مطبقا على الأوراق ..
ليدسها في المظروف البني الذي عزم على تقديمه غدا للوظيفة ..!
أغمض عينيه و هو يضغط بيده عليها بتعب ،،
يختبئ للحظات خلف جفنيه عن هذا العالم الذي لا يسعى سوى لاستنزاف صبرهم ..!
منذ ما يقارب السنة و هو يركض يمنة و يسره باحثا عن عمل ما ..!
مر من حياته سنة ،، و هو ينبش الدوائر .. الشركات .. حتى الممتلكات الخاصة ..
لم يترك مكانا لم يقصده .. و لكنه لم يجد ،،، لم يوفق بأقل من القليل فيما يبحث ،،
و ها هي سنة من عمره قد ولّت بلا فائدة ..! ،، أيمها و جهودها راحت هباءً ..
لكنه لم يشتكي ،،، لكل إنسان نصيبه في الحياة .. و ليس عليه سوى أن يسعى له ..
حتى أسبوع مضى .. آمن بأنه سيقضي السنوات القادمة إحدى الدوائر أن تتخلى عن الخبرات الأجنبية لتجد له مكانا ..
لكن ذاك الصديق فتح في وجهه بابا آخر لفرج قريب ..
تثاءب بإرهاق و هو يفكر .. هه .. فرج قريب ..!!!
لا يعتقد بأن حور سترى الأمر بهذه الصورة .. متأكد بأن زوج خالته لن يعارض .. هذه حياته و هو حر فيما يفعل ..
و واثق بأنه مدرك ليأسه في البحث عن عمل .. و لن يمانع في ما ينوي عليه ..
و لكنه يعرفها .. قد تظن بأنه يستغلهم ليحقق مصالحه ..
أو ستراه خائنا ،،، سيخيب ظنها لعملها لدى من يعلم جيدا ما تخفي في نفسها لهم ..
زفر بضيق مفكرا بأنه سيقدم أوراقه غدا على كل حال ..
إذا قُبِل في العمل عندها سيجد طريقةً يخبرها بها عن الموضوع .. و ستتفهمه إن كانت حقا تراعي ظروفه ..
أمّا إن قوبل بالرفض ،،، و هذا ما يستبعده .. يمكنه أن ينسى الموضوع تماما و أن لا يأتي على ذكره ..
سيتحمل خيبة أمله تلك بصمت .. و يطويها في الخفاء مع ما سبقها ..


* * * * *

يجلس في صدر المجلس على يمينه جده الذي جاور ضيفهم .. و عن يساره جلس أبيه .. و قد تفرق المدعوين على وسع المجلس الضخـــم ،،،
بداية الأمر كانت الأحاديث تجتذبه لما تطرقت من أعمال تهمه .. أما الآن و قد انقلبت لحديث سياسي لا يعنيه فقد بدأ الملل يتسرب لنفسه ..
لا يتخيل أنه يضيّع وقته في مثل هذه الجلسات الفارغة في حين تنتظره أكوام الأعمال تلك ..!
و لكنه مضطر للمجاملة .. يدرك جيدا أنه سيحتاج لمعونة هذا الرجل عاجلا أم آجلا ..
فضل الآن أن يحول مجرى الحديث لما تهوى نفسه .. فقال بصوت واثق أدار بعض الرؤوس نحوه ..
- إلا ما قلتليه يا بو سلطان .. متى بتنزل مناقصة البيوت السكنية لي بتحطها البلدية ..؟!
انحبست الأنفاس و رأى بطرف عينه وجه أبيه الشاحب ،، كان سؤالا جريئا و مباشرا ..
الامتعاض لمع في عيني عمه و لكن الهدوء كان يلوح على وجه جده الذي استرخى أكثر في جلسته ..
واثق الآن أنه سيقود الحديث .. أما بو سلطان فقد ابتسم بإعجاب و هو يقول ..
- و الله يا بو سيف قريب إن شا الله .. ع شهر ستة بتكون المناقصة مطروحة ..
الآن كان الذهول هو ما تبدّا في الوجوه المحيطة ،،، الحقيقة أنهم لم يتوقعوا من ضيفهم أن يجيب غيث ..
ابتسم غيث بشيء من الإنتصار و النشوة و هو يقول ،،،
- لا قريب و الله .. زين .. زين ..
يمعن الجد النظر في وجهه و هو يبتسم بحكمة ،، نظرة التصميم هذه يعرفها جيدا ..
حتما ستكون المناقصة من نصيبهم ..
شي واحد أفسد صفو تفكيره و هو ينظر لوجه غيث الوسيم اللامبالي ..
حديثه الغير مهتم عن زوجته المُهملة لم يرح إطلاقا .. شعر بأن خططه قد تولي أدبارها مع الرياح دون فائدة ترجى ..
و لكن في داخله كان مصمما على أن لا يحدث ذلك .. سيعرف كيف يجعل غيث يستمر قُدما ..
لا زال وعد بينهما لم ينجز ،،، متأكد بأن حفيده الذي صنع منه هذا الرجل لن يخلفه ..
هذا ليس من شيمه .. أبــــدا ..!
.
.
.
على مقربة منه صر هو على أسنانه بغيظ ،،، دوما محط الأنظار .. دوما ذاك الغرور ،،، دوما ينال ما يريد ..
كان يتأمل وجهه القاسي بحقد و هو يرى لمعة المكر في عينيه ،،
يعلم جيدا إلى ما يسعى بتقربه من بو سلطان .. و لكنه لن يسمح له بذلك .. سيعرف كيف يوجه له ضربة قاسية تصيبه في مقتل ..
كل ا يحتاج إليه وسيلة ملتوية ..
واحدة تشبه تلك التي احترفها ذاك المنافق ليجني ما تحت يده الآن ..
يعلم جيدا أنه لا يتوانى عن فعل أي شيء للحصول على ما يريد ..
و يدرك أنه على استعداد تام ،، للدوس عليهم جميعا من أجل مصلحته ..
لا مكان للعواطف أمام الأعمال في نظره ،،، لذلك هو يكرهه .. يكره نجاحه .. غروره ..
و انبهار كبار العائلة به ..
يكره هالة القوة التي تلفه أينما كان ،،، و يكره تلك النظرة المستصغرة التي لطالما وجهها إليه ،،
قريبا جدا سيثبت له أن فارق العمر بينهما لا يعني شيئا ..
سيعلمه كيف يرفع أنفه في وجوه من حوله ..
.
.
.
ابتسم بإعجاب و ذهول و هو يقول بحماس ..
- و الله ما فينا إلا غيث .. بالله عليك طالع كيف يرمس .. تقول شيخهم .. الثقة تسوي العجايب ..
ابتسم إبن عمه بفخر ..
- شوه تبا .. طالع ع خوه ..
نظر له هزاع شزرا ..
- أقول .. إرحمنا بس .. قال أخوه .. انته لو توقف عنده بيقولون مطيرزي ..
عقد أحمد جبينه في ضيق ..
- محد غيرك يا الهرم .. أنا مطيرزي .. أقول تعرف من المطيرزي ..
ابتسم بخبث و هو يشير بعينه للأمام ..
- حارب خوك .. و الله انه نكته .. شكله تعب من صب القهوة ..
قال هزّاع بقوة ..
- خله يتعلم ع ميالس الرياييل .. كلنا يوم كنا فعمره نصف طابور كل واحد يستلم دلة ..
ضحك أحمد ..
- هذا آخر نفر فينا .. بيبطي يصب الين ما يشرفون أحفاد الشيبان .. طالع سيف مع منوه يالس .. أقول ياخي ما فتشتوه أخوكم هذا عند الباب .. عادي يي لابس حزام ناسف ..
شاركه هزاع الضحك و هو يتأمل وقار لحية أخيه ..
- بس و الله إنه شي .. يعيبك يوم ينصح ..

* * * * *

تستلقي على ظهرها تحت التلفاز و تضع يديها تحت رأسها ،، و هي تسأل أختها التي إنهمكت في كيّ الملابس ..
- يختي أبوية و نايف وينهم ..؟! من عقب المغرب ما شفتهم ..؟!
كانت هند هي من أجابت ..
- سارو بيت قوم خالوه ،، أمايا تقول معزومين ع العشا ..
رفعت نورة حاجبها بعجب ..
- ما شا الله رويتر .. عندج علوم الدار ..
عقدت حاجبيها ..
- امنوه رويتر ..
أجابتها و هي تتأوه مللا ..
- واحد من الشباب .. - ثم التفتت لأختها - دندون كويتي قميصي ..؟!
هزت دانة رأسها و عيناها معلقتان بشاشة الهاتف .. و يديها تحرك المكواة دون شعور ..
التفتت نورة لتلك الصغيرة مجددا ..
- نشي ييبيلي ماي ..
هزت تلك رأسها رفضا ..
- ماريد ..
اتسعت عينا نورة استنكارا ..
- اييييييه مزنوووه .. شوه ما تريدين ع كيفج هو .. نشي يبيلي ماي لا تتصفعين ..
تذمرت مزنة باكية و هي تشير لأختها التي استغرقت في مشاهدة التلفاز غير مبالية بهن ..
- ليش ما تطرشين هند .. كله أنا .. كله أناا .. مارييييييييد ..
قالت نورة بقوة ..
- و الله لشوتج .. يوم أقولج شي تمشين فيه .. تسمعين .. شوه قالتلج دانه اليوم .. أصغر القوم بشكارهم .. يا الله يا بشكارتنا هاتيليه ماي ..
.
.
- محد بشكارة إلا انتي .. و الله ان ما خليتن مزّون فحالها لأدبكن .. عنبوه ما تستحن انتن .. تتسلطن على هالياهل ..
احمر وجه نورة بشيء من الخجل و مزنة تمط شفتيها بحزن و هي تصيح ..
- حوووووووور .. أنااا بشكارتكم ..؟؟
قالت حور بصرامة و هي تضع يدها على خاصرتها ..
- لا انتي هب بشكارتنا .. هاي دانة و نورة بشاكير البيت .. - ثم ابتسمت لها - خلاص ..؟
هزت تلك رأسها بسرعة ..
- خلاص ..
قالت حور بنبرة آمرة ..
- يا الله عيل .. بسكن ..الساعة تسع الحين .. هند و مزنة سيرن ارقدن ..
قالت هند بهدوء ..
- باقي خمس دقايق من الحلقة ..
أجابتها حور بسرعة ..
- من تخلص سيده الحجرة و تنخمدن ..
توسلتها مزنة ...
- بسير لأمايا شويه ..
أشارت حور بيدها ..
- خمس دقايق و أشوفج في الحجرة انتي وياها .. مزنة لا تأذينها .. اروحها تعبانة ..
أومأن برؤوسهن موافقات .. لتلتفت حور لنورة ..
- امنوه لي نظف المطبخ ..؟!
تمطت نورة بكسل ..
- أنا و المها .. و عفاري خمّت الحوش ..
هزت رأسها بهدوء ..
- دانووه .. طالعي القميص لا تحرقينه لاحقة ع المسلسل ..
لكن دانة بدت مشدوهة و هي تنظر لشاشة التلفاز بلهفة ..سألت نورة بإهتمام ..
- شحالها أمايا الحين ..
تنهدت حور ..
- أحســـــن ..
انطلقت موسيقى نهاية المسلسل .. فنظرت حور لهند بحزم ..
- بتخطفين تسلمين ع أمايا قبل لا ترقدين يرّي مزنووه وياج ..
نهضت هند بطاعة و توجهت نحو غرفة والديها .. فقالت دانة بحزن ..
- فديتااا أمايا كله تعبانه هالأيام ..
قالت حور بهدوء ..
- الله يسوقلها العافية ..
خرجت مزنة و هند من غرفة أمهن متوجهات لغرفتهن ..
و نهضت نورة نحو غرفة الأم لتراها .. قالت دانة ببؤس ..
- و الله أحس قلبيه يعورنيه عليها .. ليته فينيه .. ما تستاهل أمايا ..
كانت حور تنظر للأرض بشرود و هي تجيب ..
- لا تقولين ما تستاهل هالكلمة ما يوز تقولينها لنه إعتراض على ما قدم الله ..
صمتت دانة لتعود فتقول بعد لحظة ..
- أمايا صغيرة ..!!
عقدت حور جبينها ،،، لم تفهم ما ترمي إليه أختها ..
- كيف يعني صغيرة ..؟؟؟
هزت دانة كتفيها و هي تضع الثياب المكوية فوق بعضها بغية ترتيبها في الخزانة ..
- يعني بعدها صغيرة في السن .. ما تقولين أم سبع بنات و ولد .. آآآ .. وديمة تقول إن يديه يوزها و عمرها 16 سنة ..!!
كانت حور تتأمل أختها . ما المغزى من هذا الحديث .. قالت بهدوء ..
- هيه كان عمرها 16 .. يعني كبرج ..
بدا الهم على وجهها ..
- وااايد صغيرة .. ما اتخيل إنيه أعرس و اييب عيال و عمريه 16 .. فديتج يا أميه ..
قبل أن تجد حور الفرصة للرد خرجن نورة و المها و عفرا من حجرة أمهن و أغلقن الباب خلفهن بهدوء ..
جلست عفرا بجانب حور التي سألت ..
- رقدت ..؟؟
هزت عفرا رأسها بهدوء ..
- هيه ..
حور تنظر لنورة ..
- وايقي ع البنات شوفي إذا راقدات و الا يسولفن .. بشوي شوي بطلي الباب عسب لا توعينهن لو رقدن ..
أطلت نورة برأسها داخل الغرفة المجاورة لتخرج رأسها و تغمز ..
- راقدات ..
قالت عفرا بهدوء ..
- الحمد الله خلصت دراسة باكر الصبح باقيليه أراجع بس .. ابوية متى بيرد .. ؟؟
نظرت دانة للساعة القديمة المعلقة على الجدار ..
- ع الساعة عشر بما إن نايف وياه .. عنده باكر مدرسة ..
ابتسمت عفرا ..
- عدنا نص ساعة .. بنات شرايكن نظهر الخشبة و نلعب ..؟!
تبادلت نورة و حور النظرات بلهفة .. و دانة تقول بهمس ..
- صدق و الله .. كيف ما خطرليه ..؟؟
ثم لوحت بيدها للمها ..
- مهاوي ..
ثم راحت تشير لها بحماس مجنون ما هن مقبلات عليه .. قالت حور لنورة ..
- متأكدة إنهن راقدات .. ما باهن ينشن ..؟!
هزت نورة رأسها بسرعة ..
- راقدات .. راقدات .. - ثم رفع يدها تقول - أنا أول وحدة تيلس ..
وقف حور بسرعة ..
- يا الله عيل بسرعة قبل لا أبوية يرد ..!!
أخذت دانة الثياب تدخلها بسرعة و ترفع المكواة الساخنة ،، اختفت نورة للحظات خلف المطبخ لتعود حاملة قطعة رفيعة من الخشب مربعة الشكل ،، أحد أوجهها أملس .. و على وجهها ابتسامه ضخمة ..
- محد يعرف وين داستنها .. يا الله ..
خرجت دانة تغلق الباب بهدوء قبل أن تلحق بهن للباحة الأمامية الضيقة ..
.
.
تجلس نورة على الخشبة في حين ربطت عفرا و دانة غطاء رئسيهما مشكلا حبلا تتمسك نورة في طرفه في حين شدت كل واحدة منهن طرف منه .. تقول نورة بحماس ..
- يا الله مستعدة .. واااااحد .. اثنييييييين .. ثاااااااا ... لاااااااااااااا .. ثـــــــــه ..
و انطلقت الاثنتين مع اشارتها رضا بشكل دائري في الباحة الضيقة يجرن الخشبة التي استقرت نورة عليها تقهقه بجنون ،، تشاركها حور و المها اللتان تجلسان في الصالة الداخلية تجنبا للإصطدام بهما في ضيق المساحة ..
لحظات و توقفت الإثنتين لاهثتين .. و دانه تقول ..
- بس نورة .. حشى .. غادية ثقيله .. يا الله .. حور و المها .. دوري ..
.
.
تعاقبت الأدوار بسرعة حتى ......
استقرت على الخشبة متذمرة ..
- ليش تخلونيه آخر وحدة .. الحين تعبتن ما بتسحبن زين ..
قالت دانة و هي تحكم قبضتها على طرف الغطاء من جهتها ..
- انتي العودة لازم تصبرين ..
شدّت نورة الأخرى الطرف الثاني .. و استدرن معا .. لتغمز دانة لنورة بخبث التي أخفت ابتسامتها و حور تحذرهن ..
- لا تسرعن ..! يا الله .. - و أحكمت يدها حول الغطاء - واااااااحد .. اثنييييييييين .. ثلاااااااااا .........
و بترت عبارتها مع إنطلاق الإثنتين يجرن الغطاء الذي تمسكه بأقصى سرعه ..
يدرن في الباحة الضيقة بجنون ،،، و يسحبنها بقوة .. فيما أطلقت هي صيحاتها ..
- عنلااااااااااااتكن .. لااااااااااااا تسرعاااااااان .. دااااااااانوه و الله ... ياااااااا ويلكاااااااان .. لااااااااااااااا ... خفن .. خفن .. يميييييييييييه .. و الله تتصفعن .. بااااااس ..
لكن نورة و دانه لم يتوقفن للحظة ،،، بدا أنهن انتظرن هذه اللحظة منذ بداية اللعبة .. عفرا و المها التي كانت ترى انفعالات حور المذعورة .. انفجرن ضاحكات بقوة ..سرعان ما شهقت عفرا و توقفت المها عن الضحك ..!!
توقفن الإثنتين حين شعرن بخفّة الحمولة ليلتفتن إلى الخلف ..
.
.
على الأرض تتأوه ساخطة بعد ان إنزلقت الخشبة من تحتها .. و هي تضع يدها على ظهرها ..
- و الله مااااا تروووووح لكن بلاااااااش .. و الله لداااااويكن ..
هبت حور بسرعة .. في حين فرت نورة أولا تركض إلى خلف البيت متجاوزة عفرا و المها اللواتي أصبحن يقهقهن الآن كالمجنونات .. أما دانة فقد تجمدت و هي تكتم ضحكتها بقوة .. و تتراجع مع تقدم حور ..
- و الله آسفة حووووور .. ها نوروووه قالتليه أسرع .. اذا ما استعيلت و هي تيرج كان صكيتينيه ..
حور تنظر لها و هي تقترب بغيظ ..
- نورة هاا ..؟ هاي حركاتج .. و الله لذبحج الليلة ..
انكمشت دانة و حور تمد يدها لرأسها ..
- تووووووووووووووبة ........
كانت حور تكتم ضحكتها على وقوعها و على تصرف شقيقاتها و على دانة التي بدا واضحا أنها تكاد تنفجر ضاحكة ..!
مدت يدها لشعر شقيقتها .. لتسحب ربطته فينفلت للأسفل بثقله .. لتمد يدها الأخرى فتعبث فيه بقوة ،، متعمدة إفساده .. و دانه تحاول منعها و هي تضحك ..
- حرااااام حوووور بيلعوزنيه بعدين .. دخيلج بيطيح يوم اسحييييييه .. لااااااا ..
توقفت حور بابتسامة راضية و هي ترى شعرها المنكوش .. و أشارت بيدها آمرة ..
- يا الله شلّي الخشبة و رديها قبل لا يي أبويه ..
رفعت دانه شعرها عن وجهها .. و هي تتذمر ..
- الحين تلعوزين شعريه ،، و أشل الخشبة .. و نورة شاردة و ماياها شي ..
أطلت نورة برأسها من زاوية البيت و هي تقول ..
- سبالووه سمعتج .. حور هاي حاقدة تبا تخرب امبيناا ..
أشارت حور لها بابتسامة ..
- صدق و الله ..؟؟ .. تعالي تعالي ..
قالت نورة بنبرة ضعيفة تستعطفها ..
- الدار امان ..؟؟؟
رفعت حور حاجبها بوعيد ..
- إلا أمان .. !!
و ركضت نحوها فجأة لتفر نورة هاربة تتبعها حور ..
.
.
الليل قد أقبل في ذاك الحي الفقير ..
تلك الجدران المتقشفة قد هجدت بتعب تحت ظل المساء ..
و سكّانها الذين يكابدون المرّ للحصول على لقمة عيشهم ..
فضلوا اللجوء لمخدات تنسيهم التعب ..
هذا البيت لم يختلف عن تلك البيوت كثيرا .. هنا تعب .. و هنا لقمة عسيرة ..
و هنا شقاء ..
كان يقهرونه بضحكاتهم ..

* * * * *

كانوا قد انتهوا للتو من تناول العشاء ليجلسن النساء معا في حلقة حول الجدّة يتبادلن الأحاديث المعتادة ،،،
فيما جلسن الثلاث فتيات في زاوية ردهة الاستقبال الفخمة ..
ترفع حاجبيها باستخفاف .. و هي تنحني للأمام عاقدة كفيها .. و قد ارتدت عباءتها ذات القماش القاسي .. لتتركها مفتوحة من الأمام .. ،، تنظر لتلك التي جلست مقابلها تماما تراقب أظافرها بملل ..
التفتت لجانبها لترى شقيقتها شاردة .. لكزتها بقوة لتلتفت تلك بغيض .. فتغمز لها ..
عادت تنظر للأمام .. تراقب عباءة ابنة عمّها اللماعة .. و قطع كريستال تراصت عند ركبتيها .. و صدرها و تعلم أن أخرى مثلها تتزاحم على ظهرها و هي تشكل جيوبا تملأ عباءتها ..
فقالت بصوتها الأجش باستهزاء ..
- أقول عوشة .. حلوو فستانج .. امنوه مصممنه ..
رفعت عينيها المرسومتين بالكحل بدقة تنظر لها باحتقار و هي تفهم مقصدها .. لتتشدق بغنج ..
- أنا أقول فخاطريه ،، هالأشكال شدراها بموضة البنوتات .. روضاني .. شرايج بعباتيه ..
هزت روضة رأسها بابتسامة مجاملة صغيرة ..
- كشخة ..
ابتسمت بتشفي في وجه شيخة و هي ترد بغرور ..
- هاي مفصلتنهاا في فيرست ليدي لي في الغرير يوم سرت دبي قبل اسبوعين عند خالوووه .. ترا خامتهاا طلبية يعني ما ظنتيه تحصلين شراته في السوق لو عيبج .. - ثم نظرت باشمئزاز لعباة شيخة و اشارت بطرف اصبعها - يمكن تحصلين شرات هالخامة الخامّة عند العربي الممتاز ..
و ضحكت بنفاق على تعليقها .. و هي تشير إلى أن شيخة تفصل عبائتها عند ذاك الخيّاط الرجالي ..!!
لم تهز كلماتها الطفولية شيئا في نفس الأخيرة .. التي اتسعت ابتسامتها .. فردها هذا يعني بأنها تضايقت ..
نظرت لروضة .. فوجدتها تنظر لها بعتاب .. أدارت رأسها متجاهله نظراتها .. تراقب جدتها التي جلست بين نساء العائلة ..
تدفق صوت عوشه و هي تسأل بدلال ..
- إلا ما قلتن ليه .. شخبار غيث ..؟؟؟
تصلب ظهر شيخة و رأت الدهشة على وجه روضة الهادئ .. كان سؤالها جريئا للغاية ..
بل وقحا ..!!!
أجابتها بصوت يقطر صقيعا ..
- بعده معرس ..
التفتت لها عوشه بشراسة و هي تقول بحدة ..
- أقول يا بو الشباب .. خلّك فحالك .. محد سألك ..
كان حالها دوما حين يذكر زواج أخيهن الأكبر .. يعلمن أنها معجبة به بشدة ..
روضة تراقب الوضع بصمت .. لا ترتاح للحديث مع ابنة عمها هذه التي تستطيع تأويل الأحاديث لأي شيء يستهويها و تصديقه ..!!
شعرت بتوتر الجو و عوشة تنظر لشيخة بحقد ..
تنهدت بهدوء حين وصلها صوت زوجة عمها و هي تقول بحنان ..
- بنات فديتكن .. يدكن و الشباب بيحدرون يسلمون .. لمن عماركن ..
انفجر الوضع لدى عوشة التي قفزت بسرعة تلتقط حقيبتها .. تخرج المرآة و تلقي نظرة على وجهها .. و ماكياجها المتقن ..
وضعت يدها على قلبها بلهفة تنصت لدقاته المتسارعة ..
جدها سيدخل .. إذن هو أيضا سيكون هنا ..
عوشة تهز رأسها باستخفاف و هي تهمس لروضة ..
- الله يعطينا العقل ..!!
نظرت لها روضة شزرا و هي تهمس ..
- انتي تبين المشاكل الليلة ..؟؟! .. طبيهاا ما يخصناا فيها ..
لوحت عوشة بيدها بلا إهتمام و هي تشد غطاء رأسها حول وجهها الخالي من المساحيق ..
فيما رتبت روضة عباءتها بملل .. تشعر بالضيق و هي جالسة هنا تضيّع وقتها في مراقبة الحرب الكلامية بين شيخة و عوشة .. و الكثير من الواجبات تنتظرها في البيت ..!!
وقفن جميعا مع فتح باب الردهة الكبير و تدفق الأصوات الرجوليّة معلنة وصول القادمين .. لمست مقدمة رأسها تتأكد من عدم تسلل أي شعرة خارج حجابها في اللحظة التي هسّت فيها شيخة بغيض ...
- عوشوووه .. قذلتج ظاهرة شوي من قدّام ..
لم يبدو أن عوشة قد سمعتها .. أم أنها فعلت و تعمدت التجاهل .. و هي تتقدمهن حيث توقف الجميع في منتصف الردهة ..
ابتسمت و شعور يضطرم صدرها بالفخر و هي ترى هؤلاء الرجال .. أهلٌ لها ..
لحقت بعوشة تسلم على جدها و أعمامها الثلاثة .. سلّمت على عمّها الأصغر الذي تعلقت بذراعه إبنته الوحيدة و هي تتمايل ..
و هو يقول لروضة بعتب ..
- عنبوه يا روضة .. متى آخر مرة شفتج فيها ..
شعرت بوجهها يحمر خجلا و هي تشعر بنظرات الجميع تتسلط عليها ..
- السموحة منك يا عمي مطر .. هالدراسة لعوزتنيه .. تعرف الحين آخر سنة و بتخرج ..
ابتسم عمها حين شعر بإحراجها ..
- لا معذورة .. و الله يعينج و يوفقج .. نبا هاييك الشهادة لي ترفع الراس ..
شعرت بذراع أحدهم تلتف حول كتفها .. رفع رأسها لتلتقي بعيني أحمد و هو ينفخ صدره مبتسما بغرور ..
- لا روضاني ما ينخاف عليها .. فديتاا طالعة ع خوها ..
ابتسم هزاع باستهزاء ..
- لا .. مسكينة عيل .. ما بتييب خير و الله ..
ضحك الجميع بخفة .. و الأصوات تختلط فيما يتبادل الجميع الأخبار .. نظرت لجدها الذي مر وقت لم تره فيه .. ما زال قويا كما عهدته .. يقف أخوها الأكبر إلى جانبه بسلطته و هيبته .. الحقيقة أنها تحبه كثيرا .. و تحترمه ..
.
.
و تخشاه أيضا ..!!
انتشلها صوت عميق من أفكارها ..
- شحالج روضة ..؟
التفتت بسرعة نحو صاحبه .. كان يحني رأسه ناظرا للأسفل غاضا بصره ..
- الله يعافيك .. شحالك سيف ..
- بخير الحمد الله .. يا الله أترخص أنا ..
ترك المكان دون أن يرفع عينه .. أخفت ابتسامة خفيفة و هي تراه يسارع في صعود الدرج المزخرف للأعلى ..
جميعهم يعرفون كرهه للإختلاط ..
التفتت بهدوء لتراقب نظرات الإحتقار التي راحت تطلقها شيخة بلا هوادة لعوشة التي راحت تنظر لأخيهن بلهفة فيما لم يدرك هو وجودها حتى ..
سمعت شيخة تهمس بغيظ حقيقي ..
- اخخخ .. لي ما تخيل .. ليتنيه أبوها ... كان يريتاا من هالكشة و مسحت بها القاع .. كان دفنتها حية ،، مسودة الويه ..
تنفست بعمق ،،
حمدا لله أن شيخة لم تكن أبا لعوشة ..!!

* * * * *


طرقات على باب الغرفة لتهب من مكانها و صوت أبيها يعلو عند الباب ..
- حوور .. حور ..؟! .. نشي صلي الفير و وعي خواتج ..
أسرعت تفتح الباب له .. خرجت من الغرفة و هي تعيد شعرها إلى الخلف .. و ترفع نفسها لتسلم عليه ..
- صبحك الله بالخير يا بويه ..
يمسح شعره المبتل بعد الوضوء .. و يضع عمامته حول رقبته ..
- صبحج الله بالنور .. يا الله وعي خواتج يصلن ..
- إن شا الله ..
خرج نايف من غرفته و هو يلف - الغترة - حول رأسه ..
مشى أبوها متمتما بدعاء ما .. و نايف يلحقه للخارج متوجها للمسجد ..
تثائبت بقوة .. قبل أن تسرع لتتوضأ .. لحظات و تخرج من الحمام .. تقدمت نحو غرفة أمهن مسرعة .. لتجدها تصلي .. ابتسمت بحب .. فقد اعتادت أن تتوضأ أمها قبل الأذان كي توقظ والدها للصلاة ..
لم يختلف الأمر بمرضها .. فالأمر غدى كالساعة البيولوجية متقنة التوقيت ..
فكيف لأمها أن تعتمد على منبهات الساعة و هي لا تسمع ..!!
توجهت لغرفتهن .. لتفتح الباب .. ثم تضيء النور ..
توقفت للحظة و هي ترى المنظر أمامها .. عفرا الأقرب اليها تلتف في غطائها باحكام .. و جزء من قدميها الطويلتان تخرجان من أسفله ..!!
المها بوجهها الملائكي قد نامت بسكون على ظهرها .. في فراشها المجاور لفراش حور ..
نورة بد غير مرتاحة و قد أزاحت المخدة لتنام على بطنها .. و دانة بلا غطاء في جو الغرفة البارد ..
أما هند و مزنة فقد استلقين في فراشهن المشترك في زاوية الغرفة الضيقة ..
تجاوزت بهدوء أجسادهن المترامي في كل صوب و هي تهز رأسها .. تصل لمكيّف الهواء فتغلقه بهدوء ..ثم تتوجه نحو النافذة الصغيرة لتزيح ستارتها البالية و تفتحها ،،،
تدفق صوت المؤذن يقيم الصلاة ..
فصاحت بصوت عالٍ ..
- بناااااااااااات .. صلاااااااااااة .. يا الله نشن ..
للحظات لم تبدو منهن أي حركة .. تنهدت حور و هي تقول بصوت مرتفع قرب نورة و دانة ..
- دانوووه نشي .. نورة بتحدر الحمام قبلج ..
في لحظة واحدة .. تسلل الصوت لأذني نورة التي فتحت عينيها بقوة و هي تدرك الخدعة التي تستخدمها لتسبقها دانة .. رأت أن دانة قد نهضت من مكانها لتسبقها إلى الحمام ..
فهبت تزيح الغطاء بقوة ..
ركضت دانة مع رؤية نورة تسارع للباب .. يتسابقن نحو الحمام لتصله نورة أولا و تغلقه خلفها ..
فتضرب دانة الباب بقبضتها ..
- بسرعاااااه .. لا تبطين .. ثم قال بصوت منخفض - عنلاتهاا هب سرعة عليها ..
أتاها صوت نورة ثقيلا من النوم ..
- سمعتــــــج ..
جلست دانة تتذمر بصوت منخفض في الصالة تنتظر أن تخرج نورة من الحمّام .. تثاءبت بشدة ..
و هي تستلقي على ظهرها .. خرجت حور تمسك بيدي هند و مزنة التي بدا أنها لا زالت نائمة ..
و هي تنبه هند ..
- سيرن وضّن في حمام الميلس .. امسكي مزنووه .. لا تضيع و هي تمشي ..
أمسكت هند بيد أختها النائمة تجرها خلفها ..
فُتح باب الحمام لتخرج نورة منه .. هبت دانة لتخدل بعدها بسرعة و صوت حور و هي توقظ عفرا يصل لمسامعها ..
.
.
.
لا زال ضوء النهار الوليد .. يكتسح تلك البيوت المتهاوية ،،، معلنا أنه يوم جديد ..
أشعته الخجولة تسقط على أرض الصالة عبر بابها المفتوح .. و الحركة تدب في البيت كخلية النحل ،،،
كان بو نايف قد ذهب للعمل مباشرة بعد صلاة الفجر قبل الشروق حتى كما اعتادوا ..
رفعت حور شعرها لقمة رأسها و هي تنهر نايف ..
- لا تيلس تتسحب .. بسرعة باصك يي بدري .. خلص الشندويتشة و توكل ..
قال نايف و هو يقضم قطعة الخبز ..
- انزين يختي .. عدتي هالرمسة عشر مرّات .. أوووه .. اليوم الخميس - و اتسعت ابتسامته متذكرا - ابوية بييب بطيخ عقب الغدا ..
قفز من مكانه بسرعة ،، و اختفى للحظات في غرفة أمه يودعها .. قبل أن يعود ليلتقط حزمة كتبه فيقبل خد حور بقوة ..
- يا الله أنا بسرح .. ادعوليه ..
نظرت له حور بحب ..
- الله يوفقك .. و يحفظك ..
خرجت دانة من غرفتهن و بيدها جهاز إذاعة صغير ،،، و ضعته فوق التلفاز لتديره على الموجه المحليه ..
،،، لحظات من الضرب على ظهره العتيق .. و تحريك الهوائي خاصته .. قبل أن يتدفق صوت فيروز و هي تشدو ..
درج الورد مدخل بيتنا
درج الورد جنة حمانا
و بين الورد طاير بيتنا
و تحت الورد خيمة هوانا
روح يا بلبل و اسأل عالسطوح
في بيت يا بلبل قرميد عم يلوح
ورق الورد يغمر بيتنا
زجرت نورة التي كانت ترتشب كوبا من الشاي ،،
- أخيييييه ماشي غير هالعيوز ..
نظرت لها دانة شزرا ..
- محد عيوز غيرج .. و أنا أقول شدراج بالرومنسية ،، بعدين اف ام ما تييب غير فيروز الصبح ..
مسحت حور وجهها بصبر على هذا النقاش اليومي ..
- أصبحنا و أصبح الملك لله .. دانه بندي هالاثم لا أكسره على راسج ..
أغلقت دانه بقوة ..
- اففف .. عنبوه ما تخلون الواحد يسمع ع راحته ..
- اسمعيه ع راحتج حبيبتي يوم تكونين بروحج .. هب تزيديناا اثم وياج ... عفاري حبيبتي خلصتي ..؟!
رفعت عفرا رأسها من الكتاب و هي تردد أحد المفاهيم بتمتمة و تشير بيدها أنه ما زال أمامها القليل ..
خرجت المها من غرفتهن .. و بيدها كتاب هي الأخرى .. التقطت كوبا من الشاي و خرجت للباحة الأمامية .. خافية القدمين ..
تنهدت هي براحة مع خروج مزنة من الغرفة و هي ترتدي ملابسها الداخلية .. لتسأل حور ..
- منوه بيسحي شعريه ..؟؟
أشارت لها بسرعه ..
- تعالي أنا بسحيه أمايا تعبانه ..
إقتربت منها لتجلس أرضا أمامها و هي تدير لها ظهرها .. رحت حور تمشط شعرها الحريري .. و هي تستمع للأحاديث الحماسية بين نورة و دانة عمّا سيحدث اليوم في المدرسة .. أسماء كثيرة تذكر .. معلمات ,, و زميلات .. لا شيء يمكن لهن أن ينسينه دون ذكره ..!!
.
.
لحظات و بدأن يخرجن متوجهاتٍ للمدرسة واحدة تلو الأخرى ،، نفضت حور ملابسها و هي تلتقط غطاء الصلاة و تشير لمزنة ..
- يالله الحين بيي باصج .. خلينيه أوقف لج عند الباب ..

* * * * *

في اللحظة التي خطا فيها على أرض شركته ،،، بدا أن الجميع قد تجمدوا وقوفا لحضوره ..
شيء يشعره بالنشوة .. و هو يرى أن هذه الأعمال بين يديه يديرها كيف يشاء ..
يصل للطابق الأعلى من المبنى حيث يقع مكتبه .. مدير المكتب يقف بإحترام له ..
- صباح الخير طال عمرك ..
نظرة متعجرفة .. لا تزول من عينيه .. تلك القوة تولد شعورا لا يوصف في روحه ،،
يعشقها ..
- صباح الخير .. بطي .. خل الرسايل و الفاكسات عقب الإجتماع .. عشر دقايق مابا ازعاج ..
رفع بطي عينه و هو يشير ..
- طال عمرك فيه مكالمة مهمة من ...........
قاطعة ببرود ..
- قلتلك .. عقب الاجتماع ..
و دلف مكتبه ليصفق الباب خلفه ..
تقدم من كرسيه ذو الظهر الطويل ليستوي عليه جالسا .. يخرج هاتفه ليضعه على المكتب ..
مسترخيا في مكانه .. و هو يهز مقعده بهدوء .. صوتها في أذنه و هي تذكره بأن لا ينسى ما وعدها به ..
واثقٌ بأن الأمر لن يكون عسيرا عليه .. سيحضر تلك الفتاة للمنزل الكبير ،،
و لكن عليه فعل ذلك و هو غير موجود ..
الحقيقة أن ذلك لم يضايقه البتة .. فهو لا يملك الوقت للقائها أو تعرفها ..
أم أنه لا يرغب بذلك ..!!
كل ما يهمه أن لا يتواجد في مكان واحد معها أمام جدته كي لا تكتشف تلك أحاديثه الملفقة حول من يطلق عليها زوجته و تواصله الوهمي معها ،،،
سيخيب ظنها به .. و لن تفهم موقفه ..
إذا عليه فقط أن يقوم بإرسالها إلى المنزل في غيابه ..
التقط هاتفه دون أن يضيّع وقتا ،،، يبحث عن إسم لم يتطرقه منذ فترة ..
لحظات و يقع ناظره على الإسم ..
الإتصـــــــال ،،
ثم صوت الرنين المتقطع معلنا ان المكالمة تمت ..
هل سيُرَدُّ على هذا الإتصــــــال ..؟!

* * * * *
* Kings ،، مِطْراش ،، لا تهاب ،، / أسمـــاء لأفرقه سباق وهمية لا تمت للواقع بأي صلة ..







و للخطوات طُرُقات لم تسلكها بعد ..


إنتظروني

أمواج
26-11-2007, 02:06 PM
روعه الصراحه القصه أحس الكاتبه عفويه في سرد القصه و حلوه عمري قريت قصه هالشكل ..

امممممممم

الصراحه غيث يبط جبدي كله يبي يلفت الانظار له ..

حور وخواتها عجبني طريقة حياتهم وعفويتهم ..

اللي أستغربه أن الجد خطب حور لغيث لمصلحه لكن وشهي هالمصلحه ..

تسلمين على التكمله الرائعه ..

في انتظار الجزء القادم ..

.: المــاس :.
27-11-2007, 12:21 PM
روعه الصراحه القصه أحس الكاتبه عفويه في سرد القصه و حلوه عمري قريت قصه هالشكل ..

امممممممم

الصراحه غيث يبط جبدي كله يبي يلفت الانظار له ..

حور وخواتها عجبني طريقة حياتهم وعفويتهم ..

اللي أستغربه أن الجد خطب حور لغيث لمصلحه لكن وشهي هالمصلحه ..

تسلمين على التكمله الرائعه ..

في انتظار الجزء القادم ..


غيث من ناحية يبط الجبد يبطها ويفرمها بعد .. يبيله حد يكسر له خشمه .. وترى للحين ما شفتي شي .. :0312:



تابعي معي الخطوه الثالثه ..





وايه .. تسلمين لي ع التثبيت يالغلا :4s2j9s (31):

.: المــاس :.
27-11-2007, 12:26 PM
الخطـــــــــــــــوة الثالثــــــــــــــــــــة } ..




[ خطوات مرتبكة ،، ]





لهب الشمس يلسع الأرض حرارة كالسياط .. في منتصف الظهيرة ..
كانت الأنفاس لا تطاق ..!!
و سخونة تلهب الصدور ،،، تبخر قطرات العرق قبل أن تسيل ..
الصيف قادم ،، ليقلب الأرض قطعة من الجحيم .. ستذيب كل من عليها ..
.
.
و عند تلك البناية المهدمة ،، توقفت الشاحنة العملاقة و صوت أنين إطاراتها يعلو في الأجواء .. لينزل بما استطاع جسده المنهك من قوة ..
يمسح جبينه الذي اسودّ من فعل إحراق الشمس .. يمنع قطرات العرق من أن تقع على عينيه التي بدأت تخذله الرؤية بها الآن ..
لهث بتعب و هو يجلس تحت ظل الشاحنة الذي امتد بعيدا ..
فيما بدأ العمال بنقل الحجارة إليها ،،، ليقوم هو بإبعادها عن هذا المكان الذي سيعاد تعميره ..
كان الحر لا يطاق ،،، و جسده الساخن غارقٌ بعرقه .. نهض بضعف مرة أخرى ليقترب من مقصورة الشاحنة و يلتقط زجاجة مياه ،،،
لم تكن لتروي ظمأه بسخونة مياهها تلك ..!!
و لكنه كان عطشا .. شرب القليل منها ،، ثم نثر بعض قطراتها على وجهه ..
تدلت يده الممسكة بالقنينة يسندها لركبته ،، و هو يراقب العمّال ينقلون تلك الأكوام الهائلة من الحجارة التي أصبحت بلا نفعٍ الآن ..
فكر بأنه محظوظ .. فهو لم يضطر للعمل تحت حرِّ هذه الشمس التي بدا أنها تنوي على تجفيفهم ..
يكتفي بعمليات النقل من و إلى موقع العمل .. و بعد أن ينتهي وقت الهمل في الساعة الثالثة ظهرا ،،
يستقل سيارته الصغيرة العتيقة متوجها لمنزله بعد يوم استنزف فيه طاقته كلها ..
سيارته التي لا زال يدفع أقساطها حتى الآن ،، لن يتوانى أبدا أن يعمل جنبا إلى جنب مع هؤلاء العمّال ،، إذا اضطر إلى ذلك ..
أن يسمح لهذه الشمس بسلخه حيّا بحرارتها راضيا ،، فما زالت هناك أفواهٌ عليه إطعامها .. و حاجاتٌ يجب عليه أن يقضيها ..
خطر بباله أن يستغل فرصة نقل العمّال لهذه الأكوام ليتوجه لأقرب محل للخضار و يبتاع بطيخة كما اعتاد أن يفعل كل خميس ،،
سرعان ما تراجع عن الفكرة .. مدركا بأن سيصل بها إلى منزله و هي ساخنة بعد احتباسها في سيّارته حتى عودته .. لذلك فضل شراءها عند عودته ..
.
.
للحظات ناوشت شفته ابتسامة شفقة ،، هذه الأفكار التي يغرق نفسه بها ..
شعر أنه يسعى للهروب عمّا يفترض به حقا أن يفكر به ،، تلك المكالمة التي أتته صباح هذا اليوم ..
الحقيقة أنه مر وقت طويل لم يتحدث فيه معه ..
و لأوقات كثيرة شعر بالذنب الشديد و خاطر يمر بداخله و هو يشك في صحّة قراره حين أجبر ابنته على الزواج منه ..
أ ينكر أنه كان متلهفا لهم .. مشتاقا .. يريد أن يربطهم شيئا مرة أخرى .. أن يرى إخوته .. أن يضع يده بيدهم لمباركة ذاك الزواج ،،
كان متفائلا رغم تغيّب والده الذي كان قد سمع أنه هو من ربّى ذاك الرجل ،، كيف سمح له بالزواج من ابنة حمد ..؟؟؟
حمد ..
ابنه العاصي ..؟! ابنه الذي بفعلته الشنيعة استطاع أن يدفع أبيه للخزي من تصرفاته ..
استطاع أن يفعل ما لم يفعله أحد قبله .. لقد جعلها يندم على إنجاب ذاك الابن ..!
الآن و بعد انقضاء تلك الأيام ،، أصبحت الشك يراودنه .. لمَ تقدم لطلب يدها ..؟
كيف استطاع تجاوز صلاحيّات جده و التقرب من العم المنفي .. و العجوز يمنع أمه و إخوته من سنوات عنه ..!!
ماذا ..؟! هل هناك ألاعيب يخبئها في جعبته ..؟!
كان تواصله معه بعد شهور من زواجه من ابنته مريحا و مطمئنا بعض الشيء ،، ثم انقطعت أخباره تماما ..!!
لم يعد يسمع عنه شيئا سوى ما نقل في الجرائد و الأخبار عن افتتاح شركة جديدة في المجموعة عيّن فيها رئيس مجلس الإدارة ..!!
الآن و بعد أشهر عاد ببساطة ليتصل به .. و يطلب منه ذاك الطلب ..!!
.
.
شعر بأنه يغرق الآن .. في أفكاره ،، و حر شمس تشوي وجهه العاري ..
أخرج هاتفه بسرعة من جيبه متناسيا تلك الدوامة قيل أن يعود فيغرق فيها مجددا ..
هاتف قديم ،، لم يعد يميز من ملامح الأرقام على أزراره شيئا ،، و قد حال اللون عن غطاءه البلاستيكي ،،
سنوات مرّت منذ اقتناه و لازال يحتفظ به صالحا للاستعمال ،،
ضرب الرقم الذي يحفظه جيدا .. و انتظر للحظات أن يجاب على الخط ..
صوته المنهك يرفعه ليصل إلى الطرف الآخر ..
- ألووووه .. السلام عليج يا عذيجة ..
.
.
على الأقل يمكنه أن يجد حلا لما تمر به زوجته الآن ..

* * * * *

كانت الساحة المدرسية مزدحمة بشدة مع خروج جميع الطالبات في فرصة الغداء ..
و تفرقت الفتيات في مجموعات ضخمة انتشرت على وسعها .. فهناك من فضلت الجلوس .. و من أخذت تتمشى حول الساحة ..
و من راحت لتزاحم الأخريات للشراء من مقصف المدرسة ..
استندت هي على عامود الحديد و هي تضحك بقوة ..
- بمووووت .. آآآآه يا بطنيه .. أقول نوف .. انتي ما ينفع وياج الا اسلوب الهوش هذا .. شغلتج تمين واقفة فآخر الصف ريل مرفوعة وريل في القاع ..
عقدت نوف حاجبيها بضيق ..
- عنلاااتج داوونه يا السبالة .. لي يسمعج ما يقول كل يوم و انتي واقفة ويايه ..
رفعت دانة أنفها بغرور ..
- هيه بس اليوم أنا يالسة و انتي واقفة اروحج .. و بعدين أنا ما يوقفونيه عسب ناسية كتابيه و الا أهذر في الحصة .. بس على التأخير فديتنيه .. وييييييييو ..
مطت نوف شفتيها باحباط ..
- جب زين .. عليتي فواديه .. وين باقي هالمخبل مالهن شوف .. ؟؟
- سارن يتشرن هبة ريح .. تعالي بنحجز مكان نيلس فيه ..
أشارت نوف بيدها ..
- هذا مكانا .. تعالي بسرعة نيلس قبل لا حد يي و ييلس فيه ..
سارعن بالجلوس في المكان ذاك .. و ما إن استرخت دانة في مكانها حتى لفتها مرأى شقيقتيها يقفان سويا أمامها مباشرة ..
لتقول بسرعة و عيناها ملعقتان بهن ..
- نوف .. دقيقة بسير أشوف خواتيه و رادة ..
صاحت نوف معترضة ..
- مالت عليج خواتج تعرفينهن في البيت لا تودرينيه يالسة بروحيه شرات الخبلة ..
ابتسمت دانة متجاهله اعتراضاتها .. و تقدمت نحو شقيقاتها بسرعة ..
- مرحباا ..
التفتن لها معا لتقول نورة مستهزئة..
- هلا دندن ..
عقدت دانة حاجبيها ..
- مالت عليج .. ما تعرفين تدلعين .. - ثم وضعت ذراعيها بسرعة على كتف كل واحدة منهن و هي تقول بلهجة مؤامرة خافتة .. - هاا متى الهجوم الساعة كم ..؟!
دفعتها نورة مبتسمة ..
- بايخة ..
عقدت دانة ذراعيها .. و هي تنظر لعفرا التي تبعد خصلات غرتها عن عينها ..
- لا صدق شعندكن .. شكلكن من بعيد .. تتناقشن في السياسة .. تيك كير .. فيها جوانتانامو يا بنيّات ..
تنهدت عفرا باستعجال ..
- بنات علاية واقفة مساعة ترقبنيه .. نورة .. بتشلينها و الا لا ..
نورة تجيبها ..
- و انتي شوه بتاكلين ..؟
هزت عفرا كتفيها ..
- مالي خاطر في العيشة ..
التفتت دانة بسرعة لنورة ..
- شوه ناسية فلوسج ..؟
هزت نورة رأسها ..
- هيه .. غريبة و الله أول شي أنا أسويه أتأكد انها فمخبايه .. لن أهم شي في الحياه بطنيه .. بس مادري شوه استوا عليه اليوم و نسيتاا ..
قالت عفرا بسرعة و هي تخرج القطعتين النقديتين التي تتلقاهما يوميا من أبيها غداءا لها في المدرسة ..
- انزين خلي السوالف و فكينيه .. يا الله شليها ..
دفعت دانة يد عفرا .. و هي تخرج الدرهمين خاصتها من جيبها ..
- لا عفاري شلي فلوسج انتي أنا بعطيها ..
كانت نورة تتأمل المنظر و هي تحبس ضحكتها باستمامته .. و عفرا تقول ..
- لا حبيبتي .. شوه بتاكلين .. انا متعودة انيه ما اتشرا غير عصير لنيه أيمع الفلوس .. انتي كلي و أنا بعطيها ..
قالت دانة بحزم ..
- جب زين .. أونها .. حبيبتي .. ربيعاتيه اشترن ليه قبل لا أظهر من الحصة لنهن ظهرن بدري ..
و التفتت للخلف لتجدهن قد وصلن الى حيث جلست نوف ..
- اندوج .. يالسات يرقبنيه .. نورة شلي .. لا أشلج بطراق .. راحت السوالف و الفسحة علينا ..
التقطت نورة الدرهمين من كف أختهاا و هي تضحك بقوة ..
- ما قول غير مالت عليكن .. حسيت عمريه طرارة و انتن تتحالفن عليه منوه بيتصدق .. ههههههه ..
ضحكن سويه بقوة .. قبل أن تقوول دانه بسرعة ..
- يا الله عيل أنا سايرة ..
قالن معا ..
- برايج ..
ثم التفتت نورة لعفرا ..
- سيري لعلايه .. هاي منى ياية قداي ..
- أوكيه ..
و استدارت متوجهه نحو صديقتها التي كانت تقف على مقربه منهن ..
ابتسمت نورة بحب حقيقي .. و هي تراقبها تبتعد قبل أن تلتفت لدانة التي توسطت صديقاتها .. و هي تضحك بمرح .. ممسكة بيدها علبة عصير ..
.
.
شيء غريب اضطرم به صدرها ،، و هي تراقبهن بهدوء ..
واقفة في مكانها .. و تدفق الفتيات يفصل بينها و بينهن ..
قلبها يخفق بتواتر منتظم .. و هي تضم القطعتين النقديتين المحتجزتين في كفها لصدرها ..
هؤلاء هن أخواتي ..!

* * * * *

استرخى في مقعده و هو يرتشف جرعة كبيرة من القهوة التي في كوبه ،، يراقب ابن عمه الذي بدا غارقا في جهاز الحاسوب المحمول خاصته ،، ليسأله بفضول ..
- شوي لا تنطح الشاشة .. أحمدووه شوه هالشطارة لي طايحة عليك .. شعندك في الاب ..
رفع أحمد رأسه ببؤس و هو يضيق ما بين حاجبيه بضيق ..
- لا ترمس .. الله يغربل الهندسة .. لو مسوين للشيبان طاف و حادرين العسكرية و الا الشرطة شرا سيف خوك .. كان نحن فنعمة ..
هز هزاع كتفيه بابتسامة ..
- هانت ياخي .. ما بقى الا سنتين ..
تنهد أحمد بحسرة ..
- أخخ لا تذكرنيه .. أحس أيام عمريه الثمينة تضيع في هالخريط .. أنا ما رمت على الأوتوكات ،، ياخي .. و الله أحسنيه هب فاهم شي بالمرة ...!!!
وضع هزاع الكوب جانبا باهتمام..
- حتى أنا هب فاهم فيه شي ..!! بس شوه بنسوي .. يا نشوف الدكتور يعيد لنا ع السريع و الا يعقب .. و الا واحد من الشباب يفهمنا .. تعرف .. لو داخلين هندسة ميكانيكية و قاصين ع الشياب ..
غمز بعينه و هو يردف بابتسامة ..
- ع الأقل هاي شغلتناا ..
أحمد لا يرفع عينه عن الشاشة ،، و وجه يركز بقوة ..
- قاصين ع الشيبان أونه .. سوها لو بتروم عليها و أنا وياك ..
تراجع هزاع في مقعده ..
- بعدنيه ما تخبلت ..
لم يرد أحمد الذي بدا منخرطا في ما بين يديه ،، راح هزاع يجيل بصره في وجوه من حوله .. كان الكثير من الطلبة يملئون المكان .. مختلف الأشكال و الأعمار .. هذا الفرع من الجامعة يجمع تخصص الهندسة بالإدارة ..
اصطدمت عيناه بذاك الوجه و لم يستوقفه .. و لكنه عاد للحظة لينظر إليه مرة أخرى ..
يمعن في رؤيته و هو يضيق عينيه متسائلا ..
- أحمد ..
لا يترك التركيز ..
- هممم ..
- الريال لي واقف هناك .. شكله هب غريب عليه ..!!
أحمد لا يقتلع عينيه عمّا يدقق في رؤيته ..
- امنوه ..
اغتاظ هزاع و لكمه في كتفه بعنف ..
- خوز خشمك عن الاب شوي و بتشوف .. الريال لي لابس كندورة نيلية عند الباب ..
رفع أحمد عينه بضيق من تلك المضايقة ..
- الشباب كلهم لابسين كنادير نيلية ..
أشار هزاع بعينه ..
- راعي الغترة الحمرا لي واقف عند الباب ..
التقط أحمد ببصره وجه الشاب المقصود ،، أمعن فيه للحظات قبل أن يلتفت لهزاع بتردد ..
- هيه و الله .. ويهه مألوف ..!! بس ما عرفته ،،

* * * * *


- الحمد لله ..
تمتم جده بتلك الكلمات و هو ينهض عن السفرة التي عمرت بكل ما لذ و طاب من أطعمة ،،
شيء يفوق مقدرة الثلاثة أشخاص الذين جلسوا عليها ..!!
راقبه و هو يختفي في المغاسل القريبة المجاورة لغرفة الطعام ،، التفت إلى جدته الجالسة قربه بهدوء .. ليقع ناظره عليها و هي تقضم خبزه جافة بصمت و عيناها الضيقتان غارقتان في شيء خلف الصحن الذي وضع أمامها ..!
ابتسم بحنان و هو ينبهها ..
- أمااه ..
انتفضت قبل أن ترفع عينها له .. سارعت بالتقاط الملعقة ..
- تبا عيش فديتك ..؟؟
مد يده الكبيرة يمسك معصمها النحيل لتترك الملعقة ..
- أبا أرمسج ..
عيناها تتعلقان بعينيه بتساؤل .. قبل أن يقول بابتسامة صغيرة ..
- باكر الصبح بتييج هنيه ..
لا زالت نظرت الاستفسار تعلو وجهها الذي تزاحمت فيه التجاعيد .. لم تفهم ما يقصد ،،
- منوه ..؟
يعلم أي فرحة ستستبد بقلبها بعد ثوانٍ ..!
- حرمتيــــــــــه ..!
كاد يضحك و هو يقولها .. زوجته ..! إنه لا يعرف حتى كيف تبدو ..
و لكن السعادة كست وجه جدته و هي تقول بهمس مفعم بفرح ..
- حـــور ..!!!
الآن يشعر بالاسم غريبا للغاية .. يعلم أن هذا اسمها منذ أشار له جده بالزواج منها .. و لكنه اعتاد على تلك الألفاظ التي تطلق عليها ممن يجهلونها .. ابنة عمه .. زوجته .. ابنة حمد كما اعتاد جده أن يقول ..!!
و لكن جدته قالتها ببساطة الآن .. الغريب أنه نسي أن لتلك الفتاة اسمٌ يطلق عليها .. بخلاف ما قد يتعلق به ..!!
لا يهتم لكل ذلك .. ما يهمه حقا هو تغير وجه أمه الذي شعّ حبورا الآن و هي تترك قطعة الخبز .. تتلفت حولها للحظات ..
بدت كالضائعة .. !
غير مصدقة .. و نمت عن شفتيها الصغيرتين ابتسامة حب غير متوقعة ..!
لما كل هذه السعادة ..؟؟ هي لم تعرف تلك الفتاة يوما .. و لم تلتقيها قط ..
هل كل ما يتعلق بحمد .. سيروي شوقها ..؟!
أمتلهفة للقاء من هي قطعة منه .. هل تنتظر رؤية ابنها في عيني تلك الغريبة القادمة في الغد ..؟؟
الآن ساوره قلق .. بدت جدته مندفعة قليلا في مشاعرها .. متأثرة بابنها البعيد ..
قد يجعلها ذاك قابلة للأذى .. هو لا يعرف الفتاة أبدا .. و لا يعرف ما الذي قد تكنه لتلك العائلة التي تخلّت عن أباها ..
قد تكون حاقدة عليهم .. أم .........
!!
هذه الفكرة لا تلبث أن تسكن نفسه .. لقد رأى الفقر المدقع برأيه الذي يعيشه عمه و أبناءه ..!
إذا كانت حاقدة عليهم .. و تعلم لما لازال الغفران خارج حدود علاقاتهم المعقدة ..
فلما ستوافق على الزواج به ..؟!
لا إجابة لهذا السؤال سوى تفسير واحد .. و هو واثق من هذا الشيء ..
لابد أنها ترى بأن لها حقا في ما تملك عائلة سيف .. فهي حفيدته ،، الوقت الذي تقضيه في ذاك البيت الضيق .. يتنعمون هم هنا بما لا يملكه أبيها ..
.
.
شعر بشيء من البرود يعتمر صدره ،، و هذه الأفكار تغزو مخه تباعا .. عجبا ..!!
كيف لم يفكر يوما بكل هذا ..؟! عقله الحديدي الذي لا يغفل عن شيء أهمل هذه النقطة ..
تلك الشابة وافقت على الارتباط به رغم أنها لم تعرفه يوما و لم تره ،، و سكتت عن تجاهله لها و إهماله وجودها ..!
هل تخفي في نفسها مآربا لم تصلها بعد ..؟!
الآن حقا بدأ يقلق على جدته ..
عقد جبينه بضيق ،، و بدا وجهه الصلب غارقا في التفكير ،، قبل أن يصله صوت جدته و هي تسأل بلهفة ..
- و أبوك سيف ..؟؟
الآن تتصاعد القسوة في روحه .. لو تجرأت تلك الغريبة على أذية قلب هذه العجوز ..
سيسحقها ،،
بلا رحمه ..!!
ابتسم بجمود و هو يقول ..
- خليه عليه ..
و ترك ما بيده ليهب واقفا ..
رفعت عينها عن صحنه لجسده الطويل و هي تعترض ..
- ما تغديت ..
نظر لها بحب ..
- شبعت فديتج .. بسير أشوف ابويه سيف ..
أومأت برأسها قبل أن تستفسر بتردد ..
- منوه بييبها باكر ..؟
هز رأسه ببساطة ..
- الدريول ..
عقدت العجوز جبينها بضيق ..
- و ليش الدريول لي بييبها .. انته شوه شغلتك ..؟ هب حرمتك هاي ..؟
قال بهدوء ليسيطر على أحاسيسه الغريبة . أصبح ينفر حقا من لقياها ..!!
- أمايا فديتج أنا عنديه أشغال باكر في الشركة ..
فجعت العجوز بما يقول ..
- باكر اليمعه ..!!
ابتسم لها ..
- أنا هب في المدرسة أعطل يمعه و سبت .. عنديه أشغال لازم أقضيها ..
كان الإحباط جليا على وجهها ..
- يعني ما بتشوفهاا البنية ..؟!
كان صارما و هو يقول ..
- لا ..

* * * * *

كانت عقارب الساعة تشير للثالثة إلا ربعا حين دلف البيت حاملا بيده بطيخة طازجة كبيرة ،،، علت الابتسامة وجوه أبناءه الذين كانوا ينتظرونه كعادتهم كل يوم حين عودته من العمل ..
سارعت ابنته الكبرى تحمل البطيخة عنه و هم يسلمون عليه تباعا .. ليسألها ..
- حور أمج وين ..؟؟
تقول بهدوء و هي تحمل البطيخة بثقل ..
- في حجرتا .. بعدها تعبانه شوي ..
هز رأسه و هو يخلع عمامته ليستريح أرضا ..
- خلاص هاتي الغدا .. و عقبها قطعي نص هاليحة و النص الباقي خليه في الثلاجة خالتكم عذيجة بتيي العصر ..
هزت حور رأسها بطاعة لتنهض عفرا من مكانها لمساعدتها .. اختفت الاثنتين في المطبخ .. و التزموا البقية الصمت و أبوهم يسند رأسهم على الجدار بتعب شديد .. الحقيقة أن الحر يزيد من تعبه الآن .. يشعر بأنه لن يستطيع المتابعة على هذا المنوال ..
لحظات و تفرش عفرا السفرة على الأرض لتقبل حور بصحن الغداء الخاص بأبيهم ..
تناول غداءه بهدوء وسط سكونهم ،، و حالما انتهى .. هب من مكانه ليغسل يده في المطبخ ..
كانت أعينهم تتبع مشية أبيهم المتعبة ..و هو يتحرك ببطء و كأنما أنهكه السير على قدميه ..
بعد خروجه من المطبخ أشار لحور آمرا ..
- تعالي الحجرة .. أباج ..
و دلف حجرته دون أن يزيد بحرف واحد ..!!
تبادل الجميع النظرات بتوجس .. لتهمس دانة بخفوت ..
- حور شوه يبابج أبويه اروحج ..؟؟
اتسعت عينا نورة بذعر ..
- ليكون درا بلعب البارحة و الا حد سمعنا من ييرانا و اشتكاله ..
انتفضت حور من الفكرة ..
- فال الله و لا فالج ..
قالت عفرا بعقلانيه ..
- ما اظن .. لو درا كان لعن خيرنا كلنا .. بس شكله يبا حور اروحها في سالفة ..
و نظرت لحور باستفهام .. لتهز الأخيرة كتفيها بعدم دراية ... و مزنة تمط شفتيها بضيق .
- يعني لعبتن البارحة ..؟؟ حووووور ليش ما لعبتينا وياكن ،، خليتينا نسير نرقد ..
حور كانت تفرك يديها بتوتر ..
- هب وقتج انتي الثانية الحين .. فكينا من حشرتج ..
قال نايف و هو ينبطح يلتقط رزمة الكتب المجاورة له و يفردها ..
- ابطيتي على أبوية كان ما تبين تتصفعين ..!
هبت من مكانها بسرعة .. لتتوجه نحو الغرفة ..
راحتيها تعرق دون توقف .. و نبضاتها في تعاقب سريع .. ترفع يدها المرتجفة لتطرق الباب ..
يأتيها صوته من الداخل ..
- تعالي ..
فتحت الباب بهدوء .. لترى أن أمها راقدة على فراشها و قد لفت الغطاء حول جسدها النحيل بالتفاته كاملة ..
في حين استرخى والدها جالسا بجانبه ..
أشار لها بعينه أن تجلس قربه .. تقدمت بصمت لتجلس جانبه و تدس يديها في حجرها كي لا يلاحظ توترها .. و ذعرها مما ينتظرها ..
فرك أبوها عينيه بإجهاد حقيقي و هو يزفر ببطء .. لا تعلم لما بدا لها وجهه مختلفا في تلك اللحظة ،، سماره الحالك نتيجة عمله تحت أشعة الشمس الكاوية .. و خطوط التجاعيد المتجمع عند زوايا عينيه و حول فمه ..
و تلك الأيام المجحفة قد رسمت آثار مرورها على وجهه ..
انعكاس القوة و الجفاف في عينيه بدا ضعيفا في تلك اللحظة و هو ينظر لقدميه الممدودتين بتعب أمامه ..
قال بصوت جهوري .. لم تخشى أن يوقظ أمها بما أنها لا تسمع ..
- انتي ترمسين ريلج ..؟
.
.
تقطعت أنفاسها بذهول شديد .. آخر ما توقعت أن يتفوه به في تلك اللحظة ..!!
نظرت له غير مدركة ما يعني ..!!
عاد يكرر سؤاله ..
- اسألج .. ترمسين ريلج ..
هزت رأسها نفيا و صوتها المبحوح يهمس ..
- لا ..!
.
.
.
.
كان يراقب تعابير وجهها المرتبك ،، لا يعلم لما تشعر بهذا الانفعال و التوتر ..
و لكن شيء اعتصر فؤاده حين ردت بتلك الإجابة ،، كان لديه بصيص من أمل .. بأن ابن عمها الذي لم تقابله طوال حياتها و لم تره حتى يوم عقد قرانها ..
قد يتواصل معها .. الآن و تلك الإجابة القاطعة التي أتت كوخزه تأنيب له و هو يراقب وجهها الصافي المتطلع له .. أهدابها ترف بقلق دون توقف ..
راح يخمد تلك الأصوات التي أقلقت ضميره .. لابد أنه يراعي مشاعر جده و أنه سيتعرفها عن قرب عاجلا أم آجلا فلِما الاستعجال ..؟! أليس طلبه أن تلتقي جدته بشارة خير ..؟!
جدته،، و جدتها ..!!
تنهد بصوت مسموع .. نسي أن ابنته لا تزال هنا .. و هو يرخي جفونه المثقلة .. ليراها خلف ستار الظلام ..
تلك المرأة .. تلك الحبيبة ..
شيء كاللهيب اجتاح قلبه .. يحرقه ..
أمـــه التي كان آخر عهده بها قبل هروبه بأسبوع .. تلك الدموع .. و تلك التوسلات ..
لا .. لم يرحمها ..
لقد أحرق قلبها .. لقد كسرها .. تلك المشاعر الجميلة التي يمكن أن تكون قد حوتها يوما ما ..!
و رحــــل ..!
أما زالت تذكره ..؟! .. تشتاق إليه .. و تحن للقياه .. ؟؟
ألا زالت تنتظره ..؟!
الحقيقة أن هناك ما يثقل قلبه منذ دهر ،، حنين جارف لأحضانٍ تلملمه ،،
و تجمع شتات أحزانه ،،، و يكتم صوت صيحات ،،
تطالب رحمةٍ منهم .. و أن يعفوا .. و أن ينسوا ..
و أن يصلوه بعد الهجر قبل أوانٍ يقترب ..
و بعد الحين .. لن يجدوه ..
يكتمها الصرخات ..
فلا تسمع ..!!
و تدفن بين أضلعه ،، ليفتت روحه الخذلان ،،
بنيران تعربد داخل الروح ..
كم يتمنى ..!
فقط يتمنى ...!!
.
.
- ابويـــه ..!
فتح عينيه متفاجئا .. ليلتقي بنظرتها القلقة .. كان قد نسي وجودها .. تحمحم بصوت مرتفع و هو يجلي حنجرته مما سدّها .. و هو يقول بصوتٍ خشن ..
- ريلج اتصلبيه ..
اتسعت عيناها و الذعر يتنامى داخلها .. اتصل ..!!! ماذا يريد ..؟؟
تابع أبوها و هو يركز على أطراف أصابع قدميه ..
- يقول انه يباج تسيرين تسلمين ع يدته ..
صمت للحظة قبل أن ينظر لها بصوت غريب ..
- يدتج .. !
نظرت له دون أن تستوعب ما قال للتو ..!
تذهب هي لتسلم على جدته .!! ماذا يعني ذلك ..!
جدته التي يفترض بها أن تناديها هي أيضا بجدتها .. و لكنها لا تشعر بأي صلة تربطها بتلك المرأة ..!
المرأة التي لم تصادفها يوما طوال حياتها .. المرأة التي يفترض بأنها هي من أنجبت أباها رغم ذلك لم تقع عينا حور قط عليها ..
من هي لتضطر إلى الذهاب إليها ..!! من هي تلك المرأة التي يصدر حفيدها الأوامر ..
يريدها أن تفعل .. !! أن تأتي .. أن تذهب ..!
أهي عبدته ..!!
شعرت بقلبها يتميز غيظا و هي تكتم كلماتها التي قد تزل بها ..
لتقول بهدوء و عقلانيه ..
- هب المفروض انهم هم لي ييون بيتنا .. ؟!
رفع أباها عينه مغتاظا مما قالت لينهرها بحدة ..
- أمايا تعبانه ..
ألجمها الألم الذي انعكس لوهلة في أفق عينيه و هو يضغط على شفتيه و يردف بصوت مختنق ..
- و مطرشة عليج تبا تشوفج .. لا تزيدين في الرمسة.. باكر الصبح بيي الدريول و يشلج .. تسلمين عليها ..
صمت لثوانٍ .. لما نطق عباراته الأخيرة بأمل ..؟!
لما لمعت عيناه هكذا ..؟ هل هو سعيد بقرب أمه من ابنته // منه ..!
هل يتمنى أن يكون في مكانها ..؟ .. أن يذهب هو .. أن يراها .. يسلم عليها ..؟!
لا تعلم .. بلع ريقها و هي تسأل بخفوت ..
- أسير بروحيه ..؟
لم يفهم مقصدها نظر لها متسائلا .. فقالت بصوت مرتجف ..
-أبا حد يسير ويايه ..
قال بصرامة ..
- أنا ماروم اسير وياج .. تبين حد من البنات تسير ما عنديه خلاف ..
بتر الكلمات قبل أن يعود ليقول مفكرا ..
- و الا أقولج .. شليهن كلهن وياج .. الا مزنة و هند خليهن هنيه .. ابا البنات الكبار يسلمن ع يدتهن ..
لا تدري لما يثير حنقها ذاك الشوق الذي تلمسه في صوت أبيها كلما ذكر أمّه ..! تلك المرأة نسيته لسنوات و لازالت ..
لماذا يشتاق إليها إذا ..!!
صوته الهادئ يعود ليقول ..
- خبريهن باكر الصبح يتزهبن تسيرن هناك و تسلمن عليها و تردن البيت ..
شيء واحد فقط أثار حفيظتها لتقول بصوت جازم ..
- أبوية ما بسير الصبح ..
قال بقوة ..
- بتسيرين غصبن عنج ..
ذعرت من نبرته الشديدة و قالت تهدئه ..
- بسير يا بويه . .بس الصبح ماروم .. باكر الجمعه اذا سرت أنا و البنات بيخلا البيت .. امايا تعبانة منوه بيسوي الغدا و يعابل الصغاريه و البيت ..؟!
نظر لها لبرهة .. دون أن يجد عيبا في كلامها ..
مع أنه طلب أن يتم حضورها صباحا .. إلا أن التأخير لن يضري أحدا ..
فلينتظروا اذا ..
- خلاص هب مشكلة الدريول بيتم الين تقظن مشواركن .. بتسيرن العصر ..؟
أومأت موافقة و هي تبلع غصة أوجعت قلبها ..
لا تعلم لما شعرت بأنها رخيصة و هي تتوجه لبيت زوجها بأمر منه ..
وجّه لأبيها ..!

* * * * *

لا زال الذهول مختلط بعدم التصديق على وجوههن منذ أخبرتهن حور عن سبب انفراد أبيها بها ..!
لم يبدن أدنى اعتراض ،، و كأن الأمر مزحة ما أو غير حقيقي ..
و لا زال الشك يلوح في عيونهن ،، الحقيقة أن ردة فعل المها كانت الأغرب ..!
بدا الضيق على وجهها الحلو و هي تعقد جبينها بشدة من أن شرحت لها حور الأمر .. فقط لوحت بيدها غاضبة دون تفسير و دلفت المطبخ لتعد الشاي لخالتهن التي كانت قد وصلت للتو و جلست عن أمهن ،، تنهدت حور ببطء ..
تشعر بتبعثر مشاعرها ..
لا يمكنها أن تشعر بما يخالجها الآن ..
شيء واحد كانت متأكدة منه ،، أن زيارة الغد قد تحمل الكثير ..
.
.
- حوور .. ؟
انتشلها صوت شقيقها الأصغر من أفكارها .. لتلتفت له بعينٍ شاردة ..
- همممم ..؟؟
- مايد في الميلس يبا يسلم عليج ..
طارت تلك الأفكار التي اختنق بها فكرها المشغول و ابتسامة حلوة تعلو شفتيها و هي تصيح بشوق ..
- في ذمتك ..؟؟؟؟؟؟؟؟
لم تنتظر إجابته .. وقعت عيناها على المها و هي تحمل صينية احتوت على إبريق الشاي و أكواب زجاجية ،، لتشير لها بسرعة أن تعد إبريقا آخر لمجلس الرجال .. ثم تهرول إلى هناك بفرحة ،،
أنستها ما عاث في خاطرها من قلق بشأن الغد ..
حال وصولها للباب المجلس ابتسمت و هي ترى حذائه عند الباب .. لوحده هنا ..!
أطلت برأسها بخفة قبل أن تقرع الباب لتجده جالسا في الطرف الأبعد من المجلس الضيق .. كان ينظر للأسفل بحده ساهما .. ابتسمت بحب و هي تفكر .. بما الذي قد يشغل باله ،،
شعر هو بشيء يسد مرور ضوء الشمس عبر الباب ليرفع عينه فيراها واقفة تطل برأسها و هي تبتسم ،،
ابتسم فور رؤيتها .. و هي تقول معاتبة ..
- بعض النااااااااااس .. مقاطعينااا لهم أسابيع محد يشوفهم ..!!
فتح ذراعيه و هو يقول ،،
- ما عندهم سالفة هالناس ..
اقتربت لتسلم عليه بسعادة ثم تضربه على كتفه ..
- مالت عليك يا الدب .. وينك غطيت مرة وحدة .. شحالك ،، شوه اخبارك .. و علومك .. رب ما به يديد .. حد يا كم من مكان ..؟ تولهت عليك ..
ثم تذكرت لتقول و هي تصفق بيديها ..
- حصلت شغل ..؟؟
ضحك مايد بأريحية و هو يعود ليجلس على الأرض فتجلس الى جانبه .. و عيناها متعلقتان به تنتظر اجابه شافية لسؤالها ..
- خييييييبة .. يا حور .. شوي شوي .. كلتينيه .. الحين بشوه أرد أول ..
قالت بلهفة ..
- حصلت شغل ..؟؟
.
.
شعر بوخزه في ضميره قبل إن يقول بهدوء ..
- لا هاي سالفتاا طويلة .. أول شي أنا بخير الحمد الله .. شحالج انتي ..؟
رفعت ابهامها بنصر ..
- ترتوب الأحوال .. كالعادة ..
- خالوه شحالها ...
عقدت حاجبيها بعدم رضا ..
- فديتاا أمايا مادريبها هالأيام شوه مستوي عليها .. كله تعيانة و ميهودة .. حتى العيشة ما تطب ثمها ..
هز رأسه بأسى ..
- هيه تراه أبوج اتصل بامايا اليوم و قالها تيي تشوفها ..
رفعت حور حاجبها و هي تنظر له باستنكار ،،
- أفاا .. يعنتي لو ما أبوية اتصل ما كان ييت هنيه ..؟؟
ابتسم و هو يمسك بكفها الصغير ..
- لا و الله ،، امبونيه بيكم اليوم .. حسيت انيه مصختااا وايد .. و عبيد كان بيي ويايه .. بس ربعه اتصلوبه قبل لا نظر .. و يسلم عليج ..
- الله يسلمه فديته .. هذا السبال من زماااااان عنه .. شوه مسوي في الجامعة ..
هز رأسه برضا ..
- ماشيه أموره الحمدالله .. و ........
قاطعة طرقات على الباب .. لتهب حور من مكانها قبل أن تدخل عفرا و هي تخفي وجهها خلف الغطاء ..
- السلام عليكم ..
هب مايد واقفا في مكانه ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
التقطت حور صينية الشاي من بين يدي عفرا التي نظرت لمايد ..
- شحالك مايد ..
- الله يعافيج ،، عفرا ..؟؟
- هيه ..
- شحالج ،، و علوم الثنوية العامة وياج ..
- يسرك الحال ،، الحمد الله كل شي تمام ..
- الله يوفقج ..
هزت عفرا رأسها تهم بالخروج ..
- يوفقنا يميع .. يا الله أترخص ..
و خرجت من المجلس للتقدم حور بالصينية و تضعها أرضا عند مايد الذي عاد ليجلس لتصب له بعض الشاي ..
مدت الكوب و هي تسأله ..
- الحين ما قلتليه .. لقيت شغل ..؟؟
التقط كوب الشاي بتوتر .. ليضعه أرضا .. نظر إليها لبرهة ..
عيناها تنتظران رده ،، لا بد أنها متلهفة لسماع تلك الحكاية الطويلة التي وعدها بها ..
و للحظات راوده شكٌ غريب ..
هل سيرى نظرة التسامح على وجهها الصافي بعد لحظات ..؟!
كان هادئا للغاية و هو يلتقط كوب الشاي ،،
- و الله تعرفين من متى و أنا ادور شغل ،، ما خليت مكان و لا دايرة و لا حكومة الا و قدمت أوراقيه .. و كلهم نفس الرد .. بنتصل بك .. بنتصل بك ،، و هاي الشهور تخطف و محد اتصل ..!!و الله يا حور ما خليت مكان تتخيلينه و ما تتخيلينه الا و قدمت أوراقيه طالب شغل .. بس ما شي فايدة .. هاي يستقدمون الخبرات الأجنبية و عيال البلاد هب محصلين لقمة العيش ..!! ،، ادري ان شهادتيه عادية و هب مطلوبة .. و انالمعهد دراسته ما تساوي دراسة الجامعة .. بس نحن أولى و الا شرايج ..؟!
نظر للحيرة التي سكنت عينيها ..
لماذا يسرد ما تعرفه جيدا ..؟! أهناك شيء آخر ..؟؟
- يعني ما لقيت شغل ..؟؟
تنهد بهدوء .. سيلقي ما في جعبته مرة واحدة ..
- الاسبوع لي طاف واحد من ربعيه خبرنيه عن شركة يديدة توها فاتحة و هاي الشركة تابعة لمجموعة شركات معروفة ،، يمعت أوراقيه .. و سرت الشركة اليوم و قدمتها ..
ابتسمت بتفاؤل ،،
- حلوو .. و متى بيردون عليك ..؟
قال بثقل ..
- الاسبوع الياي .. بس ما سألتينيه شركة منوه هاي ..
كانت عيناها تشعان حماسا ..
- شركة راعيها .. أهم شي انك تحصل شغل ..! بس ليش أسأل معروف راعيها ..؟؟
ابتلع ريقه .. و ركّز بصره على ملامحها ..
ماذا ستقول يا ترى ..؟
- آآ .. هيه تعرفينه ..
ضحكت بقوة و بانت أسنانها البيضاء الصغيرة ،،
- أوووف .. أعرفه .. - ثم أردفت مازحة - قوليه منوه تعرفنيه راعية واسطة أنا بخلهم يقبلونك .. شوه واحد من معجبيني و الا يطلع في التلفزيون ..؟؟
قال بهدوء ..
- مادري .. بس لو طلع ما بتعرفينه ..
ابتسمت و هي تغمز له ،،
- شوه لغز .. أعرفه و ما أعرفه .. امنوه راعيها ..؟؟
ألقى بكلماته بهدوء ..
- ريلـــــج ..
لثوانٍ رنت الكلمة في جو المجلس الهادئ ،، عدم الفهم يرتسم على ملامحها للحظات ..
.
.
تعقد جبينها الآن بادراك قاسي .. ثم استنكار ..
تمعنت في وجهه المترقب بلهفة لما تقول .. همست بقوة ..
- في شركتهم ..؟؟
أومأ برأسه آسفا ،، تنظر له و هي مذهولة .. لا تستطيع تفسير ما يخالجها ،،
أ هي خيبة ..؟! .. حيرة ..!
أم شيء لم تدرك كنهه ..؟
فقط صوته المعتذر يقول بهدوء ..
- قبل لا تزعلين و تيلسين تعاتبينيه .. فكري ،، من متى و أنا أدور شغل ..؟؟ راحت أياميه و أنا يالس عطالي بطالي .. يوم لقيت الفرصة قلت ليش ما أجرب حظيه .. يمكن يقبلونيه هالمرة .. حور أنا ما استغليت علاقتكم بهم .. و أنا خبرت أبوج قبل لا أقدم في الشركة و قال إن ما عنده اعتراض ع السالفة .. !
ثم نظر لها برجاء ،، و كأنما لا يريدها أن تسبب مشكلة بينهما من أجل ما لا يستحق ..
لا تنكر ذاك الضيق الذي اكتنف صدرها و هو يفاجئها بما يحمل ،،
و للحظة تأملت وجهه المترقب .. واثقة بأنه لن يتوانى عن ترك هذه الفرصة إذا طلبت منه ذلك ..
و لكن هل يحق لها بأن تفعل ..؟ .. أن تحرمه هذه الفرصة لمجرد عدم ارتياح يراودها من أولئك الأقارب الذين لم تلتقيهم قط ..؟!
أم عليها أن تتجاهل نزعة الأنانية التي تملكتها و هي تفضل بقاءه بلا عمل على أن يقتربوا منهم ..!!
.
.
هل لها أن تمنحه الراحه ،، أن تبتسم لأجله .. و تخبره بأن لا مانع لديها ..؟؟
يصعب ذلك عليها .. و لكنه ليس بمستحيل ..!
.
.
نمت عن شفتيها ابتسامة حلوة و هي تشد على أنامله ،،
تلك الراحة التي علت محياه تستحق الكثير ..!

* * * * *

يريح أصابعه على خدّه و الشرود بادٍ في عينيه ،، وجهه المريح بدا غارقا و هو يتخلخل لحيته بأصابعه بين الفينة و الأخرى ..
ارتشف هو فنجان القهوة الذي بيده قبل أن يقول بصوت عالٍ مازح ،،
- بعطيك عشر ربية و سر الحلاق قصر هاللحية لا يشلونك ،،
.
.
اخترقت الكلمات مسامعه بقسوة .. و لها وقع الشوك في قلبه .. كيف لأبيه أن يقول هذا ..
اعتاد على سخرية أبناء عمه من التزامه و إعفاءه للحيته .. و لكن أبوه ..
نظر له بعتب ..
- أفاا يا بو سيف .. تبانيه أحلق لحيتيه ..؟؟!!!
.
.
شعر هو بالحرج ،، و كأنما صغّرته الكلمات التي رماها بلا اهتمام منذ لحظة في عيني ابنه ,,
ليبرر له بابتسامه ..
- خايفك عليك يا بويه ما تسمع كل يومين و هم شالين حد ..
لم يجبه سيف .. أخفض عينه صامتا .. يلفه الغموض الهادئ .. تمنى أبوه للحظات لو أنه لم يتلفظ بالكلمات ،،
بدا ذاك بعيدا ..
بعيدا للغاية ..!
دقائق تمر و لا صوت يخدش جدران السكون ..
- سيف ..
التفت له باهتمام ..
- عونك يا ابويه ..
- عانك الرحمن .. بلاك هب ويانا ..
ابتسم بحلم ،،
- اسمحليه يا الغالي .. أفكر في الدورة لي طالبينيه فيها ..
هز أبوه رأسه ،، يخفي الضيق الذي يخالجه كلما تذكر ابنه الذي خرج عن نطاق عمل العائلة ..
- لو انته كافي عمرك الشر و تشتغل ويا اهلك هب أخيرلك ..؟؟
لم تختفي ابتسامته الهادئة ..
- ما عليه يا بويه .. أنا مرتاح في شغليه .. و التجارة ماليه فيها و لا في معاملاتاا ..
عقد أبوه جبينه ..
- الحين مرتاح .. باكر بتعرس .. و بتتلعوز ويا شفتات الشرطة .. يوم مظهرينك الفير .. و يوم تالي الليل .. شتبابها المغثة و الراحة عندك ..؟؟
أجبه مجددا ،،
- أنا مرتاح في دواميه يا بويه و ما به مغثة ..
انفتح الباب لتتوجه أعين الاثنين نحوه ،، دلف هو بتعب و توجه رأسا نحو أبيه يسلم عليه ،، ثم التفت نحو أخيه الأكبر الذي هب واقفا ليبادله السلام ..
- السلام عليكم ..
ردوا سلامه بصوت واحد ،،
- و عليكم السلام و الرحمه ..
جلس على الجلسة المنخفضة و هو يفرك عينه بارهاق .. يسأله أبوه ..
- هاا يا بو سلطان .. علومك ..
نظر له هزاع بابتسامة ،،
- ابد و الله يابو سيف ما به علم .. كسرتنااا هالجامعة ..
أومأ أبوه برأسه ينقل بصره بين ابنيه الذين بدآ بتبادل الأخبار بحديث سريع ،، كم هما مختلفان ..
رغم ذلك بدا أن سيف يلعب دور الرقيب على أخويه أكثر منه هو ..!!
انتشله صوت سيف الذي قال لأخيه وهو يصل للباب بحزم ،،
- لا ترقد .. ما بقى شي ع صلاة المغرب ..

* * * * *


>>

.: المــاس :.
27-11-2007, 12:32 PM
- اماااااه .. - ثم أشارت بيدها و هي تجمع رؤوس أصبعها لفهما و ترفع الصوت - عشاا عشاا ..
نظرت أمها بوهن للصحن الذي وضعته للتو أرضا قبل أن تشيح وجهها و هي تشير رافضةً الطعام ..
- لاااا .. بس ..
ألحت عليها و هي تعقد جبينها ،، لا يمكن أن تستمر أمها في الإضراب عن الطعام بهذا الشكل ..
- أمااا - و تربت بيدها على صدرها - عشانيه ..؟؟
لكن أمها لم تطاوعها ،، شعرت بالهم يغزو روحها و هي ترى هذه الحبيبة تزداد نحولا .. ما خطبها ..؟؟
هي قلقة للغاية .. تخشى أنها مصابة بمكروه فيما هم غافلون عن ذلك ..!!
.
.
لم تكن تلك الليلة كغيرها من الليالي ،، منذ خرجت خالتهم قرابة المغرب مع ابنها لبيتهم ..
انشغل الجميع في ترتيب أمورهم .. و لكن بدا واضحا لأخواتها أنها تتحرك بآلية دون توقف.. عيناها المركزتين لا يمكن أن تكون أكثر دلالة على شرودها ..
كانت تشعر بتزاحم خواطرها يشتتها ،، حالما أوت هند و مزنة و نايف للنوم ،، و دخل والدهن لغرفته لينام ..
تجمعن ليجلسن على عتبة مدخل الصالة .. حور تسند ظهرها لإطار الباب و تجاورها المها التي بدا أنها تتأمل هذا الشرود الذي سكن عيني أختها .. عفرا تقابلهن و هي تجلس على الأرض الحجرية للباحة .. فيما قابلت نورة حور لتستلقي دانة و تريح رأسها فخذها .. و هي تقول مازحة ..
- حوووووه حووووور .. لي ما خذ عقلج يختي ..!! ليكون تفكرين في اللقاء ..
نظرت لها حور شزرا ..
- قالولج ما عنديه سالفة ،،
قالت عفرا و هي تمرر يدها على النقش القديم في اطار الباب الخشبي ..
- صدق حور شعندج .. من الصبح و انتي سرحانه .. كل عسب سالفة الروحه ..؟؟
تدخلت نورة بسرعة ..
- ما يرزا عليج يختي .. خفي ع عمرج .. بنسير خمس دقايق و بنرد ،، و لا تخافين - و شدت ذراعها تبرز عضلات وهمية - خواتج الوحوش وياج .. مستعدات للدفاع عنج ضد أي هجوم يشنونه الأشرار ..
تنهدت حور باحباط ..
- أقول انتن لي ما عندكن سالفة .. أنا الروحه ما تهمنيه .. و باكر سايرة عسب خاطر ابويه .. و هب خايفة و لا حتى متوترة .. بس ..
مدت يديها بعجز ..
- انتن ما تشوفن أمايا كيف غادية ..؟؟ عنبوه بتموت .. قدها عظام .. و الله انيه خايفة واايد عليها ..
سرعان ما بدأ القلق و الضيق ينتقل لوجوههن جميعا و حور تقلب مخاوفهن .. قالت دانة بصوت تعيس ..
- فدييتج يا أميه ،، حتى الرمسة ما فيها الحيل ترمس .. و لا العيشة تباها ..
تنهدت نورة ..
- خالوه تقول نصبر الين يوم الأحد و بتشلها الدختر .. حور بتسيرين وياهم ..؟؟
هزت حور رأسها بلا ..
- وين أسير و منوه بيتم هنيه .. خالوه أكيد بتيي الصبح .. انتن في المدرسة و مهاوي اروحها ..
أومأت عفرا برأسها ..
- الله يشفيها و يسوقلها العافية .. الله يخليها لناا ..
قلن معا ..
- آمين ..
صمتن للحظات قبل أن تعود دانة لتقلب موضوع الحديث ..
- الحين نحن باكر بنشوف يدووه ..؟؟
أومأت حور برأسها بهدوء .. لتعود دانة فتسأل بحيرة ،،
- تهقونها طيبة و الا عوفة ..؟؟
عقدت نورة جبينها و هي تنظر لوجه دانة في الأسفل ..
- مادري ليش أتخيل شكلها ضخمة .. و سمرا .. أحسها بتيي عودة شرات أبوية ..!!
ابتسمت حور في وجه المها التي بدا أنها تراقب شفاههن بتركيز كي تلتقط الحديث ..
- ابويه ريال لازم يي جسمه كذيه .. بس هاي عيوز يمكن غير الحين ..
قالت عفرا بهدوء ..
- أحسها متكبره شويه أو قاسيه .. كذيه أحسبها لنها تقول طرشوليه البنات ..!!!
الآن تتسع ابتسامة حور ..
- سبحان الله نفس الشعور يوم أبوية يخبرنيه .. بس ما علينا منها .. نحن هب سايرات نطلب بيت شعبي .. بنسلم عليها .. و شحالج .. انتي بخير .. و ردينا البيت و نسينا السالفة ..!!
قالت دانة بمكر ..
- يمكن مسوية هاييك العيوز خطة و مواعدة ولد ولدها عسب يشوفج ..!!
ارتعشت أطراف حور و هي تفكر بذلك ..
- فال الله و لا فالج يا السبالة ..
قالت نورة مفكرة ..
- صدق حور تخيلي باكر تكون يايبه عريس الغفلة و تباه يشوفج ..
سدت حور أذنيها بكفيها ..
- انتن بتنطبن .. عنلاتكن لا تروعنيه الحين ..!!
تثاءبت عفرا بشدة و هي تقول بارهاق ..
- طبيهن يختي .. لا تخافين و لاعندج خبر .. و اذا كان موجود .. ما يخصج فيه ارقعيه طاف و بنرد البيت .. أنا بسير أرقد ..
قالت حور و هي تقف في مكانها و تمط يديها بتعب ..
- كلنا بنرقد .. الساعة عشر و نص الحين ..
هزت دانة رأسها بخبث ..
- هيه عسب ننش و ويوهنا راويه ،، هب حلوة ويه حور يي تعبان و ريلها بيشوفها ..
نظرت لها حور بغل و نورة تشارك دانه الضحك .. مدت الأولى يدها لتنهض المها و يتوجهن الى غرفتهن و هي تقول بخفوت كي لا يزعجن الراقدين في هذا البيت ..
- أقول شكلج ما بتنطبين الا لو ياج كف مرتب ..
.
.
حين أراحت رأسها على مخدتها الصلبة في الظلام الدامس بعد انطفاء النور ،، كانت تسمع تهامس نورة و دانه المتحمس عما هو متوقع أن يحدث في الغد .. فيما تمتمت عفرا بارهاق تنهرهن ..
- ايه انتي وياها .. نبا نرقد ..
ردت نورة ..
- ارقدي امنوه ميود رموشج ..؟؟
- حنجرتج الذهبية انتي و هالتغريد .. صخن .. باكر قرن الين تموتن ..
قالت دانه بسرعة ..
- بسم الله علينا ..
حسدت حور في داخلها المها على السكون الذي يصم أذنيها عن هذا الضجيج ..!!
قالت بضيق ..
- دانة و نورة لو ما تبن ترقدن اظهر الصالة و سولفن هناك ..
قالت دانة بسرعة ..
- لا خلاص بنرقد ..بس سؤال واحد حور ..
تنهدت حور بصبر ..
- اسألي ..
- الحين باكر بنشوف ريلج و الا لا ..؟؟
.
.
صرت أسنانها بغضب حقيقي .. و هي تلتقط مخدة و ترميها في الظلام في اتجاه فراش دانه ..
- دااااااااانوووووووه ..!
رنت ضحكات نورة و دانة تشاركهن عفرا ..
فيما تصارع حور ذاك التوتر و هي تكتم ابتسامتها ،،
.
.
صدقا ..
ما الذي قد يحمله الغد في طياته ..؟!

* * * * *

و ها هو النور ،، آية ..
يسلطها الرب على غفوات ابتسامة حين تتشح السماء سوادا ،، آذنة لدموع خافية بالهطول ..
ليقبل فجرٌ جديد ،، حاملا على أكتافه لحظات ستوصم على جبين الذكريات ،، مميزة .. أَ مرّة كانت .. أم سكريّة ..
فكل يوم يمر هو حياتنا .. جزء منها ،،
و كل صبحٍ وليد هو أول ما تبقى من لحظات أيامنا ..
التي حتما ستمضي .. لنتمنى عودتها ذات رحيل ..!
.
.
تتغلغل أشعة الشمس ستار حجرته الواسعة ،، فيما يرتدي فانلته القطنية البيضاء على إزاره النظيف ،، ليقف أمام المرآة متأملا لحيته المشذبة ،، و وجهه الأسمر القوي ..
لحظات و تعلو شفتيه ابتسامه حادة .. يلتقط المشط ليمرره في شعره الكث المبلل ليعيده إلى الوراء ..
لابد أن الجميع رقودٌ الآن فاليوم إجازة رسمية .. و لا يفكر أحد بالنهوض للعمل غيره ..!!
فكّر بأنه لم يكن مجرد عذر للتغيب عن مقابلتها فقط ،،
بل إنه مضطر حقا لقضاء أعماله التي لا تزال تنتظره .. حقا تلتهم هذه الشركة وقته بجنون !
يشعر بالاسترخاء و هو يفكر بأنه سيسعد قلب جدته الحبيبة باحضار تلك - الزوجة - لتراها ..
شخر ساخرا متجاهلا وخزة الذنب .. زوجة .. !! هه .. هل تراه هي أيضا زوجا ..!! أم مجرد توقيع رسمته يداها على ورقة عقد القران ..؟!
لا يهمه أمرها بتاتا .. كل ما يحتاجه أن تمر هذه الزيارة بسلام دون أن تكتشف جدته أكاذيبه و حكاياه الملفقة عن تلك الزوجة التي يفترض بأنه يتواصل معها و يعرف أخبار أبيها ..!
التقط ثوبه يرتديه بسرعة قبل أن يلف - الغترة - على رأسه بمهارة ..
ليلتقط بعدها هاتفه المحمول و محفظته و يترك الغرفة ..
كان ينزل من الدرج الضخم الذي يتوسط الردهة حين وقعت عيناه على جده الذي جلس وحيدا يقلب بين يديه أوراق متناثرة ..
ابتسم بهدوء .. لم يكن له أن يرث حب العمل الذي يجري في دمه إلا مما سقاه هذا الرجل من بين راحتيه ..
رفع الرجل العجوز رأسه و هو يسمع غيث يسلّم بصوته الجهوري ..
- السلام عليكم و رحمة الله ..
نمت عن شفتي العجوز ابتسامة فخورة ،،
- و عليكم السلام و الرحمه ..
قبل غيث أنفه و رأسه ،، قبل أن يلقي بثقله على الأريكة المجاورة .. و هو ينقل عينه بين الأوراق .. و بين وجه جده الذي لا زال يشع بالقوة افتقدها من هم أصغر منه بسنوات ..!
- شحالك يا بويه ..
كان العجوز يركز بشدة و هو يقلب الأوراق تلك ..
- بخير و سهالة ،، بتسرح مكان ..؟
- سارح الشركة .. أميه وين ..؟؟
- عدها فحجرتاا .. بتتريق هنيه ..
هز غيث رأسه بهدوء ..
- هيه .. ما خبرتك ..!
بدا الاهتمام على وجه الجد ..
- بشوه ..؟؟
استرخى غيث في مقعده بابتسامة ساخرة ..
- حرمتيه بتيي البيت اليوم ..
انفلتت الأوراق من بين يدي الجد .. و هو ينظر للأمام مباشرة .. قبل أن يرفع عينه لغيث .. و هو يسأله بصوت غريب ..
- و شوه بيييبها ..؟؟
هز كتفيه بلامبالاة .. يعلم جيدا كيف يوخز أباه .. و يلمسه في وجع ..!
- بتيي تسلم على يدوه .. من ملكت عليها ا يتها .. و اتصلت بها تيي ..
تقلص فك العجوز بشيء يشبه الغيظ .. الا أن عينيه لا تزال هادئة ..
- زين عيل .. أنا ظاهر من الصبح الين في الليل العزبة ..
هز غيث رأسه بابتسامة ملتوية ،،
- بتتغدا هناك ..؟

* * * * *


لا تدري حقا لما بدا لها أن العصر يهرول قادما ،، و أن اللحظات لا تطول ..
لا تريد لعقارب الساعة ان تواصل السير إلى العصر ،،
فلتتوقف الثواني قليلا تريد التقاط أنفاسها و تهدئة روعة قلبها الذي راح يقرع أبواب صدرها بجنون ،،
ول كن العصر أقبل بعد صباح لم يكن قط أقصر في حياتها ..!!
تمرر المكواة على غطاء وجهها الثقيل بيد ترتجف .. و مئات الصور ترتسم في مخيلتها لذاك اللقاء الحتفي الذي ستعيشه بعد قليل ،،
أسدلت أهدابها لوهلة و هي تسحب نفسا عميقا ،، يتغلغل رئتها ..
على الأقل هذا الهواء الذي تتنشقه هواءها .. تعرفه جيدا .. و تتنفسه ..
لما كل هذا الخوف .. حور ..؟؟
لماذا تشعرين بالذعر و أنكِ على شفير ألم ،، أو دمعة ..
تمالكي نفسك .. ليس هناك ما يستحق أن تهتز أنفاسك لأجله ..!!
وضعت يدها على صدرها بهدوء و هي تومئ برأسها موافقة ..
ستكون قوية .. حتما ستكون كذلك ..!
.
.
- حور خلصتي ..؟ أبا أكوي شيلتيه ..!!
كان هذا صوت عفرا .. التقطت حور غطاءها عن طاولة المكواة .. و هي تتساءل ..
- حد سوت القهوة ..؟؟
نورة تفرد غطاء رأسها على الطاولة بحماس ..
- سوتها دانة .. و ابوية رد من الصلاة يقول دريولهم برا يرقبنا من الصبح .. و تغدا هنيه بعد ..!! .. و يقول لا تبطن ..
هزت حور رأسها بسرعة متوجهه لحجرة أمها ..
- قولي للبنات يظهرن .. بسرعة ..
دفعت باب الحجرة لتدلف بهدوء .. يقع ناظرها على وجه أمها المرهقة التي استلقت على جنبها بتعب..
أمـــاه .. ليتني منكنت مسجاةً على هذا الفراش عنكِ ،، اصبري يا غالية ..
أثلجت صدرها تلك الابتسامة الجميلة التي ارتسمت على وجه أمها .. و هي تراها ترتدي العباءة و مستعدة للخروج .. اقتربت حور لتركع على ركبتيها جانبها . و أحنت رأسها لتطبع قبلة عميقة على جبينها ..
شعرت بأنها تستمد القوة منها .. و أن شيئا من السكينة انتشر في روحها و هي تجلس هنا ..
لتبادل أمها الابتسامة و تشير لها راحتيها للسماء تحرك شفاهها بهدوء و هي تهمس ..
- ادعيليه ..
.
.
يداعب صوتها الناعم بكلماتها المتكسرة أذني حور .. ليطربها .. يدعمها ..
يدفعها للمواجهه بلا خوف ..
- الله أحفظكن .. الله أوفقكن ..
حنان هائل بقوة حب الأم يتدفق في مجرى الشريان الآن و هي تمسح أخيرا على رأسها لتقف مجددا و هي تلوح لها خارجة ..
رؤيتها لأمها .. و انفصال روحها للحظات عن كل ما قد تفكر فيه باستثناء صحة تلك الغالية .. جعلها أكثر هدوءا ..
شيء واحد رددته في داخلها بتصميم ..
لا يهمها .. و لن تكترث لمن و لما ستلاقي هناك .. هم مختلفون عنهم .. و خارج حدود دنياهم ..
عليها أن لا تسمح لهم بالتأثير عليها .. و زعزعة ما هي عليه ..
.
.
- حووووور أباااا اسير وياكم ،،
كان ذاك صوت مزنة التي تقف بباب الصالة تغالب دموعها ..

* * * * *

في مكانها الذي اعتادت اعتكافه كل عصر ،، لا يجالسها سوى السكون الذي لا يقاطعه شيء ..
و لكن اليوم كان لعبراتها حكاية ،،
حقا لا تجد تفسيرا واحدا .. هل كذب عليها ..؟؟
ذاك الحفيد .. بل هو ابنها .. ذاك الذي اعتنت بصدقه منذ صغره ..
وعدها بأنها ستحضر . و أنها ستكون هنا في الصباح ،،
لم يناوش عينها الرقاد ليلة الأمس .. وهي ترسم مئات الصور لها ..
لشيء يربطها بابنها البعيد .. شعرت بشيء كقسوة الشوق يحرق إحساسها ..
و عين ساهدة ،، تأبى أن تغفو للحظات .. فيدركها النهار و يمضي ..
فلا تراها ..
و لا تلتقي عيني ابنها في وجه تلك الشابة ..
حلم أمست ترجو قدومه أرادت أن تحويه عيناها المفتوحتين ..
لكن يبدو أن الحلم يأبى إلا مسكن النوم في روحها ،، لذلك لم تأتي ..
أتى الصباح حاملا عل كتفيه خيبة مرّة ..
و عقارب الساعة تواصل المسير باجتهاد ،، و كأنما لا تبغي من مضيها سوى أن توجع قلبها المسن ..
و اللحظات تمضي دون أن تقبل تلك المنتظرة ..
الآن ..
تجلس هي هنا ..
لم تعتد تنتظر أحدا .. حتى هو ..
لا تريد أن تلتقي بعينيه .. فترى ما لا تتوقع .. هل كان جادا .. و أخلفت هي الوعد ..؟؟
أم كان يصبرها بكذبة لم تكن أقسى قط ..؟!
شعرت بحرارة دمعة تلسع مؤخرة مقلتها .. و الشمس تلفح حزنها .. صمتها ..
و السكون ..
لتخفض رأسها بانكسار متلوع ..
لا شيء قد يمزق الروح و ينثرها لأشلاء ،،
كدنو الحلم من الحقيقة ..
و انفلاته ..!!
لن تروى عبراتها جفاف القلب بعدها ..
لن تفعل ،،
أبـــدا ..!

* * * * *

رغم وسع السيارة الفاخرة التي كانت في انتظارهن .. إلا أنهن تزاحمن في المقعد الخلفي ..
و السيارة منطلقة نحو المجهول .. بدا أن توتر حور السابق انتقل لأخواتها في حين تداركتها الثقة و هي تجلس بينهن بهدوء ..
ابتلعت نورة ريقها بضيق و هي تتساءل ..
- لو يبنا نايف ويانا هب أحسن من اليية ويا الدريول بروحنا ..؟؟ مادري أبويه كيف سواها ..!! ما حيده كذيه ..!
أجبتها حور و هي تلتفت للمها التي كاتن تعقد أصابعها في حجرها .. بدا واضحا أنها مرتبكة ..
- أبوية ما يبا نايف يي عندهم ..
ارتجف صوت دانة ..
- ليش ..؟؟
هزت كتفيها بعدم درايه ..
- مادري .. و صخن شوي .. سوالفكن خلنها للبيت الهندي يتسمع ..!
عفرا لم تنبس ببنت شفة منذ خروجهم من البيت و لامها بدا أنها تتحكم في نفسها بصلامة .. اذا لم يبدو غير ارتباكها أي شيء قد يدركه من حولها ..
كانت السيارة تتجتاز طرقات المدينة المعروفة قبل أن تنحرف لطريق فرعي يعرف بـأنه يؤدي للممتلكات الخاصة ،،
للحظات و يجتازون طريقا محفوفا بالنخيل .. و دانة تهمس لعفرا ..
- تخيلي هالهندي يبا يخطفنا و نحن ما ندري وين مودنا ..؟؟؟
ابتلعت عفرا ريقها بتوتر ..
- انطبي انتي و هالأفكار .. خلينيه أسترخي ..
نظرت لها دانة شزرا .. الحقيقة أنها كانت خائفة .. هذه تجربة لم تخضها من قبل ..!!
همست نورة برهبة ..
- شكلنا وصلنا ..!!
تلك الهمسة أرسلت العدة في أجسادهن ،، و السيارة تبطئ سيرها مع اقترابها من تلك الأسوار الحجرية العالية ..
حور تضع كفها على صدرها لتخنق ضربات قلبها التي بدأت بالتسارع مجددا ..
أغمضت عيناها بعد أن رأت السيارة تتوقف عند البوابة الحديدية الضخمة ،، و سائقها يطلق زمورها منبها لوصوله
أطلقت نفسا مختنقا و هي تستنشق الهواء بعمق ..
.
.
إلهي ،،
بث في قلبي ثباتا ،، امنحني القليل من القوة ..
.
.
شهقة المها المذهولة قرب أذنها أجبرتها على فتح عيناها ..
أجفل قلبها بقوة .. و هي ترى المساحة الشاسعة المزرعة التي يقطعونها و هم متوجهين للمبنى العملاق الذي ربض على الأرض أمام أعينهن ..
لا صوت يتردد للحظات في جو السيارة ،،
حتى صدى الأنفاس .. بد أنهن للحظات خشين أن يغرقن صدورهن بهواء هذا الحلم .. الذي بدا مخيفا للحظات و هن يقتربن من تلك الفيلا العملاقة ..
صوت دانة المذعور يتردد في الجو الساكن ..
- بيتهم عود ..!!
بدا أنها تترجم أفكارهن ..
.
.
تتوقف السيارة أمام الدرج الرخامي المؤدي للمدخل الضخم ..
ليلتفتن الى بعضهن بتوتر .. لا تلامس أعين احداهن الأخرى من خلف غطاء أوجههن الغليظة ..
تتمالك هي نفسها .. عليها أن تكون ثابته .. ليست لوحدها .. هناك من يعتمدن على قوتها الذاوية ..
- يا الله انزلن ..
نظرن اليها و كأنما لا يردن ذلك ..ربتت على كتف المها دون أن تنظر لهان .. و هي تشير لها بأن تفتح الباب بسرعة ..
هه ..
بسرعة ! قبل أن تخذلها شجاعتها و تأمر الشائق بإعادتهن إلى البيت ..!
فتحت المها الباب بطاعة .. لتنزل مفسحة لمن خلفها بالنزول ..
الآن باب السيارة مفتوح .. و المها تقف أمامها على تلك الأرض المجهولة ..
ابتلعت ريقها .. لتدفع نفسها للنزول .. قدمها تطأ تلك الأرض بهدوء .. و صوت انفتاح باب السيارة الآخر يصل لمسامعها ..
ما إن أغلقن بابها حتى انطلقت تاركة إياهن واقفات في مواجهة ذاك الدرج الامع تحت أشعة الشمس الحارقة ..
ينظرن اليه بتوتر ..
حور تشد قبضتها بقوة .. ليس على الأمر أن يطول .. فليدخلن بسرعة .. يسلمن عليها .. و يخرجن من هذا المكان ..
سيعودن فورا إلى البيت .. حيث تلك المساحة الضيقة .. الدافئة ..
الآمنة ،،
قالت بقوة ..
- يا الله بنحدر ..
تحركت إلى الأمام بتصميم ..
خطوتان .. و تلتفت إلى الوراء بدهشة ..
- شعندكن واقفات ..؟؟؟
تكلمت عفرا بصوت مرتجف ..
- حور .. سيري انتي أول .. شوفي امنوه داخل و تعالي خبريناا ..
بدا أن غيرها استحسن الفكرة اذ أيدتها دانة بسرعة ..
- هيه هم لي زاقرينج .. و نحن زيادة عدد بس ..
نظرت لهن حور بغيظ شديد ..
- و الله لو ما تحركتن قداميه ما بييكن خير .. يا الله أشوف ..
.
.
و لكن لم تنم عنهن أدنى حركة .. حتى المها التي واضح أنها لم تسمع شيئا من ذلك .. إلا أنها لن تتحرك إلا مع العدد الأكبر ..
قالت نورة بصوت مقنع ..
- سيري دقي الباب ز شوفي هاليدة وينها .. و خلاف تعالي زقرينا بنسلم و نتوكل .. هي تباج انتي .. و نحن يايين رزة فيس بس ..
الآن يتصارع الغضب مع اليأس في نفسها ..
- و الله لو ما مشيتن قداميه .. ليوصل الخبر عند أبويه ..
لم يبدُ هذا التهديد ذو أثر على عنادهن ..
تنهدت حور بخوف بدأ يتملكها ..
ماذا ..؟؟ أ عليها التوجه للقاء تلك المرأة لوحدها و تمهيد الطريق لشقيقاتها ..؟؟
- يا النذلات .. و الله لداويكن ..
و التفتت مجددا تنظر لباب .. تجر قدميها .. و الارتباك يتصاعد داخلها ..
رئتيها تعب من هواء العصر الساخن بسرعة ..
و هي ترتقي الدرج الأبيض ،، خطوة .. خطوة ..
الآن هي أمام الباب الخشبي الضخم .. و جرسه الأنيق يستفزها ..
يطالبها ساخرا بأن تقرعه ..
اصبع مرتعشة تلك التي مدتها لتضغط عليه ،، و ما إن انطلق الصوت عاليا ليصلها و هي تقف في الخارج ..
حت تمنت لو أنها لم تفعل .. أرادت في لحظة الاستدارة للجري عائدة للبوابة .. لا يهمها ان عادت الى البيت على قدميها ..
فقط أربكها وجودها هنا .. تشعر بأنها غريبة عن هذا المكان الموحش .. الضخم .. الهادئ ..
لحظات .. و صوت الخطوات يتردد قادما من الداخل .. قبضة الباب تدار بسهولة .. فيما تغمض هي عينيها من خلف غطاء وجهها ..
رباه ..!!
- Yes ؟؟
رفعت عيناها للخادمة القصيرة التي تساءلت و هي تقف عند الباب ..
بلعت خوفها تجلي حنجرتها لتقول بصوتٍ مبحوح ..
- أم علي وين ..؟
نظرت لها الخادمة بحيرة ،، و هي تطيل النظر فيها ..
- Who are you ؟؟
هل تعلم الخادمة بأمر مجيئها ..؟؟
- حـــــور ..
سرعان ما تبددت الحيرة لتحل مكانها ابتسامة كبيرة ..
- أووه مدام .. ماما نوراا قول انتي يجيي سوبه .. بس انتي سوي تأخير .. تفدلي أنا خبر ماما الهين ..
لم تبالي حور بالانقلاب السريع للغة الخادمة و هي تخطو عتبة ذاك المنزل لأول مرة ..
تخفض بصرها .. خائفة مما قد تراه إن رفعت عينها ..!
شيء واحد تبادر لذهنها و الباب ينغلق ببطء من خلفها ..
.
.
لقد كانوا في انتظارها ..!
.
.
تخطو بهدوء على الأرض الصلبة .. و هي ترفع رأسها ،، لثانية شعرت بهلع و هي تدير عينها فيما حولها ..
الردهة الفسيحة و قد توزع على وسعها الأثاث الفاخر المتناثر ،، و الديكور الفخم ..
الدرج العملاق الذي توسطها .. و الثريات الضخمة التي توسطت السقف العالي ،،
.
.
الخادمة تقودها نحو غرفة الجلوس و هي صامتة ،، تفتح الباب و تتنحى جانبا تدعوها للدخول قائلا ..
- تفدلي مدام .. الحين ماما نوراا يجي ..
و خرجت لتغلق الباب خلفها ،،
نظرت هي لهذه الأرائك الوثيرة ،، و الجلسة الأرضية الأنيقة التي وضعت في الزاوية البعيدة ..
كل شيء نظيف .. و لامع .. كل شيء متكامل .. و فاخر ..
أغمضت عيناها و ذهنها يصفو للحظات ..
هن فقط خمس فتيات .. ضعيفات ،، لم يحلمن قط بزيارة مثل هذا المكان في أوهامهن ..!
أدركت بأنهن وحيدات هنا ..!
.
.
ضمت حقيبة يدها البسيطة لصدرها بمرارة ..
حمقاء .. حمقاء ..
هذا ليس بمكانهن ..
كان عليها أن ترفض المجيء .. أن تعارض أباها .. تناقشه ..
ما الذي جرت نفسها إليه بالقدوم إلى هنا ..
هذا المكان غريب عنها تماما ..
لا تعرفه .. و تعرف سكانه ..
أجفلت و صوت الباب يفتح بهدوء يتعلق نظرها به .. مترقبة من سيدخل عبره ..
لا تتبين الرؤية خلف غطاء وجهها جيدا .. ترفعه لأعلى بيد مرتعشة ..
كاشفة عن وجهها ..
و وجه تلك القادمة ..!
امرأة ضئيلة الجسد ،، بدا أنها كبيرة في السن و هي تتقدم نحو حور بحركة بطيئة ..
تلك التجاعيد التي تتزاحم على وجهها الوقور ..
من هذه المرأة ..؟! أيعقل أن تكون جدتها ..؟!
تقترب العجوز أكثر و شبه من رجل أنجبها يلوح بين خطوط الزمن العتيقة ..
عيناها الواسعتين رغم تقدم سنها تمتلآن بالدموع .. و هي تهمس بلهفة دون أن تسلم حتى ..
- حــــور ..؟
حور لا تتحرك .. عيناها المتوجستان تراقبان هذه المرأة الغريبة .. و هي تبتلع ريقها بقلق ..
تومئ برأسها موافقة ،،
شيء مختلف يتألق مع دمعة وجدت الطريق لتنحدر على وجنتها ..
احساس سكن تلك العبرة اليتيمة .. و العجوز تمد ذراعيها بوهن ..
تدعوها للإرتماء في حضنها ..
ترجوها بأن تسمح لها بأن تزرع حنان أم لم يُظِلَّ إبنها منذ سنوات ..
تتوسلها بأن تأذن لها أن تلمس قربها .. أن تشم رائحة فقيدها ذاك ..
و صوتها الضعيف يتهدج قائلا ..
- تعالي سلمي يا أميه ..
.
.
كان خافقها هادئا الآن ..
لم تكن تتوقع أن ترى هذا الإنكسار من ساكنة هذا الجبروت ..
أم أنها لم تكن تتمنى ذلك ..؟!
لم ترد أن تشعر بأنها لم تنسى ابنها ..
تتقدم بلا شعور إلى حيث تقف المرأة تنتظرها .. و يداها لا زالتا معلقتان في رجاءها الصامت ..
تصلها بهدوء سيطر على قلب حور و تلك تلفها بذراعيها الناحلتين ..
لترتعش الأولى و هي تشعر بنحول جسد العجوز الدافئ ..!
و هي تبحث عن احساس حائر في حنايا فؤادها المشتت .. شيء واحد أدركته ..!
.
.
رابط قوي بينها و بين هذه الغريبه ،،
رغم ذلك .. لا احساس تلمسه اتجاهها سوى الضياع في أمانٍ تلمسه بين ذراعيها ..!!
.
.
.
.
كانت هي تشدها لأحضانها بظمأ أظناها لدهور ،،
كانت قد فقدت الأمل في هذا اللقاء ..
هذا حلم تعتصره بين ذراعيها .. و روح ابنها تسكن هذه الشابة التي تنظر اليها بعينيه ..!

* * * * *

تنزلق البوابة الأمامية بهدوء أمام عينه و هو يزيح - الغترة - عن رأسه ..
كان عائدا للتو من الشركة بعد أن قضى نهاره هناك .. استغل وقته جيدا لقضاء الكثير من الأعمال التي كانت بانتظاره ..
الآن و هو يقطع البوابة المفتوحة براحة ،، يشعر بالاسترخاء ..
لا بد أنها سعيدة الآن .. ناوشت شفتيه ابتسامة حانية و هو يتخيل وجهها الضئيل يشع فرحة ..
لا شيء يضاهي إحساسه زرع السعادة في روح تلك الغالية ،، و الأهم دون أن تكتشف ما قد يحزنها من كذبه ..!
أدار المقود و هو يدخل سيارته الفارهه في الموقف الخاص بها ..
في اللحظة التي انطلق فيها صوت هاتفه ليشق سكون سيارته ..
نظر للرقم الذي تراقص على شاشة هاتفه بعجب ،،
غريب ..!
.
.
.
.
.
يقف جنبا إلى جنب .. و عفرا تشعر بتوتر المها التي تعتصر ذراعها بخوف .. صوت نورة المرتجف و هي تقترب منها ..
- يمييييييه .. منوه هذا ..؟
قال دانة بخوف ..
- واحد من عيالهم .. يا ربيه .. ياي هنيه ..
كانت عفرا ترتعد بقوة و هي ترى ذاك الرجل الطويل ،، عريض المنكبين متقدما نحو البيت .. خطواته الواسعة تقطع المسافة بسهولة و هو مشغول بهاتفه الذي ألصقه في أذنه ..
كان يقترب بسرعة .. و بدا للحظات أنه لم يلاحظ وجودهن ..!
و صوته الرجولي الخشن يعلو و هو يتحدث بتكبر .. قبل أن يتوقف فجأة في مكانه و يدير رأسه الى حيث يقفن ..
.
.
رآهن الأربع الفتيات اللواتي وقفن قرب درج المدخل .. لباسهن البسيط الذي بدا رثا لعينه التي اعتادت أناقة شقيقاته البالغة ..
و اقترابهن من بعضهن بارتباك .. أدركْ ببساطة من هن ..!!
و لكن ما أثار استغرابه و حنقه هو كيف دخلن إلى هنا ..
لا زال بطي يثرثر بلا توقف في الهاتف ،، فيما مد يده هو إلى جيبه و هو يقترب منهن مخرجا محفظته ..
ليلتقط منها ورقة نقدية تساوي الكثير ليمدها بشرود لتلك التي بدت أطولهن ..
كن يقفن جنبا إلى جنب يلتصقن ببعضهن و كأنما يخشين أذية قادة و الرجل يبعد عنهن لحظات و هو يمد يده لعفرا التي شدت على يد نورة بارتياع ،،
نظر لهن بعجب من ترددهن في أخذ المال .. ! فعلم في الحال أنهن يستحين أن يأخذنه منه ..
إقترب ليضعه على العارض المجاور لمكان وقوفهن عند الدرج ..
و دانة تهمس بصوت خافت و قد بدا أنها الوحيدة التي أدركت الموضوع ..
- السبال يتحرانا طرارات ..!!!!!!!!!
ترددت الكلمة لبرهة فقط و هو يرتقي الدرج قبل أن تثور نورة و هي ترفع صوتها ..
- لـــــــــو سمحـــــــــــــت ،،
قرصتها دانة بقوة و عفرا تلكزها في خاصرتها .. فيما ندمت هي على الفور ..
ما الذي فعلته ..!!
توقف هو في مكانه للحظة دون أن يستدير لهن .. موليا ظهره لأوجههن .. قبل أن ينهي مكالمته بعجل و يعود لينزل مرة أخرى و الغيظ على وجهه و هو يسأل بصوته الخشن ..
- نعم ..؟؟
تظاهرت بالقوة و هي تشير للمال الموضوع على الدرج بصوت مرتجف ..
- خذ فلوسك ..
ازداد حاجبيها في الانعقاد قبل أن يضع يده في محفظته مجددا مخرجا ورقة نقدية مشابهه ليضعها بجانب الأولى باحتقار ..
- شليها و شلي عمرج و اظهري من هنيه .. توكلن على الله ..
و استدار دون ان يعيد النظر إليهن متوجها بسرعة قبل أن يختفي خلف الباب ..
فجعت عفرا بما فعل و هي تقول بصوت متهدج ..
- زين لي سويتيه يا السبالة .. يتحرانا طرارات و هب راضيات عن لي عطانا .. يا ويل حاليه .. وينها حور ما ردت ..!! ليتنا دخلنا وياها ..!!
.
.
.
في اللحظة التي أغلق فيها باب المدخل الخشبي بعصبية صاح بقوة ..
- أمينــــــــــــــــــه ..
.
.
.
.
.
انتفضت حور بقوة و هي تبتعد عن العجوز و صوت رجل يخترق سكون المكان تردد الجدران أصداءه بقوة ..
تهلل وجه العجوز بفرحة ،، و هي تنظر لحور بحب ..
- هذا غيث .. رد من الشركة ..
غيث .. غيث من ..؟؟!!
و للحظة هبط الإدراك عليها كمصيبة .. شعرت بأنها لا تقوى الوقوف على قدميها ..
و ارتجف صوتها .. لتتناسى كل شيء ..
- خواتيه برا .. واقفات يرقبنيه ..
عقدت العجوز جبينها بحيرة ..
- خواتج ..؟؟
كادت حور تبكي و هي تدرك أي مأزقٍ ألقت بنفسها فيه ..
- هيه خواتيه أربع يرقبنيه أزقرهن ..
تحركت العجوز بسرعة نسبية لكبر سنها .. متوجهه نحو الباب ..
- لا تروعين .. الحين بخلي أمينة تزقرهن ..
و خرجت مغلقة الباب خلفها ..
كادت حور أن تجلس على الأرض و هي تشعر بأنها على وشك الوقوع .. انه هنا ..
إلهي .. إلهي .. كيف سأتمكن من الخروج ..!!
.
.
.
.
كان الشر باديا على وجهه و هو ينهر الخادمة التي بدا أنها ليست أفضل حالا من حور ..
- منوه هاييلا لي عند الباب ..؟؟
قال بخوف ..
- هازا يجي مسان ماما نووراا ..
قبل أن يردف شيئا آخر .. داعب صوتها الهادئ أذنه و هي تقول ..
- خلها ياا غيث عنك .. هاييلا حريم ياياتنيه .. امينة سيري دخليهن ..
أقبل هو ليقبل رأسه و هو يبتلع عصبيته التي تتصاعد بقوة .. يعلم أن أمه لا يمكن أن تعرف أحدا بهذا المنظر الرث ،، لا بد أنهن متسولات و تريد إدخالهن البيت ..
- شحالج فديتج ..
- بخير يعلنيه هب بلاك .. احدر ميلس الحريم عدنا عرب بيسلمون عليك .. و خلنيه بشوفهن الحرمات ..
قال ببرود يخالجه ،، ليس في مزاج لتبادل المجاملات بعد انفعاله للتو ..
- عرب منوه يا الغالية ..
ابتسم بهدوء و هي تقول بثقة ..
- عرب طيبين .. حدر و بتحب راسي عقبها ..
بادلها ابتسامتها الحنونة و هو يقبل رأسها ..
- أحب راسج كل ساع .. هب الا لو شفت عربج ..
ربتت على كتفه قبل أن يتركها متوجها نحو المجلس ..
.
.
.
.
تقف هي قرب الأريكة الوثيرة بعد أن أعادت غطاء وجهها بارتياع لتخفي ذعرها .. تعتصر حقيبتها ..
و صوت خطوات على الأرض الرخامية يتردد قادما نحوها ..
هذه ليست خطوات العجوز ..!!
للحظة غبية راودتها فكرة مجنونة أن تختبئ خلف إحدى هذه الأرائك ..!!
قبل أن تتوالى طرقات سريعة على الباب و صوت رجولي غليظ يتردد قرب الباب ..
- هوووووود ..
شعرت بخفة في رأسها و دعت بصمت ان لا تفقد وعيها خوفا ..
تمرر يدها على غطاء وجهها لتتأكد أنه لا يظهر شيئا .. لحظات و صمت مطبق قبل أن يفتح الباب بقوة ..
و دلف رجلٌ مع الباب ..!!
لم تتبين وجهه بوضوح من خلف غطاءها و هي تتراجع خطوة للخلف دون أن تشعر .. شعرت بنبضات قلبها تخنقها .. و رجل فارع الطول .. عريض المنكبين .. و قف بثقة يسد مدخل المجلي مواجها اياها ..!
في تلك اللحظة تمنت لو أن هذا كابوس و يوقظها صوت أبيها مناديا إياها لصلاة الفجر ..!
ينظر هو إليها باستغراب شديد ،، عيناها تتأملانها من الرأس إلى القدم ..
الملابس البسيطة التي ترتديها تلك الشابة التي انزوت بخوف في الطرف الأقصى لا تتلاءم بتاتا مع منظر المجلس المترف ..!!
كان صوته صارما و هو يسألها بنبرة آمرة ..
- منوه انتي ..؟؟
ارتجفت حور و هو يوجه الكلام لها مباشرة .. حتى أنه لم يلقي السلام .. ألا يعرفون تحية الإسلام في هذا البيت ..
كان يقف هناك و هو يحملق في منظرها بتكبر .. منتظرا أن ترد عليه .. أطلقت نفسا مرتجفا .. و صوتها الضعيف يصل لمسامعه ..
- أنا حور بنت حمد ..
.
.
.
.
للحظات ظن أن أخطأ السمع ..!!
صمتٌ مدوٍ راح يضج في الغرفة .. قبل أن يستوعب ما قالت .. لتتسع عيناه بشيء لم تفهمه .. أمسك الباب ليغلقه بقوة .. فيطلق صوتا حادا مع انصفاقه في مكانه مستقرا ..
كادت أن توقع حقيبتها .. وقٌلبها .. و هي تنظر له بخوف ..
لماذا أغلق الباب ..!!
التفت إليها بحقد و هو يقول بقسوة ...
- أنا ما قلت لأبوج يطرشج الصبح ..؟؟ شوه يايبنج الحين ..؟؟
رغم اقترابها من الانهيار .. إلا أن كلمة واحدة استفزتها دون أن تجيب..
شيء جعلها تكابد عبرة أغرقت الرؤية أمامها و هي تسمعه ينطقها - يطرشج - ..!!
عليه اللعنة .. هو من طلب حضورها إلى هنا .. ليست بجاريه لديه ..
تكافح دموعها التي حتما لن يراها من خلف غطاءها ..
و لا ترد عليه .. فيما تحرك قليلا بغضب في مكانه .. لم يتخيل قط أن مخططه المحكم سيبوء بالفشل ..
لم يتبادر لذهنه الذكي أنها تفسد كل شيء ..!!
نهرها بصلابة ..
- بلاج صاخة .. ليش ما تردين ..
رآها ترتجف و هي تتراجع خطوة أخرى للوراء ..
شعر برغبة عارمة أن يتقدم إليها و يهزها بقسوة .. هذه الحمقاء اللامبالية ستوقعه في مشكلة الآن ..!
تقف هناك خلف حاجز هذه الأغطية الرثة ..
ثم ......
مهلا ..
التفت يسألها باستنكار و هو يشير إليها بغرور ..
- و شعندج متغشية ..؟؟
رآها تشد بيده تثبت الغطاء و كأنما تخشى أن يطير فجأة ،، كاد يشخر ساخرا مما قد يذهله خلف غطاءها هذا ..
الحمقاء .. تنسى أنه زوجها ..
ثم نظر لها بطرف عينه بتكبر .. هل هذه من يفترض أنا تكون زوجته هو ..؟!
.
.
لابد أن قلبها قد بدأ مراثون الدق منذ بدأ هذا الرجل في الصراخ و كأنها خادمته ..
و يسألها لما تتستر منه ..
المتعجرف .. لماذا ينظر لها هكذا ..؟؟
إنها لا تعرفه .. و لا تريد أن تفعل .. لا يهمها إن كان زوجها في تلك الوريقات البائسة ..
هو غريب .. غريب ..
غريب و تجمعها معه غرفة واحد .. أغلق بابها ..
كادت أن تبكي بصوت عالٍ و هي تفكر بذلك .. كيف سمحت لنفسها أن تقف مكتوفة اليدين ..
لا تكترث لما قد يربطها به .. فقط تريد الخروج .. لا تريد أن يختلي بها رجل .. لا تؤمن نفسها إلا بأنه لا يمت لشعورها بأدنى صلة ..
شعرت بالبرود يسري في أطرافها ..
ماذا ستفعل الآن ..؟؟
و كـأنما أتت الإجابة على سؤالها .. الأصوات المختلفة القادمة من الردهة نحو الباب ..
رأت الإدراك على وجهه و هو يشتم بقسوة ..
و في لحظة فقط بدأ بالتحرك .. قطع المسافة الفاصلة بينهما بخطوات واسعة سريعة ،، لم تجد في نفسها القدرة حتى أن تتحرك ..
و هو يقترب منها بسرعة ،، قبل أن يرتد النفس المذعور في صدرها .. كان قد مد يده ،، ليسحب غطاء وجهها بحركة سريعة و هو يقبض على معصمها الصغير باليد الثانية ليجرها فتقف خلفه تماما ..
بدا أن العالم قد توقف في تلك اللحظة .. و هي تنتفض بشدة و عيناها لا ترتفعان عن الأرض .. تشد معصمها الهش من بين أصابعه المحكمة .. فيما بدا هو غير مبالٍ بمحاولاتها لتملص ..
عيناها القويتين ترتكزان على وجهها بتفحص ،، بشرتها الصافية الخالية من أي مساحيق و غطاء شعرها المحكم حول رأسها لا يسمح لأي خصلة بالتمرد ،،
بدت بعباءتها القديمة .. و ووجهها الصافي مختلفة تماما عمّا توقع ..
شعر بوخزة ذنب قوية و هو يرى الدموع الحبيسة تتألق في عينيها المرتبكتين اللتان راحت تنقلها من الباب إليه بخوف .. و هي تهمس بصوتٍ مبحوح ..
- ودرنيه ..
اللعنة .. هذه الفتاة صغيرة للغاية ،، يستحيل أن تكون في الثالثة و العشرين من عمرها ..!!
لا يمكن أن تكون هذه من يفترض بها أن تكون زوجته ..!!
فتح الباب بهدوء شديد .. ليلتفت له بسرعة .. كما توقع تماما .. جدته ..
و لكن ليست وحدها ..!!
الشابات الأربع اللواتي يقفن خلفها .. نفسهن من إلتقاهن عند الباب .. متأكد من ذلك ..!!
ابتسمت جدته بحنان شديد و هي تقول له ..
- خل البنية تيلس يا غيث ..
حمد ربه على سرعة تصرفه و هو يتخيل الأفكار التي ستدور في ذهنها و هي ترى الفتاة تختفي منه بتلك الطريقة ..
حتما ستردك أكاذيبه الواسعة تلك .. !!
أطلق يدها و هو يتأكد من أن الصورة قد انطبعت في مخيلة العجوز .. و لكنها لم تتحرك .. ظلت تقف خلفه و كأنما تختفي عن أعينهم جميعا ..!
عيناها لا تترك أرضية المكان و هي تعض شفتها بقسوة ..
شعر بان عليه أن يترك المكان بسرعة و جدته تحث البنات على الدخول ،، لم يجد نفسه قط في موقف أكثر تعقيدا من هذا ..
زوجة غريبة يفترض بأنه يعرفها جيدا .. و بنات عمٍ اعتقدهن متسولات ...!
ادرك بأنه سيفقد هدوءه .. لذلك استأذن و صوته يرتفع في المكان بسلطة ،،
- أنا أترخص .. خذوا راحتكم ..
و بمجرد خروجه من الباب رفعن البنات جميعا أغطيتهن .. و أعينهن على حور التي لا تزال واقفة في مكانها ووجهها للأرض ..
الحيرة تلوح على وجوههن ،، و كأنما لا يجدن تفسيرا أو وصفا لما رأين..!!

* * * * *

الجو في السيارة التي انطلقت بهن عائدات للبيت مختلف تماما حين كن قادمات إلى هنا ..
أسندت رأسها بهدوء لزجاج النافذة و صوت دانة المرح يصلها ..
- ما توقعت يدووه كذيه .. فديتاا و الله انيه حبيتاا ..
وافقتها نورة الرأي ..
- حتى أنا يوم كنت أفكر فيها .. أتخيل الآنسة منشن .. بس حليلها .. طلعت شرات ايميليا خت الآنسة منشن ..
ضحكت دانة تلكمها في كتفها ..
- ههههههههه .. مالت عليج انتي و هالتشبيه .. بس وايد ضعيفة .. صح ..؟؟
عفرا كانت هادئة لا تنبس ببنت شفة .. و المها تراقب أختها الكبرى التي يقف غطاء وجهها حائلا بينها و بين عينيها ..
كانت قلقة للغاية .. فمنذ دخولهن للبيت لم تنطق بحرف واحد ..!! مدت أناملها لتقرص ذراعها بخفة تنبهها ..
رأت رأسها يستدير نحوها .. فأشارت بيدها لها بتساؤل .. فهمت حور قصدها .. فهزت رأسها نفيا ..
تنهدت المها و هي تسند ظهرها للخلف مع ضيق المساحة بتحاشرهن ..
ليس هذا الوقت و لا المكان المناسب لاستجوابها على كل حال ..!
.
.
خلف الغطاء الذي شكل حاجزا ،، يخفيها عمن حولها .. استسلمت هي لسطوة الألم الذي تشعر به و هي تأذن لعبراتها بغسل ذاك الضيق الذي اكتنف روحها ..
كانت تشعر بالاختناق .. تريد أن تصيح بالسائق أن يتوقف .. لتعود إلى البيت راكضا على قدميها .. و هي تلهث ..
تشعر بأن الأنفاس لا تصل لرئتها ..!
ضمت أناملها لشفتيها تكتم آهه كادت أن تنفلت من بين شفتيها ..
لم يحدث في حياتها قط أن اقترب منها رجل غريب بهذا الشكل ..
و ذاك .. ذاك الحقير ..
كيف تجرأ على فعل ما فعل .. كيف سمح لنفسه بأن يسحب غطاءها ..
أن يكشف سترها ..
لا يهمها من هو .. لا يعني لها شيء ذاك المتعجرف ..
كيف استطاع أن يزيل حشمتها .. و كشف وجهها ..
لا يحق له .. الغريب ..
لا يحق له ..
عضت شفتها السفلى بقوة حتى كادت تدميها .. و دموعها المرتجفة تواصل الانهمار ..
المتعجرف .. من يظن نفسه ..!!
.
.
- صح .. حور يا مسودة الويه .. شوه كنتي تسوين ويا ريلج هناك ..؟؟
أتاها صوت دانة المازح و كأنما تذر الملح على جرحها ..
ظلت تريح رأسها دون أن ترد .. و صوت عفرا ينهر دانة بقسوة ..
- انطبي يا الهبله ..
لم ترد دانة .. و قد شعرت بأن خطبا ما في أختها ..!! و غضب عفرا دليل قوي على ذلك ..
رأت نورة تدير رأسها لحور التي استندت على النافذة المظلمة ..
و قبضها قلبها بخوف .. فسألت عفرا بصوت قلق ..
- بلاها حور ..؟؟
كان صوت عفرا غير مرتاحا .. و هي تتنهد بهمس ..
- مادري ..!

* * * * *

أمواج
27-11-2007, 02:13 PM
حور انحطت بموقف لا تحسد عليه .. وشكلها بدت تكرهه أكثر من قبل ..

غيث يمكن حس بحرج من الموقف اللي صاده .. لكن من بعد ما شاف حور بيتركها ولا بيستمر ..

ويعطيج العافيه على التكمله الرائعه وفي انتظار الجزء القادم ..

.: المــاس :.
28-11-2007, 03:28 PM
حور انحطت بموقف لا تحسد عليه .. وشكلها بدت تكرهه أكثر من قبل ..

غيث يمكن حس بحرج من الموقف اللي صاده .. لكن من بعد ما شاف حور بيتركها ولا بيستمر ..

ويعطيج العافيه على التكمله الرائعه وفي انتظار الجزء القادم ..

ما ابي احرق عليج الجاي ..

تابعي معاي يالغلا :4s2j9s (21):

.: المــاس :.
28-11-2007, 03:31 PM
الخطـــــــــــــــوة الرابعــــــــــــــــــــة .. }



[ خطوات متعثرة ،، ]





الظلام الدامس ..
اللون الأسود يكسو كل شيء ،،
لا خيطٌ واحد من الضوء يخترق هذه الظلمات .. و برودة جو الغرفة تجمد أنفاس من رقد فيها ..
صدره يرتفع و ينخفض بسرعة ..
و كأنما يختنق ..
.
.
أو أن الأنفاس تخذله ..
يقارب الموت ..
يقاربه ..
خفقات قلبه تتسارع بجنون و هو يصارع ..
أنين خافت يخرج من بين شفتيه ،،
شيء يمزق الروح ..
أكان يقاوم ..؟؟
يستنجد ..؟
.
.
أم أنه آثر الاستسلام ..
ها هي الأنفاس تعلو ..
تعلو ..
ليفتح عينه في الظلام فجأة .. يده تلتمس قبسا من نور يعيد له الحياة ..
يضيء ضوء المصباح الواهي بجانب سريره الفسيح ..
صدره القوي العاري يرتفع و ينخفض بجنون ..
و وهو يمسح وجهه بقوة .. يعب الهواء بسرعة ..
قطرات عرق صافية تتألق على جبينه رغم برودة جو الغرفة ..
و الغثيان يتصاعد داخله ..
.
.
هـــذا الكابــــوس مجــــددا ..!

* * * * *

- دانووووووه ،، سكتي هالعيوز .. لا تتصفعين انتي وياها ..
صوت نورة يصيح من داخل الغرفة و هي تضحك ..
- وين بتحصلينها عسب تصفعينها .. ظنتيه ماتت هاي من يوم يدي .. و كلها الدود ..
تجاهلتها حور و هي تمرر المشط في شعر مزنة التي بدا عليها الضيق .. و هي تعود للصياح لدانة التي بدا أنها تنوي إسماع سكان الحارة جميعا صوت العجوز تلك ..!
- داااااااانه .. قصري حس الراديوو ..
تذمرت مزنة بصوت عالٍ ..
- حور عورتينيه .. و صوتج عالي ..
لحظات و ينخفض صوت الأغنية التي لا تزال مسموعة في الصالة الضيقة ..أطلت برأسها من باب الغرفة و هي تكمل تزرير قميصها المدرسي ..
- هاا الشيخة حور .. قصرنا الصوت .. أي طلبات ثانية ..؟؟
عقدت حور جبينها تستعجلها ..
- هيه خلصن بسرعة الساعة سبع و ربع .. باقي ربع ساعة ع الباص ..
- خلصت أنا بلبس كندورتيه و العباة و ظاهرة .. عفاري وين ..
شدت حور رباط شعر مزنة قبل أن ترفعها واقفة بخفة ..
- ترقبكن في الحوش .. بسرعة ..
اختفت دانة في الغرفة .. قبل أن تساعد حور مزنة في ارتداء ملابسها ..
فتح باب غرفة أمهن لتخرج منه هند تحمل حقيبتها .. نظرت لمزنة بهدوء ..
- خلصتي ..؟؟
أجابتها حور بسرعة و هي تضع طعام مزنة في حقيبتها ..
- هيه خلصت .. ارقبيها هنوده الين تركب الباص زين ..؟؟
أومأت هند برأسها و هي تدنو منها لتطبع قبلة على خدها .. و فعلت مزنة المثل و حور تبتسم بحب ..
- فديتكن و الله .. الله يحفظكن .. و يوفقكن .. ودعتكن الله ..
حال تجاوزهن الباب خرجت دانة بقوة من غرفتهن .. ترتدي عباءتها و بيدها حقيبتها المدرسية .. و باليد الأخرى غطاء وجهها .. و هي تقول بحماس ..
- تأخرت و الله ما بقى الا عشر دقايق من الباص .. - ثم صاحت - نوووووووري خلصتي ..!
ردت حور بسرعة ..
- نورة ترقبج برا .. خلصينا ..
اختفت دانة في غرفة أمها للحظات تودعها قبل أن تخرج بسرعة و هي تثبت غطاء رأسها و تطبع قبلة قوية على خد حور ..
- ما وصيج على فيروز .. أكليها و رقديها و وايقي عليها الين أرد .. تخاف تيلس بروحهاا فديتاا ..
ضحكت حور و هي تضربها على ظهرها ..
- اذا ما خشيت الراديو في مكان ما تحصلينه ما كون بنت ابويه .. أبااج تودرينه إثم هالعيوز ..
نظرت لها دانة بطرف عينها ..
- سهلة حبيبتي عنديه وسائل تجبرج على الاعتراف ..؟؟
- هه وسائل اعتراف أونه .. سيري يختي .. الحقي ع الباص .. محد بيوصلج ..
- لا تستهينين بي .. سهلة أتصل بالعيوز و أقولها تعزمنا بيتاا مرة ثانية .. و نشوف ريلج الغاوي مـ ...
اتعست عينا حور بشدة و هي تمد يدها لالتقاط شيء ما من حولها لترميه على دانة التي فرت ضاحكة و هي تصيح من الخارج ..
- أمزح وياج حوووووور .. ادعيييييليه ..
صاحت حور بغيظ شديد ..
- يااااااااارب يعطوووووونج الامتحاااان صعب اليوم و ما تفطنين منه سؤال واااحد ..
ثم همست بجهد ..
- استغفر الله .. الله يسهل امتحانها ..!! - ثم عاد تصيح - الله يوفقكن ..
تنهد و هي تهب من مكانها و تلتقط الصحن العريض التي توزع عليه أكواب الشاي و بقايا الفطور لتحمله للمطبخ .. وضعته على المغسلة لتخرج متوجهة لغرفة أمها ..
فتحت الباب بهدوء لترتسم ابتسامة حانية على شفتيها .. و عيناها تلامس ذاك المنظر ،،
أمها ترح رأسها على مخدة جلست المها عند رأسها و بيدها القرآن تقرأ بصمت و هي تمسح على شعر أمها الذي سقط عنه غطاء البيت القطني ..
عادت لتغلق الباب دون أن ينتبه لها أحدا .. و توجهت للمطبخ لتنظفه بسرعة قبل أن تأتي أمها عذيجة لأخذ أمها للمستشفى ..
شيء واحد خالجها و هي تفرك الأكواب بالاسفنجة الغارقة بالصابون .. و وجه أمها الحبيبة المتعب يعاودها ..
تمنت بقوة أن تكون بخير ..
لأجلهم ..!

* * * * *

يضم شفته و عينيه القاسيتين تضيق بتفكير حد و هو يسند يده على لحيته المشذبة ،، يسند ظهره على كرسيه الجلدي لمريح خلف مكتبه الواسع .. متجاهلا ذاك الذي يقف منتظرا منه إشارة واحدة ..
رفع عينيه له بشرود.. و ارتجف جسد الأخير و هو يفكر بما قد يدور في عقله الشديد التعقيد ..! هل أصاب في تبليغه قبل أمس بالأمر .. هل كان عليهم حل الموضوع دون العودة إليه ..؟؟
رفع رأسه أخيرا و هو يحرك مقعده و يقول ببطء ..
- بطي .. شفته الريال ..؟؟
أجاب بطي بسرعة ..
- لا طال عمرك .. بس هو قال لغانم إنه نسيبك ..! طال عمرك كنت بتصرف أنا وياه بس قلت أكيد حضرتك تبا تعرف الموضع ..
ضاقت عيناه بتفكير مرة أخرى ..
- متأكد من الاسم ..؟
هز بطي رأسه ..
- متأكد طال عمرك .. مايد سلطان ربيّع ..
الآن تنم عن شفتيه ابتسامه غريبة و هو يدق سطح المكتب بقلمه الفضي ..
- أهاا .. و شهادته ..؟؟
- من الدرجة الثالثة ..
- احتياطي يعني ..؟
- أكيد .. لن لي مقدمين غيره شهاداتهم أحسن ..
نظر له غيث بصرامة ..
- المهم اسمعنيه .. و سو لي أقولك عليه .. ردو عليه قبول ..
اعترض بطي بضعف ..
- بس طال عمـ ...
أسكته غيث بقسوة ..
- سمعتنيه .. ردو عليه قبول .. و حطوه في مستوى شهادته .. ان شا الله تحطونه في الكاونتر .. المهم تشغلونيه عنديه هنيه في الشركة ..
أومأ بطي بطاعة ..
- حاضر ..
أدر كرسيه نحو الأوراق التي تناثرت في الطرف الأقصى من مكتبه ..
- توكل شوف شغلك .. و طرش ليه محمود ..
- حاضر طال عمرك ..
التقط الملف من على المكتب ليخرج بسرعة ،، حالما انغلق الباب خلفه ..
عم الهدوء جو المكتب الفخم .. لا صوتٌ يعلو هذا الهدوء سوى طقطقة القلم الرتيبة ..
.
.
و ابتسامة غامضة ،، لم أعرف لها سببا ..!

* * * * *


- شوه أقولج يا فطوم .. فحياتيه ما ندمت على شي كثر روحتيه لهم يوم اليمعه .. تمنيت انيه مت قبل لا يقوليه أبويه سيري لهم ..!
قال هذا و هي ترخي جفنيها ببؤس شديد و تسند ذقنها لركبتيها التين ضمتهما لصدرها .. نظر لها فاطمة بتعاطف قبل أن تحول بصرها للمها التي جلست جوار أختها بهدوء و هي غارقة في قراءة الكتاب الذي بين يديها غافلة عن ذاك الهم الذي لاح على وجه حور ..
لم تعلم حقا ما الذي أحزنها .. ! .. فما حدث لها كان طبيعيا في نظرها هي على الأقل ..
قالت بواقعية رأت معها أن أنف حور ينكمش اشمئزازا ..
- حور .. خلينا من مشاعرج و لي تحسينه .. و فكري بعقلج شويه .. تجاهلي فكرة إنه هالريال غريب و أول مرة تشوفينه و ركزي على انه ريلج .. تفهمين شوه يعني ريلج ..؟؟ الريال مالك عليج من سنة و شي .. و اذا ما شفتيه و لا شافج .. ما يبطل عقد الزواج و الا يخليه منتهي .. تتوقعين ريال معرس بوحدة و ما قد صادفها فمكان .. و فجأة يلقاها فبيتهم ..! شوه يعني بيخطف عنها و ما بيسلم .. ما ظنتيه !!
ثم ضيقت عينيها بتفكير .. متجاهله نظرات حور المقهورة ..
- أمممم .. تصدقين ردة فعله طبيعية .. اتخيلي واحد يلقى حرمته قدامه متغشية و شاردة ..!! هذا ريلج ماما .. يعني عادي يي الحين و ييرج من كشتج لبيتهم ..
اتسعت عينا حور باحتقار و هي تطرد هذا المشهد من مخيلتها ..
- قصوره الهرم .. ها لي ناقص بعد .. شوه صخلة أبوه ييرنيه من كشتيه .. يخسي .. أنا حور بنت حمد محد يغصبنيه ع شي ..
انفجرت فاطمة تضحك بقوة .. و جسدها يهتز أثر كلمات حور الساخطة التي تخالف الواقع المرير الذي تعيشه ..
نظرت لها حور بغلٍ شديد مدركة ما تضحك فاطمة عليه .. و هي تقول بغيظ ..
- لا تتحرين احتراميه لقرارات أبويه يعني غاصبنيه .. بس أنا أبر والدينيه .. - ثم ضربتها على كتفها مع استمرارها بالقهقهه - فطوم بتنطبين و الا بهالبيالة ع راسج .. سخيفة وحدة ..
دفعت فاطمة راحتيها مهدئة و هي تبتلع ضحكاتها .. صوتها لا زال مهتزا و هي تقول بسخرية ..
- و الله عجيب أمرج حواري .. المهم الحين قولي ليه .. كيف شكله ..؟؟
نظرت لها حور بغرابة ..
- شدرانيه ..!
لم تفهمها فاطمة ..
- شوه شدراج بعد .. ريلج .. كيف شكله ..؟! ما شفتيه ..؟
- لا ..!
اتسعت عينا فاطمة مفجوعه ..
- عيل منوه لي تقولين انه شل غشوتج ..؟
قالت حور بسخرية مرّة ،،
- هو مسود الويه ..
- ريلج ..؟
- هيه ..
نفخت فاطمة بضيق مع تخبطها بكلمات حور الغير مفهومة ..
- عيل كيف ما شفتيه ..؟
نظرت لها حور شزرا ..
- مالت عليج .. شوه قالولج .. فطوم أم عين زايغة ..؟؟ أنا زين منيه رديت نصخيه في صدريه .. و الا عينيه ما رفعتاا من القاع .. يمكن طالعته شوي .. بس أحس هاييك الساع ما أتذكر منها غير نفضة ايديه ..
بسطت راحتيها للأمام بعجز و شعور الهم يعاودها ..
- حطي نفسج فمكانيه .. فطوم و الله حسيت عمريه خايسة و الا آثمة و أنا واقفة عند هالغريب و ويهي ظاهر .. وديه انيه مت فمكاني و لا استوا لي استوا .. غير خواتيه لي حدرن و أنا واقفة عنده السبال و هو متقبض بيديه .. عمريه ما حسيت بهالاحراج فحياتيه .. بس تدرين شوه ..؟!
نظرت لها فاطمة متسائلة و هي ترى بريق امتنان صادق في عينيها .. لتقول باخلاص ..
- محد منهن طرت الموضوع .. و الا نشدتنيه .. ارتحت لنيه صدق ما ريد أرمس عن هالشي .. أحسه ينرفزنيه ..!
تنهدت بضيق مجددا ،، شعرت فاطمة بأنها قد أثقلت على صديقتها .. فغيرت موضوع الحديث بسرعة ،،
- أمج شحالها ..؟
تغيرت نظرتها لحنان جارف ..
- الحمد الله .. ادعيلها .. أمايا عذيجة يت مساعة و شلتاا الدختر ..
ابتسمت فاطمة بهدوء ..
- هيه .. الله يعافيها ..
.
.
أمضن ساعة أخرى من الصباح معا قبل أن تستأذن فاطمة متوجهة لبيتها ... حور و المها غرقن في إنهاء أعمال البيت ..
في اللحظة التي تخطت أم مايد الباب و هي تمسك بيد أختها الصغرى ،، ركضت المها و حور نحوها بلهفة ..
حور تلتقط عباءة أمها بسرعة و هي توجه الحديث لعذيجة ..
- أمايا عذيجة .. أميه بلاها.. شوه قالو لكم ..؟؟
نقلت عذيجة بصرها بين ابنتها بالرضاعة و ابنة أختها ،، لترى انعكاس اللهفة و القلق البالغ على وجوههن .. ابتسمت بهدوء تطمئنهن ..
- لا تخافن ما فيها إلا العافية .. يا الله خلنا نحدر من الحر ..
تنحن بسرعة مفسحات لها الطريق و هي تقود أختها ببطء .. أدخلتها غرفتها لتجلس بجانبها و هي تضع عباءتها جانبا و توسع من خناق غطاء رأسها الثقيل و تحرك البرقع بضيق ..
- لا إله إلا الله ،،
سارعت حور بإغلاق النافذة و إدارة مكيف الهواء قبل أن تجلس بجانب أمها عذيجة و هي تسألها بسرعة و الهم بادٍ على محياها ..
- أمااه .. شوه قالو لكم ..؟؟
تركت المها الوقوف بجانب الباب لتجلس بجانب حور و بدا عليها الخوف مما قد تقوله الخالة ..
لكن الابتسامة المطمئنة تلك لا زالت تعلو شفتيها .
- ما قالو شي غير لي نعرفه .. عطوها حبوب لوعة و فتمينات .. و موعد في العيادات ..
لحظات و لا زال القلق و التوتر يكسو وجوههن ..
- بلاكن ..؟
نظرت لها حور بشك ..
- الحين الحرمة من اسبوع ميهودة و لا تحط لقمة العيش في ثمها .. و عظامها مبردة .. و تقولين فيتامينات و مواعيد .. الله يهديج يا أميه .. يهال نحن .. قولي بلاها أمايا ..
ابتسمت عذيجة بعتب ..
- أفا يا حور شوه أكذب عليج أنا ..
احمر وجه حور ..
- محشومة فديتج .. بس معقولة ما قالوا شي ..؟؟
هزت كتفيها بدون اهتمام ..
- شوه بيقولون .. الحرمة حامل و عندها نقص تغذية ..
.
.
عقدت جبينها بشدة .. يخيّل لها فقط أنها سمعت .....
حامل ..!!
شحب وجهها بشدة و هي تنظر لأمها عذيجة تنتظر ضحكة تنهي هذه النكتة السخيفة ..
و لكن عذيجة لم تفعل شيئا أبدا .. كانت تتأمل وجه أختها بهدوء .. شعرت حور بجفاف شديد في حلقها و هي تتساءل بهمس مصدوم ..
- حامل ..؟
أدارت عذيجة رأسها لابنتها .. لترى عيناها المتسعتين بصدمة .. ماذا ..؟؟ ألم ؟؟؟
ابتسمت بحب لها ..
- ما تعرفون ..؟؟؟ عيل راحت عليّه البشارة .. أنا قلت أكيد تدرون يوم انه امكن تدري و أبوكن بعد ..!
لكن حور لم تكن تعرف .. شعرت بالضيق في صدرها .. و هي تنظر لوجه أمها المتعب ..
حامل ..!! في هذه السن المتأخرة ..!
قالت عذيجة بهدوء و هي ترى الفزع الذي علا وجه المها و هي ترى انعكاس الصدمة في وجه أختها الكبرى ..
- أمج حامل لها شهرين .. ما تعرفين ..!
ضمت قبضتها بقوة .. و هي تحتبس تلك المشاعر الكريهة التي راحت تضطرم في صدرها ..
- لا ،،
نظرت عذيجة للمها مجددا لتعتصر يدها بخفة .. فتلتفت المها بخوف لها .. ربتت على يدها عذيجة و هي ترفع صوتها و تشكل شفتيها .. و يدها تدور بتكور أمام بطنها ..
- أمج حااامل .. بتييب ياهل .. حااامل .. حااامل ..
اتسعت عينا المها بمفاجأة .. قبل أن ترتسم ابتسامة ارتياح حقيقية على وجهها الجميل و هي تقف على قدميها بسرعة و تتوجه لأمها .. كانت السعادة الخالصة تتألق في عينيها و هي تضمها بخفة .. و ضحكة صافية تملأ جو الغرفة ..
حور لا تزال تجلس في مكانها .. تتجنب النظر إليهن .. ما بين حاجبيها يضيق ،، كانت عذيجة تنظر إليها بقلق ..
- حوور ..؟
رفعت حور عينها ببطء .. تجاهد لما تخفيه في نفسها ..
و هبت من مكانها بسرعة .. استدارت متوجهة للخارج و هي تقول بخفوت ..
- بسير أشوف الغدا ..
.
.
تسند يدها لحافة الموقد الدافئ و هي تراقب تصاعد الأبخرة ،، تغمض عينيها ..
تختفي خلفها للحظات فقط .. تنفصل عمّا حولها ..
تحتاج أن تنفرد بذاتها .. بعيدا عن قلبها .. عن عقلها ..
تريد الروح منها فقط .. لتستشف منها تلك المشاعر الخبيثة التي راودتها و هي تسمع خبر حمل أمها ..
لماذا يكتنفها النفور من هذا الأمر ..؟؟ و لماذا تشعر بالخذلان و الخيبة ..؟
لماذا تمنت أن تكون أمها عذيجة تمزح في تلك اللحظة ..؟؟
الإجابة واضحة تماما .. و لكنها تخجل من أن تعترف بها ..!
رغم ذلك لم تستطع منع ذاك الإحساس الذي تملكها و هي تدرك بأن أمها الذي تجاوز عمرها الثامنة و الثلاثين و أكبر بناتها أصبحت امرأة ناضجة ،،
على وشك أن تنجب طفلا آخر ..!!!
شدت قبضتها على الموقد .. لما حدث ذلك ..؟؟
ماذا حور ..؟
أَ كنتِ تتمنين أن تكون مريضة على حملها ..؟؟
ألا يسعدك أنها بخير و كل ما في الأمر مجرد أعراض حمل لا أكثر ..؟؟
و إذا كانت حاملا على كبر ..؟ ما الذي أتعسكِ يا ترى ..؟
نظرة الناس المتوقعة فقط ..؟؟ أم هو ذاك الشعور الخبيث باعتراضك على الأمر أنتِ أيضا ..!
غطت وجهها بكفيها و هي تكتم تلك المشاعر .. تخفيها ..
بل تختفي من اشمئزازها من نفسها ..
.
.
إذا كانت هذه هي ردة فعلها و هي ابنتها ..!
ماذا ستكون ردة فعل الناس من حولها على هذا الخبر ..
و الأهم ماذا ستكون ردة فعل البقية من إخوتها ..؟؟!!


* * * * *

>>

.: المــاس :.
28-11-2007, 03:35 PM
تتمة



تجلس على آخر عتبات الدرج القصير و هي تباعد بين قدميها و تسند كوعيها بتثاقل على الركبتين و صوتها الخشن يرتد عن جدران السلم الضيق .. و هي تنظر لشعر صديقتها بجبين معقود ..
- آممم .. حلوو .. سلامي وين قصيتيه ..؟؟
توقفت سلمى عن الاستعراض لتقول بصوت نافر محبط ..
- شيخوووه يا الله عااد ..! حلوو بس ..؟؟
مررت يدها في شعرها الذي قصته و أصبح لا يتخطى أعلى رقبتها ..
- مالت عليج .. و الله مدحنه البنات .. قصيته روحيه في البيت .. ما يباله بعد ..
ثم جلست بجانب شيخة و هي تتنهد ،،
- يا الله عقبالج .. بيطلع عليج أحلى و بيي مرّة ياي على ستايلج بالقوو ..
لوحت شيخة بيدها دلالة عدم إهتمام .. الحقيقة أن ذهنها مشغول جدا ..
نظرت لها سلمى بمكر .. مدركة بما الذي قد يشغل بال شيخة ..
- لي ماخذ عقلج ..!
أجابتها شيخة ببرود ..
- محد ماخذ عقليه ..
اتسعت ابتسامة سلمى و هي تقول بثقة ،،
- متأكدة ..
نظرت لها شيخة بطرف عينها قبل أن تشيح بوجهها .. لتسأل سلمى بفضول ..
- شوه ؟؟ مستوي شي امبينكن ..؟؟
لحظات صمت قبل أن تتنهد شيخة بتعب ..
- لي يومين أتصل بها و ما ترد عليّه من عقب سالفة منى قاطعتنيه .. و الله مادري شوه أسويبها .. بتذبحنيه هاي .. المشكلة حتى في الجامعة ما أشوفها .. شكلها تتهرب منيه ..!!
ابتسمت سلمى لحال صديقتها .. و هي تقول بغلظة ..
- انزين هونيها و تهون .. ليش مضيقة صدرج ..؟؟
ردت شيخة بتعاسة بالغة ..
- وين أهونها .. تولهت عليهاا .. وااااايد هب متعودة أقطعها كل هالوقت من يوم عرفتها .. - أسندت رأسها بين كفيها و هي تهز حذائها الرياضي الخشن بتوتر - أحبهااا .. أحبهاا .. أموت فيهاا .. ما روم أعيش من دونها ..!!
ضحكت سلمى بصوت خشن عالٍ ..
- أووووه .. شيخووه تعرفين تحبين و الله .. - ثم هبت من مكانها و هي تجمع طرفي عباءتها تخفي بنطالها - يا الله نشي ..
رفعت شيخة عينيها بملل ..
- ع وين ..؟؟
لمع الخبث في عيني سلمى ..
- حصلنا قاعة فاضية بنتيمع فيها .. و حمدة .. قصدي حمدان بيّمع الشلة كلها ..
ردت شيخة ببرود .. و هي ترفض تسمية تلك الفتاة بحمدان كما تحب أن يطلق عليها ..!!
- و شوه عندها الشيخة حمدة ع العزيمة ..
هزت سلمى كتفيها ..
- عازمة خويتها اليديدة تعرفها علينا .. و لا تيلسين تستفزينها تعرفين انها ما تحب حد يزقرها حمدة .. - ثم غمزت لها بخبث - و أكيد رايه بتكون هناك ..
اتسعت عينا شيخة بأمل ..
- متأكدة ..؟؟
هزت سلمى رأسها و هي تنحني لعقد أربطة حذائها الرياضي الكبير ..
- هيه حمدان قال كل الشلة بتيي .. أكيد حبيبتج وياهن ..
.
.
.
راحت شيخة تصلح من هندامها بعجل ،،
حسناً ..
ها هي تنزلق ..!!
ببطء ،،

* * * * *


ينظر إليها و هي تجلس بهدوء شديد على تلك السجادة الفاخرة .. تهز بين أناملها فنجانا .. و الشرود على محياها ..
تلك بسمة غريبة تناوش شفتيها .. رمق من الفرح أصبح له مسكنا في عينها منذ أن التقت بهن ،،
كم ودّ من قلبه لو كان هنا .. لو رأى إحساسا على وجهها عند رؤيتهن ..
شيء افتقده منذ رحيل ابنه ،،
أو بالأصح .. منذ نفيه ..
.
.
بهدوء يتراجع بالخطوات من حيث أتى .. ذاك الذنب لا يفارقه كل ما التقى بها .. لذلك لا يجد في نفسه القوة لتحمل ثقله ..
دوما الهروب من وطأة ألم يلوح في عينيها هو الحل الوحيد ،،
يشتاق إليها تلك العزيزة .. يشتاق لمجالستها .. للحديث معها ..
و لكنه يكره الوجع الذي يعتمر صدره كلما رأى التوسل الصامت في عينيها ..
.
.
نفض كل هذا من ذهنه و هو يجزم بأن عليه أن يحدث غيث بما يدور في رأسه ،،
لقد طال أمر كثيرا .. لربما كان يماطل حتى يتملص من الأمر ..
قست عيناه و هو يدفع باب مكتبه بقوة ..
يعلم جيدا كيف يلجم تمرده ،، عليه تنفيذ تلك الرغبة قريبا ..
و قريبا جدا ..!

* * * * *


أطلقت إطارات الحافلة صريرا مميزا و صوت الباب الأوكوردي يُفتح تلقائيا مع توقفها .. لينزل الثلاث خلف بعض لا يُتَبين منهن شيئا ..
تتنهد دانة مع انطلاق الحافلة مبتعدة بأسى ..
- هب كأنه الحر ياي بدري هالسنة .. عنبوه تونا فأول أربعة و الشمس تشوينا ..
تتذمر عفرا هي الأخرى و هي تهف بكتابها الذي تمسكه و تعدل من وضع حقيبتها بضيق ..
- تشوينا بس ..؟؟ ذوبتنا ..
ضحكت نورة بحماس ..
- ههههههههههه .. شوه الأخت آيسكريم .. و بعدين تعالي عفاري أستغرب أنا و الله ..
نظرت لها عفرا شزرا من خلف الغطاء .. متأكدة بأن تعليقا ما سيأتي الآن على عجل ..!
- من شوه ؟؟
- بما إنج ناقة فإنتي المفروض تقاومين العطش و الجوع و الحر.. و الا ليش سموج سفينة الصحرا ..
ضحكت دانة و نورة بقوة .. و مطت عفرا شفتيها ..
- سخيفة ..
تأوهت دانة ..
- يااااا الله .. الحين نوري فصخي الجوتي .. بنسوي قصف للسبال هذا ..
دون أن يستدرن إلى ما أشارت علمن أن إبن الجيران لم يفوت موعد وصولهن كالعادة .. و ها هي سيارته الخردة تمشي محاذاتهن ببطء ..
عفرا تهمس بسباب طويل متحمس .. و لا يسمعن الا هسيسها .. نورة بسخرية ..
- شوه عفاري غادية تاير ينخس ههههه ..
عفرا تهمس بخفوت و صوت سالم يلاحقهن بحماس ..
- انطبن لا ترمسن الين نوصل البيت ..
رحن يمشين بسرعة كعادتهن .. و سالم يواصل المسير قربهن و صوته البغيض يشق الجو وصولا اليهن ..
- بلاهن الغراشيب ،، داخلات ماراثون ..؟؟ بالهون .. بالهون .. حرام هالطول ينهز .. لو مستعيلات أوصلكن .. يعلنيه فدا هالعرضات ..
نورة بقهر و هي تغالب غصة في صدرها ..
- الحيوان .. و الله لو ما صخ لفره بحصى .. ملعون الصير ..
كانت عفرا هي الأخرى تكتم تلك الحرقة التي تلهب صدرها .. ها هو البيت يلوح أمامهن .. سيبتعد الحثالة فورا ..
و كأنما أمره تفكيرها بذلك .. صاح بحماس و سيارته تبتعد ببطء ..
- الوعد باكر ..
لحظات و تزفردانة بيأس ..
- ذلف الحقير .. مادري الين متى بنتم ع هالحال ..!!
ردت نورة بحقد ..
- الين ما نلقى حد يوقفه عند حده الكلب ..
أحنت عفرا رأسها و هي تدلف من الباب الحديدي القصير ..
- ما بتلقن حد يوقفه عند حده غير أبويه .. تعرفن انه يخاف منه و الا ليش ما يقرب من البيت .. االحيوان ما يدري انه ما يي الا الساعة 3 الظهر .. بس بعد منوه منكن تروم تسير لبويه و تقوله .. - و راحت تخفض صوتها مع اقترابها من مدخل الصالة - أبويه .. تراه سالم ولد ييرانا كل يوم يرقبنا عند راس الفريق و ييلس يغزلنا ..
شخرت دانة بسخريه ..
- كان ما بيطير راس ثنتين منا قبل لا يفهم السالفة ..!! هذا أبوية تعرفينه ما عنده ون توو .. سيده يندفع ..
بمجرد وصولهن .. استقبلتهن صيحة نايف كالعادة ..
- حوووووور .. شرفن الشيخاااات حطي الغدااااااا ..
نظرت دانة لهند و مزنة اللواتي استلقين تحت التلفاز القديم ينظر لمسلسل ما يعرض عليه ..
- حشى هب صبي درام .. انته الصرط كله هذا وين يروح ..؟؟ ما يبين عليك ..
أجاب نايف ببرود ..
- ما يخصج ..
ظربتها عفرا على ظهرها ..
- اهب عليج .. ردي الشهادة لا تصكينه بعين ..
قال نايف بلا مبالاة ..
- خلن الهذرة و سيرن بدلن .. مساعة يالسين نرقبكن ..
ثم هب من مكانه متوجها للمطبخ ..
نظرت له دانة شزرا ..
- لا خلينيه أصكه عسب يخف ع العيشه شوي .. فقّرنا ما لقينا اللقمة لي تسد اليوع ..
ضحكت نورة و هي ترمي حقيبتها ..
- صادقة دندن - تجاهلت نظرة الضيق على وجه دانة و هي تأمر مزنة - مزنوووه هاتي لي ماي ..
عقدت مزنة حاجبيها و مطت شفتيها بضيق ..
- ما يخصنيه .. هاذوه المطبخ قدامج .. سيري اشربي ..
اتسعت عينا نورة بدهشة مصطنعة ..
- أوووفف .. شوووه ..؟؟ ما سمعت و الله ..؟؟ دندن .. سمعتي شوه قالت الفص ..؟؟
قالت دانة بخبث متجاهله اسم التدليل الكريهة ...
- دندن فعينج .. هيه سمعت .. شكلها بشكارتنا تبطّرت و مستقوية ..
اقتربت دانة و نورة و هن يلقين عباءاتهن أرضا من مزنة .. حين اختفت عفرا في غرفتهن .. ترفع نورة كم عبائتها بتخويف ..
- شوه يسوون العرب بالبشاكير لي ما يسمعن الرمسة ..؟؟
دانة بمكر و هي ترى عينا مزنة تتسع خوفا فيما تلقي هند نظرة باردة عليهن و تتابع النظر للتلفاز ..
- يشلونهن و يودونهن الستور القديم و يبندون عليهن هناك عند العقارب ..
ارتجفت شفتي مزنة بخوف و هي تتظاهر بالشجاعة ..
- ما ترومن تسون شي ..
رفعت هند صوتها منادية ..
- حووووووور ..
نظرت لها دانة بعينها محذرة ..
- أخيرلج هندوووه لا تدخلين ..
أجابتها هند ببرود و عيناها لا تفارقان التلفاز ..
- و أخيرلكن تودرن مزنوووه بتيي حور الحين ..
رفعت نورة حاجبها ..
- صخي .. شوه قلتي أخت بزيّة ..؟؟
أجابتها دانة بمكر ..
- قالت ماترومن ..
ضحكت نورة بخفوت ..
- ما نروم أونه .. وينها حور عنج الحين .. هااا .. آآآآآآآه ..
أجفلت بسرعة لترى من خلف هذه اللسعة التي أصابت جنبها ..
رأت حور تلوح بعصا طويلة تضرب دانة هي الأخرى و هي توبخهن ..
- أنا كم مرة قايلتلكن ما يخصكن فمزنوووه ..؟؟
فركت نورة مكان الضربة بألم ..
- حور عورتينيه .. هاي دانة قالت تعالي بنطفر بمزنووه ..
اتسعت عينا دانة على الفور بإنكار ،،
- كذاااااااااابة ..
رفعت نورة حاجبا بخبث ..
- حلفي انج ما حرضتينيه أتحرش بمزنه ..
- يا اللئيمــ ......
سدت حور أذنيها بضيق شديد و هي تصيح ..
- اففففففف .. بااااااس انتي وياااهاا .. خلاااااااص .. طفرتنبيييه.. عنبوووه انتن متى بتكبرن .. هب حاله هاي كل يوم و انتن كذيه .. شوه هالعيشة ..
.
.
للحظة عم الهدوء المكان .. نايف تجمد على باب المطبخ يراقب اتساع أعين أخواته و هن ينظر لحور بدهشة .. عفرا تطل برأسها من الباب بعجب و هي تتساءل ..
- حور ..؟؟
عضت شفتيها و هي تكتم صرخة أخرى كادت أن تنفلت بتمرد .. و كأنا أُعجبت روحها بفرجة التنفيس هذه ..
شعرت بغرابة .. و هي تفقد الإحساس .. برود يضطرم صدرها و هي تقف في منتصف إخوتها المتوجسين .. ممسكة بالعصا و أعينهم تطلب تفسيرا لما حدث ..
صوت صرير الباب لفت انتباههم جميعا .. نظروا لباب غرفة أمهم و المها تخرج منه ..
وقفت هي عند الباب لبرهة .. و أمامها المنظر الغير مفهوم .. وجوه إخوتها التي تنظر إليها و كأنما وجدت مهربا من شيء لم يفهموه ..
عقدت جبينها و هي تنظر لحور الممسكة بالعصا .. و لمحة من الذنب أو الإحراج أو شيء آخر بدت على وجهها ..
الأعين تستدير لحور مجددا و هي تتمتم بخفوت ..
- أنا بحط الغدا .. سيرن بدلن ..
و سارت للاختفاء في المطبخ .. لم يتحرك أحدهم من مكانه .. تقدم نايف للصالة و هو يقول بحماس ..
- أوووف .. أول مرة في التاريخ تهزبكن حور .. بس أحسن تستحقن يا مسودات الويه .. تطلعن الواحد من طوره ..
زفرت نورة يحقد ..
- انطب يا بو لسانين .. هب وقتك .. - ثم سألت باهتمام - بلاها حور .. شي مضيّقها ..؟!
لم تنتظر الإجابة .. التقطت حقيبتها من الأرض و هي تتنهد .. فجأة تشعر بالحزن يعتمر صدرها ،، لا تدري لما شعرت برغبة في البكاء و ملامح الصدمة لا تزال تلوح على أوجه من حولها ..!
تمنت لو أنها لم تضايق مزنة أو تطلب كوب الماء .. تمنت لو أنها لم تفعل شيئا يدفع حور للانفجار ..
لم يحدث قبلا أن وبختهن بهذه الطريقة ..!!
بدت على وشك الانفجار .. دلفت الغرفة تحت ناظري عفرا المتسائلة ..
- بلاها حور ..؟؟
- هزبتنيه أنا و دانه .. لنا نلعوز مزّوون ..
رفعت عفرا حاجبا بتشكيك ..
- هب أول مرة تلعوزن مزنووه .. متأكدات ما سويتن شي ..؟؟
هزت نورة رأسها و هي ترمي حقيبتها جانبا ..
- و الله ما سوينا شي .. بس شكلها حور متضايقة .. ما قد صارخت علينا كذيه ..!
تنهدت ببؤس قبل أن تدخل دانة بهدوء .. لم تنبس ببنت شفة و هي تستقر على فراشها بهدوء .. لحظات من الهدوء و هن ينشغلن بتبدل الملابس ..
التقطت دانة الثوب لتختفي خلف الستار البالي .. قبل أن تقول بصوت مرتجف ..
- بنات ..؟؟
التفتن لمصدر الصوت بهدوء .. قبل أن يأتيهن صوت دانة بذعر من خلف الستار ..
- ليش حور متضايقة ..؟؟ أمايا فيها شي ..؟؟ تراها سارت الدختر ويا خالوه اليوم ..؟
كانت وقع الكلمات كالصفعة التي هوت على وجوههن .. وضعت نورة أنامل مرتجفة على شفتيها .. و عفرا تبلع غصة من تخيل الأمر فقط .. أمهن ..!! نعم لا تفسير غير ذلك .. لا بد أن بها خطبا أحزن حور ..!!
.
.
.
كانت تقطع الخيار دون أن تراه .. أفكارها مشوشة .. لا تستطيع تبين حقيقة ما تشعر به ..
ضياع غلف إحساسها .. و هي تقف في المطبخ بلا حيله على هذه الفوضى التي تسكنها ..!!
امتدت يد تسحب السكين من بين يدها بلطف .. التفتت بسرعة لتصطدم عيناها بعيني المها .. تلك الابتسامة المريحة ترتسم على وجهها الجميل و هي تشير بأنها ستكمل التقطيع عنها .. سلمتها حور السكين بخضوع .. فإن استمرت على هذا النحو ستجرح نفسها ،، الآن ما الذي أتى بالمها هنا ..
تعرفها جيدا حين يكون مرادها قريبا .. ألم تعاشرها أكثر من بقية إخوتها في السنين الأربع الماضية حين لم تجد بدا من الجلوس في البيت ..
علمتها القراءة .. و الكتابة .. زرعت في داخلها حب المعرفة و تحديا كسر حواجز إعاقتها تلك ..
نظرت لها حور بطرف عينها و هي تسند ظهرها على الطاولة .. قبل أن يأتيها صوتها الناعم متسائلا ..
- بااج حووور ..
هزت حور رأسها فورا بالنفي .. نظرت لها المها لبرهة قبل أن تلكزها بكوعها ..
- هممم ..؟؟
عادت حور تهز رأسها و تلوح بيدها بأن لا شيء هناك .. لحظة صمت قبل أن تقول المها بلكنتها المكسرة و هي تنظر لحور بثقة ..
- انتي زعاانه أمااه حاامل ..؟
إهتزت أنفاسها و خفق قلبها بذعر .. كانت المها دقيقة للغاية .. رغم أنه لم يبدُ عليها أنها بانتظار إجابة ما .. فقد انهمكت في متابعة تقطيع السلطة .. عادت حور تنظر للأرض .. و شيء من الخجل يتسلل داخلها .. شعرت بوجهها يحمر بشدّة ..
أنامل المها تلامس ذراعها بخفة .. و هي تنظر لها بهدوء ..
.
.
أم أن شيئا من الخيبة سكن تلك العينين ..!
- هاا من الله ..
ثم هزت رأسها رفضا و حاجبيها يتعقدان .. و رفعت يدها للسماء ..
- همد الله .. نعمة .. همد الله ..
ثم اشتدت الخيبة في عينها و هي تهز رأسها ..
- لييش .. زعاانه .. امااه .. خير .. - و مسحت على صدرها - لا خاافين ..
الآن تنكمش روحها ..
حقاً كم هي صغيرة ،،
ضئيلة .. بذاك التفكير القبيح ..
مسحت على وجهها ببؤس .. قبل أن تشير بيدها حولها .. بأن الناس سيتكلمون عن الموضوع ..
سرعان ما تمنت لو أنها لم تفعل ذلك .. فنظرة الصدمة على وجه المها أخجلتها كثيرا .. شدت المها شفتيها بامتعاض و تلوح بيدها معترضة .. و الضيق يعلو وجهها النقي ..
- ماااا خص حد .. أمااه خيير .. و بسس .. مااا خص حد .. - ثم هزت رأسها و أشارت لصدر حور - انتيي كلّمين ..؟؟
ماذا حور ..؟؟
ألن تجيبيها .. بماذا ..؟؟ بأنكِ تفكرين مثل الناس ..؟؟
عجبــــاً ..!
لماذا جعلتك المها تشعرين بتضاؤل .. في حجم تفكيرك .. لماذا دفعتكِ لشعور بخجل يأكلكِ ذنبا ...؟؟
كانت المها تنظر لها تنتظر الإجابة ..
فهزت حور رأسها بضعف ..
- لاااا .. - و رفعت صوتها المهتز و هي تشير للمها شارحة - أمايا بخير و الحمدالله ..
و قبل أن تضيف شيئا آخر .. اقتحمت عفرا المطبخ بقوة تتبعها نورة و دانه ،، تجاوزن الأخيرتين عفرا .. لتتقدم دانة بخجل ..
- حور ..
نظرت لهن حور بدهشة ..
- هاا ..؟؟
تقدمت نورة لتقول بقوة ..
- زعلانه علينا ..؟؟
عقدت حور جبينها بعدم فهم ..
- لا .. ليش أزعل ..؟؟
نظرن لبعضهن بعجب .. لتقول دانة بشك .. و الفكرة تلك تتعاظم في داخلها ..
- لنا نلعوز مزنه ..
بدا الإدراك على وجه حور قبل أن تبتسم بهدوء ..
- لا هب زعلانه .. بس يا ويلكن ان عدتنها .. مع انيه أدري انكن بتسوزن حركة بايخة عقب شوي ..
ابتسمت نورة .. و لكن لم يبدُ الارتياح على وجه الأخريات ..
اقتربت عفرا مباشرة من حور .. الخوف بادٍ بوضوح على وجهها في حين تتظاهر هي بالقوة ..
- حور بلاها أمايا ..؟؟
عقدت حور جبينها و اكتفت المها بالمراقبة ..
- بلاها أمايا ..؟؟
قالت دانة و صوتها يتهدج ..
- أكيد اميه فيها شي و الا ليش انتي مضايقة و معصبة .. يوم سارت الدختر شوه قالو لها ..
.
.
أرخت حور أهدابها ببطء .. هذا الذعر .. هذا القلق .. هذا التوجس ..
الخوف ،،
كل هذا يغشاهن كي لا تصاب تلك الغالية بمكروه ..!
لما تجاوزت هي فرحتها بكل ذاك من أجل معتقدات أخافتها .. و اعتراض على حكمة الله ..!
فتحت عينيها .. و شيء بثِقل الذنب يجثم على أنفاسها .. صوتها بدا يأتي من البعيد ..
- أمايا ما بها الا العافية .. بس .. آآآ .. أمايا حامل ..
شهقة دانة المصدومة و صرخة نورة الفرحة و ابتسامة عفرا الكبيرة كانت أوجز تعبير عن فرحتهن و عفرا تصيح ..
- اماااااياااا حااااااامل .. هههههههههههههههههههه ..
صاحت دانة بحماس هي الأخرى ..
- بنااات تخيلن ياهل صغيروني عدناا في البيت ..
ضحكت نورة بقوة ..
- وناااااااسة .. بسير أباركلها ..
و ركضت بسرعة . تتبعها دانة و عفرا .. تاركة خلفها ..
المها تواصل تقطيع السلطة ..
و حور يتآكلها النفور من إحساس احتل روحها للحظات كريهة ..
.
.
و صمتٌ له ضجيج كالصراخ ..
يصمُّ الروح ..!

* * * * *


* * * * *

ابتسامته الملتوية كانت تسخر مما قال بوضوح .. لا زال مسترخيا في مكانه و هو ينظر لجده بهدوء .. منتظرا أن يغير الرجل العجوز فحوى الحديث .. في حين التزم الأخير الصمت منتظرا إشارة واحدة ردا على ما قال للتو ..
كان الأمر أشبه بالتحدي .. كل يريد أن يخضع الآخر لرغبته ..
و لكن يبدو أن عناد الجد الذي زرعه في قلب هذا الرجل كان الأقوى .. إذا سرعان ما هب غيث واقفا في مكانه .. اتجه نحو النافذة .. يستند على حافتها العريضة .. و يسرح بصره في الأفق الممتد أمامه ..
محاط بأسوار لا تخترق ..
كما هو حال ما يخالجه و ما يفكر به ..!
دوما يجد في هذه الفرجة في المكتب المغلق مساحة للحرية .. يمكنه النظر عبر هذه النافذة بأي إحساس يشاء ..
لن يرى أحد نظرته المهزوزة .. أو المتوجسة ,, أو القاسية ..
أيا كان إحساسه ،، لن يعلم أحد ما يخالجه .. هذه النافذة هي مهرب له ..
يطلق عبرها من الشعور ما يشاء ..!
.
.
لكن عينيه لم تكن تنظر الآن للأفق الممتد ،، الشرود المرتسم على وجهه القوي و هو يقف بعرض منكبيه يمنع ضوء شمس العصر من الدخول ..
ذهنه يستعيد ملامح وجهها الصافي .. دموعها المرتعشة على شفير مقلتها ..
و ذاك الذعر الذي ارتسم على وجهها الصغير ..
نظر إلى الأسفل بقسوة ،، و هو يخنق شعورا شفقة راوده عليها ..
هل تعلم حقا ما أقبلت عليه حين وافقت على الزواج به ..! تلك الخرقاء ليس لديها أدنى فكرة بما ستخوضه حقا ..
نفض إحساسا سخيفا تملكه .. و فكه يشتد بصرامة .. قبل أن يقول بصوت جاف ..
- ليش تبانيه آخذها ..؟
صوت جده ينهره كعادته بحدة ..
- ما نشدتنيه يوم قلتلك تخطبها .. لا تنشدنيه الحين .. بنت حمد بتاخذها ..
التفت لجده و هو يبتسم بسخرية ،،
- و إذا ما خذتها ،، ما بتحول الملكية لي ..؟؟ - ثم هز رأسه بخبث - أهاا ..
نظر لجده بحزم .. و صوته لا يهتز و هو يقول ..
- أناا البنيه ما تهمنيه .. لي يهمنيه الشركة لي تعبت عليها .. و عرس الحين ما بعرس .. تبانيه آخذ - و شدد على الأحرف - بنت حمد ،، إرقبنيه الين ما ترسي مناقصة البيوت السكنية لي بتطرحها البلدية شهر ستة .. خلاف يصير خير ..
شد الجد قبضته .. لا أحد أبدا من أبناءه يعارضه بهذا الشكل .. و لكن يبدو أنه علّم هذا الرجل اللامبالاة أيضا ..!
قال بهدوء ..
- ما عليه .. عقب المناقصة أباك تحدد موعد العرس .. و إلا الاتفاق لولي ماله قيمة .. الشركة بسحبها ..
نظر له غيث بصمت .. العجيب أنه رغم قسوة هذا الرجل العجوز و جفاف معاملته أحيانا .. إلا أنه يحبه ،،
يحبه كثيرا . و يحب نظرة الفخر التي تسكن عينيه أحيانا حين يتحدث عنه هو .. يحب .. قسوته ..
و يعشق تلك التحديات الصامتة و الصراعات المستمرة بين إراداتهم ..
يعلم أنه قد اقترب من قلب هذا المسن أكثر من أي أحد آخر ..
تعلم .. حنكته .. مكره .. و خبثه ..
و تشرب من بين راحتيه القسوة التي تسري بمجرى الدم فيه ..
.
.
لذلك هو واثق بأنه لن يتوانى عن تنفيذ تهديده ..
و لذلك أيضا لا يشعر هو بالخطر بتاتا .. لا يجد إزعاجا قط في استخدام تلك الفتاة للحصول على مآربه ..
فما كان لها أن توافق إن لم تكن لها مآرب هي الأخرى ..!

* * * * *

بدا أن مفعول حبوب الغثيان قد أدى دوره جيدا .. ها هي أمها تجلس معهم على سفرة العشاء .. تتناول بضع لقيمات تقيم طولها ..
مد أباه يده الكبيرة ليأخذ خبزه من الصحن و يقربها من أمها .. و راح يدني صحن السلطة منها و هو يشير بيده لفمه ..
شعرت بصعوبة بالغة في بلع لقمتها ،، و غصة كبيرة تسد حلقها .. لقد اعتادوا مراعاة أبيهم لأمهم .. لكن لا تدري لما شعرت بالشفقة على حال أمها ..
نظرت لها أمها بابتسامة و كأنما شعرت بأنها تراقبها .. ارتجفت البسمة على شفتيها و هي تهز رأسها ..
تحثها على الأكل .. أشارت بيدها لبطنها تعني أن عليها أن تغذي الطفل أيضا ..
شعور خفيف بالراحة يسري داخلها و هي تتعامل بطبيعية .. متجاهلة كل شيء ..
أمها حامل ..؟ نعم .. و هذه نعمة من الله كما أشارت المها ،،
الناس ستتكلم ؟؟ لا يهم .. و لا عليها أن تكترث .. لا شيء قد يعلو على أهمية صحة أمهم ..
غريب ..! لماذا تدفعنا أنفسنا أحيانا لإزهاق الفرحة بين أضلع الخوف ..
صوت مزنة الخافت يأتيها متساءلا ..
- حور .. الحين الياهل اليديد هو أصغرنا بشكارنا ..؟؟
كتمت حور ضحكة في غير محلها .. و همست ..
- لا محد بشكارنا .. كل واحد ينفع عمره ،،
سرعان ما لاح الغيظ في وجهها و صوت نورة الخافت يص لها و هي اهمس لمزنة ،،
- لا لا .. انتي أصغرنا بشكارتنا .. و الياهل بيكون آخر العنقود دلوعنا ..
نظرت لنورة تحذرها بعينيها و هي ترى مزنة قد وضعت لقمتها جانبا .. و تهمس مجددا ..
- أنا بشكارتكم و بشكارة آخر العنقود ..
قالت حور تقنعها و هي تتوعد نورة ..
- لا نورة و دانة بشاكيرنا و بشاكير آخر العنقود و هن بيغسلن مواعين العشا ..
و نظرت لنورة المحبطة بتحدي ..
.
.
.
جميل أن نلتهي بصغائر الأمور..
عمّا يؤرّق إحساسنا بحقْ ،،


* * * * *




همسة :

أعلم أنه قصير للغاية ،، و لكن هذا ما سمحت به حالتي الصحيّة ..
لم أشأ أن أفسد ما هو مهم على عجل ..
انتظروني في الموعد المحدد ،،

.: المــاس :.
28-11-2007, 03:43 PM
وبما انه صغير .. بنزل الخامس :)

[line]
[line]

الخطـــــــــــــــوة الخامســــــــــــــــــــة .. }

[ خطوات تغفو ،، ]





صوت محرك السيارة المزوّد كان يعلو على ضحكته المجنونة و يصيح بابن عمه الواقف بعيدا عن الباحة الخلفية الخالية ،، التي يفترض بأنها خاصة بالإسطبلات القديمة ،،
- هاااا بو سلطااااان ..
أشار هزاع بيده في حركة دائرية للأعلى متحمسا ..
- عيدهاااا .. عيدهاااا ...........
مرة الأخرى ينطلق صوت المحرك المزعج مختلطا بصرير الإطارات الفظ ،، و أحمد يدير السيارة في حركات استعراضية مجنونة ..
يضحك هزاع بنشوة و هو يصفق تارة و يطلق الصفير تارة أخرى ،، أطلقت الإطارات صريرا عاليا كالصراخ بعد توقفها أخيرا ،، ليركنها أحمد في الموقف البعيد قبل أن يترجل صافقا بابها و هو يحث الخطى نحو هزاع بحماس .. عاد هزاع يصفق له بحرارة و هو يراه مقبلا نحوه ..
- وووووووووووووووووو .. عاااااش بو شهاب .. يا ريال لو تدخل الموتر هذا السباق و الله ليحطمهم ..
وصل إليه أحمد بخطوات سريعة ليضع هزاع ذراعه على كتقه و هما يتوجهان للجانب الآخر من المزرعة الضخمة .. كان أحمد يلهث من الحماس ..
- أخخخ يا بو شهاب لو طايح عليه قبل الريس لي طاف كانيه لول الحين و كاتبين عنيه بدالك ..
قهقه هزاع بقوة و هو يشد على كتفه متبجحا ..
- أونه بدالك .. أقول ابويه خلهم يدخلونك السباق أول .. ناسي إنك احتياطي ..
لكزه أحمد بضيق في خاصرته ..
- و انا هب قاهرنيه غير الاحتياطي .. لو يخلونيه أسابق مرة بس .. بيحلفون عليّه ان محد يسابق عنهم غيري ..
- هههههههه انزين يوم بيخلونك تسابق .. يصير خير .. عاد هذاك اليوم أنا بنسحب و بعتزل .. ما روم لك ،،
رفع أحمد حاجبا و هو ينظر له شزرا ..
- تطنز هاا ..
ضحك هزاع بقوة ..
- شرايك بعد .. أكيد أطنز .. ياخي خلاص .. انته ما يأست .. انته ما عندك أي فرصة دامنيه موجود ع الساحة ..
دفعه أحمد و هو يخفي ابتسامة و ينظر لهزاع الذي نفخ صدره متظاهرا بالفخر ...
- خقيت أشوف يا هزاع .. ناسي ان أول من علمك التقحيص عمك أحمد ..
أشار لصدره بقوة .. ابتسم هزاع ..
- حشى ما نسيت انيه التلميذ لي غلب معلمه ..
هز أحمد كتفيه بخفة ..
- أقول يا خي غير اسالفة .. أشوفك تسدح الاهانات واحدة ورا الثانية ..
الابتسامة لا تفارق شفتي هزاع ..
- نغيرها .. ما خبرتك .. مصبح اتصلبيه ..
- شوماخر ..؟؟
- هيه ..
- قاص على عمره ..
- أدري .. ما نشدتنيه شوه يبابي ..
نظر له أحمد بفضول
- شوه يبا بك ..
رفع هزاع بصره لأعلى ..
- اممم .. يبانيه أودر كنجز و أحول لا تهاب و ياهم يا ريال ..
لمعت عينا أحمد ..
- في ذمتك ؟؟؟
هز رأسه بثقة ..
- هيه .. شرايك ..؟؟
نظر له أحمد بشك ..
- بتخلي كنجز ؟؟
هز هزاع كتفيه ..
- ليش لا ..؟؟
اتسعت عينا أحمد ..
- هــزاع ..!!
ابتسم هزاع مطمئنا ..
- لا تخاف .. ذليته شوي .. خلاف كنسلت السالفة ..
لكمه أحمد في كتفه و سيارة هزاع تلوح أمامهما بجانب البوابة الحديدية العملاقة ..
- و ليش ما قلت لا من البداية ..؟؟
ضحك هزاع ..
- لقيتاا فرصة ألعب بأعصابه شوي .. تعرفينيه ما أدانيه هالريال .. و تعرف إنهم بعد ما يحبونيه .. بس هالحركة منهم وراها شي ..!
فتح باب السائق ليستقل السيارة الفاخرة و يجلس أحمد بجانبه ..
- حد يدري اننا يايين هنيه ..؟؟
هز هزاع رأسه نفيا ..
- قلت لسيف إننا مواعدين شباب .. ليكون حامد يدري .. عادي يخبر غيث خوك ..!
- لا لا .. مايدري ... الحين خلنا نسير البيت العود سيده .. أبوية قال بيتعشون هناك الليلة ..
أدار هزاع المحرك و انطلق بسرعة جنونية مخلفا وراءه سحابة ضخمة من الغبار ..
.
.
و سرا .. لا يعلمان متى قد يُكشف النقاب عنه ..!!

* * * * *


كانت الشمس تميل للرقاد على حدود السماء الغربية ..
أشعتها الواهية تتسلل باستماتة لتصل إلى تلك الصالة الصغيرة ،،
يضحكن بصوتٍ عالٍ و الأولى تصفق يد الثانية بمرح .. فيما تنظر الاثنتين إليهن بحقد .. زفرت هي بضيق ..
- مالت عاليكن .. ما شي يضحك ..
و لكنهن استمررن بالضحك دون مبالاة .. عقدت الأخرى جبينها ..
- يا الله عااد .. عيدن التوزيع .. دورج فطوم ..
توقفت فاطمة عن الضحك .. و هي تنظر لنورة التي لا زالت تضحك ..
- لا هب دوري ..!! دور حور ..
لا زالت حور تنظر لهن بغيظ ..
- عفاري منوه وزع قبلج ..؟؟
أجابت عفرا بسرعة ..
- انتي ..
رفعت حور حاجبها ..
- يا الله فاطمة خانوو .. وزعي حبيبتي ..
أمسكت فاطمة بالأوراق ترتبها بسرعة و هي تبتسم لسخرية نورة ..
- متأكدات ما بتنسحبن .. عنبووووه .. غسلناكن غسال ههههه ,, طالعي ويه حور كيف غادي من القهر ..
نفخت حور مجددا ..
- جب ..
نظرت لها فاطمة بضحكة مكتومة ..
- تيكت ايزي حواري .. ليش زعلانه .. هاي هند .. ربح و خسارة ..
عقدت عفرا جبينها و هي تنظر لهن بتشكيك ..
- و الله انكن تغشن أنا متأكدة .. و الا من يلسنا و انتن تربحن ..
فاطمة توزع الأوراق بسرعة ..
- مس ناقة .. ان بعض الظن اثم .. عيب هالرمسة .. نحن لعبنا لعب شريف .. صح نوري..؟؟
لا زال الضيق من الخسارة ينفث من حور ..
- وزعي و انتي ساكته ..
ضحكت فاطمة بأريحية ..
- ههههه .. حور بلاج محترقة ..
لوحت بيدها بانزعاج ،،
- ما يخصج .. افففف .. وينها هاي دانوووه .. حشى هب نسكافيه .. ذبيحه .. - رفعت صوتها ليصل للمطبخ القريب - دااندااااان ..
أتاها الرد الفوري من المطبخ و صوت دانة يصيح بعصبية ..
- دندن فعينج .. و الله ما ييب النسكافيه ..
اتسعت عينا عفرا بارتياع ..
- حوووه حور .. شوه دندن انتي بعد .. آخر هالمذلة ما بتييب شي ..
عقدت جبينها و هي تجيب ،،
- هب ع كيفها بتييب .. - صاحت بقوة في وجه فاطمة - ايييييه انتي وياها .. شفتكن ..شفتكن .. رديها .. ردي الورقة ..
رمت نورة أوراقها مع رؤيتها لدانة تحمل صحنا صفت عليه أكواب القهوة و صحن بسكويت .. و هبت واقفة لتجلس بجانب المها التي كانت تجلس بهدوء لا تنصت لضجيجهن .. و كتاب ضخم استقر بين يديها ..
صاحت فاطمة بها ..
- بلاج شردتي .. دانة ما تبى تلعب ..!
لوحت بيدها و هي تلتقط كوبا من الصحن الذي وضع أمامها ..
- يختي ملينا .. خلاص بنات يسدنا لعب خلنا نسولف ..
رحن يلتقطن أكواب القهوة على التوالي .. و سألت فاطمة بفضول ..
- وين نايف و مزوون و هندووه .. مالهم شوف اليوم ..
أجابتها عفرا و هي تقضم قطعة بسكويت ..
- ساروا ويا أمايا أبويه موديهم قدا خالوووه ..
ضحكت فاطمة و هي تقول بمكر ..
- و أنا أقول لعب ورقة في الصالة و أصواتكن شاله البقعة ..
سألتها دانة و هي تضيّق عينيها على عنوان الكتاب الذي بين يدي أختها ..
- أقول فطوم .. من وين تييبين هالكتب ..
- من عند عمتيه .. هي مديرة مدرسة و وايد تحب تقرا .. و الكتب لي ما تباها أنا يبتها للمها عسب تقرا فيها و تتثقف اروحها ..
رفعت حور حاجبا و هي تقول بتشكيك ..
- الصراحة أنا أخاف على ختيه .. تخيلي تكون لعمتج هاي معتقدات غريبة و تقرأ فيها و انتي تفرين كتبها ع المها و تلوثين تفكيرها ..
- ههههههه .. جب زين .. معتقدات أونه .. عفاري متى حفلة التخرج ..؟؟؟
نظرت عفرا للأعلى مفكرة ..
- آمممم .. ثلاث أسابيع تقريبا ..
قالت حور بحماس ..
- يبالنا نسوي بروفا للميك أب قبل الحفلة ..
سألت فاطمة ..
- منوه لي بيعدلها ..
أجابت دانة بسرعة ..
- حور ..
نظرت لها نورة باستفسار ..
- فطوم متى بتداومين في التوطين ؟؟
- شهر 9 ان شا الله .. أنا و حور لو غيرت رايها ..
و نظرت لها بأمل .. لكن حور هزت رأسها رفضا ..
- انتي ما تيأسين ..
.
.
تجاذبهن لأطراف توافه الأمور في الحديث ..
و تلك المزاحات الخفيفة ..
و هدوء تلك الجلسة الخالية من التعقيد ..
.
.
بساطة في الذاكرة لن تزول ..!

* * * * *

يشعر بالتوتر الشديد و ذاك يسلط نظرته المتمعنة عليه .. كانا قد اتخذا زاوية في المكان يجلسان فيها .. فيما انخرط الجميع في الأحاديث متفرقين في وسع مجلس بيت الجد الكبير ،، قال بصوت هادئ يخالف ما يعتمر داخله ..
- و الله يا غيث .. أنا قلت أرمسك أول تشاورها .. قبل لا أخبر أبويه .. و يخبر أبوك ،، لو هي ما تبانيه نبند الموضوع بهدوء .. و لا تستوي امبينا حساسيات .. تعرف انه لو ابويه و عمي اتفقوا ما بيردون الشور لنا ..
توقف عن الحديث بعد أن شعر بانه أطال التبرير .. لا يزال غيث ينظر له بتلك النظرة الثاقبة .. شيء يزعزع هدوء النفس حين تكون في حضرة شخصية بقوة شخصيته ..و حدتها .. لن يعلم قط ما الذي يدور في ذهنه .. سرعان ما انفرجت عن شفتيه ابتسامة هادئة و هو يربت على كتفه بهدوء ،،
- خلاص يا سيف .. فالك طيب .. ازهل السالفة .. أنا بشاورها و برد عليك ،، روضة ما بتلقى أحسن عنك ..
كاد يتهاوى تحت تلك الراحة التي سرت في عروقه و هو يرى الرضا يشع في عينيه .. كان يجد الأمر صعبا عليه حقيقةً ،، فهو رغم ثقته الكبيرة بنفسه .. و طبعه الهادئ الذي يجعله دائما مسيطرا على نفسه .. إلا أن التوتر يتملكه كلما فكّر بهذا الموضوع الذي أخذ يؤرقه ..
ماذا لو أنها أجابت بالرفض ..؟؟ تنهد بقوة نافثا تلك الأفكار مع أنفاسه .. ليس له سوى الصبر ،،
سيأتي أخاها قريبا باليقين ..
.
.
بدا الشرود على وجهه ..و هو يتخلخل لحيته الوقور بأصابعه .. ابتسم هو في نفسه.. مر وقت طويل لم يرى سيف بهذا التوتر .. رغم أنه يصغره بستة سنوات .. إلا أنه كان الأقرب لغيث من أبناء عمّه .. دفء غريب يشع في عروقه كلما وجد نفسه جالسا معه .. شيء من السكينة يغرق روحه و هو يستمع لصوته الهادئ الرتيب الذي لا يحمل إلا الصدق ،، كان سعيدا باختياره لروضه .. لن تجد روضة أفضل منه ..
تمنى بصدق و هو يرى جبين سيف ينعقد بتفكير .. أن توافق روضة بهدوء ..
.
.
لأنها إن لم تفعل سيجبرها على ذلك ..!

* * * * *

حين انبلج ضوء ذاك الفجر الجديد ..
بدا كعادته .. مشعا .. مفعما بالأمل ..
و لكنه كان يحمل في طياته شيئا مختلفا أيضا ..!
.
.
.
.
.
صفقت باب السيارة بمجرد أن استقلتها .. لتلتفت إلى جوارها و هي تقول بكسل ..
- هاي ..
لم ترفع روضة رأسها عن الأوراق التي بيدها ..
- أهلين ..
انطلق السائق فورا نحو الجامعة و روضة تأمره بصوتها الناعم ..
- حطونيه في الجامعة أول ..
سألتها أختها بصوتها الخشن ..
- ع شوه مستعيلة ..
تقلب روضة الأوراق ..
- عنديه امتحان .. أبا أوصل بدري ..
لكزت شيخة الخادمة التي استقرت في المقعد الأول بيدها ..
- صحيبه .. هاتي كلينكس ..
تناولها الخادمة علبة المحارم .. و هي تسأل بسخرية ..
- وينها بنت عمج مالها شوف هالايام .. أحيدها ما تفارق بيتنا وبيت يدي ..
رفعت روضة بصرها بعتب ..
- وداها عمي عند خالتااا ..
- أحسن ..
هزت روضة رأسها بعدم رضا ..
- مادري بلاج عليها .. و هب حلوة حركاتج يوم تيلسين تتحرشين ابها ..هاي أكبر عنا ..
شخرت شيخة باستهزاء ..
- هيه بس عقل ما شي ..و الا عايبتنج حركاتاا يوم تلاحق غيث ..
رفعت حور حور حاجبها ..
- شوه بتحامين عن غيث ..؟؟
لوحت أختها بيدها و هي تلوي فمها ..
- هه .. ما يحتاي .. يعرف كيف يتصرف ويا هالأشكال ..
نظرت لها روضة بحزم ..
- خلاص عيل لا تدخلين ..
نفخت شيخة بقهر .. لا تريد أن تتشاجر مع روضة في بداية هذا اليوم .. لذلك قالت بضيق ..
- الحق ما تبين تسمعينه ..! عوشوه ما قامت تحشم حد .. عنبوه تتلصق في الريال عيني عينك ..
صفقت روضة بيدها على الأوراق ..
- شيخاني .. سدي السالفة بليز .. هب فاضية عسب أناقشج .. هي حرة تسوي لي تباه أبوها و موجود .. شوه تبين تربينها انتي ..؟؟ طبيها .. تأكليناا لحمها ع الصبح ..
لوحت شيخة بيدها بحركة لا مبالاة عصبية .. و هي تنظر عبر النافذة للخارج ..
الحقيقة أنها لا تدرك سبب مقتها الشديد لقريبتها هذه ..! أ لأنها دوما تسخر منها ..؟
من لباسها و طريقة حديثها .. و تصرفاتها .. لا تحب أن تسخر منها رغم أنها لا تبالي بها ..
ففراغ رأس تلك الدمية الملونة .. لن ينم عنه سوى تفاهات تُعرف بها ..
.
.
ارتفع صوت هاتف روضة المتحرك يشق سكون السيارة .. التفتت لها بتلقائية لتراها تنظر لشاشته بجبين معقود .. رفعت عينها لشيخة و هي تهمس ..
- غيث .....!!

* * * * *

لم يكن يفصل بينهن و بين فرصة الغداء إلا بضع دقائق .. شعرت بها تلكزها في خاصرتها بالقلم .. فهمست بجبين معقود ..
- آآآآي .. عورتينيه يا الدفشة ..!!
أشارت صديقتها للأمام .. لتنظر هي أيضا فتقع عينها بعين المعلمة التي نظرت لها بعتب .. و هي ترفع صوتها ..
- نورة .. انتبهي ويانا ..
شعرت بوجهها يحمر .. هذه هي المرة الرابعة تقريبا التي تجدها المعلمة شاردة الذهن في هذه الحصة ،، المشكلة أنها تجد هذه المادة مملة جدا .. التقطت قلما تتظاهر بتتبع الدرس معهم على الكتاب .. رفعت عينها لتجد منى تكتم ضحكتها و هي تهمس ..
- هاا .. ارتفعت و الا نزلت ؟؟
عقدت جبينها بعدم فهم ..
- شوه هي ..؟؟
انفرجت شفتيها عن ابتسامة و هي تخفض رأسها كي لا تراها المعلمة و هي تتحدث ..
- أسهم شركاتج لي تفكرين بها ..
ابتسمت نورة بهدوء ما عندج سالفة .. انتـ ...
بترت عبارتها مع وقوع ورقة صفراء صغيرة على طاولتها .. التقطتها بسرعة و هي ترى أحد صديقاتها في الطرف الأقصى تشير بيدها ..
فتحتها لتلتهم الكلمات بسرعة قبل أن تهمس ..
- شما تقول تسأل لو بنحضر التخرج .. عسب تييب لنا بطايق الدخول ..
نظرت منى للأعلى مفكرة و هي تسأل بخفوت ..
- انتي بتحضرين ..؟؟
صمتت نورة لبرهة و هي تفكر ساخرة بأنها لن تجد شيئا لائقا لترتديه رغم أنه حفل تخرج شقيقتها أيضا .. لكنها فضلت قضاء ذاك اليوم في النوم .. قالت بحزم ..
- لا ما بحضر ..
بدا الإحباط فورا على وجه صديقتها و هي تقول ..
- مالت عليج عيل أنا بعد ما بحضر ..
ابتسمت نورة و عينها لا تفارق خطوات المعلمة تخشى أن تراها و هي تتحدث .. راحت تخط الرد بالنفي في نفس الورقة الصفراء لتعطيها الفتاة التي أمامها .. ليتناقلن الورقة .. ألقت نظرة على ساعة الحائط .. لازالت تفصلهم دقائق عن انتهاء الحصة ،، تنهدت و هي تسند فكّها بضجر .. تدريجيا بدأت تغرق مجددا في التفكير ،، ابتعدت كثيرا عن هذه البقعة من الأرض قبل أن تشعر بمنى تلكزها مجددا .. انتفضت و نظرت بارتياع للمعلمة .. هل انتبهت لشرودها مجددا .. و لكنها كانت تدير لها ظهرها و هي تكتب على السبورة .. نظرت لمنى بغيظ ..
- هاااا ..؟؟؟؟!
كانت منى تكتم ضحكة و هي تهمش مشيرة للباب ..
- شوفي الاستهبال بس ..
نظرت للباب .. لترى عبر نافذته فتاة قامت بوضع قناع مطاطي لوجه بشع .. بدا شكلها مضحكا و هي تلصق وجهها بزجاج نافذة الباب ..و تبعده مرة أخرى .. لحظات و نورة مبتسمة لهذا المنظر و الفتاة مستمرة في حركاتها ثم فجأة اصطدم وجهها بالزجاج .. إذ يبدو أن أحدا ما قام بدفعه إلى الأمام على غفلة .. انفجرت نورة و منى و بضع فتيات أخريات كن يراقبن الأمر بابتسامة .. لتلتفت المعلمة مع هروب فتاة القناع .. و هي تقول بضيق ..
- خير .. يالسة أنكت أنا ..؟؟
التزمن الفتيات الصمت باستثناء نورة التي لم تستوعب سوى منظر الفتاة و رأسها يدفع ليلتصق بالنافذة .. كانت تضحك بأريحية غير منتبه لوجود المدرسة التي ركزت الملعمة نظرها عليها ..
- هههههههههههههههههههههههههههههههه ..
قرصتها منى بخوف ..
- نورووه .. بس المعلمة تطالعج ..
رفعت نورة عينها بسرعة و هي تخنق الضحكة باستماتة .. كانت المعلمة تقترب من مقعدها و هي تعقد ذراعيها و نظرة صارمة تعلو وجهها الحاد ..
- هاا نورة .. ضحكينا وياج ..؟؟؟
التفتن الطالبات إلى نورة التي وقفت في مكانها ينتظرن الإجابة .. شعرت نورة بإحراج شديد و هي تكذب قائلة ..
- ما شي معلمة .. بس تذكرت سالفة و ضحكتنيه ..
كان صوت المعلمة قاسيا ..
- لا و الله .. و هالسالفة ما تذكرتيها الا فحصتيه ..؟؟ ما تعرفين ان الضحك من دون سبب .. قلة أدب ..
قالت نورة بلهجة مرتدة قوية ..
- أنا هب قليلة أدب ..
وضعت المعلمة يدها على الطاولة و هي تقرب وجهها من نورة بلهجة قاسية ..
- عيل لا تضحكين من دون سبب .. و انتبهي .. الغدا لاحقة عليه و ع التفكير فيه ..
وجدت نورة تعليقها سخيفا مع بضع ضحكات انطلقت في أرجاء الفصل .. أشاحت بوجهها و هي ترفع أنفها بشموخ .. عادت المعلمة لمكانها و نورة تجلس مجددا .. لم تكد المعلمة تبدأ بمواصلة درسها الممل حتى ارتفع الجرس خارج الممر معلنا انتهاء الحصة .. ابتسمت نورة ابتسامة كبيرة و كأنما أفرج عنها .. راحت المعلمة تجمع أغراضها و هي تنظر لارتياح نورة شزرا ..
- الشيخة نورة المرة الياية لو بتسترجعين ذكرياتج استرجعيها برا .. ما فيه داعي تضيعين على غيرج الحصة ..
التزمت نورة الصمت و هي تنظر لها بغل ،، قالت بحقد لمنى و هي تراقب المعلمة تخرج من الصف ..
- عنبوه ما ترزا هالضحكة ..
ضحكت منى و هي تدس كتبها في درج الطاولة ..
- لا انتي ما تسمعين ضحكتج كيف لنج متعودة .. ضحكتج بروحها نكته .. ما تشوفين البنات يضحكن كل ما ضحكتي حتى لو ما يعرفن السالفة ...
هبت نورة واقفة و خرجت من الفصل ترافقها منى .. ما أن وصلت عند الحمامات الواقعة في أقصى الممر .. و دخلتها حتى ظهر فجأة ذاك الوجه المريع .. لتجفل خائفة .. رأته منذ لحظات و لكنه بدا مروعا عن قرب .. ضحكت منى على منظرها و هي مذعورة .. و أزالت الفتاة القناع ليطالعها ذاك الوجه من خلف فتشهق بغيظ و هي تضربها على كتفها ..
- داااااااااااانوه يا السبالة روعتينيه ..
فركت دانة كتفها ..
- آآه .. يا الدفشة .. مايكل تايسون هب نورة .. ايدج ثقيلة ..
سألتها منى بلهفة ..
- انتي لي كنتي توايقين من دريشة الباب ؟؟
ضحكت دانة بقوة و شاركنها صديقاتها اللواتي كان يمتلئ بهن المكان .. و انشغلن في الإصلاح من هندامهن ..
- هههههههههههههههههه .. عيبتكن الحركة .. ما دريت وين نورة يالسة عقب ما غيرت مكانها بس شفتج ..
- ههههههههههه منوه لي ظرب راسج فالدريشة ..
نظرت لإحدى صديقاتها بحقد ..
- هاي شمشون ..
قالت نورة بضيق ..
- انتي كيف ظهرتي و الحصة الرابعة ؟؟
هزت دانة كتفيها و هي تنظر لنوف التي انشغلت بتمشيط غرتها بتركيز ..
- عدناا فراغ .. صع نوف ..؟؟
قدمت نوف وجهها حتى كاد يصطدم بالمرآة و هي تهز رأسها موافقة .. تابعت منى استفسارها ..
- و من وين يبتن القناع ..
وضعت دان قطعة لبان في فمها و هي تمد قطع أخرى لأختها و صديقتها ..
- هاي سارونة صارقتنه من النادي الترفيهي ..
اتسعت عينا نورة و هي تشهق ..
- يا قواة عينها ..!!!!
قالت احدى صديقات دانة التي لا تعرف نورة لها اسما ..
- عادي أصلا محد يشرف عليه هالنادي ..
لوحت دانة بيدها و هي تلقي نظرة على المرآة تعدل فيها من وضع ..
- صدق .. عادي .. بس تدرن انتن أحسن عن عفاري سيده انتبهتن .. عفرا تميت ساعة عند الباب و الصق ويهي كل بنات الصف و المعلمة و الصف لي عدالهم انتبه و هاييك مبهتة في الصبورة و تنسخ .. !!

* * * * *

الشمس تتصدر قلب السماء .. تنفث أشعتها لهبا .. حارقة ..
تتوقف سيارته العتيقة بأنين معذَّب أمام باب البيت الصغير .. يفتح سيارته ببطء شديد ..
يتساند بيده و هو يضع مفتاحها في جيبه مصدرا عند حركته المرهقة صوت اصطدامه بهاتفه القديم ..
بدأ يدفع خطاه نحو الباب .. حرارة كتلة النار التي أبدع الخالق بها نورا .. تكوي مؤخرة عنقه الأسمر ..
يقطع المسافة القصيرة بين الرصيف و باب بيته القريب بجهد بالغ .. و هو يحرك - غترته - إلى الخلف قليلا ..
يشعر بثيابه .. بأنفاسه .. بخطاه .. ثقيله ،،
ثقيله للغاية .. قطرة من العرق تسيل على جبينه لتستقر بجرأة على جفنه المجعد .. ليمسحها بتعب ..
.
.
ما بالها هذه المسافة لا تتقلص ..
شعر بأنه متعب ..
متعب جدا ،، أحنى رأسه ليعبر الباب القصير .. مدخل المجلس الصغيرة أمامه ..جلس على درجتيه الصغيرتين يسند ظهره للجدار المجاور ..
شعر بجسده ضعيفا للغاية .. لا يملك القوة ليواصل طريقه للداخل ..
سيرتاح لثوانٍ هنا ،، ثم سيتابع طريقه ..
أسند جسده للأرضية الإسمنتية الساخنة .. تلذعه حرارتها ..
لكنه لم يبالي .. فها هي الشمس أكثر قسوة .. تلسع وجهه و جسده بحرارة أشعتها التي تسلطها عليه ..
فيما يجلس هنا مستسلما ..
الحرارة تخنقه .. و جسده المضني لم يعد فيه من القوة ما يملك ليتزعزع من مكانه ..
تتسرب الأنفاس منه الآن .. و هو يسدل جفنيه بتعب ..
لم يعد يقوى الاستمرار تحت لهيب هذه الأرض .. أَ يمكنه أن يغفو للحظات عند هذه العتبة ..؟!
سينشد الراحة للحظات قليلة فقط ..
يريد السلام الذي يسكن خلف تلك الظلمات .. سيصلها بهذه الغفوة ..
الشمس لا زالت تطلق سهامها نارا عليه .. و جفاف في حلقه يؤرقه ..
هو ظامئ ،، جسدا .. و روحا ..
قواه تخور ببطء .. و عمامته أصبحت تنزلق ..
تنزلق ..!
و وجه قديم ينبثق من العدم في هذا السواد ..
هذه التجاعيد .. و هذه العينين .. و هذا الحنان البعيد .. هذا العبق الذي ملأ الجو الساخن ..
راحتيها يريد أن ينحني ليقبلها .. يريد أن يمسك بها .. يستنشقها .. و يتنفس رائحتها مجددا للحظة أبدية ..
و لكن الصورة كانت تختفي .. تتبدد في تلك الظلمة المريحة ..
.
.
أنفاس ..
و لم تعد شمس الصيف الحارقة تؤذيه الآن ..!

* * * * *

وضع في فمه لقمة ضخمة و هو يشير بيده المتسخة إلى زجاجة الماء .. ابتسم هو بهدوء و هو يفتحها له و يدنيها منه .. ابتلع اللقمة ليعقبها بجرعة مياه كبيرة و يتنهد بشبع ..
- الحمدالله ..
لا زال هو يبتسم بهدوء ..
- يعل فوقه العافية ..
ربت الأول برضا على بطنه و هو يقول ..
- يا خي ما شا الله على أمك طبخاا فنان .. بو هناد يوزنيه وحدة من خواتك أبا أناسبكم ..
ضحك سيف من قلبه ..
- هههههههههه أفاا يا عبدالعزيز .. تناسبنيه عسب طباخ أميه .. الحمد الله ان ما عنديه خوات ..
ارتسمت على وجه عبدالعزيز ابتسامة طفوليه ..
- و الله يا سيف ان قربكم ينشرى بفلوس .. بس طباخ أمك بعد ما فيه حيله .. بس تدري شوه ..؟؟
بدا الإحباط عليه و هو يهوي براحة يده على بطنه الكبير الذي شد بفعل حزام لباسه الرسمي للشرطة ..
- دوم تخرب عليه الريجيم بهالعزايم ..
ضحك سيف هو الآخر و هو ينهض من مكانه ..
- أي ريجيم يا خي .. انتي تمشي عليه خمس دقايق و باقي الوقت ع كيفك ..
عقد عبدالعزيز جبينه ..
- ياخي لا تحبطنيه أول شي يخرب وصفات الريجيم هي الرمسة المثبطة للعزيمة .. و رمستك مع احترامي الشديد تبط أبوو العزيمة ..
- خلها تثبط العزيمة عسب لا تاكل شي فيها ..
- هه بايخة .. أنا بسير أغسل ايديه عسب نكمل الدورية ..
هز سيف رأسه و هو يخرج هاتفه و يتصل بأمه ليبلغها بان ترسل أحدا لأخذ الطعام ..
و جلس عن المدخل يرتدي حذائه .. استرعى انتباهه دخول أخوه الأصغر حاملا كتبه بيده .. سلم بإرهاق حال دخوله ..
- السلام عليكم و رحمة الله ..
عقد سيف جبينه ..
- و عليكم السلام و رحمة الله .. مرحبا حارب .. عنبوه الساعة ثلاث و نص ..
سلّم حارب باحترام و هو يتنهد ..
- شوه بتقول يا سيف .. الحين يدبلونهن الساعات علينا دراسة و امتحانات .. المدارس الخاصة تبا ترفع مستواها عسب تصديق الوزارة ..
ابتسم له سيف مشجعا و هو يشد على كتفه ..
- ما عليه شد حيلك .. هاي ثنوية عامة .. انته قدها ..
تأمل حارب لباسه الرسمي الخاص بالشرطة و بادله الابتسامة ..
- ادعليه بس .. شوه عندك دورية ..
قبل أن يرد سيف أقبل عبدالعزيز من خلفه ..
- السلام عليكم و رحمة الله ..
ابتسم حارب باحترام و هو يسلم ..
- و عليكم السلام و رحمة الله .. يا الله حييه بو سعود ..
- يحييك .. شحالك يا حارب ..
- بخير و سهالة .. شحالك انته .. ربك بخير ..
- يسرك الحال .. الحمد الله .. علوم دراستك ..
- طيبة .. هاا ظاهرين ..؟؟
نظر عبدالعزيز لسيف الذي هز رأسه موافقا ..
- هيه باقي لنا 3 ساعات ع الدورية .. يا الله حدر انته .. نحن سايرين .. و لا ترقد ما بقى شي ع صلاة العصر ..
قال حارب بإحباط ..
- الحين صيف يا سيف ..
ضحك عبد العزيز ..
- حلو السجع.. صيف و سيف ..
قال سيف بحزم رقيق ..
- ماشي باقي ع الصلاة غير نص ساعة .. تغدى و افتح لك كتاب .. لو رقدت بتطوفك صلاة العصر ..
بدا الخنوع المحبط على وجه حارب و ابتسم عبدالعزيز ابتسامة كبيرة و هو يتوجه خارجا حيث أوقفا سيارة الدورية ،،

* * * * *

- ما كأنه ابويه تأخر ..؟!
قالتها مزنة و هي تنتزع قطعة المصاص الملوِّنة من فمها الأزرق بفعلها .. انكمش أنف هند باشمئزاز .. و بدا على وجه حور تعبير مشابه ..
- عادي هب أول مرة يتأخر .. و بعدين سيري فري هالخياس لي يالسة تاكلينه و اغسلي ثمج قبل لا يي و يشوفج و يغسل شراعج ..
هزت مزنة رأسهة رفضا و راحت تقضم الحلوى كي لا ترميها .. اتسعت عينا المها و هي تراها تخرجها من فمها و قد التهمت أجزاءٍ منها .. فيما قالت هند و هي ترفع حاجبها..
- خيبة .. هب ظروس عليها .. هاون .. طالعي كيف كلت الحلاوة ..
تجاهلتهن حور حين ارتفع صوت الأذان مناديا لصلاة العصر لتنظر لنايف الذي جلس في زاوية الصالة يستذكر دروسه قبل أن يأتي أباه ..
- نايف حبيبي .. صلاة ..
هز رأسه بطاعة و عيناه لا تفارقان الكتاب الذي يخط بقلمه فيه ..
- ان شا الله ..
أشارت للمها ترفع يدها بقرب أذنها في حركة تكبير .. لتهب المها من مكانها لتصلي .. توجهت لغرفتهن .. لتفتح الباب فيقع ناظرها على عفرا التي توسطت ضيق الحجرة بين كتبها و نورة التي كانت تنبش شيئا في خزانة ملابسها .. فيما استلقت دانة على فراشها و هي تضحك حين قالت عفرا بحيرة ..
- غريبة ..! ما شفتكن ..
دانة تقهقه بقوة ..
- انتي لو شفتي ويهج بس بتموتين من الضحك .. عيونج بتاكل الصبورة ما تقولين غير الكلمات لي عليها بتشرد .. هههههههه .. صدق ويه علمي ..
قاطعتها حور بهدوء ..
- صلاة ما سمتعن أذان العصر ..؟؟
تقلبت دانة على الفراش و عفرا تضع كتبها جانبا ..
- ان شا الله ..
أغلقت حور الباب متوجهه نحو غرفة أمها حين استوقفها صراخ نايف و هو يركض داخلا للصالة ..
- حوووووووور ..
اجفلت بقوة و هي تلتفت إليه فزعة ..
- بسم الله .. شفيك ..؟؟
كان يلهث بقوة عند الباب حين ظهرت عفرا من باب الغرفة المجاورة تطالع أمر الصراخ .. بدا الكرب على وجه نايف و هو يقول بخوف ..
- أبويه راقد عند باب الميلس .. و أوعيه للصلاة ما طاع ينش ..!!!
اتعست عينا حور بصدمة ..
- عند باب الميلس ..؟؟!
هز نايف رأسه حين ركضت حور و راح يركض ورائها نحو المجلس .. عفرا تتبعها بسرعة .. و صياح دانة المتسائل يتردد في الجو بلا مجيب ..
- بلااااااااااكم ..؟؟
وصلت حور بسرعة و شهقت فور رؤيتها جسد أبيها الراقد على الأرض بحركة غير مريحة و قد ألقى رأسه على إحدى عتبات مد خل المجلس .. هرع له بسرعة و ركعت بجانب رأسه .. جسده الطويل كان مائلا بطريقة أثارت ذعرها .. أطلقت عفرا صيحة فور رؤيتها له و اقتربت هي الأخرى لتجلس بجانب حور .. نايف كان يقف بعيدا عنهن و الخوف يلجمه.. ابتلعت حور ريقها بتوتر .. و هي تهز كتفه تنبهه بهدوء ..
- أبويه .. أبويه .. أبويه أذن العصر .. أبويه ..؟؟!!
كانت الكلمات ترتد عن هدوء صلب يغشى ملامح والدها .. تشد على كتفه بقوة أكبر ..
- أبويه ... أبويه ..!!
و تواصل النداء بلا كلل .. و لكن أباها لا يجيب .. لحظات و الرعب يضطرم في صدرها .. عفرا بدأت تبكي بصوت منخفض .. و نايف يترجم مخاوفهن بصوت مذعور ..
- عور شفيه أبويه ما يتحرك ..
التفتت له حور بخوف عصيب ..
- مادري .. انته حصلته كذيه .؟..!!
هز رأسه دون أن يتكلم .. و عيناه ابتدأتا بذرف الدموع .. هزت حور رأسها و صوتها يرتجف ..
- لازم نوديه المستشفى ..
صوت عفرا البايك يوتر احساسها ..
- منوه بيوديه ..؟؟
دست يدها في جيب أبيها تخرج هاتفه القديم .. راحت تضرب الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب .. لحظات فقط و يتدفق صوته الرجولي عبر خطوط الاتصال ..
- ألوووو .. مرحباا ..
كان صوتها غير ثابت و هي تهتف بذعر .. شعرت بأن دموعها تهدد بالهطول ..
- مااااااايد .. أنا حووور ..
- بلاج حووور ..؟؟؟ رب ما شر ..؟؟
بكت الآن و هي تقول ..
- مايد تعال البيت بنودي أبويه المستشفى .. ابويه ما يتحرك ما طاع ينش ..
لحظات صمت قبل أن يقول بصوتٍ هادئ ..
- لا تروعين .. الحين ياي أنا و عبيد ..
و أنهى المكالمة بسرعة .. لم تفارق عينها وجه أبيها .. و هي تعيد الهاتف لجيبه بهدوء .. ابتلعت ريقها و هي تكافح لمنع نفسها من التداعي الآن .. نظرت لعفرا و هي تأمرها ..
- سيري هاتي عباتيه و غشوتيه بسرعاااه ..
قفزت عفرا من مكانها و ركضت مجددا للداخل ..
تنظر هي لوجه أبيها المغضن .. و الأخاديد التي خطت على وجهه الكالح .. سحنته الحبيبة و هو يعقد جبينه و كأنما تضايق من رقاده بهذا الشكل ..
التقتت لنايف الذي التصق بالجدار و عيناه المرعوبتين لا تفارق وجه أبيهم .. لحظات و اندفعت عفرا تتبعها دانة و نورة و المها .. ناولت عفرا حور العباءة و ما تحمل .. وضعت نورة يدها على فمها ..
- بلاه أبويه ..؟؟
راحت حور ترتدي عباءتها بسرعة ..
- لقيناه طايح .. بنوديه المستشفى ..
عادت المها أدراجها راكضة .. لتظهر بعد دقيقة و وهي تمسك بعباءتها الأخرى .. عيناها الحازمتين أنبأت حور بأنه لا داعٍ لمنعها .. تنهدت حور و هي تعيد النظر لوجه أبيها .. دانة و عفرا يبكين بصوت مسموع خوفا مما قد يحدث لأبيهن .. المها تامع مخاوفها في أفق عينيها الواسعتين و هي تعض شفتها السفلى بقلق شديد .. نورة تجلس بجانب حور و عيناها تمتلآن بالدموع .. و هي تهمس ..
- حور هو يتنفس ..؟؟؟
همست حور و هي تشيح بوجهها .. لا تريد أن تبكي .. خائفة .. خائفة ..
- ما أدري ..!
سمعوا صوت بوق سيارة عند الباب و ركضت عفرا التي كانت بلا غطاء للداخل .. فيما غطت المها باشارة من أخواتها و و دانة و نورة وجوههن ..
خرج نايف لاستقبالهم .. و في ثوانٍ فقط كان عبيد و مايد .. قد دخلا .. لم يلتفتا لأي أحد منهم حتى حور التي كانت قد قضت ما يقارب الشهر دون أن ترا عبيد .. بسرعة إقترب مايد منه و حور تهتف بذعر ..
- ما يتحرك .. و ما يرد علينا .. بسرعة يا مايد .. خلنا نلحق عليه ..
راحت ترتدي عباءتها في حين قام مايد يساعده عبيد في نقل بو نايف للمقعد الخلفي لسيارتهم .. لحقت بهم حور و المها .. و تقدم نايف أيضا .. و لكن حور أمسكته من كتفه و هي تقول بصوت مرتجف ..
- خلك في البيت محد بيتم هنيه .. نحن بنرد بسرعة لا تخاف ..
لم يرد نايف فقط هز رأسه بطاعة و هو يكبح لمعة الدموع في عينيه .. نظرت حور لدانة و نورة و هي تقول آمرة ..
- لا تقولن لأمايا أي شي و لا تروعنها .. خلونا نتصل لابكن كان بيرخصونه و الا شوه السالفة ..
و ركبت السيارة في المكان الصيق الذي حشر فيه جسد والدها مغلقة الباب خلفها لينطلق مايد بسرعة نحو المستشفى .. وضعت قدمي أبيها في حجرها .. فيما كان رأسه يغفو على صدر المها التي كانت تتشبث به بقوة .. لم تعرف ما الذي كان يخالجها في تلك اللحظات .. خوف .. قلق .. و شيء من عدم التصديق .. تشعر بان كل ما يحدث غير حقيقي ..! لا تدري سببا لهذا الشعور ..!
دموعٌ حمقاء تدفقت فجأة من عينيها و هي تناظر وجه أبيها الراقد بلا حراك .. إلهي .. إلهي ..!
ما خطبه ..!
لما هو مسجى هكذا بلا حراك ..؟؟
كان صوت عبيد و هو يتصل بالطوارئ ليستعدوا لإستقبالهم .. ينتشلها مما هي تغرق فيه .. من مشاعر متخبطة .. قلبها يخفق بجنون و هي تنظر للمها التي أخفت وجهها خلف الغطاء ..
ما الذي يخالجها يا ترى ..؟؟!
- اتصلت بابويه ؟؟
رد عبيد و هو يلتفت إلى الوراء نحوهن ..
- يقول بيلاقينا في الطواري .. حور ؟؟
رفعت حور وجهها نحوه و هي تحاول ابتلاع دموعها .. لم تشا أن تكون بهذا الضعف .. و لكن ،،
قال بحنان كبير و يمد يده الطويلة و يقرص خدها ..
- لا تخافين .. ان شا الله ما فيه إلا العافية ..
ارتجفت دمعة أخرى تتبع الشابقات و هي تهز رأسها غير واثقة ،،
لا تعلم لما تشعر بهذا الخوف الشديد .. شعور بدنو نهاية ما يرعبها ..!
.
.
.
كانوا ثكلة من الممرضين و الأطباء عند باب الطوارئ في انتظارهم اضافة لأبو مايد الذي بدا أنه سبقهم إلى هنا ..في الحال وضع بو نايف على سرير نقال ليختفى به في إحدى غرف الفحص .. مرت ما يقارب الربع ساعة و هم يجلسون هناك بتوتر .. بو مايد يقف قرب باب مدخل قسم غرف الفحص الخاصة بالاسعاف المستعجل .. و عبيد يقطع الممر على قدميه ذهابا و إيابا .. مايد جلس مسترخيا بجاور حور التي كانت تعتصر قبضتيها بخوف .. تسمع المها تتمتم بشيء ما خمنت أنها أدعية .. كان الجو ثقيلا على النفس .. لا تريد أن تجلس هنا في انتظار ان يخرج أحدهم ليخبرهم ما يحدث خلف هذه الأبواب المغلقة .. يفترض بهم أن يكونوا في الداخل .. بجوار ابيها ..
راحت تناجي ربها في صمت أن يكون الأمر غير ذي بال .. و أن يكون والدها بخير .. في غمرة ازدحام حواسها و أفكارها طرأ على بالها أمرٌ ما .. همست لمايد بصوت مرتجف ..
- مااايد ..
التفت لها بسرعة ..
- لبيه ..
ابتلعت ريقها ..
- لبيت في منى .. أبا أصلي العصر ..
هز رأسه موافقا ..
- ان شا الله .. شوفي المها بتسير وياج ..؟؟
رفضت المها التحرك بعد أن قضت صلاتها في البيت قبل الجميع .. و فضلت الجلوس هنا في انتظار خبر عن أبيها ..اختفت حور و مايد الذي راح يدلها على مكان مصلى النساء .. و ثوانٍ قبل أن يظهر مجددا ليجلس بعيدا عنها بخطوات ..
.
.
أفكار مجنونة كانت تقلبها في ذهنها و هي تجلس في مكانها بهدوء .. تدعوا ربها بقوة ..
خيالات فظيعة راودتها و هي تستعيد صورة أبيها و هو مسجى على الأرض بلا حراك ..
وجهه المتعب الذي أشقته أيام العمر المضنية و هي تحتضنه باستمامته .. أرادت أن تبث وجهه الجامد شيئا من الحياة ،، رمق من أدنى أثر لشعوره بمن حوله ..
كان الرعب القاتل يسري في عروقها مع طول انتظارهم .. و تأخر أحدٍ ما في المجيء ..
أغمضت عينيها للحظات تنفي كل فكرة سوداء قد تغرقها .. و تسحبها بيأس إلى الأسفل ..
فتحت عينيها و أدارت وجهها نحو الباب .. خفق قلبها بقوة حين رأت رجلا يرتدي معطفه الطبي كان يقف مع عمها بو مايد يبتعد عنهم نحو ذاك الباب مجددا .. و أبو مايد يضم طرف - غترته - لعينيه ..
كان على ما يبدو أنه يكلم ابنه الأكبر الذي كان يهز رأسه المنخفض بطاعة .. و عبيد يجلس على كرسي قرب الباب و قد أراح رأسه بين كفيه ..
كان المشهد بليغا للغاية .. هناك سوء ما قد أصاب والدها .. متأكدة من ذلك .. هبت على قدميها المرتعشتين .. و عبرة خائفة تقف على أعتاب مقلتها .. تأبى النزول من عليائها .. و كأنما يعني سقوطها .. أوان النهاية ..
تقترب من عبيد الذي بدا أقربهم في تلك اللحظات .. تجر قدميها جرا نحوه ..
لما بدت لها خطواتها تقودها نحو الحتف القريب ..؟!
لماذا راودتها رغبة مخيفة في العودة لمكانها .. و التشبث بذلك المقعد ..
هل عليها أن تهرع لما تحمله تلك الوجوه من وجع منتظر ..؟؟!!
شعر عبيد بوقوفها عند رأسه .. رفع وجهه المحمر نحوها .. عينيه المغرقتان بالدموع .. وجه المبتل ..
.
.
رباه .. هذه العبرات ..!
أيقنت بأن الأمر تجاوز حدود هذا الرجل بالمكابرة .. تجاوز حدود الهدوء ..
حدود التحمل ..
حدود الحياة نفسها ..!
هــل ..؟؟
رفعت يدها لحنجرتها تتحسسها .. تريد التأكد من أن صوتها الذي لا تسمعه ستخطى شفاهها .. و هي تقول له بنبرة غريبة ..
- أباااه مااات ..؟؟
بدت الصدمة جلية على وجهه .. و لم يجبها .. فعادت تسأله بإصرار ..
- أباااه مااات ..؟؟
ازدادت عبراته في التتابع .. و هو يومئ برأسها بايجاب ..
فجأة وصلتها الإجابة ..لقد فارق والدها الحياة .. رفعت عينها بذهول .. كان وقع الخبر أكبر من إدراكها ..
أدارت بصرها في وجوه من حولها .. مايد الذي كان ممسكا بالهاتف يتحدث فيه و هو يبكي .. بو مايد يقف مستندا على الجدار و جسده المسن يهتز بأسى ..
إنهم يبكونه ..!
يبكون فقيدهم .. أباها ..
أباها .. لقد رحل .. تركهم .. لقد أخذوه الأطباء إلى الداخل .. و لن يستطيعوا الآن استرجاعه ..
راحت تنظر للباب البعيد الذي أدخلوه عبره .. و خرج الطبيب منه حاملا خبر رحيله ..
تري ان تصله .. تقتحمه .. تعيد أباها مجددا .. تريد أن ....
في غمرة تلك المشاعر التي بدأت تخنقها .. نسيت قدرتها على التنفس ..
أصبح الهواء لا يصل رئتها حين بدأت تعجز عن الوقوف على قدميها ..!!
.
.
.
.
.
.
.
يلامس جبينها الأرض بخشوع .. تمسك بأطراف الدموع بعيدا عن متناول الهطول .. ليس وقت الضعف الآن ،، حتما سيكون أباها بخير ،، و لا هذا الأمل ارتجفت شفتيها و هي ساجدة .. على وشك البكاء ..
تتوسل الرب من قلبها أن يحفظه لهم .. رباه ليس لنا سواه ..! .. كيف سنواصل العيش إذا أصابه مكروه ما ..!!
كيف لعائلتهن البسيطة أن تتدبر أمورها دونه ..؟! كان هو السند الوحيد لهم ..
ترفع نفسها لتستوي جالسة قبل أن تنهي صلاتها .. توجهت نحو الحمام التابع للمصلى النسائي .. وقفت أمام المرآة العملاقة و هي تضع غطاء وجهها جانبا .. بهدوء .. تدير الصنبور لتتدفق المياه بقوة .. فتجمعها هي بهدوء بين راحتيها ثم تنثرها على وجهها ..
تريد أن تبرد شيئا من حر فؤادها قبل وجهها الذي أحرقته الدموع ..
لا تعرف كيف تخنق خفقان قلبها الخائف .. الأمر كان مرعبا للغاية .. لم يحدث هذا لأبيها من قبل ..!
اتجهت نحو الردهة الواقعة قرب مدخل غرف الفحص حيث تركت البقية ،، ما إن اقتربت من مكانها حتى عقدت جبينها .. لم يكن أحدهم هناك ..!!
مهلا .. هذا بو مايد يقف في الطرف الأقصى .. شعرت بتفاؤل غريب يجتاحها .. لا بد أن أباها استيقظ الآن و البقية يجلسون عنده .. اقتربت من بو مايد الذي كان يدير لها ظهره.. بلهفة و هي تكاد تركض نحوه .. وصلت اليه بسرعة ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
رأت ظهره يتصلب وهو يرفع رأسه دون أن يلتفت إليها .. رد سلامها بصوت ضعيف .. قبل أن يلتفت إليها ..
- و عليكم السلام و رحمة ..
أدار وجهه بعيدا عنها و هو ينظر حيث الاستقبال .. تلك النظرة المتألمة لم تخفى عن حور التي وضعت يدها على صدرها بارتياع و كل إحساس جميل راودها للتو ذهب أدراج مخاوفها ..
- عمي سلطان بلاك ..؟؟؟ أبويه فيه شي ..؟؟؟
هز رأسه نفيا بسرعة .. دون أن يجيب .. تهدج صوتها و هي تشعر بأنها على شفير البكاء ..
- دخيلك لا تكذب عليه .. ابويه شفيه ..
.
.
نظر لها و هو يوأد أي إحساس قد يطفو على وجهه .. لن يستطيع تحمل ردة فعلها عند علمها بخبر أبيها .. عبيد ذهب لإعلام أمه و إصطحابها لبيت خالته .. ستقوم هي بابلاغ من في البيت .. مايد في الخارج ينتظر إخوة المرحوم الذين سيكونون على وصول بعد دقائق .. الحقيقة أنه لا زال هو نفسه مهزوزا من هذه الفاجعة التي أصابتهم في ذاك العزيز على حين غرّة .. لا يجد في نفسه القدرة أن يخبر هذه الشابة بذاك النبأ .. فضّل اللجوء للمناورة حتى يأتي مايد .. سيقوم هو بإخبارها .. و امتصاص ردة فعلها و مواساتها .. أَ وَ ليس أخوها .. و الأقرب لها ..؟!
ابتلع كتلة شائكة سدت حلقه بمرارة و هو يتنهد قائلا بهدوء خادع أخفى وراءه صرخات مجنونة لا تسمع ..!
- ما شي بس تروعت ع ختج .. مادري بلاها طاحت علينا مرة وحدة ..
كانت تلك نصف الحقيقة فقط .. و لكن الفزع في صوتها أربكه ..
- المهــــــا ..!!!! بلاها ..؟؟ شوه استوى عليها ..؟؟ وينها الحين ؟؟
- داخت و صك راسها في القاع .. ما ياها غير الكدمة و تقول الدختورة انها بتم ساعة و إلا زود راقدة ..
هزت رأسها بعدم فهم ..
- مايد و عبيد وينهم ..؟؟
تابع كذبته التي بدأت تتمادى الآن ..
- ساروا يشوفون أبوج شوه استوى عليه .. ما تبين تسيرين تشوفين ختج ؟؟ تعالي بوديج غرفتاا ..
تقدمها بهدوء و هي تتبعه نحو غرفة الملاحظة التي وضعت فيها المها تُمَدُّ بمغذٍ و ترتاح إثر صدمتها التي أدت لسقوطها على الأرض الصلبة .. أشار من عند الباب الذي لم يكن يبعد كثيرا عن المدخل ..
- هاي حجرتاا ..
.
.
.
هزت حور رأسها بامتنان و أطرافها ترتجف .. ماذا الآن أباها .. و المها ..!! أخطأت حين وافقت على إحضارها لم تشكْ قط بأنها مرهفة لهذه الدرجة .. أ سيطر الخوف عليها حتى أفقدها الوعي ..؟؟!
ارتعبت حور من الفكرة و دفعت الباب لتدلف بسرعة مغلقة إياه خلفها .. كانت المها تتمدد بهدوء على ذاك الفراش الأبيض الذي التفت حوله ستارة انزاح طرفها لتتبين من خلفها.. حجابها لا زال محكما على رأسها فيما أُلقي غطاء رأسها على الطاولة المجاورة .. و أنبوب طويل راح يمدها عبر الوريد بالسائل المغذي .. فيما هي تسكن عالما غير عالمهم هذا ..
دنت من فراشها بسرعة .. وضعت يدها على جبين المها .. كانوا قد وضعوا شريطين لاصقين أخفا طرفها الحجاب . هناك من فك الحجاب و أعاد لفّه بطريقه محكمة .. بدا وجهها الجميل غارقا في ما تجهل هي .. سحبت كرسيا تقربه من السرير لتجلس عليه .. تمنت أن يأتي عبيد و مايد بأخبار طيبة .. و أنا تستيقظ المها بسرعة .. مضي الوقت هنا أخذ يشعرها بالتوتر .. كانت الثواني تمر ثقيلة للغاية .. مر وقتٌ طويل لم يأتها أحد بخبر .. عليها أن تخرج لترى ما خطبهم .. هل نسوا وجدهن هنا ..؟؟ أم أن ...
تجاهلت أي أفكار سخيفة قد تراودها و هي تسحب الستارة حول سرير المها و تعيد الغطاء على وجهها .. توجهت نحو الباب لتفتحه .. ما إن خرجت من الغرفة ليقع عينها على هذا المظهر الغريب ..!! تراجعت بارتباك للخلف و لكن حركتها كانت قد استرعت انتباه الموجودين .. التفتوا أولئك الرجال الغرباء نحوها فور خروجها .. لتعود إلى الغرفة مجددا .. قلبها يخفق بعنف .. يا إلهي .. أين عمها سلطان و أبناءه ..!!
.
.
.
كانوا موجودين بين الرجال الذين لاحظوا وجودها في تلك البرهة القصيرة دون أن يعرفوها .. تبادل بوسلطان و ابنه مايد نظرة متفهمة .. و هو يقول له بصوت هامس حزين..
- أنا ما خبرتاا .. سير خبرهاا الحين و شوف لو تروم تردها هي و ختها البيت قبل لا يمزرون هلهم المستشفى ..
هز مايد رأسه بسرعة و هو يمسح وجه .. نظر للرجال الذي وقفوا حوله .. بحضورهم المهيب .. بملابسهم الفاخرة .. بالثراء الذي أخذ يلوح ببساطة على كل حركة .. حتى الحزن الذي ارتسم على ملامحهم لم يُزل كبرياء فطرية نُحتت على وجوه بدت له مألوفه ،، ألم يكن ذاك الراحل يملك هذه الملامح ..؟؟ هذا الطول .. و هذه الصلابة .. شعر بالغصة تخنقه و هو يشيح البصر عن أخوان بو نايف الأربعة و ابنهم الأكبر الذي تعرفه مايد ببساطة بما أنه مالك الشركة التي يعمل بها .. و شاب آخر لم يعرفه .. و لكنه تأكد أنه فردٌ من العائلة ..
لم يأتي أبو حمد ..!! لم يُقدم على المجيء معهم ..
توجه بهدوء نحو الغرفة التي رقدت فيها المها .. كيف سيعلم حور ..؟؟ كيف سيحطمها بما يحمل ..
كانت الأنظار تتأمله و هو يقف أمام الباب بعجز .. لا يقوى الدخول .. شعر بأنه أطال الوقوف هنا رفع يده ببؤس يغالب الدمع الذي تدافع لعينيه مجددا .. عليه أن يكون قويا من أجلها ..
دق الباب بخفة عدة مرات قبل أن يدفعه ليجدها واقفة في منتصف الغرفة و قد أسدلت الغطاء على وجهها و أغلقت الستار حول فراش المها .. ما إن تعرفته حتى أزالت غطاءها بسرعة و هي تقترب منه بلهفة ..
- مايد وينك ..؟؟ أبطيت عليّه ؟؟ شوه قالو لكم ..؟؟؟ أبويه شفيه ؟؟
كان مايد قد أخقض رأسه .. هذه اللهفة .. الأمل الذي مسه في كلماتها .. كيف يحرق قلبها ..؟؟ كيف ..؟؟
أي ثقل ألقي على كاهله .. !! أي وجع يفترض به أن يصيبها به ..!!
نظرت له بحيرة .. لماذا يبدو هذا الإنكسار عليهم .. عمها سلطان و الآن مايد ..!! همست بصوت مرتعش حين بدأ الذعر يدب في قلبها ..
- مايد .. بلاك .. أبويه شفيه ..؟؟
رفع رأسه المغرق بالدموع .. و صوته الرجولي بدا ضعيفا و هو يرمي تلك القنبلة مسلما الأمر ..
- أبـــــوج عطاج عمره ..!
لم تفهم ما قال .. تلك الكلمات أبى عقلها الخائف أن يترجمها ..
- هاه ..؟؟ كيف يعني عطانيه عمره ..؟؟
لم يجبها و هو يشيح بوجهه مخفيا تدفق الدموع الذي ازداد مع سؤالها .. عاد صوتها المرتعش يتوسله ..
- مايد ارمس دخيلك .. ابويه شفيه ..؟
التفت لها و هو يقول بألم ..
- حور أبوج متوفي من أربع ساعات ..!!
بدا و كأن مايد لا يتكلم العربية في تلك اللحظات و هي تعقد جبينها دون أن تستوعب ما قال ..
- متوفــــــي ..؟؟!!!
هز رأسه بألم و هي تتلفت حولها بحيرة .. تدور في الغرفة ..
- منوه لي متوفي ..؟؟ أبوية ..
توقفت في مكانها لتلتفت له بصدمة و عيناها تتسعان .. و هي تصيح فجأة بجنون خلع قلب مايد ..
- كذااااااااااااااااااب ..



>>

.: المــاس :.
28-11-2007, 03:47 PM
تتمـــة



.
.
.
.
.
كان يقف مسندا جسده المديد على الجدار يراقب من حوله بصمت .. الألم و الحزن اللذان رآهما في عين أبوه و أعمامه الثلاثة لم يكن يضاهي الوجع الذي لاح على وجه بو مايد و لا على ابنه .. لقد كانوا هم العائلة الوحيدة لحمد منذ سنوات ..! شعر بصعوبة في التعاطف مع أبوه و أعمامه .. و ذاك الشرود الذي بدا على وجه حامد .. ما كان يسحق فؤاده حقا هو ردة فعل جدته .. كيف له أن يبلغها بخبر كهذا .. لم يخبروا أباه سيف حتى الآن .. أتوا إلى هنا على عجل .. كان والده يعيد رأسه للوراء و هو شارد .. نظرة كسيرة تسكن عينيه ..
كبح شعورا ساخرا في غير وقته .. هل شعر والده الآن بالندم لابتعاده عن أخيه كل تلك السنوات ..؟؟ اعمامه هؤلاء .. أي إحساس يسكنهم بفقد أخٍ قد هجروه لسنوات .. و ها هي الأيام تعيدهم للقاءه بعد رحيله ..
سخرية حقّه .. لا يمكن للأمر أن يكون أكثر تعقيدا من هذه الصورة ..
يجلسون هنا في انتظار أن يسمح لهم الطبيب برؤيته .. تحرك من مكانه ليقترب من بو مايد الذي كان واقفا في الطرف البعيد .. و قال بهدوء حالما وصل إليه ..
- كيف مات ..؟؟
بدا السؤال قاسيا .. و لم تبدو المراعاة على وجه غيث الصلب .. الحقيقة أنه لم يكن يشعر بأي رثاء سوى على حال أبناءه .. شعر بالشفقة لمصيرهم بعده .. أين سيؤول بهم الحال يا ترى ؟؟
قال بو سلطان بتعاسة ..
- لقوه عياله راقد عند باب الميلس و ما طاع ينش لهم .. و اتصلت - تردد لبرهة و كأنما لا يريد نطق اسم الفتاة أمام هذا الغريب .. رغم علمه بأنه زوجها !!- آآ حور بمايد و شله هو و عبيد المستشفى .. و .......
بتر كلماته و رأسه يلتفت بقوة مع استدارت الجميع نحو الصيحة التي انطلقت من الغرفة القريبة ..! كانت صرخة الفتاة واضحة ..
- كذااااااااااااااااااااب ..
بدأ الجميع يلتفتون لبعضهم توترا .. أما غيث فقد لمع في رأسه شيء و هو يسأل بحزم ..
- حد من بناته هنيه ..؟؟
هز بو سلطان رأسه و قد شحب وجهه بشدة .. و هو يهمس ..
- هاي حور .. أكيد مايد قال لها عن أبوها ..!
نظر له غيث و هو يعقد حاجبه لوهلة قبل أن يرفع طرفه بكبر .. مايد ؟؟! و ما شانه بها ليخبرها بذلك .. استدار متوجها للغرفة التي خرج منها الصوت .. شيء من الضيق اضطرم في صدره .. على كل حال هذه الفتاة زوجته .. و لا يحبذ وجود رجل غريب لمواساتها في لحظاتها هذه .. طرق الباب ثلاث مرات بخفة قبل أن يدفعه دون انتظار الأذن .. كان مايد يقف قربها .. عرفها .. هي نفسها حور .. عقد جبينه .. مايد الذي التفت له بنظرة أليمة بدا أنه الوحيد الذي شعر بدخوله .. فيما استمرت حور بالنظر لوجه الأخير بشيء من الذهول .. كان وجهها مكشوفا و حجابها قد تراجع للخلف قليلا كاشفا خصلاتٍ انزلقت من تحته على جانب وجهها .. التعبير على وجهها يشبه الصدمة و هي تتوسل بصوت ضعيف ..
- مايد .. حرام عليك .. ليش تتبلى على أبويه .. نحن يبناه هنيه .. سير شوفه .. وين ودوووه .. ؟؟
نظر مايد لغيث بحزن .. و لكن وجه غيث كان قاسيا و هو يشير بيده آمرا أن يخرج .. اتسعت عينا مايد ..
ماذا ..؟؟ أيترك أخته مع هذا الزوج الذي لم تعترف به يوما .. أيتخلى عنها الآن تاركا مهمة تماسكها على عاتق هذا الرجل .. لم يكن لديه الخيار .. كان غيث ينظر له بصلابة منتظرا خروجه .. غيث الذي كان بودّه أن يهشم أنف هذا الشاب الذي يقف متأملا زوجته .. وجهها .. شعرها .. في حين لا تدرك هي ما يجري حقا ..!!
و يقف مترددا في إخلاء الغرفة لهما .. قال ببرود قاتل ..
- تفضل برا .. أنا بتصرف وياها ..
ارتخت كتفا مايد و هو يخرج .. عينا حور تتبعه بحيرة .. مشاعرها متخبطة .. لا تفهم ما قال مايد للتو .. لماذا خرج و تركها .. ؟؟
من هذا ..؟؟ نظرت له .. لا تزال الصدمة على وجهها مما قال أخيها للتو .. تشعر بالضياع .. الأمر ضخم للغاية .. لا تستطيع مشاعرها تفسير ما يقال ..!
.
.
هذا الوجه رأته في مكان ما ،، و لكنها لا تهتم الآن .. بدأت بالتحرك في مكانها .. اقتربت من الستارة التي تقبع المها خلفها .. و لكنها توقفت لتتراجع .. ماذا تريد ..؟؟ والدها هناك في الخارج ؟؟ التفتت مجددا نحو الباب ..
نعم هو هناك ستخرج لتراه جالسا .. لا بد أنه متعب .. متعب كثيرا .. و الا لما سقط هناك .. ستخبره بأن المها هنا مسجاة .. و أنها فقدت الوعي .. ستشكو مايد إليه .. لقد كان يمزح بثقل .. لقد قال أنه ميت .. الأبله .. لا يعلم شيئا ..
لا يمكن لوالدها أن يموت .. تحث الخطى نحو الباب .. أبي في الخارج .. حتما سأجده ..
سرعان ما التفت قبضة قوية على ذراعها تمنعها من الوصول للباب .. التفتت بعينين لا تريان لصاحب اليد الذي سأل بصوت قوي ..
- وين سايرة ..؟؟
بدت تسحب ذراعها .. عقلها المشتت لا يدرك من هذا الرجل الذي يقف هنا .. رأت وجهه في مكان ما .. لا يهم .. تريد الخروج ..
- بسير لأبويه .. بنرد البيت .. بيعصب .. غداه برد .. محد وعاه لصلاة العصر .. ممـ ..
بدت الكلمات تتقطع .. و هي تسحب ذراعها من تلك القبضة المحكمة .. لم تكن ترى شيئا .. ذهنها لم يعد يعي سوى أن عليها الخروج .. ستجد أباها حتما خلف هذا الباب ..
- خوز .. أبا أظهر .. انت .. ما تعرف .. المها طاحت .. كانت خايفة .. ولـ .....
.
.
كانت تهذي .. تجر ذراعها من قبضته .. غير واعية .. لا تزال مصدومة و إلا لما أرادت الخروج بلا غطاء و شعرها ينسدل .. نظرتها الضائعة .. شفقة قوية اجتاحته و هو يرى حيرتها البالغة .. لم تبكي حتى ..!
بدت تجر يدها الآن و صوتها يرتفع ..
- ودرنيه .. أبا أظهر .. ابويه يرقبنا .. يا ويليه لو أبطيت ..
تحاول الإفلات فيما يحكم يده حولها و يمسك ذراعها الأخرى بيده .. و هو ينبهها بهدوء ..
- حور .. حور ..
شعر باسمها غريبا على لسانه ..
لكنها لم تكن تسمع .. تشد نفسها .. تريد أن يتركها .. و صوتها يردد بجنون ..
- بطل ايديه .. بطل ايديه .. ابا أظهر .. هناك .. هناك ..
كان صوتها يرتفع بهستيرية .. بدت على وشك الإصابه بالجنون .. و عينيها المتسعتين تكاد تخرج من محجرها بذهول ..
- أبااااااااااااا .. أظهاااااااااار .. ودرنيييييييييييه ..
كان عليه أن يوقظها مما هي فيه .. أن يعيدها للواقع .. لا يجب أن تصاب بانهيار الآن .. هزها بشيء من العنف و صوته القوي يقول بصرامة ..
- حووور .. بس .. أبوج مات .. ترحمي عليه .. و لا تسوين بعمرج كذيه ..
ما إن ذكر الموت حتى ازداد جنونها و هي تدفعه من صدره بيديها ..
- خوز .. يا الكذاااااااب .. منوه لي مااااااااات .. ودرنيييييييه ..
بدت تضربه الآن بقوة .. قبضاتها تصطدم بصدره القوي .. لم تؤثر تلك الضربات فيه و لم تزعزع ثباته .. شدها فجأة بين ذراعيه متجاهلا صيحاتها الهستيرية و هو يدفن وجهها في صدره .. يخنق صيحاتها في حضنه .. و هو يقول بصوتٍ واضح .. قوي ّ..
ذبحها ..!
- أبوج مات ... مات .. تسمعين .. ؟؟ مات أبوج .. ترحمي عليه ..
تهز رأسها فيما يشد زراعيه حولها ..
- لأ .. لأ .. لااااااااااااااااااااا .. لاااااااااااااااااا ..
بدت تصيح و هي تضربه تحاول الهروب .. لا تريد أن تسمع شيئا من هذه الكلمات و هي تصيح بصوتٍ عالٍ ..
- لاااااااااااااااا .. أبوووووووووووويه مااااااااااااا مااااااااااات .. كذااااااااابين ..
صوتها ينخفض الآن و أنفاسها تتقطع .. ذهنها الذاهل أخذ يرسم الصورة جاهدا .. لقد أتوا بوالدها إلى هنا .. لكنها ستعود دونه ..!
- لااااااااا .. أبوووووووووويااااااه .. أبووووووووووياااااااااه .. لاااااااااا ..
بدت مقاومتها تخمد و هي تتشبث بصدر ثوبه باكيا .. تنتحب بصوت عالٍ كالطفلة .. بدت ذراعيه تلين بعطف .. و هو يربت على ظهرها مواسيا ثم يمسح على شعرها بأسىً على حالها .. صوتها المبحوح إثر صياحها .. يخرج متقطعا من بين شهقاتها المتتابعة ..
- أبووووووووووويااااااااااه ...
غريب كيف أدناه الموت من هذه الغريبة ..!
يشاركها أحزانها و يواسيها ،،
بدت تنزلق جالسة على الأرض و تسقط على ركبتيها .. شعر بالرحمة تسري في عروقه .. و هو يرى وجع قلب هذه الشابة .. لم يفقد أحدا من أحبته .. و لا يتخيل هول ما تشعر به .. لقد أدركت للتو أنها أصبحت بلا أب ..
.
.
يا بوي وينك ..؟؟
صرخة ضاعت بين ونات المواجع ،،
يا بوي وينك ..؟؟
هذي صيحة ما سمعت لها مجيب ..
راح صوتي ..
وين انته يا الحبيب ..؟؟
غاب صوتي عن شعورك ..؟ و إلا سامع ..؟؟
شوف لي عبرة تكابر .. ما تطاوع ..
شوف حالي يوم سمعته هالخبر .. كله كئيب ..
شوف لي شوقٍ ذبحني ..
يرجي حنانك .. قسوتك ..
يرجي ملامح بسمتك ،،
ينتظر منك وجودٍ .. يطفي وسطه هاللهيب ..
ليه عزمت الموادع ..
صار بَعدكْ كل هذا الكون يسعى للمغيب ..
هذي دنيا يغشى ضيّها لون السوادي ،،
هذا يوم أصبح لحاله رمادي ..
وين ألوان الشوارع ..؟!
ليه تغرق عيني عبرة .. يا تكابر ..
أو على خدي سكيب ..؟؟
من يكفكف هالمدامع ..؟؟
وين راعي هالأصابع ..؟
ليه كني بعد يومه .. منحبس و الا غريب ..!!
.
.
لم يدرك غيث جزءا بسيطا مما تشعر به حور في تلك اللحظة .. تجثو على ركبتيها على الأرض .. و تستند بإحدى راحتيها .. و هي تضع يدها الأخرى على صدرها .. ترى إخماد ذاك الوجع .. ذاك الألم الرهيب الذي يمزق فؤادها الآن ..
تنشج باكية بصوتٍ مخيف .. تناديه ..
تردد اسمه ..
أين هو .. ؟؟ كيف له أن يتركهم لوحدهم .. من لهم بعد الآن ؟؟
كانت الدموع تطفح أنهارا .. مع إدراكها لحقيقة هذه الفاجعة .. لن ينتظروه بعد الآن .. لن يأتي متأخرا ليراقبوه و هو يتغدى مصدرا الأوامر ..
لن يجمع لهم الحطب حين يقترب الشتاء ليشعل نارا تدفئهم .. لن يلقي تلك العمامة طالبا منها أن تغسلها ..
أن تضيّع عرقه الذي تحتضنه بحب ..
صورة وجهه الحبيب ترتسم أمام عينيها و هي تصيح بمرارة ..
هذا الأمل رهيب .. رهيب للغاية ..
يمزقها .. يخنقها ..
و جزء من روحها .. لا يريد أن يصدق بعد هذه الحقيقة ..!!
يأبى أن يدرك ..
أنها أصبحت يتيمة ..!!
.
.
راحة ايدٍ تمسح على راسي بحنان ..
صوت حرمة تبكي على حالي الأليمة ..
صوتها شتت كياني ..
تقول مسكينه بنته .. منهو لها بعده .. يتيمة ..!!
كلمة شلّت شعوري ..
يتيمة ..!
لا .. لا ..
ماني يتيمة ..
ولا غريبة و لا وحيدة ..
ماني شريدة ..!
لا ثيابٍ ترتديها .. لا مساكن تحتويها ؟!
لا عيون ترتجيها .. غير قاع ما تبيها ..
أنا بنته .. بنت أبوي ..
بنت رجل لا انتخوا به ما يخيّب من نخاه ..
بنت شيخ ما ملكْ من مال شي و لا له جاه ..
بنت واحد شفته في عيني كبير ..
واحدٍ يسوى فحياتي كل شي .. يسوى كثير ..
ماني يتيمة ..
صيحة تحرق فوادي .. من يبرِّد هالسعير ..؟؟!
ليتني على جنح طير .. ليت أوجاعي بخير ..
ليت حزنٍ يغسله بعد الفجر باقي الندى ..
ليت به من يسمع صرختي و يرد بعدي هالصدى ،،
ليت حلم ما يضيع .. ما يتوه .. ما يروح في بُعد ذاك المدى ..
.
.
رحـــل ،،
لم يعد لهم في هذه الدنيا سوى الأوجاع .. أخواتها .. نايف .. أمها و الطفل المنتظر ،،
روح ستنبلج للدنيا بلا أب ..
ماذا .. هل أضناه التعب .. هل طفح به الكيل من شقاء هذه الدنيا ..
هل أسلم أمره .. و لم يعد في قدرته المواصلة ..؟! أ فضّل المضي إلى ربّه ..
ستريحه أحضان الثرى .. بعيدا عن المواجع .. عن التعب .. عن الركض خلف لقمة العيش تحت قسوة ظروفهم ..!
سيغفو أبدا ..
تاركا خلفه أرواحا لا تزال ظمأه .. بحاجة له .. لوجوده ..
و قوته .. بدا أن هذا الحزن أبدي .. يتملك روحها يلوّعها ..
و هي تبحث باستماتة عن بصيص أمل .. بعودته ..
أي وهم قد يخمد هذه النيران التي تستعر في جوفها .. محرقة كل فرحة ..
تهدم كل ما هو باسم و سعيد ..
لم يعد هناك مأوى إلا للوجع ..!
.
.
ليت ألوان الشوارع ثاني تعود ،،
ليت ضيّ غاب عني يرجع و مرة يسود ..
ليت ضحكة صار مسكنها تراب ..
تنرحم من حر نارٍ تلتهب .. تنشد ذنوب ..
ليت فردوس ندية تحتضن وجهه سعود ..
.
.
شعرت بالحزن يحطمها .. يفتتها .. و انعدام بالشعور بالمكان و الزمان .. لازالت تجثو .. و أنينها يختلط بشهقاتٍ تهز جسدها بقوة ..
و هي تردد اسمه بلا كلل ..
أصبحوا الآن بلا سند .. بلا أمل ..!!
.
.
ابتدت لحظة شقيّة .. و أخنق الدمعة خفيّة ..
ماني ببنته بعد هاليوم العسير ..
أنا يتيمة ..
و أنتفض بردٍ و جوع ..
أغرق الأفراح فيني من بحر تلك الدموع ..
لا لي عون و لا لي عزوة و لا كبير ..
هذا ظهري أصبح الليلة كسير ..
من يداوي خاطري بعده تحطم .. و لا جبير ..
آه لو لا الخوف من ربي ..
قلت ليت لي نفس المصير ..
ليتني جنبه دفينه .. ما أقوى أيامي الحزينة ..
.
.
يقف عند رأسها متأملا .. لم يجد في يده شيئا قد يفعله .. رغم أن منظرها هذا أثر به ..
انحنى بهدوء يساعدها على الوقوف ..
- حور نشي ..
لكنها لم تجبه ..
لم تسمعه أصلا .. لم يعد في أنيها سوى طنين ذاك الوجع ..!
كانت هذه هي المرة الأول في حياتها التي ترى فيها الحزن و تقابله ..
وجها لوجه ..!
.
.
علميني يا سنيني ،، ذكريني يا ترى ..؟!
هي راحت أفراحي و حنيني ..؟؟!
هو ما بقى غير الكرى ..؟ *

* * * * *

كانت الإضاءة الخفيفة الصفراء .. مصدرها تلك المصابيح الخافتة التي عُلّقت في سقف المكان .. تصلب ظهره .. لم يكن يشعر بالارتياح أبدا .. شيء من البرود لا علاقة له بجو المكان الجليدي .. سرى في جسده و هو يقف عند الباب .. رائحة المطهرات القوية تعبق في المكان .. تتطفل على الأنفاس ..
إحساس الرحيل يلف هذا الهواء الذي يخترق رئته بنفس الهدوء البطيء الذي يستشعره هنا ..!
صمت يجتاحه روحه .. شيء من الإحترام شعر بأن عليه أن يلتزمه .. و هو واقف .. يشعر بأن لمحراب الموت هذا قدسية السكون ..
عينه ترتكز على ظهر الشخص الوحيد هنا .. الرجل الذي وقف دون حراك عند أحد الأسرّة الموزعة على وسع القاعة ..
ظهره المتصلب لا يبدي أدنى إنفعال قد يظهره وجهه الذي يخفيه ..
أدار هو ظهره له .. رغم أنه أصرّ على اصطحابه إلى هنا .. إلا أن شعوره بأنه تطفل على خصوصية ما له ..
منعه من القيام بأدنى حركة ،،
سوى الإنتظار ..!
.
.
.
كانت يده التي تجعد جلدها بقوة تلتف بقبضة قوية حول يد ابنه المسجى ،، لا يعلم حقا أي رغبه تعتريه .. أ ينحني ليطبع قبلة وحيدة و يودعه مديرا ظهره ليخرج من هذا المكان ..؟؟ أيدفن وجهه في صدره و يستنشق رائحته العزيزة للمرة الأخيرة ..؟؟
رغبة وحيدة ملحة أدرك أنها الأقرب لقلبه الآن ..
أراد أن يبكي بصوتٍ عالٍ كطفل صغير .. أراد أن يجد مخرجا لكل هذا الألم الذي يخنقه الآن ..
أراد أن يبرد شيئا من حرّةٍ لفحت قلبه بقسوة ..
أراد أن يستلقي في ذاك الفراش القريب .. و يطلب منهم أن يساق بدلا عنه للحفرة التي هي في انتظاره ..
لكن شيئا من ذاك لم يستطع القيام به .. بدا أن دموعه تعصيه .. تأبى النزول .. و كأنما تحرقه عقابا ..
مر وقتٌ طويل مذ رآه آخر مرة ..!
وقت طويل للغاية .. فمن يراه هنا الآن كان مختلفا تماما عن ذاك الشاب الفتي الذي قام بطرده من البيت ..!
راحت عينه تمسح وجهه بوجع ،، بشرته المسمرة إثر لفح نسائم السموم لها في عز الظهيرة .. وجهه الكالح .. يديه الخشنتين .. و همٌّ لا زال ينعقد على جبينه ..
لا يشبه طفلا بُشَّر ذات يوم بعيد بقدومه لهذه الدنيا .. لا يشبه فتىً لازم نشوءه .. لا يشبه شابا ضاع في غمرة الحياة ..
هذا رجل أضنته معارك الدنيا و كفاحها .. ملَّ قتالا فارغا .. أسقطه ..
هذا رجل غريب تماما هيئة عنه ..
لا يعرفه .. لو كان التقاه في مكان آخر لما قتله هذا الألم ..!
هذا ابنه ..
لكن بينهم سنوات .. بينهم كِبرٌ زائف .. بينهم وقت ضيّعاه .. بينهم قدر أقسم على أن لا يلتقيا إلا أمام رب العباد ..
بينهم برزخ .. إجتازه ذاك راحلا ..
و بقي هو هنا بحسرته .. متندما .. متأخرا ..
أرخى جفنيه الثقيلتين بإحساس معذب .. إنه حتى لم يسترضه ..! قضى وقته في استدراجه عبر ابنته ليحثه على القدوم مجددا .. يلتمس قربه ..
ماذا كان سيضره إن ذهب ببساطة له و مد يده داعيا اياه أن يعود لكنفه ..
لماذا بدا الزمن جائرا في هذه اللحظة .. ألا يمكن له ان يعود للحظات فقط..؟؟
هناك مئات الأخطاء التي هو بحاجة لأن يصلها .. ثغرات يبغي سدّها ..
خطوات أراد أن يعيدها لطرقات يعرفها .. لا تلك المسالك التي غرّبت ابنه لسنوات ..
ينظر لوجه الحبيب .. لازال ذاك العناد يستوطن ملامحه حتى بعد رحيله ..
ابتسامة مرّة غالبت دمعة حارة سالت بطيئة على وجنته المجعدة ..
لقد كان متأخرا .. متأخرا للغاية ..
الآن يفصل بينهما عمر ..
لا يمكن تجاهله ..
قبضته التي تتشبث بيد ابنه الثلجية .. تعتصرها بقوة ..
للمرة الأخيرة .. يقف هنا .. يواجهه ..
للمرة الأخيرة تحتضن عيناه وجهه الذي كان بلا حياه ..!
.
.
للمرة الأخيرة هو راضٍ عنه ،، راضٍ عليه ..
يسامحه ..
ينحني ببطء ليطبع قبله عميقه على جبينه البارد .. أطلقت عبرات تساقطت على وجهه ..
.
.
للمرة الأخيرة يدعو من الله أن يرقد هذا الإبن بسلام ..
مرّ كالدموع طعم الرحيل ..
حين لا تعلم ما كان يحمل ذاك الراحل في قلبه قبل المضي ..!

* * * * *

لم تكن تلك اليلة كغيرها من الليالي ..!
وقع الخبر على عائلة حمد كان مروعا ،، عادت المها و حور للبيت ليجدن أن الحزن قد سبقهن إلى هناك
..
في اللحظة التي دلفن فيه البيت .. حور تسند المها التي كانت تتعثر في مشيتها و صوت شهقاتها يختلط ببكاء حور الخافت ..
عرفت أن الجميع قد علم بالمصيبة تلك .. ازدادت وتيرة بكائها دون أن تستطيع السيطرة عليها ..
أخواتها الصغار و دانة و نورة كانن في حجرة أمهن .. الإنهيار على الوجوه .. و صوت البكاء العالي كان يصم الأذان .. فيما تحاول الخالة عذيجة الموجوعة مواساتهن ... لم يكن أحد ما أكثر تماسكا من أمها ..
أمها التي خافت عليها جدا نظرا لحالتها الصحيّة المتدهورة .. خشيت ما قد يفعله هذا الخبر بها .. و لكنها كانت تبكي بدون صوت جالسة في فرائها و هند و دانة يدفنّ رؤسهن في حجرها باكيات في ما انزوت نورة في طرف الغرفة .. و ضمت عذيجة ابنتة أختها الصغرى إلى صدرها تهدئها ..
كانت الصورة فضيعه للغاية .. شيء يعيد صدى الخبر و كأنها تسمعه للمرة الأولى ..
لم ترى عفرا و لا نايف .. اندفعت تحتضن أمها باكية تتبعها المها .. بدا أن قدومهن فجّر بقية التماسك في أخواتهن ،،
قادت حور المها بهدوء لغرفتهن كي تستلقي في فراشها .. ما إن دلفت الغرفة المظلمة حتى راعها الصوت الأنين الخافت ..
التفتت لفراش عفرا التي استلقت عليه .. دون غطاء و هي متكومة على نفسها ..كانت تنشج ببكاء يمزق نياط القلب .. ساعدت حور المها على الإستلقاء في فراشها .. قبل أن تسحب تلك اللحاف مغطية جسدها و رأسها كاملا ..
ملتفة بأحزانها ..
استدارت نحو عفرا و جلست على طرف فراشها .. تعض شفتيها .. و هي تشعر بالوهن يدب في روحها .. لم تستطع ايقاف سيل دموعها و هي تكتم شهقاتها التي أهلكتها .. تمد يدها لتمسح على شعر عفرا بهدوء .. و تمسح دموعها بقوة .. تنظر حالهم ..
بلا أب ..
انهيارهن جميعا .. خروج نايف الذي لا تعلم أين هو الآن .. أمها المريضة ،،
إلى أين سيؤول بهم الحال ..؟!
كم هو مخيف هذا الشعور بأن الأيام القادمة ستكون خاليــــــة ..!
لا شيء فيها ..
مجهولة ..
شيء يتملكها و هي تواصل مسح شعر أختها بلا شعور .. و عبراتها الحارقة تنزل تباعا على وجنتها ..
لا تستطيع تفسير ما يتملكها بأن هذه هي النهاية ..! و أن عقارب الساعة لم تعد تدور ..
.
.
- حور ..؟
الصوت الهامس المرتجف .. انتشلها من ذاك التيه الذي تخبطت فيه للحظات .. و عفرا ترفع وجهها المنتفخ من البكاء و هي تقول بصوت متهدج ..
- شوه بنسوي عقبه يا حور .. ابويه راااح .. راااح و خلاناا ..
ضمتها حور و هي تبكي ..فلفت عفرا ذراعيها تتشبث بها بقوة .. و بكاءها يرتفع شيئا فشيئا .. كانت حور تشعر بأن ثقلا ما ألقي على كاهلها .. الآن و الجميع قد تداعى تحت وطأة هذا الخبر ..
هذه الفاجعة التي هبطت عليهم فجأة ،، كيف لهم أن يتجاوزوها ..؟؟!
شعرت بأنه يجب أن يكون هناك من هو متعقل منهم .. من هو مستعد للملمة حطامهم ..
من يقع على عاتقه واجب مواساتهم ..
و من غيرها قد يكون الملزوم بهذا .. أ و ليست هي الكبيرة ..؟؟ بعد أمها الضعيفة ..؟
إحساس قاتل راح يسري داخلها و هي تدرك بأن عليها أن تداوي أوجاعهم بصبر .. متجاهلة أوجاعها ..!
عليها أن تصبر .. ان تتماسكْ .. أن تبتلع ألمها .. و إلا من المسؤول عن آلام إخوتها ..؟؟
كان هذا الإدراك يهبط على روحها ثقيلا .. ثقيلا للغاية ..
لا تطيقه النفس ..
رغم ذلك .. تلك الكلمات المواسية تنفلت بقوة من بين شفتيها و هي تمسح دموعها باستماته ..
- ادعيله بالرحمه .. ادعيله ان الله يوسع قبره ..
و راح صوتها يغيب بين شهقاتها ..
يصعب حقا ادِّعاء القوة حين نكون محطمين ..!
.
.
.
كانت الساعة تشير للواحدة و النصف .. الهدوء يغشى البيت التي بدا أن جدرانهم تشاركهم الحداد على فقيدهم ..!
تجلس هي على درجات مدخل المجلس .. المكان الذي غفا فيه أبوها غفوته الأخيرة و لم يستيقظ بعدها ..
تنتظر أن يعود نايف الذي كان قد خرج قبل المغرب و لم يعد إلى الآن .. لم تعرف كيف عليها أن تتصرف .. و ماذا يجب أن تفعل .. تشعر بأنها بطيئة في فعل أي شيء و كأنام تحمل أثقالا من الدموع على ظهرها ..!
أجفلت و هبت واقفة بلهفة مع صوت الخطوات الذي اقترب من باب البيت الموارب .. ما ان دفع القادم الباب حتى بدا الإحباط على وجهها المحمر من فرط البكاء و شفتيها المرتجفتين و هي تكبت شهقة معذبة ..
نظر لها عبيد الذي كان يحمل كتبه و عددا من الملابس بتعاطف ..
- بلاج حور ..؟؟
ارتجف صوتها الهامس .. تجاهد أن لا تبكي ..
- أرقب نايف .. ظهر يوم .. آآ - لم تستطع التفوه بالكلمة - ... ما رد الين الحين .. الساعة وحدة ..
دلف عبيد الذي كان قد تقرر أنه سيقضي بضعة ليالٍ هنا المجلس و علّق ثيابه و وضع كتبه جانبا .. قبل أن يخرج مجددا و هو يقول بثقة ..
- لا تخافين ما بيسير مكان .. أكيد هنيه في الحارة .. منوه ربعه خبرينيه أنا ظاهر أدور عليه عندهم ..
مسحت دمعة خائفة انزلقت على خدّها ..
- لا عبيد ايلس بنرقبه شويه بعد .. أكيد بيرد الحين ..
نظر لها مترددا قبل أن يطيعها و يجلس إلى جوارها .. لحظات صمت و هما ينظران إلى الأرض قبل أن تسأله بصوت مرتجف ..
- دفنتوه ..؟؟
رفع نظرها لها بدهشة .. و لكنها لم تلتفت إليه .. أصبحت روحها كومة من الفتات لا تريده أن يراها .. صوته الحزين يتدفق قربها ..
- لا بنصلي عليه باكر عقب الظهر و بندفنه في مقبرة العوهة ..
ابتلعت ريقها بحزن فظيع ..
- و العزا ..؟؟
صمت مطولا .. لا يدري حقا إذا كان هذا هو الوقت الملائم ..؟! و لكنها ستعرف إذا على كل حال .. الأفضل أن تكون مستعدة من الآن .. كان صوته حذرا و هو يقول ..
- العزا في بيت يدج العود ..
نظرتها المصدومة و الكلمة التي انفلت برعب من بين شفتيها ..
- شووووووه ..؟؟؟؟؟؟؟
هز رأسه بأسى .. هبت هي واقفة من مكانها ..
كيف ..!!
كيف تجرءوا على فعل هذا ..؟!
شعرت بالحقد يمتزج بالألم في صدرها .. يعتصر روحها ..
الأوغاد لم يورا أحدا منهم طوال حياة والدها .. لم يكن أحدهم يشاركهم الأحزان أو الأفراح ..
لم يعرفوهم قط ..!!
و الآن بعد رحيله يأتون لينتزعوا حق الرحمه ،، المواساة التي يفترض بان تكون لأبناء المرحوم ..؟
يغتصبون حقهم في تقبل تعازي أبيهم ..
شعرت بالدموع الساخنة تغسل وجهها مجدداو هي تبكي ..
- هب ع كيفهم .. يحطون العزا فبيتهم .. نحن عياله و العزا لنا ..
أحاط عبيد كتفها بحنان ..
- لا تضيقين صدرج يا الغالية .. هاييل معروفين و بيونهم العرب من كل بقعة .. و المكان هنيه ما بيسدهم .. و بعدين أبوه يبا عزا ولده يكون فبيته .. و بعدين يدتج ما تروم تتحرك من مكانها ..
لم يفهم ..!
لم يفهم ..!
صاحت بمرارة ..
- ما يهمنيه عزا الرياييل وين يكون .. بس عزا الحريم لازم يكون فبيتناا .. أمايا في العدة .. شووووه ما تبانا نحضر عزا أبويه ..
كان عبيد يقول كلمات و لكنها لم تكن تسمع ..
حتى هذا الحق الضيئل حُرِموا منه ببساطة ،، لم يكونوا هم بحاجة للتعزية ..
فهم لم يتذوقوا المصاب مثلهم ..
لقد تخلوا عن هذا الحق منذ سنوات .. كيف يعودون الآن بعد فوات الآن مطالبين به ..
.
.
كانت كراهية شديدة لهم تمتزج بلوعة غريبة و رثاء بالنفس ..
جعلت حور في ضياع .. لا تدري إلى متى سيستمر هذا الألم ..!
حتما سيقتلها قبل أن يتوقف .. تشعر بذراع عبيد تحيط بها مواسية .. و لكن لا شيء يخمد هذا اللهيب الذي يحرقها ..
صوته و هو يهتف باسم جعلها تنتفض في مكانها ..
- نايـــــــف ..!!!
كان أخوها قد دلف للتو من الباب .. وجهه المنتفخ و عيناه الحمراوين و هو يقف عند الباب ..
ركضت نحوه و هي تنسى كل شيء قبل أن تحتضنه بلهفة باكية ..
- وين كنت ..؟؟. وين روحت يا خويه .. روعتنا عليك ..!
لكن نايف لم يجبها .. بل إنخرط في نشاج عالٍ جعله أقرب للأطفال ..
- أبوووووووووووويه ماااااااااااااات .. ماااااااااااااااات ..
كانت الكلمات تنغرس كالحراب في قلبها و لكنها ضمته أكثر و هي تبكي معه ..
دموعهما تختلط ..
و جسده الصغير يرتعش بين ذراعيها كورقة ذاوية في مهب الأوجاع ..
.
.
ينتحب بقوة .. و هي تشاركه البكاء ..
تبكي مصيرهم المشترك ..
الألم .. الفقد .. اليتم ..
تبكي الخوف الذي راح يغلف كل إحساس فيها ..
مجهول مصير الأيام القادمة ،، لا يعلمون ما تحمل في طياتها ..!

* * * * *

مرر أنامله برقة على وجنتها المجعدة .. ثم إلتقط كفّها الحبيب ليطبع قبلة عميقة قبل أن يعيده برفق إلى جانب جسدها الراقد على ذاك الفراش الضخم الوثير ..
لم يكن ينير الغرفة سوى ضوء مصباح النوم الذي وضع جانب سريرها .. و أضواء تسللت عبر النافذة التي أزاح ستارها للتو .. تلقي بظلٍ خافت في الغرفة ..
استند هو على حافة النافذة العملاقة .. يشيح ببصره في الحديقة الممتدة ..
كان لليوم مذاقا غريبا .. صور تداخلت في ذهنه راحت تدور مرارا و تكرار ..
فيما يقف هو هنا عاجزا عن النوم قبل أن يطمئن إلى أنها بخير ..
لم تتقبل الخبر بصلابة جده .. إنهارت فور علمها بوفاة إبنها ..
أسدل أهدابه و حاجبيه الأسودين ينعقدان بضيق ..
صورتها بذاك الشكل مزقت فؤاده .. ذات الهياج و البكاء و الصرخات .. قبل سقوطها إثر ارتفاع السكّر في دمها .. أوجعه ذاك الألم الذي تجرعته بعد فقدها لإبنها ..
صورتها أمام عينيه تتداخل مع صورة تلكْ التي سقطت راكعة على أرض المستشفى .. وجهها الذي أخفاه شعرها المنزلق من تحت الحجاب .. دموعها التي أغرقت وجهها الصافي ..
شيء غريب و هو يتذكر تلك الصورة .. جعله يحس بأنها تتجرع الألم للمرة الأولى ..!
شتان بين شعوره .. لم يراوده غير الشفقة و الأسى على حالها .. بينما شعر بألم رهيب يعتمر صدره حين أفجعه منظر جدته ..
ربما لأن تلك قضت عمرها كلها معه .. بينما مضت سنوات جدته الأخيرة و هي تتقلب بين الشوق الذي لا يخمد لرؤية ابنها ..!
أجفل فجأة .. و التفت إلى الخلف بقوة . حين ارتفع من الجانب الآخر صوت بكاء منخفض .. علم أنها استيقظت .. اقترب بسرعة من فراشها ليجد جسدها الضئيل متكورا بوهن و هي تبكي ..
لم يفزعه سوى صوت بكاءها الذي بدا كالعويل .. أو كأنين لبوة جريحة .. شيئا جعل قشعريرة من الخوف عليها تسري على ظهره ..
التقط رأسها بين يديه الكبيرتين و هو يجلس على فراشها ليريحه المخدة .. و صوته الحنون يلامس أذنيها ..
- امااااه .. فديتج .. تسمعينيه .. تعوذي من ابليس .. حرام لي يالسه تسوينه .. ترحمي عليه الحين و ادعيله ترا الصياح بيتعبج و لا بينفعه .. ادعيله هو هب محتاي غير لدعواتج .. ادعيله ،،
.
.
لكن الألم كان كبيرا .. فضيعا ..
كان أكبر من حدود قدرتها على الصبر ..
كان يقتلها ببطء و إمعان ..!
تشعر به يخنقها ..
يعذبها ..
هذا البكاء و هذا العويل لا يخرج شيئا مما يختلج حقا في أعماقها ..
كيف لهم أن يفهموا ..؟؟! سنوات كانت تعيش صابرة .. محتسبة .. لمْ تشتكِ قط ..
تبتلع كل ليلة دموعها و حنين مؤلم يجرها لرؤية ابنها .. فلذة كبدها ..
لا يعلمون أي حرقة تسكنها لفراق ولدها منذ سنوات .. و لكنها كانت صابرة ..
يكفيها أنه يسكن أراضٍ قريبة .. ممتنة لأنه لازال قريبا .. تحتضن مخدتها غير الدموع حلما ..
بأنه يوما ما سيدنو منها .. ستعيده خطاه إلى هذه الأراضي مجددا ..
و ستلتقيه ..
كان أمل تحتويه بين أضلعها الواهنة .. يدفعها لمواصلة أيامها ..
و يتفاقم الشوق ..
.
.
و لكن الآن ماذا ..؟؟!
ما هذا الوجع الرهيب الذي يحرق قلبها ..
لم يعد ابنها هنا .. لم يعد يسكن هذه البقاع .. لم يعد يتنفس هواء قد يكون عانق وجهها ذات يوم ..!
لن تعيده الخطوات يوما إلى هنا ..
لن تراه و لن تلتقيه ..
كم هو قاتل إقتلاع الأمل بقسوة الأقدار من أرواحنا ..
فراغ يجتاح الروح الخالية .. شعور قاتل بالاستسلام ..
لن يفهموا الآن معنى أنه رحل دون أن تراه ..
حاملا معه خيوطا كاذبة من الأمل البعيد .. من التفاؤل ..
لن يفهموا ..
كم عذّبها فراقه منذ سنوات ..
ليعود فيفجعها مجددا .. و كأن الموت هو ما تتجرعه ..!
.
.
علِّ روحي ..
و أوجعني حزن هذه الأم ..!

* * * * *
*






يا بوي وينك / من بوح قلمي ،،

أمواج
29-11-2007, 10:27 AM
الصراحه ما توقعت أن أبو حور يموت ..

والله أني صحت وأنا أقرأ القصه وخاصه الجزء الثاني من الخطوه الخامسه مؤثر جدا ..

وصفها دقيق جدا تخلي الواحد يحس نفسه عايش معاهم في حياتهم ..

حور مسكينه الحين طاح عليها ثقل كبير جدا وما توقعت غيث يواسيها يوم قال لها الخبر ماجد لانه من طبعه عدم المبالاه ..

الجد فهمت خطته هو وغيث بخطبة حور وهو استدراج ابو نايف ويتسامح من أبوه لكن وافته المنيه ولا صار اللي يبيه ..

غيث مصلحته فقط من زواجه من حور امتلاك الشركه ولا حور ما تهمه أبدا ..

كسرت خاطري العائله والله يعين اشلون بيعيشون ولو دخل الجد بحياتهم الحين بحكم انهم عيال ولده اللي نفاه من زمان ..

وأعتقد سبب نفي ابو نايف انه تزوج وحده معاقه ..


يعطيج العافيه على التكمله الرائعه وفي انتظار الخطوه القادمه ..

.: المــاس :.
29-11-2007, 11:15 AM
الصراحه ما توقعت أن أبو حور يموت ..

والله أني صحت وأنا أقرأ القصه وخاصه الجزء الثاني من الخطوه الخامسه مؤثر جدا ..

وصفها دقيق جدا تخلي الواحد يحس نفسه عايش معاهم في حياتهم ..

حور مسكينه الحين طاح عليها ثقل كبير جدا وما توقعت غيث يواسيها يوم قال لها الخبر ماجد لانه من طبعه عدم المبالاه ..

الجد فهمت خطته هو وغيث بخطبة حور وهو استدراج ابو نايف ويتسامح من أبوه لكن وافته المنيه ولا صار اللي يبيه ..

غيث مصلحته فقط من زواجه من حور امتلاك الشركه ولا حور ما تهمه أبدا ..

كسرت خاطري العائله والله يعين اشلون بيعيشون ولو دخل الجد بحياتهم الحين بحكم انهم عيال ولده اللي نفاه من زمان ..

وأعتقد سبب نفي ابو نايف انه تزوج وحده معاقه ..


يعطيج العافيه على التكمله الرائعه وفي انتظار الخطوه القادمه ..


ايه والله جزء يكسر الخاطر :( ..

واهم شي ابي اعرفه سبب نفيه لولده .. يمكن تحليلج يطلع صح ..

تابعي معي آخر جزء من اللي تم تنزيلهم من قبل الكاتبه للآن .. وفي انتظار الجزء الجديد خلال هالايام ..

.: المــاس :.
29-11-2007, 11:20 AM
الخطـــــــــــــــوة السادســــــــــــــــــــة .. }



[ .. خطوات متوجِّعة ،، تواصل .. ]




و أخيرا كانت خيوط ضوء الفجر قد أقبلت باستحياء .. مترددة .. تلامس زوايا بعيدة من أطراف ذاك - الحوش - الضيق ،، و كأنما لا تجد عذرا من أنه يومٌ جديد رغما عن أحزانهم .. و أن الحياة لا تتوقف لمجرد أن رب هذه الجدران العتيقة التي تلوحها بجرأة قد شد الرحيل ،، إلى البعيد ..!
رفعت رأسها الذي كانت تسنده لركبتيها و هي تضمهما لصدرها ،، شعرها الذي تناثر حول وجهها بدا تعيسا هو أيضا و قد فقد شيئا من رونقه .. و هي تجلس على عتبة مدخل الصالة تراقب انبلاج الفجر البعيد ..
لم يغمض لها جفن منذ ليلة البارحة .. شعرت بان لا مخلوقا على وجه الأرض قد يكون مثقلا بالهموم مثلها ،، لا أحد يضاهيها في ذاك الوجع الذي يسكن روحها .. تعلم أن هناك أعينٌ غيرها تجرعت السهاد البارحة ،، واضح من وجوههم حين أيقظتهم لصلاة الفجر أن منهم من أهلكه البكاء ليسقط صريع رحمة النوم ،، و هناك من تجرع دموعه كؤوسا مرّة الليلة الماضية ..
تنهدت بتعب ،، طوال ليلتها الكئيبة .. وجدت أن الأمر عسير على الفهم .. من المستحيل أن يواصلوا حياتهم دون أبيهم ..! كيف لذلك حقا أن يحدث ..؟؟
لا إجابة ترتد صدى لأفكارها ،، سوى صوت إقامة صلاة الفجر دون أن تتردد صوت الطرقات على حجرتهن منبهه للصلاة .. لا يزال حقد عميق يكتنف صدرها لمجرد التفكير بأمر التعازي التي ستقدم في بيت جدّها ..
أنانيون .. انتهازيون ،، اغتصبوا حقّهم في المواساة ..
سنوات لم يروا لهم وجها ..و الآن لم يجدوا وقتا أفضل من هذا للظهور .. لم يكونوا بحاجة للتعزية ..
و ليس لهم حق فيها ..
نهضت من مكانها ببطء متوجه بخطوات متثاقلة للمطبخ عليها أن تحضر الإفطار فهناك من يجب أن يُرغم على تناول الطعام .. أمها تحتاج لتغذية .. إخوتها الصغار ..
يداها تتحرك بآلية لا تشعر بها .. تلهي روحها الممزقة عمّا يسكنها من أحزان ..!
.
.
بعد فطور لم يمس .. انطلق مايد و عبيد مصطحبان نايف للعزاء المقام في بيت الجد ،، و بدأن نساء الجيران و قريبات أمهن يتوافدن للبيت .. فاطمة و أمها كانوا أول الحضور للبيت .. لن تنسى حور كيف احتضنتها فاطمة بشدة و هي تبكي و كأنما فقد أبا هي الأخرى ،، توقفها عن البكاء و كلماتها التي وزعتها عليهن واحدة تلو الأخرى .. مواساتها لهن .. وقفة أمها مع خالتها .. و استقبالهن لنساء الحي و الأقارب ..
كان هناك دعم قوي .. شي من السلوى بثها وجودهن ..
حتى بدأن أخواتها يتمالكن نفسهن ببطء .. توقف النواح .. الصراخ .. و بدأ ذكر الله يلف المكان .. دموع صامتة .. تغرق الوجوه كانت هي الحداد على روح ذاك الراحل ..
وقفت هي تراقب الوضع بهدوء .. و كأنما أسلمن أمرهن .. و رضين بما حملته الأقدار ..
شعرت لوهلة بأن حطامها بالأمس قد جمع .. لا ليجبر .. بل ليتكوم في زاوية من الروح .. بعيدة عن أنظار الآخرين ..
كان وجه أمها المتماسك .. جلدها .. و الصبر الذي لاح على وجهها ،، هي القوة .. و السكينة التي تهبط عليهن .. هدوءها يدفعهن للتماسك .. هي أيضا متألمة ..
و لكنها صامدة .. لأجلهم ..!

* * * * *

المجلس الفسيح المتسع ،، سقفه العالي الذي تدلت منه ثريات ضخمه .. الحضور الذين ازدحموا في المكان ،، و الرجال الذين وقف هو وسطهم .. يرفع رأسه يتمعن في هذه الوجوه الغريبة .. شيء فيها يذكره بأبيه ..
أباه ..!
و ارتجفت شفتيه و هو يمسك دموعه بصعوبة .. آخر ما يرده هو الانفجار بالبكاء في هذه المكان المجهول .. تلفت حوله بذعر .. يبحث جاهدا بين هذه الأجساد الكبيرة .. عيناه المتلهفتين تنبش المكان بحثا عن وجه مألوف ،، أين عمّه سلطان و مايد ..؟؟ أين عبيد الذي أتى برفقته إلى هنا ..
افترقوا عند دخولهم ليتسلمه هؤلاء الغرباء الذين عرف بأنهم أعمامه .. و منذ تلك اللحظة و هو يجلس بينهم يقف ليسلم على طوفان لا ينقطع من المعزين ..
مع مضي الوقت دون أن يظهر في زخم هذه الأوجه أحدٌ يعرفه .. بدا الذعر و الوحدة يدبان في قلبه .. شعر بأنه ممزق .. و تائه ..
أصبح الجو خانقا للغاية حوله .. و عيناه تدوران حوله بجنون ،، يبحث عن طوق نجاة .. عن ملامح لا يجهلها .. عن شيء يتمسك به .. يغيثه ..
أصبحت دموعه تنحدر على وجهه الآن دون أن يشعر ..
.
.
إنه لا يعرف هؤلاء الغرباء .. لا يعرفهم ..
لا يريد أن يكون هنا ..
إنه ضائع ..
يريد أن يعود للبيت حيث أمه و أخواته .. يريد أن يجلس منتظرا عودتهن من مدرسة ليصيح مطالبا للغداء ..
يريد أن يعود أباه لينهره حين يراه جالسا وسطهن ..
يريد أن يعود ليجد أن كل هذا مجرد مزحة كبيرة .. أو خيال ..
يريد أن يكون هذا كابوس .. و أنه ليس هنا حقا ..
ليس واقفا ليمد يده متقبلا كلمات التعاطف من هذه الوجوه المختلفة .. المجهولة ..
شعر بأن المكان يلفه الضباب و أن الصرخات تنطلق من كل مكان ..
أبوه ملقي على عتبات المدخل .. راقدا بهدوء ..
حور تصرخ .. و دانة تبكي ..
أمه لا تتكلم ..
أبوه يخرج من المنزل محمولا بين يدي عبيد و مايد ..
عبيد و مايد اللذان أحضراه إلى هنا .. و لا يجدهما الآن ..
عادا دون أبيه ..!
أيعزمان على الرحيل دونه الآن ..
تبا ..
من هم هؤلاء الناس .. لماذا يحتشدون ..
أين دموع أخواته .. مواساتهن عنه ..
أين حضن أمه .. أين جدران بيتهم المتشققة،،
الدافئة .. المألوفة ..
الأصوات ترتفع حوله .. و يرتفع بكاءه دون مقاومة ..
يصم أذنيه بيديه .. و هو يندفع راكضا .. لم يكترث بمن نظر له متفاجئا أو مشفقا ..
.
.
نظر له بهدوء و هو يتجاوز الباب للخارج .. كان يسترخي في جلسته و هو يسند فكه بيده .. رفع عينه على الفور لوجه جده ليرى الإستياء و الحزن المتكبر يلمع في عينيه و هو يلقي نظرة عتب على ابنه الأكبر علي ،، و كأنما يلومه على ما أصاب الطفل .. عاد ينظر للباب الذي انطلق منه نايف للتو .. شعر برثاء غريب لحاله ..
كيف يجد طفل لم يتجاوز الثالثة عشر من العمر أن يجد نفسه فجأة بين هذا الكم الهائل من الغرباء ،،
رأى حامد الذي كان قد خرج خلف نايف عائدا للمجلس فأشار له بصرامة .. ليتقدم إليه ..
- وينـــــه ؟؟
أجاب حامد بهدوء ..
- شفته و را البيت ،، خله شوي ييلس بروحه .. الصبي متروع من كل شي ..
هز غيث رأسه موافقا .. و هو يسترخي مجددا ،،
.
.
كان الرجل الذي بجانبه انخرط في مناقشة عميقه معه .. و ذهنه المشغول لم يعد يلتقط من كلماته شيئا .. كان يتأمل الباب الذي خرج منه نايف للتو .. و هو يهز رأسه بتركيز محاولا أن يكون لبقا .. شعر بالأسى على حال الطفل .. و عينه تعود لترتكز على ذاك الذي استرخى في جلسته بجانب جده .. تدفقت الكراهية كالعادة في عروقه فور رؤيته له .. كم يكره هذه الملامح المتعجرفة المتبجحة .. كم يكره هذه الثقة و هذه السلطة التي تمنح له دونهم .. ما الذي يميزه عن البقية ..؟؟ أ لأنه أكبرهم فقط ؟؟! لم يكن هذا معيارا للكفاءة .. !
و كأنما شعر به يسلط النظرات عليه .. ارتفعت شفته العليا بشبه ابتسامة ساخرة و هو يتقدم في مقعده للأمام .. قبل أن يدير جانب رأسه نحوه .. و يغشى عينيه الإحتقار العميق ..
شعر فهد بالحقد ينخر قلبه نحو هذا الوجه المتعالي المغرور .. و هو يتوعده في داخله كالعادة ..!
هاتفه الصامت الذي اهتز في جيبه قطع سيل المشاعر السيئة ليلتقطه بحركة سريعة مجيبا بصوت مثقل ..
- مرحب ..
كان صوته أبوه يأتيه آمرا عبر الهاتف و هو يقول بحزم ..
- اظهروا شوفوا الغدا و رتبووه ..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانا يبحثان عنه مذ شاهدوه يخرج من المجلس راكضا .. تقدم الأول بهدوء و هو يراه قد لف ذراعاه حول ركبتيه و هو يدفن وجهه فيها ..
كان منظره موجعا .. يفطر القلب ..
طفل أضاع طريقه .. لم يعد يدرك إلى أين تسوقه أقداره ..!
.
.
منظر صعيب ويقسم القلـب قسميـن
................لا قـام يمسـح دمعـة بكـف يـده

يمش ولا يدري طريقة علـى ويـن
...............لين التعب من كثـر مـا تـاه هـده

اثقل حـروف يشيلهـا فيـة حرفيـن
...............لا أب يـدريـبـة ولا أم تـــرده
.
.
بينما كسا التعاطف وجه الآخر .. اقتربا منه بهدوء فرفع رأسه حين شعر بوقوفهما فوق رأسه .. نظر لهما و وجه المغرق بالعبرات ينظر لهما متسائلا .. جثا الاثنين قربه قبل أن يقول أحمد بهدوء ..
- افاا يا بو حمد .. الرياييل ما يصيحون ..
تدفقت عبراتٌ جديدة على وجه ..يسهل عليه قول هذا .. تبادل الاثنان نظرة شفقة .. قبل أن يمد هزاع يده و يلتقط كف نايف .. و هو يقول بهدوء ..
- انته ما تعرفنا ..؟؟ نحن نعرفك ..!
هز نايف رأسه نفيا .. لا يعرفهم و لا يعرف ما يريدون ،، و لا يهمه هذا في غمرة وجعه ..!
.
.
في خطوته رحلـة ودمعـة وسكيـن
................وحـظ توسـد بالمراسـي مـخـده

جيت اسألـة بالله قللـي ولـد ميـن
...............وبغى يجاوب وختنـق صـوت رده

أنـا يتيـم ومـا لدربـي عنـاويـن
...............وجزر الحزن فينـي يسـاوي لمـده

وطعم الطفولة ما عرفته لهـا لحيـن
.............وثوب السعادة صـرت مانيـب قـده

ابكي إلى من شفت غيـري سعيديـن
................ليـن البكـا فينـي يوصـل لحـده
.
.
و لكن أحمد تبرع بتعريفه على أنفسهم ..
- أنا أحمد ولد عمّك علي ..
و ابتسم له ببساطة .. نظر له نايف من بين دموعه .. كان وجه أحمد مريحا للغاية .. رغم ذلك توجس منه نايف و لم يرد أن يقدم على حركة ..
استمر أحمد في الابتسام و هو يرى نظرات نايف المتمعنة .. ارتاح لأنه انشغل عن البكاء قبل أن يشير لهزاع ..
- هذا هزاع بطيخة ولد عمّك سعيد ..
امتقع وجه هزّاع و هو يسدد لكمه لصدر أحمد الذي قهقه بقوة و هو يتابع لنايف الذي بدأ ينشغل بهم ..
- ههههههه .. الحين يوم بيخوز الغترة شوف كبر راسه .. و بتعرف ليش يقاله بطيخة .. هههه ..
توقف عن الضحك و هو يرى دموع نايف تتدفق مجددا .. شعر بفظاظة و هو يضحك بهذه الطريقة أمامه .. اعتصر كتفه بحنان و هو يعتذر ..
- و الله كلنا زعلانين على عميه الله يرحمه .. بس شوه بنقول .. انته فكر انه الحين مرتاح عن الله .. بيدخل الجنة .. و بيودر الحر و الشغل و التعب ..
شعر بأنه يتلفظ بكلمات بلا معنى .. نظر لهزاع مستنجدا .. فحول ذاك عينه لوجه نايف بقوة و هو يقول بعمق ..
- الحزن في القلب .. هب عيب انك تصيح .. بس هذا ربك كاتبنه .. الحين انت ريّال و لازم تفهم ان خواتك و أمك محتايينك .. لو انته صحت و حطيت ايدك ع خدك امنوه لي بيوقف وياهن .. امنوه بيداريهن هاا ..؟؟
بكى نايف بشدة .. و تبين حقا أمام عينيهما كم هو طفل ..
و ضائع ..!
كان صوته يخرج مخنوقا من بين شهقاته ..
- أنا مـ .. مادري شوه أسوي .. أناا .. أبـ .. أبا أبويه .. ما با تم بروحيه في البيت .. أبا أبوية يرد ..
نظر له الاثنين بتعاطف شديد شعر هزّاع بقلبه يعتصر حزنا عليه .. التفت لأحمد بأسى .. ليصدم بقوة ،،
.
.
كانت دمعة صافية تنحدر على جانب وجهه الأسمر و هو يمسح شعر ذاك الطفل اليتيم بحزنٍ غريب ..!

* * * * *

كان المكان مزدحما للغاية .. الكثير من نظرات الحزن و التعاطف المبالغ فيها .. و تربيتات حنونة .. حقا كان يمكنها أن تترك كل هذه المهزلة و تمكث في بيت خالتها .. بدلا من أن ينتشلها أبوها بحجة القيام بالواجب ..
هه .. أي واجب ..؟؟ إنها لا تعرف المتوفى حتى .. !!
لا تعرف اسم العم و لا يهمها .. رغم شعور خبيث بالشماتة .. راودها لا تدري لما استلذت الحزن الذي أصاب تلك العائلة .. متأكدة بأن تلك الزوجة المهملة قد مزقها الأسى الآن ،،
لن يجد غيث الوقت لمواساتها و المحاباة ..!
تضع ساقا على ساق و هي تنفخ بضجر .. شعرت بأن شيخة تنظر إليها .. فالتفتت لها لترى انعكاس الاحتقار في عينيها .. لتقول بنبرة لاذعة ..
- خير الشيخ ..؟؟ فيه شي ..؟؟
نظرت لها شيخة بتكبر دون أن ترد .. ربتت عوشة على خدّها بأظافرها الطويلة ..
- شوه معجب ..؟؟
تجاهلتها أيضا و أشاحت بوجهها مشمئزة .. لا تريد أن تنحدر الآن لشجار معها كما اعتادتا .. أدارت عينها في المكان .. النساء من مختلف الأشكال و الأنساب و الأعمار يملأن الردهة و المجالس الداخلية .. حقا لا مجال لافتعال شجار هنا .. ابتسمت مفكرة بأن العزاء هذا على الأقل أفسد عطلة عوشة التي بدا الضيق بيّنا على عينيها المثقلتين بالكحل .. وجدت الأمر غريبا أن تتلقى التعازي و المواساة على رجل غريب لم تره في حياتها .. لا تنكر أن قلبها انفطر حال رؤيتها لجدتها .. و لكن شعورها نحو موته لم يختلف .. لا تعرف هذا الرجل البتة .. و لم تره أو تقابله في حياتها .. تعلم أن لها عما .. أ و ليست ابنته الكبرى هي زوجة غيث ..!؟
رغم هذا لم تسمع عنه شيئا لا أحاديث عنه .. لا ذكريات .. و لا حتى قصص قد يرويها أبوها .. أعمامها جميعا لم يذكروا اسمه قط .. و كانت المفاجأة كالقنبلة حين أفصح غيث عن عزمه في التقدم لخطبة ابنته الكبرى ..
من أين يعرفها ..؟؟ كيف علم أنه له ابنه في سن الزواج ..؟؟ كيف استطاع تجاوز خلاف الجد الذي لطالما أرعب ابناءه من ذكر اسم ذاك العم البعيد حتى ..؟! لم يبد في تلك الفترة أن أدنى خلاف قد نشب بينهما .. فآمنت بأن الجد قد استسلم لرغبة غيث الغريبة رغم أنه لم يحضر عقد القران تلك الليلة ..!! لم يذهب أحدٌ منهم سوى أبوها و إخوتها .. و عمّها سعيد و ابناءه ،، رفض عمّها أحمد و ابنه فهد الذهاب استرضاءً لجدها .. عمّها مطر كان مسافرا .. و منعت هي و روضة من الحضور .. لم تذهب أحد من النساء سوى أمها و زوجة عمّها سعيد .. طوال سنوات عمرها لم تشعر بالفضول نحو أولئك الأغراب .. و لم تهتم لأمرهم قط .. و اليوم هي هنا مجبرة على المكوث لمدة ثلاثة أيام تتقبل مواساة هي في غنى عنها .. كان يمكنها أن تشغل وقتها فيما هو مفيد لها حقا ..
تنهدت ببؤس و هي تفكر فيما هو مفيد حقا ..! كان يجدر بها أن تحاول الاتصال براية مئة مرة بدل الجلوس بلا فائدة هنا ..!
و على هذا التفكير أخرجت هاتفها بلهفة .. لن يمنعها الجلوس هنا من محاولة استرضاءها .. راحت تطقطق بأصابعها على أزرار الهاتف بسرعة ،، و كلمات الرسالة النصية تتزاحم على الشاشة الصغير ،،
.
.
( رايــــه يا حبي ،، دخيل قلبج ردي عليّه .. و الله ان حالتيه هب حاله ..عطينيه فرصة أرمسج بس .. حتى لو كانت المرة الأخيرة .. دخيلج راية .. و الله أحبج .. أحبج .. ماروم أعيش من دونج )..
.
.
أرسلتها و هي تتنهد بأمل .. لا تريد أن يكون مصير هذه الرسالة كاللواتي سبقنها .. ترجو بقوة أن تجيب رايه عليها ..
راحت تجيل نظرها فيمن حولها مجددا .. وقعت عينها على روضة التي كانت تجلس في زاوية بعيدة .. وجهها شاحب .. و أنفها محمر .. شعرت شيخة بالحنان .. هذه هي روضة .. لم تعرف ذاك العم يوما .. و لكنها انفجر بالبكاء حال سماعهم للخبر و سارعت لبيت جدها معلنة الحداد عليه .. دوما هي مندفعة بهذا الشكل .. ابتسامة خفيفة اعتلت شفتها قبل أن تتداركها بسرعة .. ليس المكان و لا الظرف مناسبا للابتسام ..

* * * * *

دلفت السيارة الفارهة ذاك الحي المتواضع ،، تقطع شوارعه الضيقة ببطء و أشعة الشمس تنعكس عن سطحها اللماع و نوافذها الداكنه .. لتتوقف أمام ذاك البيت العتيق ..
شدت هي يدها على مقبض حقيبتها و قلبها ينعصر .. طار الاسترخاء في تلك اللحظة و هي تتململ في جلستها .. شيء من التعاسة خالطت الخوف في قلبها و هي تنظر لجدران البيت بالية .. و تمنت لو أنها أصرت على شيخة أكثر بان تأتي برفقتها .. لا تعلم حقا كيف ستتصرف الآن ..
لا زالت نظرتها الكئيبة تنصب على الباب الوحيد للبيت الصغير .. لا شيء يدل على أن العزاء يقامن هنا أيضا .. شتان ما بين هذا الخلو و الإزدحام الفضيع في بيت جدها الكبير ..!
لا شيء يدل على حداد هؤلاء سوى تعاسة تلوح على واجهة البيت العتيق .. و بابه الذي انحلّّ طلاءه .. نظرت مجددا لمرآت السائق الخلفية لتجده ينتظر نزولها .. شدت الغطاء أكثر حول رأسها .. و هي تضم حقيبتها السوداء لتفتح الباب مترجلة من سيارتها .. و هي تقول بصوت مضطرب ..
- خلدون .. سير يوم أخلص بسويلك تييني ..
هز السائق رأسه بطاعة و هي تغلق الباب خلفها بهدوء .. اجتذب نظرها عدة أطفال ارتدوا ملابس بسيطة يقفون معا بأقدامهم الحافية و قد أمسك أحدهم كرة قدم بين يديه .. يتأملون السيارة بعيون مشدوهة .. يبدو أن قدومها قد قاطع لعبهم .. راحت تعب من الهواء بتوتر .. و كتلة من الشوك تسد حلقها .. حزن رهيب جثم على صدرها حتى كاد يخنقها .. و هي تتقدم من البيت كان بابه مفتوحا .. و أحنت رأسها لكي لا تصطدم بقمته المنخفضة .. شعورها المر سببه هذا المكان ..!
كان الذهول يلجم عواطفها .. أيعقل أن يسكن عمّها و أبناءه في هذا البيت بينما يستحلون هم تلك القصور ؟؟ وجدت نفسها أمام مجلسٍ ضيق و قد امتد على يمينها طريق قصير قطعته في خطوتين لتعبر الفرجة في آخره .. فتجد نفسها في باحة ضيّقة للغاية و قد صبّت بالاسمنت القاسي .. أمامها مباشرة كان مدخل للبيت و قد تباينت نساء يجلسن أرضا أمامها و قد لفتهن دخولها ..
لم يعد هناك مجالٌ للتراجع ..!
راحت تدفع خطاها ببطء و يدها المرتعشتين تتقبض كقلبها الذي راح يخفق بجنون .. القدوم إلى هنا مغامرة كبيرة ..! ما الذي يدفعها للاعتقاد بأنهم على استعدادٍ لاستقبالها و أهلها قد أنكروهم لدهور ؟؟!
وصلت للمدخل تخلع حذائها الثمين بجانب الأحذية الملقاة أمام الباب .. و العيون تتحلق حولها .. تقدمت خطوة .. و هي تجلي حنجرتها قبل أن تسلم بصوتٍ مرتعش ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
هبن النساء جميعا واقفات في أماكنهن .. لم تجد فرصة للنظر حولها باحثة عمّن قد تكون احدى بنات عمها .. بدأت بالسلام عليهن إمرأة تلو الأخرى .. و ذعرها يتعاظم .. لمن ستقدم تعزيتها و هي لا تعرف أحدا هنا ..؟؟
وصلت فجأة لتجدن نفسها أمام فتاتين متقاربتين من العمر بدا عليهن الشبه .. و قد أبلى الدمع مآقيهن الحزينة .. تأكدت من أنهن بنات عمّها .. شعرت بالدمع يلسع مؤخرة عينها ..
بنات عمّها ..!! مدت ذراعيها لتحتضن الفتاة الأولى بعاطفة شديدة .. لم تكن لتتمنى أن تلتقيهن في هذه الظروف التعيسة .. تهدج صوتها و هي تشعر بحرارة الدموع تتدفق على وجنتيها ..
- أحسن الله عزاكم ..
بكت الفتاة بين ذراعيها دون أن تعترض على هذه الموساة من تلك الغريبة ..
- البقا لله .. أحسنتي ..
رفعت روضة رأسها لتضم الأخرى بحنان و هي تردد عبارات التعزية .. ثم التقت إمرأة بدا عليها التقدم في السن لتسلم عليها بدفء .. المرأة التي كان صوتها حنونا و هي ترى وجه روضة الجميل قد أغرقه الدمع الذاهل .. الحقيقة أنها صدمت للغاية لسوء حالة عمها و أبناءه .. لم تتخيل قط بأن تكون بهذا السوء ..! شدت يد المرأة بحزن ذاهل و المرأة تقول بحنان حين رأت عيناها الحائرتين ..
- مرحبا ينتيه .. قربي يعلنيه فداج .. هاي أم نايف ..
و أشارت لإمرأة تجلس على الأرض نحيلة .. تلبس - البرقع - و ثوبا من القطن .. و قد جلست طفلة على يمينها و فتاة على أعتاب المراهقة من يسارها .. نظرت لوهلة مرّة إليها .. المرأة هذه تعرفها بزوجة عمّها .. علمت إذا أنها لا تعرف أحدا هنا .. لا تعرف أحدا في بيت عمّها ..!!
عجبا ..!
كيف ألقت الأقدار كلٌ منهم في طريق .. حتى التقوا أغرابا ..!
انحنت و دموعها تتدفق و هي تسلم على الطفلة بحنان قبل أن تسلم على أم نايف و تقبل رأسها بأسى .. شدت على يدها و هي تقول بصوت خافت ..
- شحالج خالووه ؟؟ أحسن الله عزاكم ،،
ابتسمت المرأة المسنة قبل أن تقول بصوت هادئ حين انتظرت روضة من المرأة ردا لم يأتها ..
- ما تسمعج فديتج ..
ارتجفت روضة .. حمقاء ..! كيف نسيت ..مدت يدها الناعمة لتشد على قبضت أم نايف الضئيلة و هي تربت عليها .. لم تعرف كيف توصل إليها تعازيها ..!!
سعد أن سلمت على الفتاة المراهقة و النساء المتبقيات .. أوسعت لها المرأة المسنة مكانا بجانبها و هي تشير لها أن تجلس هنا .. جلست روضة دون أدنى ضيق قد يخالجها و هي تجلس في هذا المكان المغاير لطبيعتها .. كانت المرأة عن يسارها و إحدى بنات عمّها اللواتي لا تعرف لهن اسما عن يمينها .. قربت منها إحدى النساء التي بدا أنها وافدة فنجانا من القهوة .. و هي تقول ..
- سمي حبيبتي ..
التقطت روضة الفنجان تشكرها قبل أن تنظر لها المرأة بهدوء ..
- حيا الله من يا ،، شحالج بنتيه .. ربج بخير ..
هزت روضة رأسها و هي تنظر للفنجان .. حقا لن تستطيع ابتلاع شيء .. فغصة كبيرة تسد مجرى الهواء وسطها ..!
- يحييج خالوه - و ارتعش صوته و هي تقول بتعاطف - الحمد الله ع كل حال ،،
هزت المرأة رأسها موافقة ،،
- الحمدالله ع كل حال .. سمحيليه فديتج ما عرفتج .. بنت منوه انتي ؟؟
آن الأوان الآن لتعرف عن نفسها شعرت بالوجوه تنتظر منها تعريف نفسها .. الحقيقة أنها ودّت لو أنها تحتفظ بالاجابة لنفسها .. لا تريد أن يعلم أحد أنها ابنة عائلة لفظت المرحوم خارج حدودها .! ارتعش صوتها و هي تخفض بصرها بألم ،،
- أنا روضة بنت علي بن سيف .. و المرحوم الله يغفر له كان عمّي ..!
بدت الصدمة جلية على وجه العجوز الذي لم تفارقه عيني روضة .. تخشى أن تنظر لأوجه بنات عمها فتجد شيء لا يسرها .. سرعان ما اكتسى وجه المرأة ابتسامة مرحبة و هي تقول بهدوء ..
- مرحبا بج و الله .. حياج يا بنيتي .. أنا عمّتج عذيجة .. يقال لي أم مايد خت حرمة عمّج - و أشارت بيدها للمرأة التي عرّفت عنها مسبقا - هاي عمّتج وديمة .. و هاي بنتاا هند و هاي مزنة ..
نظرت لها الطفلة بعينين متسعتين لا معتين وجهها الحلوة كان حذرا و أهدابها ترف مرارا .. التفتت للخلف نحو الفتيات اللواتي كانت تشير لهن أم مايد ،،
- هاي نورة .. و هاي دانة .. بنات عمّج الله يرحمه ..
لم تكن نورة تنظر إليها بينما قابلتها دانة بنظرة متوجسة و هي ترفع رأسها قليلا .. رغم الحزن الذي يغشى ملامحها إلا أن شيئا غريبا كان ينعكس على وجهها أيضا ..!
نظرت عذيجة لدانة تأمرها بهدوء ..
- سيري ازقري خواتج يسلمن على بنت عمّج ..
أومأت دانه مطيعة و هبت من مكانها لتنفذ ما طلبته خالتها متوجهه الى المطبخ الذي كان بابه يصل للصالة عبر مدخل ضيّق .. دلفت المطبخ لتجد حور و فاطمة يقفن قرب الموقد و المها مشغولة بترتيب شيء ما في الخزانة .. بينما جلست عفرا على أرضية المطبخ بصمت و هي ترتشف كوبا من الشاي الساخن .. الصمت هنا كان لذيذا .. شيئا يغرق الإنسان أحزانه فيه .. قالت بحذر يخالط البؤس الألم في وجهها و هي تجيل بنظرها فيهن حين التفتن اليها فور دخولها ..
- خالوه تزقركن .. تباكن تسلمن على بنت عميه علي ..
وضعت عفرا الكوب أرضا و هي تنظر لها بذهول امتزج بالحزن الذي يسكن ملامحها ،،
- منــــــــــــوه؟
غالبت حور الصدمة قبل أن تعلو وجهها نظرة غضب شديد .. و هي تشد على القفاز الاسفنجي بغضب . فيما التزمت فاطمة الصمت احتراما لنقاشهن .. عادت دانة تقول بهدوء و هي تنظر لحور بإمعان ..
- روضه بنت عمي علي ..
وخرجت لتتركهن متخبطات في صدمتهن ..التفتت عفرا الى حور والمها التي لم تفهم شيئا مما قالته دانه قاطبه جبينها وتهز راسها تسالهن وهي تشير بيدها مستفسرة ... استدارت حور للمغسله لتغسل الصحون التي لم تكن بحاجة لذلك ونظرة الغضب لم تفارقها .. الحقد والغضب يتعاظم في داخلها اتجاه هذه العائله التي سلبتهم ابسط حقوقهم في المرحوم ..وسدت حلقها غصه كبيره حين تذكرت والدها ..في حين راحت عفرا تشرح للمها الأمر بسرعة قبل أن تقول بصوتها المتهدج ..
- يله حور .. خلينا نظهر نسلم عليها ..
تستحثها لترى رده فعلها ..ردت حور دون أن تنظر اليها وهي تشغل نفسها بالغسيل ،،
- سيرن سلمن عليها مابظهر ..
لم تلح عفرا عليها و هي تتبادل نظرة متيقنة مع فاطمة التي قالت بهدوء ..
- أنا بسير وياكن ..
خرجن بهدوء ليصلن إلى الصالة الضيقة .. قبل أن تقع أعينهن على فتاة توسطت أم مايد و دانة .. شابة أنيقة طغت على ملامحها الجميلة علامات الحزن وآثار الدموع ...لفت ذراعيها على عفرا بحنان والدموع تلمع في عينيها و أم مايد تعرفها بهن .. صوتها الهادئ كان مطمئنا ..
-أحسن الله عزاكم ...
ردت عفرا بحيره من هذا التدفق لمشاعر ابنه عمها .. بدت لها الأمر غريبا .. هذه الفتاة حزينة على رجل لم تعرفه يوما ..!
- يزاج الله خير ..أحسنتي
وسلمت على المها وفاطمه التي تشبثبت بها بنفس الطريقه والدموع تسيل على خدها ...تكلمت خالتها لتسالهن
- وينها حور؟
اكتست ملامح روضه الصدمه وهي تنظر الى الفتاه التي لا تشبه الفتيات متسائلة عن هويتها ..!
ردت عفرا وهي تنظر الى خالتها وتشعر باحراج بالغ من النظر الى روضه ،،
- في المطبخ ..
قالت خالتهن بعفويه..
- زقريها تسلم على روضه..
توترت عفرا وهي تنظر الى لفاطمة ..
- تقول مشغوله..
كان الأمر واضحا للغاية و عفرا تجلس في الطرف البعيد مع المها و فاطمة ..فهمت روضه الرسالة و أنها لاترغب بلقاءها ،، لكن ذلك لم يؤثر في عزيمتها .. لقد وصلت إلى هنا .. لا لترتد عند أول محاولة لرفضها .. قالت بابتسامة شاحبة ..
- ما عليه عموووه بسير لها المطبخ ،،
توجهت روضه الى الباب الذي خرجن منه الفتيات منذ برهة .. وطرقته بخفه .. لم تنتظر ردا و هي تدفع الباب للداخل .. دلفت بهدوء و منظر المطبخ الضيق النظيف البسيط يملأعينيها .. فتاة تعطيها ظهرها و هي تقف أمام المغسلة .. غطاء رأسها المنزلق يكشف شعرا أسود ناعم جمع بشكل فوضوي و قد انفلتت بعض الخصلات المتمردة .. ابتلعت ريقها بهدوء .. و صوتها المرتعش يرتد بين جدران المطبخ ..
- السلام عليكم والرحمه....
تصلب ظهر حور دون أن تلتفت .. هذا الصوت الناعم الذي انساب برقة لم تسمعه من قبل .. ما يعني أن .......
استدارت ببطء و هي تمسح يداها في منشفة نظيفة .. و عيناها تستقران على وجه زائرتها الجميل .. اتسعت حدقتا روضة باهتمام .. الحقيقة أن رؤية حور كانت تهمها جدا .. ذهلت بشدّة حين رأتها .. تأملت وجهها الصافي و عينيها المتسعتين ببرود و هي ترد السلام بصوت هادئ لا يكشف شيئا من البراكين التي راحت تغلي في داخلها .. بدت أصغر سنّا مما إعتقدت ..!
- و عليكم السلام و رحمة الله ..
تقدمت روضة خطوتين منها .. تريد أن تسلّم عليها .. لكن وجه حور الجامد كان يصدّها .. و يقلقها .. مدت يديها بتردد قبل أن تضمّها ..
- أحسن الله عزاكم
ذهلت حور لحركتها تلك ،، شعرت بالارتباك لوهلة .. لم تتخيل أن تفضل هذه الغريبة التي بدت عليها معالم الثراء و الأناقة القوم للمطبخ و تقديم التعزية لها بهذه البساطة ..
و كأنها تعرفها مسبقا .. أو كأن مصابهن واحد .. شعرت بأن دموعها توشك على الانهمار مجددا .. فكل مواساة تجدها تذكرها برحيله .. و لكنها أبت أن تبكي هنا ..
لقد شهدوا من حطامها ما يكفيهم .. ألم يشأ ذاك أن يلقاها في ظروف أقل مرارة ..! سحبت نفسا عميقا تصد دموعها ..
- يزاج الله خير ...
كانت روضه تجيل النظر متمعنة في ملامح حور التي يطغى عليها الحزن بشده رغم أنها ليست بذاك الجمال الذي قد يقارن بأخيها .. إلا أن وجهها كان حلوا للغاية .. ذكرتها عيناها بعيني أختها الصغرى التي كانت تنظر لها بحذر .. لن تلومهم .. غريبة هي هنا ..!...
أحست بالم كبير يعتصر قلبها و هذه الفكرة تتردد داخلها .. غرباء يلتقون .. لا يعرف أحدهم الآخر .. رغم رابط الدم الذي بينهم .. هذه الفتاة هي زوجة أخيها و لكنها تراها للمرة الأولى .. رثاء بالغ تملكها و هي تشعر بحرارة الدمعة تدفئ وجنتها .. صوتها يضطرب ..
- سمحوليه كان وديه انيه أيي البارحة لكن يدوه كانت تعبانة و العرب يايين هناك عسب يعزون ..
بدا الفتور جليا في عينيها حالما ذكرت روضة العزاء .. و لكنها لم تغفل عن شعور خائن بدأ يتحرك في داخلها نحو هذه الشابة .. لا تعلم كم عدد أقربائها .. و لكن هذه هي الوحيدة التي فكرت بزيارتهم ..!

* * * * *

- الحين كلهن حريم و البيت ما فيه ريّال ..
ساد الصمت الرهيب في المجلس الذي خلا في تلك الساعة المتأخرة من الليل بعد مغادرة جميع المعزّين .. تبادل هزّاع و أحمد النظرات بحذر و هما ينظران لغيث الجالس بجانب جدّهم باسترخاء مبتسما لسيف المنفعل بعد أن ألقى كلماته تلك فيما بدا أن لصداها دوى الإنفجار فوق رؤوس الموجودين ،، حقا هذا جانب لم يطرأ ببالهم ..!
كان الجد يلتزم الصمت و شموخ بارد يعلو ملامحه ،، فهد ينقل بصره بين أوجه أعمامه و أبيه ينتظر ردا على ما قيل للتو .. و حامد يجلس و قد عقد ذراعيه و كأن الأمر لا يعنيه البتة ..
قال عمهم مطر أصغر أبناء الجد سنّا بهدوء و هو ينظر لسيف الذي بدا متضايقا للغاية ،،
- أخوالهم عندهم ،،
اتسعت حدقتا سيف بذهول من هذا البرود ،، قبل أن يزم شفتيه و هو يقول بغضب مكتوم ..
- أخوالهم هب ملزومين بهم .. نحن هلهم و نحن أولياهم .. باكر لو يا حد يخطب وحدة من بنات عميه حمد .. تبون لي يناسبكم يخطب عند من ..؟؟ خوالهم و الا انتو ..؟؟
هز بو غيث رأسه بموافقة ..
- سيف ما ياب الا الحق ،، الرمسة هاي المفروض انفكر ابها أول ما توفى حمد الله يرحمه .. - ثم رفع عينه لوالده الذي يكتنف الصمت - شوه الشور يا بويه ؟؟
برهه ثقيلة من السكون قبل أن يرفع الجد عينه لغيث الجالس بجانبه .. فأقام ظهره و هو يستوي في الجلسة قبل أن يقول بصوته الرجولي العميق الذي تردد في المجلس الكبير ..
- الشور إنّا نييب بنات عميه حمد و حرمته عدنا .. نرعاهم و يكونون تحت عينّا .. أمايا نورة تقول تبا عياله عندها .. - ثم التفت لعمّه مطر بشيء من القسوة الباردة - هاييلا عرضنا .. و ملزومين بهن .. بس حاليا ما بيدنا نسوي شي .. حرمة عميه حمد في العدّة ما نروم نييبها هي و عيالها هنيه الين ما تقضي احتجابها ..
ثم ارتفعت شفته العليا لسبب غير معروف بهزل ،،
- يعني أربعة شهور لازم ايتمون هناك ،، و عقبها بنييبهم هنيه البيت العود ،، و في هالمدة من وقت لوقت .. حد يمر عليهم و يشوفهم شوه محتايين و شوه يبون ..
استدارت الأعين للجد متوقعين إعتراضا أو شيئا من هذا القبيل .. و لكن الجد التزم الصمت .. عاد فهد ينظر لغيث مفكرا و هو يقول بخبث ،،
- و تبونهم ايتمون اروحهم في هالاربعة أشهر ؟؟ - ثم قال بنبرة هازئة و عينه ترتكز على غيث - هاييلا عرضنا .. و ملزومين بهن ،،
لكن ابتسامة غيث الهازلة لم تختف عن شفتيه رغم أنها لم تصل لعينيه القاسيتين و هو يقول بلهجة ناعمة خطرة ..
- و شوه تقترح ؟؟
رفع عينيه ممثلا التفكير في حركة ساخرة قبل أن يعود ليقول بنبرة متحمسة مصطنعة لم تقنع الجميع ،،
- و ليش محد منا ييلس عندهم الين ما تقضي حرمة عميه شهور العدّة ؟؟
ساد الصمّت في المكان لبرهه و الفكرة تستقر في رؤوس الجميع قبل أن يقول بو سيف بصوت هادئ ..
- و شوه الفرق بتّم الحرمة في العدّة و محتجبة و أي واحد هناك يمكن يخرق إحتجابها ..
لكن ابتسامة فهد الواثقة لم تفارق وجهه ،،
- هيه هذا لو لي بييلس وياهم واحد منّا .. بس لو كان هالشخص محرم .. ما ظنتيه فيها شي .. و الا شوه الشور ..؟
كان سيف حازما و هو يقاطعه ..
- فهد شوه قصدك ..؟؟
نظر فهد لغيث بلؤم و هو يقول بلهجة مباشرة ،،
- قصديه إن لي بييلس وياهم لازم يكون محرم لها .. و محد محرم لها إلا غيث .. هب ريل بنتها ..؟؟
اتعست الأعين و هي تتسلط بنظرات دهشة على غيث الذي لا يزال مسترخيا في جلسته و هو يقول بلهجة هادئة ،، خطرة ..
- عيل اظهر منها انته .. و خلها علينا .. - ثم ابتسم ببرود - مثل ما قلت .. بنات عميه و أمهن في بيتهن و الدار أمان ما عليهن خوف .. أربعة أشهر و بنييبهن هنيه ،،
ثم استدار لأخيه حامد متجاهلا الجميع يقول بنبرة آمرة و هو يقف ..
- حامد نش ويايه ..
نهض حامد بسرعة يتبعه للخارج .. فيما صر فهد أسنانه بغيض ،، يبدو أن ابعاد غيث مستحيل تقريبا ..
سار غيث و حامد لخارج المجلس متوجهين للبيت الكبير و غيث يملي تعليماته بسلطة ،،
- باكر عقب العزا تخطف ع الجمعية و خذ يواني عيش و طحين و سكر .. و كراتين خضرة .. كثّر من هالسوالف و لا تخلي شي .. ودها بيت عميه حمد .. و تخبرهم كان محتايين شي .. مانبا القصور يي منّا ،،

* * * * *


نظرت لها بحنان مؤلم .. و هي ترى وجهها الصغير قد قفز عّة سنوات و خطوط الهم تغفو بين ثنيات ملامحها .. كانت الوقت يقارب منتصف الليل .. جلست بجانبها بهدوء .. لتلتفت تلك لها فترتسم ابتسامة مهمومة صغيرة .. ذابلة على وجهها .. لتردها تلك بواحدة متوجعة على حالها ..
- حور غناتيه .. ما بتنشين توطين راسج ..؟؟ عنبوه من البارحة ما غمضت لج عين ..
بدت ابتسامتها مثيرة للشفقة وسط وجهها الشاحب .. و هي تقول بمرارة ..
- لاحقين ع الرقاد يا وديمة ..
كان الظلام الدامس يغرق الدنيا و أعمدة النور في الشارع تلقي بشيء من الأضواء داخل الحوش الضيق .. رائحة الهواء المحملة بالرطوبة تبشر بيوم ضبابي .. سكون تام .. لا يقطعه سوى صوت أنفاس حور الثقيلة بعد أن أنهكتها الدموع .. و بوق سيارة قادم من الشارع العام البعيد .. تشعر بمآقيها ساخنة .. و مؤخرة عينها تلسعها .. لم تعد تذرف الدموع ،،
هل استنزفت طاقتها على البكاء يا ترى ؟؟
مدت و ديمة راحة يدها تمسح على شعر حور المنفلت من عقدته .. منسدلا بفوضوية على طول ظهرها .. سألتها وديمة بحنان ..
- تقول أمايا ان بنت عمكم علي يت اليوم هنيه ..
هزت تلك رأسها ببطء .. فقالت وديمة بهدوء ..
- أخت ريلج ..؟
انعقد جبينها بضيق لبرهة .. تسند ذقنها لركبتيها المضمومتين قبل أن تهمس ،،
- هيه ..
نظرت لها وديمة بحذر ،،
- حليلها .. فيها الخير .. احسن عن غيرها ..
صمتت حور دون أن تجيبها .. و هي تستعيد في داخلها ردة فعلها الأولية حين علمت بوجودها ..
- أول ما دريت انها هنيه بغيت أظهر لها و أطردها من البيت ..
ذهلت وديمة ،،
- ليش ..؟؟؟؟؟؟؟!!
نفخت حور بحقد ..
- ما يسد لي سووه أهلها فينا ..؟!
اتسعت عينا أختها بالرضاعه بحيرة
- و شوه سوو - و ضغطت على الأحرف - أهلج ؟؟
التفتت لها حور بقسوة و هي تنكر ..
- هاييلا هب هليه .. ما يسدج العزا لي مسوينه في بيتهم و هم يدرون ان امايا في العدة و انها ما تروم تظهر .. من يابتنيه أميه ما شفت حد منهم ياي بيتنا و الا مسير و الا ذاكرنا بتيلفون .. العيد لي هو عيد ما نعرفهم فيه .. الحين عقب - و تهدج صوتها و هي تكبح دموعها - عين ابويه .. تذكروه .. و يسوون عزا محد من عياله بيحظره .. و ........
بترت عبارتها و هي تتوقف عن الكلام و دموعها تهدد بالهطول .. مدت ظاهر كفّها تمسح عبرة انزلق على خدّها .. شعرت وديمة بالألم يمزّقها .. و لكن الحقد الذي لمسته في صوت حور لم تعرفه فيها قط .. لذلك كان صوتها هادئا ..
- يا حور الانسان ما يحس بقيمة خوه الا لو فقده .. ما فكرتي ان لي تحسين به من حرّة و منقهر يمكن يحسونبه .. عقب ما ضيعوا عمرهم و عمر خوهم في القطاعة .. و بعدين ع العزا انتي ما تحتايين الغرب لي بييونهم من عربهم عسب يعزونهم .. أهم شي أحبابج لي حولج .. و لا تنسين ان أمه ما فيها حيل تظهر من البيت .. العزا حاطينه هناك عشانها ...
بدا أن حور لا تستسيغ ما يقال و هي تشيح بوجهها و تدفق الدموع يزداد .. فيما تابعت وديمة ..
- و حتى لو لي قلتيه كان صح .. بنت عمج ما يخصها .. الله يقول : [ و لا تزر وازرة وزر أخرى ] .. لا تاخذينها بذنب أهلها .. أنا أشوف ان فيها الخير لي ياية الين هنيه و العزا فبيتهم .. مطنشة لي هناك و ساعية للغرب لي هم انتو ...
بدا صوتها قويا و هي تقول بعمق ..
- حور .. الواحد ما يستسلم للوساوس و الشيطان .. كرهج للغير ما بيفيدج بشي .. لكن التسامح بيجنبج المشاعر الخبيثة لي يمكن تحسينبها .. ع العموم أنا ما ضايقنيه غير ردة فعلج ع البنية ..
قالت حور بضعف وسط دموعها .. تشعر بأنها واهنة .. لا تقوى هذا التدفق من الكلمات ..
- لا يا وديمة .. أنا ما أذيت و لا عقيت عليها رمسة ،، رغم كل شي يلست ويانا أربع ساعات حاشمينها و محترمينها .. و قبل لا تظهر اترخصت تيينا مرة ثانية .. و رحبنا بها ،، حتى رقميه عطيتاا اياه يوم طلبتنيه ..
.
.
شعور بالتعب .. بالارهاق ..
انطباع غريبة بأنها تقف على شفير هوّة مظلمة .. تريد أن ترمي بروحها في قعرها ..
أخذ يغزوها .. و الدموع تأخذ طريقها لوجهها من جديد ..
كم سيستمر هذا الوجع يا ترى ..؟؟

* * * * *



>>

.: المــاس :.
29-11-2007, 11:22 AM
تتمة



كن يجلسن في ردهة المنزل الفسيحة .. و ترفع هي قدميها على طاولة القهوة .. و يداها تعبثان بأزرار هاتفها دون توقف .. حتى حانت منها التفاتة لأختها ..تنصب نظراتها على وجهها الشارد .. بدت من نظرتها للفراغ بأنها ليست على أرضهم هذه .. تبعد عنهم أميال .. لم يكن هذا ما لفتها .. بل نظرة منكسرة في عينها حيّرتها .. أما تزال حزينة على ذاك العم ..؟؟ أم أن هناك سبب آخر ..؟؟
جزء منها كان واثقا بأن الأمر يتعلق بزيارتها لبيت عمّها اليوم .. نادتها بصوت واضح ،،
- روضاني ؟؟
أجفلت روضة و هي تلتفت بعينٍ غائمة لأختها و بريق دمعة بعيدة في أفق العين لا يخبو ..
- هااا ..
عقدت جبينها و صوتها الخشن ينخفض قليلا ..
- بلاج ؟؟
هزت رأسها بحيرة ..
- ما شي ..!
رفعت تلك حاجبها بانكار ..
- مساعة يالسة عندج و انتي هب داريه عنيه .. سرحانة .. شفيج ..
أخفضت تلك بصرها و هي تهمس بصوت ضعيف ..
- أفكر ..!
- فشوه ؟؟!
رفعت نظرها تتأملها لبرهة .. قبل أن تسأل سؤال لا علاقة له بالاجابة المنتظرة ..
- ليش ما ييتي ويايه اليوم يوم قلت لج انيه بسير قدا قوم عميه حمد الله يرحمه ..؟
هزت شيخة كتفيها ..
- مادري بس ما حبيت أسير عند عرب غرب .. ما أعرفهم .. و ثاني يوم في العزا ..!! يعني يا الله يا الله يتعبلون بعمارهم .. هب ناقصيناا نفر عمارنا عليهم في هالمحنة ..
لوحت روضة بيدها بعدم موافقة ..
- عذر غريب الصراحة .. دوري غيره ..!
رفعت شيخة حاجبها ..
- و شوهالغريب فيه أخت روضة ؟؟ - ثم نظرت لها باستفسار - شوه سويتي هناك ؟؟
هزت روضة كتفيها و هي تتنهد بعمق ..
- ما شي .. يلست عندهم ثلاث ساعات .. و عقب صلاة العصر رديت البيت ..
بدأ الفضول يدب داخل شيخة و هي تسأل ..
- شفتي بناتهم ..؟؟
- هيه ..
- كم عددهن ..؟؟
- سبع ..
شهقت شيخة بقوة ..
- أوووووف شبع .. يخرب بيته هالعم ما عنده وقت ..
عقدت روضة جبينها بقوة و هي تقول باشمئزاز منها ..
- صدق انج ما تخيلين .. الريال متوفي .. استحي ع ويهج ..
وضعت يدها على فمها ..
- أوبس .. سوري .. صدق خبرينيه .. كم عمارهن شوه أساميهن .. شفتي حرمة غيث ..؟؟ حلوة ..؟؟ كيف شكلها ؟؟
نظرت لها روضة بحاجب مرفوع ..
- خيييييييييبة شوي شوي علينا .. و بعدين يوم انج مهتمة هالكثر ليش ما خاويتينيه يوم شرت قداهم ..؟؟
- الحين خلينا من هالرمسة .. و ردي عليّه ..
رفعت روضة عينها متذكرة ..
- آممممم .. العودة حور هي حرمة غيث .. عمرها يمكن 23 أو 24 مادري و الله .. بس شكلها يبين أصغر عن كذيه ..!
نفخت شيخة بضيق ..
- وايد صغيرة ع غيث .. أصغر عن العلة عوشوه ..
- لا اله الا الله .. انتي ما تيوزين ..
لوحت شيخة بعدم اهتمام ..
- لا تسوين لنا فيها .. كملي ..
نظرت لها روضة شزرا قبل أن تتابع ..
- تيي عقبها المها .. هاي الصمخة .. بس شوه أقولج .. سبحان الله .. شيخاني أحلى وحدة فخواتاا .. وايد حلوة و نعومة .. مادري كيف حتى ابتسامتاا غير .. خاطريه كان أرمس وياها و الا آخذ و أعطي .. بس ما أعرف كيف أرمسها بالاشارة ..! عمرها حول 19 سنة .. لن خالتهن تقول ان بينها و بين حور 4 سنين .. و الباقيات متّابعات .. يعني عقب المها تيي عفرا .. في الثنوية العامة و عقبها نورة ثاني ثنوي .. خلاف دانة هاي أول ثنوي .. و هند في الاعدادية بس ما أدري أي صف .. و نايف خوهن هذا ما شفته .. بس أكبر من مزنة بـ 3 سنوات .. يعني تقولين عمره 13 سنة .. و آخر العنقود مزنة عشر سنين .. و هاي كافة التفاصيل .. عيبج التقرير أخت شيخة ؟؟
هزت شيخة رأسها بذهول ..
- ما أصدق .. ع قلة فلوسه الا ان عنده 8 عيال .. ما شا الله .. الله و أكبر عليهم .. نحن أكبر عايلة عدنا عايلتنا و بس خمسة نفر .. هاييل وين البيت لي يسدهم ..
انقشعت الراحة المؤقته عن وجه روضة فور تلفظ شيخة بتلك الكلمات .. و كسى ملامحها الجميلة الألم الشديد ..
- يا الله يا شيخة .. لو تشوفين بيتهم تحمدين ربج ألف مرة .. نحن متبطرين ع النعمة و كل يوم تغيير أثاث و ديكور .. و العيشة نفر دبل أكلنا في الكشرة .. و مواتر و طلعات .. و أسواق غير الفلوس لي ما ندري وين نحطها .. و عميه و عياله هب محصلين غير بيت مقسوم .. بثلاث حجر ة مطبخ و حمام .. تخيلي .. انا خطفت على حجرة أول ما حدرت بيتهم تحريتاا ستور .. طلعت ميلس الرياييل و وراها حمام ..!! تخيلي عميه و حرمته و عياله الثمانيه يتشاركون هالحمام .. لو تشوفين صبغ اليدار كيف رايح .. صح البيت نظيف .. بس الفقر في كل مكان .. مادري كيف عميه كان يسد لقمتهم .. مادري كيف بيدبرون عمارهم الحين ..!!
و تهدج صوتها و ألماسة متألقة تنحدر من عينها اليسرة و هي تقول ..
- تمنيت انيه ما دريت ان عنديه عم و لا ييت بيته .. عسب ما أشوف هالشي .. حسيت بالذنب .. كأنيه ظالمتنهم .. مصروفيه في الشهر يي دبل ميزانيتهم أربع مرّات ..
دفنت وجهها بين كفيها و هي لا تقدر على منع دموعها من التسرب ..
- و الله انهم قطعوا فواديه .. كيف بنساعدهم .. كيف ؟؟؟!

* * * * *


كان هذا هو يوم العزاء الأخير و الوقت يقارب العشاء ،، حين توقفت سيارة فارهة لم يعتد هذا الشارع على وجود أمثالها بعد .. و توقفت وراءها شاحنة فان صغيرة ..
ترجل الرجل من سيارته و هو يجيل نظره في الحي .. لم يأتِ إلى هنا مسبقا سوى مرّة واحدة .. و لكنه لا يتذكر أن هذا المكان كان بهذا البؤس ..
وصل للباب المنشود .. قبل أن يطرقه بقوّة .. ثم تنحى منتظرا أن يأتي أحد .. كان يستنشق الهواء مشغولا بالعديد من الأفكار حين وصله صوت حاد خشن ..
- السلام عليكم ..
التفت نحو صاحب الصوت لتقع عينه على ابن عمه الصغير الذي فغر فاهه بعد أن تعرف عليه ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
سلّم نايف عليه رغم أنه كان قد رآها صباحا في ذاك القصر و هو يحاول مراجعة اسمه في ذهنه ..
- و عليكم السلام و الرحمه ،، حييه بو حمد ..
قال نايف بشيء من الخجل ..
- الله يحييك ..
ابتسم الرجل بهدوء و هو يقول ..
- أنا حامد ..
أجاب نايف بسرعة منكرا جهله ..
- أدري ..
- شحالك .. و شحال هلك .. ربكم بخير ..
- يسرك الحال .. الحمد الله .. اقرب
لمع الاعجاب في عيني حامد ..
- قريب .. بس مستعيل و الله .. سير شف ختك العودة قولها انيه هنيه .. برقبكم ..
عقد نايف جبينه ..
- منوه ..؟؟ حور ؟؟ شوه تبابها ..
اتسعت ابتسامة حامد ..
- ريلها مطرشنيه عليها ..
كان الشك يكسو ملامح نايف لبرهة و هو يستعيد في ذهنه صورة - ريلها - قبل أن يقول ..
- لحظة بس ..
و اختفى في الداخل .. و عاد حامد يستند على الجدار .. شعر باختلاف كبير بينهم و بين بيت عمهم هذا .. لم يكن في صغره يعلم ما يعلمه هذا الصبي .. لا بد أن ملازمته لأباه بيد أنه ابنه الوحيد قد أثرت عليه كثيرا .. دقائق طويلة مرت قبل أن يتناهى لمسمعه صوت الأقدام القادمة نحو هذا الباب ابتعد عن الجدار مترقبا القادم .. فجأة وجد نفسه يخفض بصره حال ظهور شابة ترتدي عباءة سوداء و ترد الغطاء على وجهها .. قال بهدوء ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
كان صوتها مبحوحا و منخفضا .. جليديا ..
- و عليكم السلام ..
- شحالج يا بنت العم ..
كان برودها مربكا ..
- بخير ..
شعر بتوتر .. لا يدري لما راوده احساس بأنه غير مرحب به هنا ..!
- الله يسلمج هاي شوي أغراض يايبينها للبيت .. و بغيت أشوف كان محتايين شي و الا فخاطركم شي ..
صمت مطبق كان الرد على كلماته .. قبل أن يأتيه صوت الفتاة قويا .. آمرا .. و قاسيا ..
- أغراضك شلها وياك .. نحن هب في حاية شي منك و لا من أهلك .. توكل من هنيه و مرة ثانية هالباب لا تعتبه .. الله يحفظك ..
فغر فاهه مصدوما مما قيل للتو و الباب الحديدي الصغير يرتد بقوة منغلقا في وجهه مصدرا صوتا قويا ..
شعر بالاهانة .. و هو يضم قبضته بغضب .. يكبح رغبة تحثه على تحطيم الباب على رأسها ..

* * * * *

مرت ثلاثة أسابيع بطيئة للغاية عاد الناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي .. و كأن شيئا لم يحدث .. و كأنما يؤكدون بان ارتحال رحٍ الى بارئها لا يعني نهاية العالم ،، جميعنا لنا نفس المصير ذات يوم .. فلماذا نقضي ما تبقى من الوقت في الرثاء على شخص قضى نحبه ،، و لن تعيده الأحزان و ذرف الدموع ..
كان ذاك يقين قاسٍ .. و مؤلم .. و غير مراعٍ لمشاعر الغير التي لا تزال معلنة الحداد على فقدها ..
و لكنها تظل حقيقة .. و لن يجعلها التهوين مختلفة بأي شكل ..
مضت الأيام لتعود الأمور إلى نصابها بالنسبة للجميع ،، باستثناء بيت المرحوم .. بو نايف ... لا زالت تلك الجدران تحتضن مرارة اليتم .. تحوي داخل حدودها من الأنين ما لن يسمع و لا يتجاوز الصدور .. تستر تحت جنح الظلام تلك الدموع الخفيّة ،، حين يسعى كل ساكن في ذاك البيت لإخفاء أوجاعه عن الأعين .. التظاهر بالقوة .. و تجرع حرّ ما يؤلم لوحده ..
بدت الحياة في الأيام الماضية تمشي برتابة بائسة .. عاد أبناء بو نايف لمدارسهم .. يكافح كلٌ منهم أن شيئا لم يحدث و أن الحياة حتما ستعود لطبيعتها بعد بعض الوقت ..
كان مؤلما إدراك بأن الحياة تواصل المسير دون والدهم ..!
.
.
.
.
.
.
- يا غيث هاي خامس مرة تروغنيه من البيت ..
خرجت العبارة من فمه بضيق و هو يدور في مكتب غيث الواسع .. و الأخير يعيد كرسيّه للوراء بابتسامه هادئة أخفت تحتها غضب مكبوت ..
الحقيقة أنه يصارع رغبة في ترك مكتبه هذا و التوجه لبيت عمّه ليدق عنق تلك الطفلة السخيفة ..إلى ما ترمي برفض كل المعونات التي يحاولون تقديمها و إدعائها بأنهم لا يريدون صلة بهم .. لديه ما يشغله و لا يريد تضييع وقته بألاعيب سخيفة .. كان صوته متحكما و هو يقول بسلطة ،،
- ما عليه يا حامد .. سير لهم بعد هالمرة نحن ملزومين ابهم .. ع الأقل الين ما ألقى وقت و أتصرف أنا في الموضوع ..
كان بامكانه أن ينهي الموضوع ببساطة عبر الهاتف لو لم يكن يرد عليه بمغلق طوال الوقت ..
عقد حامد جبينه بضيق ..
- أقولك رايغتنيه خمس مرّات .. و تقول لو ييتهم المرة الياية بتتصل بالشرطة .. - ثم فتح عينه باستهجان - الشرطة أونه .. بنات عمّك ما فيهن مذهب ..
كان رد فعل غيث فوريا و هو ينهره بصوت مرتفع محذر ..
- حامد ..
احمر وجه حامد فورا وو هو يعض شفته السفلى .. سرت رعشة على طول ظهره .. يبدو أنه أثار أخاه الأكبر .. زلة أخرى و لن يجد ملجأ في مرابع الغفران ..!!
ابتلع ريقه و صوت غيث يتدفق بقسوة ..
- عيدها و ما تلوم الا نفسك .. ثمن رمستك قبل لا تعقها ..
هز حامد رأسه بطاعة .. كان عليه أن يحذر فهو بذلك يمس زوجته أيضا ..! قال بهدوء ..
- اسمحليه يا خويه .. بس و الله من لي فينيه .. شوف كم مرة ساير لهم .. و كل ما ييت تطلع بنتهم و تروغنيه .. ما تقول غير ياي أشحت منهم ..!!
فكرة غريبة راودته و هو يسترخي - بنتهم - و ليست - حرمتك - ،، هه .. لا يشعر احد منهم بذاك الارتباط ..!
حامد يقف بيأس منتظرا ردا على ما قال منذ برهه .. تابع يقول ..
- أنا ما عنديه خلاف مستعد انيه أوصل لهم لي يبونه .. و حتى بنتبادل أنا و أحمد و هزاع .. لكن تفاهم وياهم أول .. ما نبا فضايح يا غيث .. و هاييلا شكلهم ما يدانونا ..
كان وجه جامدا لا يفصح عن شيء ،، و هو يركز بصره على وجه حامد المترقب .. عليه ان ينهي هذه التفاهة بشكل ما .. لا يجب أن يشغل ذهنه بهذه الأمور أكثر من ذلك ..
كان صوته باردا و هو يلوح بيده ..
- أنا ساير البيت لهم الليلة و برتب الموضوع ..
ثم تصلبت عيناه بغضب .. و هو يضمر تأديبها في نفسه ..

* * * * *

تجلس على أرضية الساحة المدرسية و هي تحرك العصير في زجاجته .. و صوت صديقتها يتدفق بهدوء و هي تقلب وريقات في حجرها ..
- يعني الحين ما بنمتحن انجليزي في المدرسة .. بيكون هو و امتحان السيبا واحد و بنمتحن في الجامعة ..
ارتشفت عفرا جرعة من العصير و هي تعقول بتفكير ..
- انزين علايا .. يعني معدل السبا داخل في مجموع الثانوية ..!
- هيه ..
هزت عفرا رأسها بهدوء ..
- أهاا الله يعين عيل .. كان ما بترتفع نسبة الرسوب من التخبيص ..!
نظرت لها عليا بحنان .. تعغيرت كثيرا .. أصبحت أكثر جدية ..
أكثر هدوء ،،،
و حزنا ..
الحقيقة أنها قالت تلك الكلمات بآلية دون أن تشعر .. أفكارها كانت تأخذ منحنا آخر تماما ..
الآن و بعد تغيب اسبوع لما طرأ من ظروف .. شعرت بعرة تسد حلقها .. تخنقها و هي تفكر بالظروف ..!
عادت للمدرسة و متابعة الدراسة هي و أخواتها .. مؤلم أن تنتشل نفسك من أحزانك لتدفع بها في غما رالحياة مجددا فتكتشف بأن شيئا لم يتغير .. و أن الدنيا لا تقف على حدود وجعك ،،
سحبت نفسا عميقا .. ها هي تعود للاجتهدا في الدراسة .. و لكن إلى أين ..؟؟
هذه هي السنة الأخيرة لها في الثانوية .. السنة القادمة ستنتقل للجامعة لمتابعة الدراسة ..؟؟ و لكن لا تظن ..!
منذ بعض الوقت علمت أن لا مستقبل لها في الجامعة ..؟؟ و خصوصا بعد اختلاف الظروف ..
الآن إذا تقدمت للدراسة هناك .. ألن يلزمها الكثير من الملابس .. مصروف ..و أشياء لا تجد الطالبة الجامعية غنى عنها ..!
من أين لها هذا ..؟؟!
يستحيل أن يغطي معاش الشؤون الذي يصرف لوالدتها و التعويض الذي يصرف لأبيها الراحل شيئا ..
بالكاد تكافح حور لسدِّ حاجاتهم .. شيء كدخولها للجامعة لن يفعل سوى نسف مزانيتهم ..
لن تستطيع فعل ذلك بهم .. أبدا ..
ستنجح هذه السنة متأكدة و بتفوق .. و لكنها لن تستطيع المتابعة بعدها ..
عليها أن توئد تلك الأحلام السخيفة .. فرغبتها في العيش .. و سد رغبات إخوتها الذين أكثر احتياجا منها أهم من تلك التفاهات ..
.
.
تودع هذا الهاجس الذي اجتاحها ذات يوم ..
ستكفيها شهادتها الثانوية .. ليست بحاجة لأخرى كي تثبت جدراتها ..
شعرت بدمعة قد أقبلت .. تنشد الحرية .. فكبحت جماحها داخل عينها التي أرخت هدبها بهدوء .. تأسرها مجددا و هي تعيدها لمكانها ..
لا يجب أن يعلم أحدا كم الأوجاع تتكوم هنا ..
ألما على ألم ..
فقط عليها أن تصمد .. حتما سيكون هناك فرج قريب ..
و إلى ذاك الحين لن يضيرها أن تزهق من الأحلام ما تعلم أنه صعب المنال ..!

* * * * *


تمشي في الحرم الجامعي و هي تحمل على ظهرها حقيبة الظهر الرياضية التي امتلأت بكتبها .. علقت على كتفها الآخر حقيبة جهاز حاسوبها المتنقل .. كانت هدى تتكلم دون توقف بسرعة .. فيما لم يخترق ذهنها المشغول شيئا من هذا الحديث .. بدا أن هدى مصرة على ازعاجها .. و اضجارها .. لذلك قاطعتها بملل ..
- هدوي لو سمحتي صخي دقيقة بس .. عنبوه هب لسان عليج رادوو ..
اتسعت عينا هدى بقوة قبل أن تضيقهما بعتب ..
- أخخ .. طاح ويهي ..!! سبالوه اصلا انتي ما تسمعين شوه كنت أقول و الا ما سكتينيه ..
نظرت لها شيخة بنفاذ صبر ..
- لا ما أسمعج شوه كنتي تقولين ..؟
نظرت لها صديقتها شزرا و هي تقول ساخرة ..
- و ليش أقول ؟؟ خلينيه صاخة دقيقة أخيرليه ..
- اففففف .. بتقولين قولي ما بتقولين برايج ..
رفعت هدى حاجبها ..
- أقولج البارحة شفت بنت عمج .. هاييك الغاوية لي دوم أشوفها فبيتكم ..
شخرت شيخة باستهزاء ..
- هه .. منوه .. عوشوه ؟؟ صدق ما عندج سالفة .. وينها هاي و الغوى وين ؟؟
- خافي ربج و الله انها تخبّل .. المهم ما سألتينيه وين شفتاا و ويا منوه ..؟!
- وين شفتيها ؟؟
قالت هدى ببساطة ..
- في المول .. وياها خوها ..
توقفت شيخة عن المشي .. و توقفت هدى هي أيضا .. أخاها ؟؟!اجتاحتها موجة من احساس غريب لم تدري كنهه .. لم ينجب عمّها مطر قبل وفاة زوجته غير عوشة .. أي أخٍ هذا ..
شعرت بذعر خفيف مفكرة بأشياء تفسر هذا .. تبا لذلك .. لا .. لا يمكن أن تكون عوشة من ذاك النوع .. مدللة .. بل مفسدة بالدلال .. تافهة بأفكار سطحية .. و لكنها ليست منحطة .. انتبهت لهدى التي بدأت تنظر لها بغرابة ..
- بلاج ؟؟؟؟
هزت رأسها عاجزة عن الكلام و هي تواصل سيرها بصمت .. هدأت هدى لفترة .. قبل أن تهمس بها بحدّة مشيرة ..
- شيخان .. شوفي راية ..
خفق قلبها بعنف مع سماعها لاسمها .. ترفع عينيها المتلهفتين للبحث عنها .. لتقع عليها واقفة في مسافة ليست ببعيدة عنها .. تحيط بها صديقتين ..انتزعت حقيبة الحاسوب و هي تلقيها على هدى ..
- يودي أنا بزخعها الحين و غصبن عنها برمسها ..
كانت تشعر بقلبها يضرب بسرعة .. و أنفاسها المشتاقة تتسارع .. خطاها تتسابق الى حيث وقفت تلك الفتاة بهيئتها المميزة .. الآن .. أو أبدا ..!
حال وصولها لمكانهن رفعت عينيها لها ثم اتسعتا بصدمة ..
- هاي ..
ردن الفتيات معا و هن ينقلن أبصارهن بين راية وشيخة ..
- أهلين ..
سلّطت هي نظرتها على تلك الجالسة بتوتر و هي تلتف يمنة و يسره .. لا تدري ملا بدت لها خائفة في تلك اللحظة .. كان صوتها حازما و هي تقول ..
- راية لو سمحتي .. أبا أرمسج يمكن خمس دقايق ..؟؟
تجنبت راية النظر لها بتردد .. قبل أن تنهض و هي تقول بصوت منخفض ..
- يمكن ،،
سارت شيخة لمنعزل قريب تتبعها راية إلى هناك .. ما إن اختفين عن أعين الآخرين .. حتى استدارت شيخة بشوق و لهفة و هي تقول ..
- راية حبي .. و الله العظيم انه ما يخصنيه في منى لي شفتيه فهمتيه غلط .. بس كنت أربط خيط تنورتها من ورا .. أدريبها دوم تغايظج و انتي تغارين .. بس و الله انتي بس حبيبتي و روحي و حياتي .. رايه حرام عليج شهرين و انتي ما تردين ع تيلفوناتيه .. أحبج .. ماروم أعيش من دونج .. لا تحرمينيه منج دخيلج و الله انتي ظالمتنيه ..
كانت شيخة تقول هذه الكلمات بسرعة وسط دموعها التي سرعان ما انهمرت ،، دموع وجدت الطريق هنا ،،
.
.
تذهلني قذارة هذه العبرات ،،
لم تكن لتهطل حين آن الرثاء على روح راحلٍ فقدت الحق في بكاءه ..!
.
.
التقطت كف راية و هي تدنو منها أكثر ..
- حبيبتي .. و الله توبة .. ما بتشوفينيه ويا هاللوث منى مرة ثانية .. بس انتي رديليه .. أحس بالموت و انتي بعيدة عنيه ..
ذهلت حين انتزعت راية يدها و هي تضمها الى صدرها .. لاح الخوف على وجهها و هي تقول بصوت مهتز ..
- أنا هب زعلانة عسب منى و الا غيرها .. هالأشكال ما تهمنيه ..
بدا الضياع على وجه شيخة و هي تهمس بوله ..
- عيل ليش ..؟؟ ليش هاجرتنيه من شهرين .. دون سبب ..!!
نظرت لها راية و هي تتظاهر بالثبات .. الحقيقة أنها كانت خائفة من ردة فعلها .. فما الذي يمكن أن تفعله بعد أن تحطمها ..!! كان صوتها ضعيفا و هي تقول بقلق و تراقب وجه شيخة ..
- أبا أقطع علاقتي فيج .. أباج تنسينيه .. أنساج ..
بدت الصدمة جلية على وجه شيخة و هي تقول باستنكار ..
- شوووووه ؟؟ تخبلتي انتي ..؟؟
ارتجفت راية و هي تقول ..
- أنا بعرس ..

* * * * *

الله أكبر الله أكبر ،،
الله أكبر الله أكبر ،،
.
.
كانت أبواب السماء تُشرّع بذاك النداء على اتساعها ،، بعد أن غفت الشمس خلف حدود الأفق منذ ساعتين ..
التقطت دانة بعض أوعية العشاء و هي تقول لهند التي استلقت بجانب نايف و مزنة تحت التلفاز ..
- هند نشي شلي ويايه الصحون عسب نغسلها ..
نظرت لها هند بضجر و هي ترفض ..
- البارحة انا و نورة غسلنا ما يخصنيه خلي عفاري و الا مزنه يساعدونج ..
نظرت لها دانة بغضب ..
- عفاري تخم الخوش .. مزنوووه نشي شلي وياية و ساعدينيه ..
نظرت لها مزنة بعينين متسعتين ..
- أنا ما عرف أغسل .. و اذا شليت الصحون بيتكسرن ..!!
نفخت دانة بغل و هي تقول ..
- بيتكسرن هاا ..؟؟ ما عليه يا مزين .. انا بداويج ..
بدا الخوف على وجه مزنة و هي تشيح به .. قبل أن يفتح باب غرفة أمهم و تطل حور برأسها تنظر لنايف الذي لا يزال مستلقي تحت التلفاز ..
- نايف .. نش صل العشا .. عسب ترد و ترقد .. باكر دوام ..
عقد نايف جبينه بضيق و هو يزيد من غلظة صوته ..
- بصلي و بخطف ع حمّود ،،
نظرتله حور بحزم و هي تأمره ..
- لاحق عليه حمود باكر بتشوفه في المدرسة .. سير صل و رد بسرعة ..
أشاح بوجهه معترضا ..
- هب ع كيفج ..
اتسعت عيناها بذهول قبل أن تنفجر به غاضبة ..
- ولـــــــد .. تأدب .. عين خير و نش صل و رد البيت .. يا ويلك لو دريت انك سرت يمين و الا يسار ..
كانت لا تزال تقف بباب أمها و هي تضع يدها على خاصرتها .. قام نايف من مكانه طوعا .. و هو يتذمر .. تتبعه عيناها .. لا تدري لما يلجأ للتمرد هذه الأيام .. ما الذي جرى له يا ترى ..؟؟!
أصبح كثير الضجر و الاعتراض و المعاندة .. رغم هذا عليها أن تعالج الأمر بحكمة و صبر لا أن تنفجر في وجهه في كل مرّة ..
رأت نورة تحمل ثيابا مكوية لتختفي في الغرفة قبل أن تعود فتخرج بسرعة .. رأت حور لا تزال تقف في مكانها و الشرود يسكن ملامحها .. فلوحت بيدها أمام عينيها ..
- حووووه وين وصلنا ..
هز حور رأسها ..
- و لا مكان ..
- وينها المها ..
- تمسد أمايا ..تقدمت نورة لتجر مخدة فتسند رأسها عليها و هي تقول بتسلط ..
- مزنة نشي قولي لدانة تسوي جاهي ..
هزت مزنة رأسها و هي تنظر لحور باطمئنان ..
- ما يخصنيه .. هاذوه المطبخ سيري انتي قوليلها ..
نظرت لها نورة قبل أن تقول ..
- لا و الله .. أشوفج مستقوية الشيخة مزنة .. أقول نشي الحين لا تييج رفسة تكسر عظامج ..
نظرت لها حور ..
- ها لي قاصر بعد ..
زفرت نورة بحقد ..
- ما عليه يا بشكارتنا دواج عنديه يوم بستفرد بج .. و الله لداويج ..
ثم صاحت بصوتٍ عالٍ ..
- دانوووووووه .. سوي جاهي بنيلس في الحوش ..
صاحت دانة موافقة .. قبل أن تنظر نورة لحور ..
- بلاج واقفة ..
- بسير أصلي عسب نيلس رباعة .. مزنة .. هند .. صلن و أشوفكن في حجرة أمايا رقود .. تسمعن ..؟؟
تجاهلت أصوات التذمر الصادرة منهن و هي تدلف غرفتهن لتصلي بها ..
.
.
.
كانت دانة تسكب الشاي في الأكواب حين جلسن في - الحوش - بعد أن أوت مزنة و هند للفراش و لم يعد نايف من الصلاة بعد.. و هي تقول بهدوء ،،
- علومها فطوم .. مالها شوف هالأيام ..
أجابت حور التي كانت تمسح على شعر عفرا التي استلقت فوق بطانية و ضعتها تحتها و هي تسند رأسها على ركبة حور ..
- فريت على درشتهم حصى و قالت ان أمها ميهوده ..
هزت دانة رأسها ..و هي تناول المها كوبا من الشاي ..
- الله يعينها ..
سألت نورة دون مناسبة و هي تضم كوب الشاي الذي تصاعدت منه الأبخرة ..
- تعالي حور نسيتأسألج .. تعرفين وحدة اسمها .. حمدة حليمة صالح ..؟؟
عقدت حور جبينها مفكرة ..
- حليمة صالح ..؟؟؟! حليمة .. حليمة .. هب غريـ .... - ثم صاحت متذكرة - أوووووه حليمة صالح .. هيه هيه .. تذكرتاا .. كانت فدفعتيه .. ليش ..؟؟
هزت نورة كتفيها ..
- تشتغل عدنا سكرتيرة .. شافتنيه في الادارة مودية أوراق و يودتنيه .. تسألينيه اذا أقرب لج .. قلت ختيه ما تشوفين نفس الشيفة ..
ابتسمت حور ..
- عنلاتج .. انتي وين و أنا وين ..
قالت عفرا بخبث و هي تدير كوبها على الأرض ..
- شياب الثرا للثريا ..
عقدت نورة جبينها ..
- جب زين .. أن أحلى عن حور حمدي ربج انيه شبهتج بعمريه و الا انتي أصلا مستقبلج ضايع .. زين لي لقوا واحد يلصقونج فيه .. مسكين حاله هالولد العم ..
ضحكت دانة هي و نورة و عفرا .. فيما تقلب المها نظرها بينهن بهدوء ،،
لم تسمع ما يقال .. و لكن هذه الضحكات عنت شيء واحد ..
.. ها هم يعودون لسابق عهدهم ببطء ،،
قالت حور بغل ..
- جب زين .. يلصقونيه أونه .. يحمد ربّه و الا وين يطول ظفريه ؟؟!
لوحت نورة بيدها ساخرة ..
- هيه وين يطوله .. المهم ترانيه حذرتاا .. و قلت لو حصلتي كائنين بشريين في المدرسة نفس الديزاين لا تروعين هاييلا خواتيه بعد .. و........
بترت كلماتها و هي ترى نايف يدلف من الباب مسرعا .. وقع ناظره على أخواته اللوتي يجلسن في الحوش .. اقترب بسرعة قبل أن ينظر لحور باهتمام ..
- حور ..
- هاا حبيبي ..؟؟
ألقى بكلماته بسرعة ..
- ريلج يباج ..
فغرت فاهها و هي تنظر له دون أن تفهم ..
- شوه ..؟؟
أشار بيده بلهفة ..
- غيث ولد عميه علي .. في الميلس عدنا .. لقيته في المسيد ياي صوبنا و قربته .. قاليه سير ازقر حور ..
كانت حور مذهولة عاجزة عن الكلام و هي تحدق بوجه أخواتها .. دانة تحتضن وجهها بكفيّها بصدمة .. و عفرا اعتدلت جالسة فورا تنظر لوجه حور .. فيما ضحكت نورة بقوة .. المها تنقل بصرها جاهدة لفهم ما حمل نايف للتو .. كانت نورة تهتز بقوة ..
- ههههههههههههههه .. طريت الأقط قاي ينط .. لو طارين مليون ..
تجاهلتها حور و هي تشعر باللون يهرب من وجهها .. و عينيها الجاحظتين تتسعان بتوتر ..
- هذا شوه يايبنه .. شوه يبا ..؟؟!!
عفرا تضع أناملها على شفتيها و هي ترد بتفكير ..
- أكيد عسب سالفة أخوه لي كل يوم و الثاني و انتي رايغتنيه ..
وضعت حور يدها على صدرها بجزع .. لا تدري لما دب القلق في روحها .. لماذا تتوتر .. هل هي خائفة منه ..؟؟ هل تشعر بأنها تمادت في صد محاولاتهم لتقديم المساعدة .. أم كل هذا لأنها كانت قد اصطدمت بقسوته ذات صدفة ..!
نفضت كل هذا من ذهنها .. و هي تشد من عزيمتها تنظر لعيون اخوتها المتعلقة بوجهها و هي ترفع رأسها بكبرياء .. لن يخيفها هذا الرجل .. و سترد عليه كما ردّت على أخيه مسبقا .. لا حق لهم أبدا في التدخل أو ادعاء القربى . اكتفوا من هجرهم طوال تلك السنوات .. نهضت من مكانها و هي تشعر بارتجاف قدميها لتختفي بالداخل لدقائق قبل أن تخرج و هي تحمل غطاء رأسها .. أمرت نايف بحزم ..
- أنا بظهر له .. سير ارقد باكر دوام ..
شعرت بانها تريد أن تتظاهر بأنها لا تخشى شيئا .. و أنها تسيطر على الأمور .. نظرن لها أخواتها بحذر قبل أن تقول دانة بحذر ..
- تبينيه أيي وياج ..
ابتلعت حور ريقها و هي تقول ..
- ما يحتاي .. أنا بدبره .. دقايق و برد ..
و توجهت نحو المجلس .. شعرت بالمسافة قريبة جدا .. توقفت لبرهة عند الباب و هي تلف غطاء رأسها بإحكام .. فكرت بأن ترده على وجهها كما اعتادت .. لكنها شعرت بسخافة الفكرة .. سيسخر منها حتما أو سيقدم على حركة كريهه كما فعل مسبقا .. سحبت نفسا عميقا و تبعد ذكرى تلك المواجهه .. الحقيقة انها لا تذكر لقاءهما في ذاك اليوم المشؤوم .. كل شيء استحال في ذهنها إلى ضباب لا ينقشع ..
شدت قبضتيها و هي تحاول خنق نبضات قلبها المذعورة .. راحت تدفع قدميها دفعا للدخول الى المجلس .. حال وقوفها بالباب كافحت بشدّة رغبة تدفعها للهرب للداخل .. و هي تراه يجلس أمامها مسترخيا و جسده الطويل يقابلها مشغول بشيء ما في يده .. شعرت بأن الكلمات لا تخرج من حلقها و هي ترفع يدها لتطرق الباب .. و صوتها الهامس بالكاد يسمع ..
- السلام عليكم ..
غبية .. حمقاء .. لماذا ارتعش صوتها هكذا
هل لاحظ كم بدت ضعيفة و متوترة يا ترى ؟؟..
رفع وجهه اليها و عينيه تضيقان بحدة و هو يسلط نظرة متمهلة عليها .. بدا و كأنه يقيّمها ببطء و ابتسامه غريبة تناوش شفتيه و هو يقول يرد ببرود ..
- و عليكم السلام ..
سرت رعشة على طول ظهرها و هي ترى انعكاس الصقيع في عينيه .. لم ترد أن تهزّها هذه النظرة فظلت تقف داخل المجلس قرب الباب .. و هي ترفع أنفها بعنفوان تخفي رعشة يديها و تعقدهما على صدرها .. لا تدري لما هابها مرآه هكذا .. ابتلعت ريقها و و ي تحاول أن تخرج صوتها قويا غير مهتز ..
- نعم ..؟؟.. خير ان شا الله ..؟؟
.
.
يمعن النظر إليها و عيناه المتكاسلتين تجولان على وجهها .. لن يغفل رجفة يديها و لا اضطراب أنفاسها .. لماذا تتظاهر بالقوة في حين ترتعد خوفا ..
أشار برأسه آمرا ..
- يلسي ..
رفت أهدابها بتوتر .. قبل أن تقول بسرعة ..
- ما يحتاي انته ما بتطول .. قول لي عندك و اظهر ..
شعر بظهره بتصلب بقوة .. و عيناه تقسوان و هما ترتكزان على وجهها ..
حسنا حسنا .. ها هي القطة الصغيرة تبرز مخالبها .. فليفسح لها مجالا لمحاولة خدشه قبل تقليم أناملها اللطيفة ..
لم تخبو ابتسامته الجليدية و هو يقول بصوت متسلط ..
- ليش رديتي الأغراض لي مطرشينها لكم .. ؟؟
كان ردّها فوريا و كأنما رددت الكلام مرارا و تكرارا و حفظته عن ظهر قلب ..
- لنا ما نبا شي منكم .. الله يغنينا .. نحن هب في حايتكم .. لو عندك غير هالسالفة قولاه .. و الا توكل على الله ..
احساس بأنها تدوس على لغم سيطر على شعورها و هي ترى وجهه يشتد قسوة .. نفضت الخوف عنها و هي تراه ينهض ببطء من مكانه .. أرعبها مرآه بهذا القرب و جسده الطويل المديد يقترب ببطء .. بدا أن حضوره يملأ المكان .. فبدا المجلس ضيقا كما لم يكن قبلا .. كان يشرف عليها و هي تقاوم كي لا تفر من المكان .. لا زالت تشمخ بأنفها و قلبها يخفق في عنقها بعنف ..
تبا .. لماذا يبدو مخيفا هكذا ..!!!!!
كان صوته هادئا خطرا و هو يسألها بنعومة خطرة ..
- شوه ؟؟! تروغينيه ..!
ارتجفت حور و هي تشد يديها المقودتين .. تحاول أن لا تشيح بوجهها .. ارتجف صوتها رغما عنها و هي تقول ..
- اسمع .. أنا قلت لي عنديه .. نحن ما نبا شي منكم .. و ما نبا علاقة بكم ..- ابتلعت ريقها قبل أن تندفع و تقول بسرعة و صوتها يرتفع - نحن ما شفنا حد منكم طول حياتنا .. الحين بس تذكرتوا .. خلوكم ناسين الين ما نموت ما شي بيظركم .. أصـ ..
بترت كلماتها و هي تشهق بقوة حين مد يده فجأة ليقبض على مؤخرة عنقها ..ارتعشت و هي ترى عيناه تضيقان بقسوة .. بدت مخيفتين في تلك اللحظة و هي تحاول تحريك رأسها يمنة و يسرة لتنفلت من قبضته .. أحنى رأسه و هو يقول بصوت منخفض أخافها ..
- لا .. لا .. وين الأدب .. يوم بترمسين ويايه ما ترفعين حسج تسمعين ..؟!
ابتلعت ريقها دون أن تجيب تحاول جاهدة الاحتفاظ ببقايا قوتها قبل أن تنهار تحت ضغط يده بارتياع .. مد يده الأخرى بتسلط و هو يسحب غطاء رأسها و هي تتشبث به بقوة تحاول التمسك ببقايا شيء من درعها هذا .. و هي تغمض عينيها رغما عنها .. و ترفض بصوت مرتفع ..
- لااا ..
و لكنه كان قد انتزع غطاء شعرها و هو يلف في يده و ينتصب في وقفته ..
- و شعرج مرة ثانية لا تغطينه عنديه ..
رفعت يدها تغطي شعرها بيدها و كأنما تسعى لستره و خصلات خائنة تنزلق على جبينها و جانب وجهها.. شعرت بألم يوخز روحها .. لا تدري لما راودها احساس بأنها جرّدت من كرامتها بهذا الشكل المهين ..
أخفضت بصرها حين شعرت بدموع مذلة تملأ مقلتها .. و صوته الرجولي الغليظ يتدفق لمسمعها ..
- باكر بطرش السامان مرة ثانية و لو رديتيه ما بتلومين الا نفسج .. من اليوم و رايح أي شي ييكم من صوبنا تشلينه .. و بنفتح لكم حساب و بتييج البطاقة عسب لو قصر عليكم شي يكون عندكم لي يسد حايتكم ..
لم يكن يطلب رأيها و لم يكن يطلب منها .. كان يأمرها ..!!
عاد يقول بشيء من البرود ..
- هالشي بتم الين ما تخلص أمج العدة عقب أربع شهور .. خلاف بتنتقلون البيت العود .. و بتسكنون هناك ..
همست دون ادراك ..
- البيت العود ..؟
رفع حاجبه بتحدي ..
- بيت ابويه سيف ..
تدلى فكّها بصدمة و عيناها تتسعان .. لا .. لا يمكن أن تصل الأمور إلى هذا .. شدت قبضتها لصدرها .. و هي تقول بغيظ ..
- و منوه قال لك اننا نبا نعيش وياكم ..
ابتسم بسخرية .. ما بال هذه الطفلة الغبية لا تنفك تصارعه على ما لا حيلة لها فيه ..!
- و منوه قال لج انيه أخيرج ..؟؟
شمخت برأسها و هي تستجمع ما تبقى من قوة في نفسها و تقول ..
- نحن ما بنسير مكان و ما بنشبر من بيتنا .. هذا بيت ابويه الله يرحمه .. ما بنودره ..
نظر لها و كأنما لا يجد معنى لما تقول ..
- لا يا حلوة بتودرونه ..
تمنت لو أنها تحمل حجرا لقذفتها على رأسه المتعجرف .. صاحت بانفعال ..
- هب ع كيفج ..
التفت لها بهدوء أخافها ..
- أنا ما قلت لج لا ترفعين حسج ..؟!
ارتاعت من نبرته و هي تعود خطوة للوراء .. و لكنه أمسك بذراعها بقوة .. و هو يسأل بصوتٍ منخفض ..
- اذا هب ع كيفيه . ع كيف منوه عيل ..؟؟ نسيتي انيه ريلج .. أروم الحين أشلج بيتي و انتي ساكته و محد بيقوليه شي .. شوه بتسوين عقب .. منوه بيتم ويا خوانج و أمج ..؟؟
كان هذا تهديدا سافرا .. الحقير .. جرت ذراعها من قبضته .. لماذا يجد حرية في لمسها هذا الكريه .. لا حق له في رؤيتها ..
لا حق ..!!
رغم كل هذا راحت تكابد رعبا اجتاحها .. و هي تقول بصوت خائف ..
- ما تروم ..
مال برأسه ببرود ..
- جربيني ..
ابتلعت ريقها .. تشعر بأنها محاصرة .. يائسة ..
و مذعورة ..
- نحن ما نريد نعيش وياكم ..
نظر لها بهدوء ..
- بس بتعيشون ويانا ..
نظرت له بتحدي و هي تكشف الورقة الأخيرة ..
- أمايا ما بتخلص العدة عقب أربع شهور .. أميه حامل عدتاا الين ما تربي يعني تقريبا 7 شهور ..
الآن تشعر بانتصار خفيف و الدهشة تغزو محياه لبرهة قبل أن يقسو من جديد و هو يسأل ..
- حامل ..؟؟!!
- هيه ..
نظر لها متمعنا للحظات قبل أن يقول بابتسامة غريبة ..
- و شوه عليه .. نرقبها تخلص العدة عقب 7 شهور..
شعرت بضيق يكتنف صدرها .. و اختناق شديد .. راحت تبلع عبرتها بتخاذل و هو يقول بتعالي ..
- المهم .. أنا ييت و لي عنديه قلته .. مابا عيدها الرمسة لي ياج لا تردينه .. تسمعين ..
ماذا تقول ..؟؟!
عاد يسأل بقسوة و صوته يرتفع ..
- تعسمعين و الا لا ..
همست بصوتٍ ضعيف ..
- أسمع ..
مد يده الكبيرة ليلتقط خصلة من شعرها انفلتت بين أصابعه الطويلة .. لتبعد رأسها بسرعة قبل أن يشدها دون اكتراث .. فتأوهت متألمة .. قبل أن يبتسم برضا و هو يقول ..
- و تيلفونج بطليه .. ماريد أتصل و ألقاه مبند ..
.
.
خرج تاركا اياها واقفة للحظات قبل أن تجلس على الأرض .. حين لم تعد قدماها تقويان الوقوف ..
قلبها يخفق بعنف و دموعها تتزاحم على شفير المقلة بيأس ،، شعرت بالأنفاس لا تصل لرئتها و وحزن رهيب يكتسحها ..
.
.
رباه ..
ماذا كان هذا ..؟!!
ما الذي حدث للتو ..!

* * * * *

.: المــاس :.
30-11-2007, 11:51 PM
الخطـــــــــــــــوة السابعــــــــــــــــــة .. }

[ .. خطوات أضناها المسير ..! ]




ضوء ضئيل يتسرب من بين الستائر ليكشف عن جسدها الذي تكور فوق أريكتها الوثيرة .. و هو يهتز ..
توقفت عن الانتحاب ،، و أصبحت دموعها تسيل بصمتٍ الآن ..
وقع خطوات يقترب من غرفتها قبل أن تتعالى صوت الطرقات على الباب .. يتبعها صوت أمها مناديا ..
- شيخة .. شيخة .. ما تبين غدى يا أميه ..
ازدادت دموعها بالانهمار .. لا تريد الغداء .. تريد أن تموت ..
صوت أمها يعود للنداء مجددا و هي تهوي بقبضتها على الباب بلا رحمة ظنا منها أنها نائمة ..
- شيخة .. شيخة ..
مدت ظاهر كفٍ مرتجفة تمسح شيئا من الدموع التي شقّت طريقا على وجنتيها .. و هي ترفع صوتها المبحوح ..
- ماااباااا الغداا .. أبا أرقد ..
صمت تبع كلماتها .. إذا ذهبت ..!
استوت جالسة في مكانها و هي تضم ركبتيها .. تشعر بأنها محطمة .. لقد أحبتها من كل قلبها .. عشقت وجودها في حياتها .. أمضت ثلاث سنوات معها .. تعيش كل لحظاتها .. كي تأتي تلك الحقيرة الصغيرة .. تلك الخائنة القذرة .. لتقول ببساطة أنها لم تعد تحبها و تنوي الزواج .. اشتدت قبضتها مع انهيار دموعها ..
لماذا ..؟! ما الخطأ الذي ارتكبته لتستحق مثل هذا الألم ..؟ لم تقم بخيانتها قط .. لماذا إذا جازتها بهذا الفعل ..
انهارت أنفاسها و هي تنشج بقوة .. لا تستطيع أن توقف التفكير بالأمر .. تريد إيجاد سبب واحد لما حدث ..
هبت واقفة من مكانها و هي تمشي ببطء شديد كالميتة ،، تصل لطاولة الزينة العملاقة ..
لتفتح درجها بعينين لا ترى .. و الغرفة الكبيرة لا تزال غارقة بالسواد .. تجد غايتها المنشودة لتلتقطها بيد و هي تفلت شعرها باليد الأخرى قبل أن تجره بقسوة .. و عبراتها تتدفق بعذاب .. صوت اصطكاك الحديد الخافت يصل لمسامعها و هي تشعر بالخصلات تنزلق من بين يديها ..
تتهاوى من علو ،، بلا إحساس ..
.
.
كما تفعل هي الآن ..!

* * * * *

- ضاقت يا فاطمة ..!
قالتها تعلن اليأس و قد أسقطت يدها .. مر أسبوع مذ التقته و أفجعها بالحكم الذي أصدر على عائلتها .. و من يومها تخنق هذا الخبر في طيات نفسها .. لم تجد الشجاعة بعد لإعلامهم بالأمر ..
لا تعلم سبب جبنها .. هل هو خوف من أن يوجعهم الخبر كما أوجعها .. أم أنها تخشى خيبة في حماس قد يبدوه نحو أولئك الغرباء ..؟!
لم يبد على أحدهم الرفض حين أتت ابنتهم إلى هنا باستثنائها .. زفرت باختناق و هي تشعر بحدود الكون تتقلص في عينها لم تبدو أبعد من جدار بيتهم هذا و هي تجلس في - الحوش - .. قبل أن تمد فاطمة لتشد على يدها و هي تقول بصلابة ..
- ما ضاقت إلا و فرجت يا حور ..
همست حور ببؤس و هي ترفع نظرها للسماء الصافية ،،
- وينه الفرج ؟؟ كل ما قلت هانت تعاندنيه همومي .. المشكلة انيه ما رمت الين الحين أخبرهم عن شي .. مادري شوه بتكون ردة فعلهم ؟؟ ما يسدهم لي صار ببويه ..! و الله ماروم أقولهم انه عقب ما تربي امايا حسبوا حسابكم بنظهر من البيت لبيت يدكم لي ما قد شفناه ..!ها كله كوم و العله لي يقال له ريلي كوم .. تخيلي الحين غصب كل ما طرشوا شي أخلي هنديهم و الا خوهم ها لي قد رغته يدخلونها ..
عقدت فاطمة جبينها بعدم فهم ..
- أنا مادري ليش انتي خايفة منه ..!!
هزت حور رأسها بقلة حيلة ..
- لنج ما شفتيه و ما قد جربتي تتعاملين وياه .. هذا بس نظراته يوم يطالع روعتنيه .. غير اسلوبه في الكلام .. ما تقولين غير بشكارة أبوه .. يتحكم و يتأمر ع كيفه .. لو غيره كان وقفته عند حدّه .. بس هذا غير و الله انه خوفنيه .. خص يوم قال انه بيشلنيه و محد بيقول له شي .. حسيت انيه انشليت يا فاطمة ..!
ابتسمت فاطمة تطمئنها ..
- و ليش تتروعين ..؟؟ مالت عليج صدق انج مقصة ..! يشلج أونه .. شوه ما وراج ولي و لا والي ..؟؟
صمتت حور لثوانٍ قبل أن تسأل بصوتٍ ضعيف ..
- وينه الولي يا فاطمة ..؟؟
عقدت فاطمة جبينها تتحدها ضعفها ..
- و قوم خالكم أم مايد وين سارو ..؟؟
ابتسم حور بمرارة ،،
- خليها ع ربج .. و الا وين يرومون عميه بو مايد و عياله يحطون راسهم براس هاييلا .. ؟؟ نسيتي هم أعمامنا و ع قولتهم الأولى بنا .. و بعدين أنا ماخذة واحد منهم .. يختي هاييلا مستحيل شي يردهم .. و الا سنين فارين خوهم و هب ناشدين عنه .. لا تنسين انه مايد يشتغل عندهم ..!
عم السكون بعد كلماتها هذه للحظات طالت .. قبل أن تقول فاطمة بحذر ..
- حور ما تلاحظين انج ماخذة موقف منهم ..؟ يعني يمكن نيتهم سليمة و نادمين ع لي استوا و يبون يعوضونكم عن القطاعة عقب عين أبوج ..؟!
التفتت لها حور بجمود .. و صوتها يستنكر ..
- نادمين ...؟؟!!! يختي أولا شوفي حركة العزا .. في ذمتج هاييلا نادمين ..! عنبوه ما حشمو أمايا و لا ظروفهاا .. شوفي ولدهم لي ياي يتعنطز عليناا .. انزين وينهم الأعمام ..؟؟ ما شفنا حد منهم من يوم ما توفى أبويه .. وينه هاليد لي ما نعرفه ..
هزت رأسها ببطء رافضة .. و يقينٌ عميق حفر على وجهها و هي تقول بقوة ،،
- كل شي .. كل شي يا فاطمة بتوقعه الا انهم يكونون نادمين ..!

* * * * *
يجد نفسه عاجزا الآن ،، لا حيلة بيده .. لا يمكنه الاقتراب منها بسهولة ليواسيها .. ليحوي حزنها هذا الذي حفر في محجري العين ..
ليمكنه إيقاف تلك الدموع الجامدة في مقلتها .. لا يمكنه أن يعيد الأيام إلى الوراء ليصحح خطأ سلبها الحياة ..
لم يعد للروح انعكاس في عينها ..! بدت كالميتة .. جسد تحركه الحاجة للاستمرار بالعيش ..
مخطئ .. بل هي الرغبة في الانحدار إلى النهاية .. ليحتضن التراب جسدها كما فعل مسبقا مع ابنها .. عندها ستكون في عالمه على الأقل .. لهما المصير نفسه ..
و لكن الآن ..
و هي تجلس هنا .. عيناها الشاردتين تنظران للأمام دون اهتمام لما ترى .. و لم يعد للحياة بريق ضئيل فيهما ..
وجهها الشاحب لا يعلوه أي تعبير و كأنما لا تراه هنا .. أو لا تريد أن تراه ..؟؟!
لم يكن هذا كله مهما .. المهم هو ذاك الوجع القاتل في روحه قبل روحها .. هو ذاك النصل الذي راح ينحر الروح ببطء مقيت ..
الألم الذي يسكنه أكبر من ألمها .. مات راضٍ عنها و راضية عليه .. و رحل و هو غاضب عليه بعد أن نفاه ..
بعد أن انتزعه من هنا .. من بين أهله .. أمه .. إخوته .. بعد أن حرمه العيش بينهم .. حتى بعد أن فعل ما أراد ..!
كان موته الآن .. دون أن يجد الوقت ليصفي حسابهما .. ليسامحه .. ليغفر كل منهما للآخر ..
دون أن يجد الوقت ليعيده إليه ..
دون أن يمهله الزمن حتى يلتقيه مرة أخيرة .. ليفرغ ما في قلبه .. كم يتمنى لو يعود الزمان للوراء .. ليخمد هذا اللهيب الذي راح يلتهم كل إحساس بالحياة داخله .. ليروي هذا الظمأ الخبيث الذي راح يزداد بعد فقدانه له ..
.
.
لكن الزمن لن يعود ،، و تلك الأفكار السخيفة لن تفعل شيئا ..
ها هي زوجته هنا جسدا و الروح حملها ابنها الميت معه .. و ها هو الحزن يذبحهما ببطء .. هو حسرة .. ندم ..
و هي شوق و حنين للقاء ببارئها و بابنها البعيد ..
فلم تعد تريد من الدنيا سوى فراقها .. لتجد خلف حدود عالم الأحياء مبتغاها ..
أما الآن .. فبينهما برزخ لا يلتقيان .. كان حيّا على الأقل .. و تؤمن بان الأقدار قد تحمل في جعبتها لقاء سيعيدها حيّة ..
سيبثها الروح بعد أن قضت سنوات تتجرع كؤوس الانتظار المرّة بصبر لا ينتهي ..
الآن لم يعد هنا ..
رحل ابنها .. و رحل الصبر .. و رحلت هي أيضا رغم جسدها هذا ..
.
.
كل هذه الخواطر بلا معنى ..
كل هذا الندم لن يفيد ..
هذا الوجع سيستمر أبدا حتى يرحل هو بدوره ..
سيظل متوقدا بلهيب لا يخب ..
ستستمر آلامه أبدا .. جمرة غضا ..!

* * * * *

وقفن بالباب دون حراك يراقبن الموقف أمامهن .. كن قد وصلن للتو من المدرسة حين وجدن حور ممسكة بنايف في الصالة و مشادة حادة بينهما .. دانة و تعبير غريب يعلو وجهها تتجاهل الأمر و هي تتوجه لغرفتهن فيما ظلت عفرا و نورة واقفات بالباب يتابعن ما يجري ،، حور تهز نايف بعصبية و هي تصيح ..
- شوه سويت ارمس ..
نايف و صوته يعلو على حور تحت نظرات الدهشة من أخواته ..
- أقولج ماااسويت شي ما تسمعين ..
لكن حور لم تهدأ ..
- شوووه ما سويت شي .. و هالاستدعاء ان شا الله ..؟؟ ليش طالبين ولي أمرك ..؟
أشاح بوجهه و هو يرفع رأسه .. قامت حور بضربه بالورقة على كتفه ..
- ارمس يا الله ..
صاح بوجهها بقوة ..
- ما برمس .. تسمعين .. طالبين ولي أمري .. و انتي هب ولي أمري ..
تهدج صوته و هو يسحب الورقة بعنف من يدها و يشقها لنصفين .. و دموعه ترتجف على حدود الهدب ..
- و لي أمري مااااات ..
ثم ركض للخارج تحت صدمتهن .. وضعت حور يدها على رأسها بذهول ... يا الهي .. ما الذي دهاه ..؟؟ أو بالأحرى ما الذي دهاها .. ؟؟ كيف أصبحت بهذه العصبية .. التفكير يوترها و أصبحت تجد في إخوتها و المشاكل متنفسا لضيقها .. أغمضت عينيها و هي تسحب نفسا مرتجفا .. تشعر بدموعها قريبة .. أين ذهب الآن أخوها .. الوقت ظهرا و الحرارة في أوجها .. لم يتناول الغداء حتى ..!شعرت بيد توضع على كتفها .. فتحت عينها لتجد عفرا و نورة قد اقتربن منها .. لتقول الأخيرة ..
- لا تضيقين صدرج يا حور .. نايف ياهل ..
قالت حور بألم ..
- أنا هب زعلانه منه .. زعلانه عليه و على حاله لي انقلب من يوم ما اتوفى ابويه .. غادي متمرد .. ما يبى يسمع شور لحد ..! مادري شوه مشكلته ..مادري ،،
شدت عفرا على كتفها بهدوء ..
- ما عليج أكيد متأزم شوي لنه كان متعود روحاته كلها و يياته ويا أبويه .. و كان الله يرحمه دوم ما يخليه ييلس ويا البنات وايد .. أكيد الحين متضايق لنه يشوف البيت كله بنات ..
ثم همست ..
- بس انتي بعد .. خفي الدوس عليه .. وايد غادية عصبية وياه .. كله صريخ و ظرابه .. ترى الصوت بالصوت ما بيحل شي .. قدري انه الولد يمر بمرحلة حرجة الحين ..
هزت حور رأسها بيأس ..
- أقدر و الله أقدر .. بس هو هب ياي ويايه لا بالشدة و لا باللين .. مادري شوه الحل وياه .. الحين يايبليه ورقة استدعاء ولي أمر من المدرسة عسب مشكلة مسونها هناك .. و ما طاع يقوليه شوه مستوي .. !!
أمسكت بجانب رأسها و هي تشعر بصراع شديد .. أكان صراع .. أم صداع .. لم تعد تدري .. كل ما ترغب به في هذه اللحظات الكريهة هو أن تأوي لفراشها و تتدثر لتنام حتى تتغير الأمور أو تعود لنصابها ...!
- سيرن بدلن .. أنا بحط الغدا و أزقر أمايا و البنات ..
.
.
دلفن للغرفة لتقع عين عفرا على دانة التي كانت تجلس على فراشها و شرود حزين يعلو وجهها .. رمت حقيبتها و راحت تخلع عبائتها و هي تسأل بهدوء ،،
- بلاج ..؟؟

رفعت دانة نظرها و هي تقول بصوت غريب ..
- وايد أشياء تغيرت ..!
تجنبت عفرا النظر اليها فيما توقفت نورة عن إخراج ثوبٍ لها و هي تنصت لدانة .. سألت عفرا مجددا و هي تدير لها ظهرها ..
- مثل ..؟؟
هزت دانة ..
- عصبية حور .. نايف ما كان يطول لسانه و لا يرفع صوته كذيه .. المها كله الحين تيلس عند أمايا .. !!
لم ترد أي منهما على ما تقول .. و ساد صمت صاخب في الغرفة .. لا يقطعه سوى حركتهن فيها ،،
و دانة تحني رأسها ببؤس .. ما لم تشر إليه حقيقة هو تلك الغصة التي تخنقها الآن ..
ذاك الحقير أصبح يتبعهن أيضا لباب البيت .. لم يعد خوفه من أبيهن يمنعه الآن ..!

* * * * *

ابتسمت أمه بحنان شديد و هي تمد يدها بفنجان قهوة .. كان لا يزال يرتدي الملابس الرسمية للشرطة .. و فضل الجلوس معها قبل أن يذهب ليرتاح قليلا .. التقط الفنجان بهدوء و قد بدا عليه التفكير العميق ..
اصبح كثير الشرود و التفكير هذه الأيام ..!
لا يلومنه أحد .. فقد تأخر غيث كثيرا بالرد عليه .. ها هو شهر قد مر مذ أخبره عن رغبته في التقدم لخطبة أخته .. و لكنه لم يرد له جوابا حتى الآن .. !
تنهد بصبر ،، لن يتصله به الآن .. لن يعجزه صبرا .. ما زال الوقت مبكرا على كل حال .. فلم يمر على موت عمه بعد سوى شهر ..!
.
.
- حوووه ،، الحبيب .. وين وصلت ؟؟!
رفع رأسه متفاجئا ليجد أن أخويه يجلسان امامه ،، لم يشعر بهما حتى صاح به هزاع .. الذي تابع هازئا ..
- سلمنا.. و يلسنا و تقهوينا و قلنا قصة حياتنا و انت سرحان .. - ثم غمز بعينه يقول بخبث - لي ماخذه عقلك ..
اهتز الفنجان في يده بارتباك ،، شعر بالذنب الشديد و لا يدري سبب هذا الإحساس .. رفع هزّاع حاجبه بعجب .. و أيقن أنه أصاب سهما في الظلام ..!
لم يشأ أن يحرج أخاه الأكبر لذلك استدار لأمه ..
- يوم الخميس أنا بسير ويا الربع كشته .. و بنتم هناك الين الأحد ،،
رد سيف فورا ..
- كشته وين ..؟ و منوه هالربع ..؟
ابتسم هزاع بمكر .. يبدو أن سيف قد سيطر على الأمر لذلك أجاب ببساطة ،،
- ربعيه لي تعرفهم .. قوم مطر ،، و أحمد طبعا ويانا .. بنسير الشمالية ..
نظر له سيف متمعنا بصمت و بدا أنه يريد قول شيئا و لكنه تراجع أخيرا يلتفت لحارب متسائلا ،،
- كم باقي لكم ع امتحانات آخر السنة ..؟؟
وضع حارب كوب الماء يرفع رأسه لأعلى ..
- باااااقي .. آآممم .. تقريبا شهر و اسبوعين .. الحين يدربوناا ع السيبا ..
تذمر هزاع ..
- يدربونكم ..!! حليلكم و الله .. نحن كانوا يفروناا في قاعات و ما ندري وين الله حاطنا .. كل مدارس العين يلخبطون أسامي طلابها .. و تلقى عمرك اروحك في هالقاعة محد من أخوياك قريب يغشش !! و يحطون دفتر ما تعرف كوعك من بوعك فيه .. حد من الشباب يكتب في الدفتر .. و آخر شي يقولون هذا للأسئلة بس و الحل في الثانية أم دواير ..
ضحك حارب و هو يغمز بعينه لأمه التي كانت تستمع لهم بحب ..
- احلف انك هب الثور لي حليت في ورقة الأسئلة ؟
نظر له هزاع شزرا ..
- تخسي .. انا كنت يالس و ما عنديه وقت في القاعة .. كل ما ييت أبا أحل .. حد دزنيه و الا فر عليه ورقه .. قلم .. جوتي مرات عادي تصير تراها - ثم أخفض صوته مقلدا- هزاع .. هزاع .. غششنيه ..غششنيه ..
- رب ما غششت المساكين ..؟؟ أنا أقول نسبة الرسوب في السيبا مرتفعة في دفعتك ..
رفع هزاع حاجبه ..
- احلف و الله - ثم التفت لسيف الذي عاد للشرود مجددا - لا لا .. يا خويه .. حالتك صعبة و الله .. مالها إلا حل واحد ..
و التفت لحارب بخبث و قد رفع سيف رأسه بهدوء .. ليتابع هزّاع بضحكة ..
- العرس ،،
احمر وجه سيف فورا و هو يقول بحنق ،،
- جب ..

* * * * *

لا يزال أمامه نصف ساعة أخرى قبل انتهاء دوامه .. لذلك تراجع إلى الخلف قليلا عن مكتب الاستقبال الرخامي الأملس و هو يلصق الهاتف في أذنه ،، و يجيبها مطمئنا ،،
- خلاص و لا يهمج ,, أنا برتب أموريه مع حد من لي هنيه عسب أتـأخر باكر و أسير وياه المدرسة .. ما قال لج شوه مسوي ..؟؟
صوتها يصله عبر الهاتف مهتزا ،،
- لا ما قال يا مايد .. نايف هب لولي .. هاي أول مرة ييب استدعاء و الا يكون عنده مشاكل تعرفه هو من الأوائل ..! و دومه شاطر .. بس الحين غير ..
تهدُّج صوتها كان واضحا ..
- من عقب عين ابويه .. و هو ما يمسك الكتاب و غادي أذيه .. و ما يحشم حد .. مادري شوه لي قلب حاله ..!
شعر بقلبه ينغزه من النبرة الكسيرة التي لمسها في صوتها .. بدت عرضة للانهيار أمام ما يواجهها من ضغوط .. أين لفتاة مثلها يلقى على عاتقها بحملٍ مثل هذا مقاومة ..
- ما عليج منه .. أنا أول ما شوفه برمسه .. الحين انتي دوم مبطله تيلفونج ..؟؟
- هيه ،،
اعتذر منها ،،
- أدري انيه مبطي ما ييتكم .. بس الدوام كراف هالايام و أمايا طايحة من هالحمى لي ما ترحم العرب .. أول ما أحصل فرصة بسير عليكم .. اما عن باكر فخليه في البيت يرقبنيه و أنا بخطف عليه أوديه المدرسة و أشوف سالفة الاستدعاء .. انتي بس لا تستهمين ..
.
.
لحظات صمت مطبق قبل أن يأتيه صوتها الهامس بامتنان ،،
- مشكور يا خوي ..
و أيقن أنها تقاوم دموعها ..!

* * * * *

تأكدت من أن الغطاء يلتف جيدا حول رأسها و هي تنزل الدرج العملاق الذي توسط ردهة البيت الرئيسية ترفل في ثوبها الناعم الذي لم يكن يعكس شيئا من حقيقتها أو ما تشعر .. اقتربت ببطء حيث تعالت الأصوات لتجدهم يجلسون جميعا جنبا إلى جنب .. صمتوا حال وصول و هي تسلم بهدوء ..
- السلام عليكم ،،
رد الجميع سلامها و هي تواري وجهها .. تمنت من قلبها أن لا يلاحظ أحدهم احمرار عينيها و انتفاخها .. توجهت رأسا نحو أخاها الأكبر الذي توسط الجلسة بجانب أبيهم .. مر ما يقارب الأسبوعين مذ رأته آخر مرة ..!!
رغم تغيبه عن البيت و حضوره النادر .. إلا أن رهبة تسكنها حالما تقع عينها عليه أو تجلس بوجوده .. تشعر بأنه قد يفضح بعينيه الحادتين شيئا تخفيه ..!
سلّمت عليه بارتباك و جلست بجانب روضة التي تجلس جواره .. رفعت عينها لهم لتصطدم بوجه أباها الذي اعتلاه العتب و هي يقول بابتسامة ..
-أفاا .. السلام لغيث بس ..؟؟!
قفزت من مكانها بتوتر ,, و هي تقترب لتسلم على والدها .. شعرت بالغباء .. لا تدري لما يخالجها الذنب الآن و يدفعها للارتباك ..! تأكدت و هي تعود لمكانها بأن الغطاء ثابت حول رأسها .. آخر ما تريده أن تفجعهم جميعا دفعة واحدة ..!
نظرت لأباها الذي وجه لها الحديث مباشرة و روضة تناولها فنجانا من القهوة ..
- شحالها شيختنا ..
ابتلعت ريقها و هي تتمالك نفسها بابتسامة و تتجاهل حامد الذي شخر ساخرا و همس بشيء ما ..
- بخير فديتك .. شحالك ابويه ..؟
- بخير يعلج الخير ..
نظر لها أخوها الأكبر و صوته الرجولي يرسل الرعشة في أطرافها .. تعلم جيدا أنه سيقتلها إن رأى مظهرها ذاك ..
- شحالج شيخة .. و شوه الدراسة وياج ؟؟
سددت نظرها لصدره متجنبة عينه الثاقبة .. و هي ترد ..
- الحمد الله .. و الدراسة زينة ..
رفع أحمد رأسه من وعاء الطعام الذي كان مستغرقا في الأكل منه و هو يلقي عليها نظرة ساخرة ..
- ما شا الله .. شوه أخت شيخة .. أسلمتي ..!!
ألقى عليه غيث نظرة صارمة ألجمته .. ليعود و يأكل بصمت .. الحقيقة أن تجمعهم كان مربكا نوعا ما و مملا للغاية فقد استغرق غيث و أباها في الحديث مطولا في أمور الأعمال التي يغرقان أنفسهما دوما بها .. لم يعتادوا كثيرا على التجمع معا كعائلة واحدة ..!!
يبدو أن المصادفة وحدها قد قادتهم إلى هنا .. تنهدت بضجر شديد و وقت طويل يمر قبل أن يرفع غيث رأسه لأختها الكبرى و هو يقول بصوت حازم ..
- روضة تعاليه ويايه ،،
انعكس القلق الشديد و الارتباك على وجه روضة الجميل و هي تجيل بصرها في الفضول الذي علا محيا من حولها ..
تأملتها شيخة بهدوء ..
على الأقل تبدو روضة على قدر كبير من الثقة و الشجاعة .. فلو وجه إليها غيث هذه النبرة و الكلمات ..
لإنهارت فورا معترفة بما لم تفعله ..!!

* * * * *

- انتي تخبلتي ...!!!!!!!!!
صاحت بتلك الكلمات مستنكرة و هي تنظر لوجه أختها الذي بدا مصمما بقوة و تدور في الغرفة الضيقة .. و هي تصر مجددا ..
- لا ما تخبلت .. هالقرار أنا مقتنعة فيه .. حور خلاص أنا صرفت نظر عن الجامعة ..
كانت حور تلهث من الصدمة ..
- هب ع كيفج .. انتي ما تعرفين مصلحتج وين .. تودرين الجامعة و نسبتج ما تقل عن 95 ..!! مينونه انتي .. أنا ما عليه حسافة و الدراسة عايفتنها .. بس انتي .. !!
هزت رأسها برفض قاطع ..
- عفاري .. انتي تدرسين من 12 سنة .. لا تيين عند الأهم و تخلينه .. الجامعة شهادة و مستقبل .. بتنفعج و بتنفعنا ..
و لكن عفرا بدت أكثر من مؤمنة بتلك الفكرة اذ قالت بهدوء تواجه عاصفة رفض حور ..
- أنا ما ريد هالنفعة .. ابا ايلس في البيت ..
نظرت لها حور بقوة ..
- تيلسين في البيت شوه تسوين هاا ..؟؟ تغسلين و الا تنظفين ..؟؟؟
نظرت لها عفرا بغرابة دون أن ترد .. و لكن حور أشارت باصبعها آمرة ..
- دراسة بتكملينها يا عفرا .. و يلسة في البيت ماشي ..
و رفعت رأسها تنتظر اعتراضا .. و لكن صوت عفرا الهادئ صدمها ..
- حور .. بلاج ..؟؟
توقفت عن المشي العصبي .. و هي تلتفت لأختها دون أن تفهم .. و لكن عفرا لم تضف كلمة واحدة .. شعرت حور بالدوار في تلك اللحظة .. شيء ثقيل جثم على أنفاسها و إدراك واحد يترسخ في ذهنها .. أصبحت تتجرد عن نفسها ببطء .. تعالج الأمور بعصبية و قلق .. التوتر يلازمها كل حين .. حتى النوم لم يعد يجد السبيل لعينيها ..!
جلست بتعب على فراشها .. تكبح رغبة عارمة في التدثر بالغطاء و البكاء تحته للأبد ،، لا تعلم حقا ما الذي دهاها .. ما هو هذا الإحساس الذي ينتابها طوال الوقت .. الخوف .. الترقب ..
أم أنها مقاومة .. ؟!
تقاوم ماذا يا ترى ..؟!
هي نفسها لا تعرف .. لا تعرف شيئا .. كل ما تعرفه أن هذا الحمل ثقيل ..
ثقيل للغاية .. و أنها لم تعد تقوى المواصلة .. متأكدة بأنها قريبا ستصل للانهيار ..
ليست صلبة بما يكفي و إلا لتصدت لذاك الدخيل الذي قرر ببساطة سلبهم حقهم في تقرير الحياة .. و أصبح يتسلط بقراراته ،، و يصدر الأحكام كيفما يشاء ..
.
.
فتح باب الحجرة لتطل نورة من خلفه .. تدير عينيها في وجهيهن و هي تقول ..
- زين و الله عفاري بعدج على قيد الحياه ..- ثم التفتت لحور - تحريتج ذبحتي عفرا يوم صخيتن فجأة ..!!
أدخلت دانة رأسها من خلف كتف نورة ..
- حتى أنا ..!! حور .. أم عتيج لي آخر الحارة تسلم عليج و تقول قصري حسج ..
لم تجد حور في نفسها الرغبة في الابتسام ما زال رأسها منخفضا .. حين دلفت نورة و دانة الغرفة تتبعهن و لدهشة حور المها .. قبل أن تسألهن ..
- انتن سمعتن صوتي .. المها شدراها ؟؟
أجابت نورة بسرعة ..
- تراه صريخج وصل لطبلة المها بعد .. المهم .. شوه السالفة الحين ..
تجاهلتهن حور لتلتفت للمها و هي تشير بيدها و تتحدث بصوتٍ عالٍ ..
- عفراااا .. ما تباااه ترووووح .. الجاااامعة .. بتم .. في البييييييت ...
اتسعت عينا المها و هي تضع أناملها على شفتيها بصدمة و شهقت نورة و دانة معا قبل أن تقول الأخيرة بذهول ..
- عفاري صدق ما بتخلصين الجامعة ...!!!!!
هزت عفرا رأسها رفضا و هي تقول بصوت قاطع ..
- هيه .. ما بدرس في الجامعة بخلص الثانوية و بيلس في البيت ..
نظرت لها المها غير مصدقة و هي تدير سبابتها بحركة دائرية قرب صدغها .. لكن عفرا لم تجب .. كانت تحني رأسها بهدوء .. قالت حور بقوة ..
- أكيد مينونه .. و الا علمي و بهالنسبة و تيلس في البيت .. شوه بتسوين .. تضيعين مستقبلج ..
نظرت لها نورة و هي تعقد جبينها و قالت بحذر ..
- انزين حور انتي ليش معصبة ؟؟
نظرت لها حور فورا ..
- يعني شوه تبينيه أسوي حبيبتي .. أدق معلاية و ايلس أرقص .. ختج تبا تهدم مستقبلها ..
ضحكت دانة ..
- حلوة .. بس لا تعيدينها .. عفاري ليش تبين تهدمين مستقبلج .. هب عايبنج الديكور ..
نظرت لها عفرا شزرا ..
- هب وقت سخافتج دندن ..
احمر وجه دانة و هي تصر بأسنانها ..
- دندن فعينج .. حور صادقة .. انتي من يوم يومج تكرفين في المدرسة كراف الويل .. الحين يوم يات على آخر سنة قلتي مابا أدرس ..!!
ضربتها المها على كتفها بخفة .. فالتفتت لها عفرا .. لا تدري لما شعرت في تلك اللحظة أن المها تعاني كثيرا .. فتاة ذكية في مقتبل العمر .. لم تتلقى من التعليم شيئا سوى ما لقنته اياه اختها الكبرى في البيت و ما استشفته من أكوام الكتب تلك التي تغرق نفسها بها ..! أشارت بيدها مستفسرة .. تطالب بإجابة على سؤال إلى الآن تجاهلنه جميعا .. الكل اعترض دون أن يسألها عن سبب القرار ..!
مسحت عفرا وجهها بكفيها .. قبل أن تسند فكها بهما .. و هي تقول ببطء ..
- انزين نفرض سمعت رمستكن .. و سجلت في الجامعة .. و بدت الدوامات .. الجامعة هاي ما يبالها مصاريف ..؟؟ لبس .. و لوازم دراسة .. و مصروف .. و عقب ما أتخصص يباليه جهاز و خط نت .. مادري شوه .. انتن تعرفن خرابيط البنات .. يعني حتى لو حاولت ما أصرف الفلوس .. لازم بيظهرليه شي يباله دفع ..
ثم نظرت لحور التي تدلى فكها من الصدمة .. و هي تقول ..
- الحين من وين لنا فلوس .. ؟؟ شؤون أمايا و تعويض أبويه يا الله يا الله يسدن مصروف البيت .. تبنيه بعد أسحب منه .. شوه بناكل نحن ..؟؟ رودس ..؟؟
وضعت دانة أناملها على خدّها بذهول ..
- صح و الله .. ما فكرنا فيها ..!! يعني أنا و نورة بعد بنيلس عقبج في البيت ..؟!!!
.
.
- لا ،،
التفتن لحور التي وقفت و هي تنفي ذلك بصرامة .. كان في عينها بريق تصميم جعل وجهها يبدو قاسيا و هي تقول بصلابة ..
- كلكن بتدخلن الجامعة و بتخلصن دراستكن و أولكن عفرا .. و الفلوس موجودة .. عدنا خير الحمد الله ..
قالت نورة بهدوء ..
- وين الفلوس يا حور .. انتي تعرفين ان ابويه الله يرحمه ما كان عنده غير معاشه من شغله ..!
نظرت لها حور بثقة ..
- ما عليج الا انج تخلصين الثنوية و تدخلين الجامعة .. الفلوس لي تبينها موجودة ..
نظرت لها دانة بابتسامة ..
- ليكون تعرفين مكان الكنز .. ما ظنتيه بس لو ناوية تصرقين دبي الاسلامي .. ترانا خوات .. ريليه على ريلج في اللين و الشدة .. بس القسمة ففتي ففتي ..
- لا ما بصرق شي - ثم التفتت لعفرا تقول بعتاب - و ماريد أسمع هالرمسة مرة ثانية .. لا تتحرن شي بيتغير علينا عقب ما توفى أبويه .. الحال هو الحال .. بس شدن على عماركن شوي ..
ثم نهضت من مكانها .. و هي تنظر لنورة ..
- امايا وينها ..؟؟
- يالسة في الحوش .. عندها مزنة و هند ..
تنهدت و هي تسأل ..
- و نايف ..؟
أجابتها دانة بدلا عن نورة ..
- بعده راقد في الميلس ..
قالت حور بهدوء ..
- خلاص عيل .. اظهرن يلسن ويا امايا .. و أنا بسير أوعيه قبل المغرب .. الله يعين كانه ما بيرقد الليلة ..!
خرجت من الغرفة متوجهة للمجلس مباشرة فيما خرجن المها و عفرا و نورة و دانة نحو أمهن و الأخيرة تنظر لعفرا و هي تضحك ..
- أونها عفاري مضحية .. وايد مأثرة فيج الأفلام ..
و لكن عفرا لم ترد عليها .. كان ذهنها مشغولا بالطريقة التي قد تعمد إليها حور لإحضار النقود .. بدت واثقة و هي تصر بان إحضارها سهل ..
أمهن تجلس بهدوء على ذاك البساط ممزق الأطراف و يدها كالعادة ترتق أحد ثياب أبناءها أو تخيط شيئا لهم ..و أمامها قد وضعت صينية الشاي التي أعدتها المها مسبقا .. مزنة غارقة في حديث طويل تسهب في سرده على هند الذي بدا جليا أنها لا تستمع لها بل مشغولة بالمجلة الملونة التي بين يديها ..
جلسن جميعا و راحت نورة تسكب الشاي و توزعه و دانة تنظر لمزنة ..
- حوووه يا الحشرة .. صخي شوي ..
نظرت لها مزنة و وجهها الصغير ينعقد .. فتابعت دانة آمرة ..
- سيري المطبخ بطلي الثلاجة بتلقين البسكوت و الكيك لي يابوه هيئة الهلال الأحمر ..
قالت مزنة و هي تضع اصبعا في فمها ..
- من هيئة هلال أحمر ..؟
دفعتها دانة بيدها و هي تقول ..
- عمامج حد غيرهم .. بسرعة .. سيري هاتيه .. و أول وحدة بنعطيها قسمها انتي ..!
اتسعت عينا مزنة و هي تقفز مسرعة للمطبخ .. استلقت نورة على البساط و هي تضع رأسها في حجر أمها التي ابتسمت بحنان و هي تمسح رأسها .. لترد تلك بابتسامة كبيرة ..
- فديتج و الله يا الغالية ..
ثم نظرت للبنات اللواتي بدا على وجوههن الشرود ..
- حوووه .. شعندكن كل وحدة في بلاد .. اسمعن .. ما تلاحظن شي ..؟؟
قالت عفرا بهدوء ..
- لا ما لاحظنا .. لاحظيناا ..
ضحكت نورة ..
- حلوة لاحظيناا .. من زمان ما لعبنا سحب بالخشبة ..
عقدت دانة جبينها ..
- صدق ما عندج سالفة .. منوه لي له نفس يلعب الحين ..؟؟ ما تشوفين ظروفنا هاي ..؟؟ - ثم نظرت لمزنة التي خرجت من الصالة تحمل في يدها كيسا - وين الصحن و السكين ..؟؟
قالت مزنة بدهشة ..
- انتي ما قلتيليه أييب صحن وسكين ..
قالت دانة بثقة ..
- قلت بس انتي ما تسمعين ..
وضعت مزنة الكيس جانبا و هي تجلس جوار هند ..
- لا ما قلتي ..
نظرت لها دانة بتحدي ..
- تكذبينيه ..؟!!!!
قالت هند دون أن ترفع عينها عن المجلة ..
- لا ما تكذبج .. تقول الصدق .. انتي ما قلتي لها هاتي صحن و سكين ..
نظرت لها دانة بضيق ..
- انطبي يا فيلسوفة زمانج .. و يا الله نشي انتي هاتي الصحن و السكين ..
قالت عفرا آمرة ..
- بس دندن .. تراج حشرة .. هندوه سيري هاتي الصحن و السكين حبيبتي ..
نهضت هند بعد أن ألقت نظرة جليدية على دانة التي لوحت بيدها ساخرة .. و التفتت لنورة بلهفة تسألها ..
- صح نوري نسيت أسألج .. شعندهن بنات صفكن .. شوه مسويات بمعلمة العربي ..؟؟ لقيتاا في الادارة تشتكي ..
رفعت عفرا حاجبا بانتقاد ..
- و حضرتج شوه تسوين في الادارة ..؟؟
- أتفقد أحوال الرعية .. هاا نورة شوه مسويات مسودات الويه بهالمسكينة ..
هزت نورة كتفيها ..
- ماشي يا غير حصتين ورا بعض تشرح و محد سوالها سالفة .. لي منهن تلعب .. و لي تسولف .. و لي ترسم .. و لي راقدة ..!
ابتسمت دانة و هي تنظر لعفرا بنظرة خبيثة ..
- و انتي شوه كنتي تسوين ..؟؟!
هزت نورة كتفيها ببساطة ،،
- كنت آكل ..!
نظرت لها عفرا باشمئزاز ..
- امحق طالبات علم و الله ..!!!!
- شوه تبينيه أسوي حبيبتي اذا ما كلت برقد .. أعرف عمريه .. يعني رسم كتابيه كله شخابيط .. لعب و الطاولة ما فيها الا اكس أووو .. و سوالف خلصن .. بس المشكلة هب منا ..
كتفت عفرا ذراعيها ساخرة ..
- لا حشى هب منكم .. من الوزارة .. ليش ما يابت أفلام و ديجي و مجلات و فتحت بوفيه آخر الصف لعيونكن.. تعرفين بعد نحن هنيه نحب نكون على أرقى مستوى ،،
اعتدلت نورة جالسة و المها تراقب النقاش الغير مسموع بصمت ..
- تطنزين ؟؟ لا ما قلنا نبا أفلام و الا بوفيه .. نبا مناهج شرات الخلق .. نبا شي نستفيد منه ندرسه و نتعلمه .. هب حشو ملزومين نصمّه صم و آخر السنة نفر المعلومات و يا الكتب .. لا فهم .. و لا استفادة .. يعني بالله عليج شوه بستفيد من ص1 و س2 في حياتيه ..!! انزين رياضيات بقول ما عليه .. كله خبص و تقديرات ،، تعالي للعربي .. يختي لا تلوميناا ... انتي ما تشوفين المنهج .. كتاب كبر راسج .. هب فاهمة منه شي .. و بعدين من وين يابوا شكسبير هذا يدخلونه في القصة العربية .. يعله العلة ..
- الريال ميت من سنين .. كله الدود ..
ردت بغل ..
- أدريبه ميت .. و الا كان مات من دعاوينا .. انتي هاوية علمي .. فهم و تطبيق .. عسب كذيه ما تحسين بمعاناتيه .. انا أحسنيه قبل بداية كل سنة لازم أسوي رفرش لمخي .. عسب أتأكد ان فيه فراغ للحشو الياي .. أبا أتعلم ..أسعى للعلم .. أستفيد منه يا ناس ..!
هزت دانة رأسها موافقة ..
- صادقة نوري .. المفروض شهادة الثانوية العامة تعادل الشهادة الجامعية ..!
هزت عفرا رأسها بعدم رضا ..
- انتن ميؤوس من حالتكن .. الحمدالله انكن قربتن تخلصن .. شوه لو كنتن دارسات المناهج اليديدة .. !!!
.
.
.
.
.
.
مدت يدها بحنان تمسح على شعره الأسود و قد بدا غارقا في النوم ..جفنيه المتورمين خير دليل على نومه و هو يبكي ..!
ألم شديد يكتسح روحها .. و إحساس غريب بالتشتت يسكنها .. و هي تنظر لوجهه الصغير ..
غدا سيكبر هذا الطفل .. دون أب .. و سيصبح من العسير توجيهه .. !
شعرت بأن كل ما حولها استحال لفوضى عارمة .. هناك صخب صامت فيما حولها يدفعها للجنون ..
تتخبط في ما لا تدري كنهه ..! تدعي القوة دون أن تجد الوقت كي تفرغ شيئا من أوجاعها ..
ان استمرت هكذا ستتهاوى الروح تحت وطأة هذا الحزن العميق الذي يكتنفها .. اعتادت صد الدموع حتى يئست تلك فلم تعد تجد طريقا لمقلتيها ..
الآن و هي تجلس هنا .. تنظر لوجهة أخيها الأصغر .. و الهموم تتراكم على بعضها .. حتى غدت لا تميز أحداها عن الآخر ..
الآن و هي تستنشق هواء العصر الساخن .. تتلذذ بلحظة الخفاء هذه .. ترخي جفنيها .. لتنزوي خلف السواد مختبئة من كل شيء ..
حتى هي ..!
محاولة بيأس أن تنتزع شوكة خفية توجع قلبها ..
غزا روحها شعور بارد بالوحدة .. بدت الأيام القادمة أمام عينيها الحائرتين بلا ملامح ..!
شعرت بازدحام خواطرها يخنقها .. لم تعد تريد شيئا في الكون سوى لحظة هدوء ..
لحظة واحدة .. يتيمة .. كحالها ..!
تريد أن يتوقف فيها الزمن .. لتجد حلا لجميع ما يؤرق إحساسها .. رحيلهم القريب الذي لم يعرف به أحد ..
عزم إخوتها على ترك الدراسة لقلة المال .. و تمرد هذه البراءة التي رقدت بسكون أمامها ..
لم تعد تريد شيئا لنفسها .. لن تجد الوقت لكي ترغب أو لا تفعل .. ستكون دوما لاهثة خلف ما يبغون أحبتها ..
لن تسمح مطلقا أن تُدهس أمنية صغيرة لهم ..
عليها أن تصمد .. فما زال الطريق طويلا أمامها .. هناك من الأوجاع ما سيضطرون جميعا لمجابهته ..
.
.
أحنت رأسها ببطء لتطبع قبلة حنون على جبينه و هي تهز كتفه برقة ..
- نايف ،،، نايف ..!
تحرك لبرهة .. يفتح عينيه ببطء .. نظرة غائمة علت وجهه .. قبل أن ترتجف شفتيه لتلمع عينيه مجددا بالدموع .. أوجعتها هذه العبرات المرتعشة .. لتريح يدها على جانب وجهه .. و غصة كبيرة تسد حلقها .. صوتها المخنوق يهمس مطمئنا ..
- لا تزعل فديتك .. أنا آسفة ..
ازداد انهمار دموعه تلك و هو يشهق بقوة .. بدا أصغر من سنوات عمره الثلاثة عشر و حور تضمه بقوة ليجهش باكيا في حضنها ..
شعرت بشهقاتها تلك تمزق فؤادها .. و هي تهمس قرب أذنه مطمئنة ..
- بس .. خلاص .. يا الله حبيبي .. خلك ريال .. ليش تصيح ..؟؟ باكر مايد بيسير وياك المدرسة و بيخلص الموضوع ..
و لكن نايف كان يبكي بقوة .. راحت تهزه بصبر .. مر وقت طويل قبل أن يهدأ و يمسح وجهه المحمر المنخفض .. هناك نبض في صدغها يكاد ينفجر .. و لكنها تجاهلته و هي تمسك بقبضته في يدها و تسأله بحنان ..
- بلاك ..؟؟!
لم يرفع رأسه .. و عادت الدموع ترتجف على شفير مقلتيه و ارتعشت شفتيه .. بدا أنه سيبدأ البكاء مجددا .. انتظرته قليلا دون أن يجيبها .. ظنت أنه لن يرد .. و لن صوته تسلل لأذنها ..
كان صوته منخفضا .. ضعيفا .. و بالكاد سمعته ..
- أنـــــا خايــــف ..!
أرسل همسه قشعريرة على طول ظهرها .. رفعت عينيها المتسعتين له و هي تهمس بخفوت و يدها تعتصر يده بقوة ..
- من شوه ..؟
.
.
انحدرت دمعة يتيمة على وجنته المبتلة من جديد و صوته يتهدج ،،
- ما دري ..!!
تأملت تلك الدمعة الصافية التي احتضنت وجنته بيأس ،، تكابد داخلها واحدة تشبهها ،،
.
.
هي أيضا مذعورة ..
و لكنها تدري مما ..!


* * * * *

رغم استسلامها للسواد المحيط بها و انفصالها عمّا حولها .. إلا أن أذنيها التقطتا صوت الباب الذي فتح بهدوء .. ثم تلك الخطوات الواثقة الرشيقة التي تقطع المسافة من الباب إليها ..
لقد ظلّت لسنوات تنصت لهذه الخطوات .. لقومها .. لرحيلها .. لتواترها ..
و لحنينها ..
ها هي تتوقف أمام سريرها مباشرة .. تكاد تجزم بما قد يرتسم على وجه هذا الحبيب ..
كم اشتاقت أن تمد يدها إليه لتحتضن رأسه على صدرها .. لتقبل جبينه بشوق .. لتلاحقه بدعواتها و ابتهالها للرب كي يوفقه ..
و لكن ..
هناك الكثير من الأحلام و الأمنيات التافهة كانت قد رمت بها طي النسيان ..
لم تعد ترغب بشيء الآن .. أضحت تنفر من كل شيء حولها .. من كل شيء ..
ثقل هذه الجدران حولها تجثم على أنفاسها .. تخنقها .. و تخنق تلك الذكريات الصغيرة الباقية داخلها ..
لم تعد تريد شيئا من حاضرها و المستقبل .. تتمنى لو يتركوها و شانها ..
أن تظل لوحدها كي تغرق نفسها فيى زاوية من الروح تزخر بالصور القديمة ..
نقيّة ..
لها رائحة ذاك الزمان الغابر .. الذي حمل في جعبته كل ماهو جميل و أصبح طي الذكرى و الأيام ..
فلم يعد له بقية سوى في أذهان و أرواح من عاشوه .. تكاد تراهم أمامها الآن .. اطفالها صغارا .. جميعهم هنا الآن .. تداعب هذا .. و تصيح بهذا .. و تؤدب هذا ..
و تغسل ذاك .. ثيابهم البسيطة .. أرزاقهم القليلة .. و ألوان باهتة لم يعد لها انعكاس في تلك الصور .. و صدى ضحكات ذاوية .. بعيدة .. تخفت مع ابتعادها ..
و احساس له رائحة التراب المبتل .. بالماء أو الدموع ..
و صرخات أطفال يلعبون ..
و حماس براءةٍ لم يعد لها أثر هنا ..
و وجود ..!
.
.
لامست شفتيه الدافئة جبينها بحب و هو يطبع عليه قبلة عميقة . حملها كل ما يخالجه من شوق .. لتلك الأم التي آمن منذ أيام أن لا أمل قد يعيدها .. و لكن ..
هناك فتيل أشعتله تلك الطفلة الخرقاء بتحدٍ أجوف .. علم أنه بمثل هذا الخبر قد يوقد قابس نور في روحها .. سيحملها للحياة مجددا ..
يوجعه أن يرى أبناء الراحل قد تجاوزا ألمهم بينما لا تزال هي تتذوق الأمرين من حر فراقه ..!
يركع على ركبيتيه و هو يلتقط كفها و تهدج الأنفاس تأثرا دليل على أنها ليس غافية .. هي هنا .. و تشتاق له أيضا ..
و لكن تخنق الاحساس في جوفها .. فلم يعد هناك ما يستحق أن يُشعر به بعد رحيل ذاك الابن و الحرمان ،،
غريب كيف لاقتلاع الأمل من قلوبنا أن يتركنا موتى احساس .. بلا أنفاس .. ممزقين ..!
يدنو من أذنها بحنان و هو يهمس بهدوء ..
- السلام عليج يا أميه ..
و انزلقت تلك العبرة تسيل على جانب وجهها و شفتيها ترتعش .. شعر بشيء كالنار يتقد داخله و هو يلتقط تلك الدمعة بين أنامله ..
- ليش الدموع يا الغالية ..؟!
ازداد تدفق عبارتها تباعا و ارتفعت شهقاتها تهز جسدها الضئيل .. كانت عاجزة عن كل شيء الا البكاء .. عاجزة عن الابتسام .. عن النسيان .. عن مواصلة العيش .. و الحب مجددا ..!!
راح يمسح على شعرها الأبيض التي استباحه الشيب بوقاره .. و هو يقول ..
- الواحد لو مات منا ... ما يبا الا صبر أحبابه و دعواتهم .. و الا الدمع يعذبه و يعذبهم .. و لا به فايدة .. سبحان الله .. هو لي يعطينا .. و هو لي ياخذ منا .. كل شي حق لويهه ..
راح يملس خصلة .. يشعر بان الصورة انقلبت بشكل ما .. أصبح هو الكبير و هذه صغيرته .. أراد باخلاص أن يمسك بكفها هذه التي رسمتها السنون اخاديد عميقة .. ليعيدها لطرقات الأمل مجددا ..
- انتي تعترضين على حكم الله ..أمااه .. الله يهديج .. الله عطاج الولد و خذه .. و عوضج بعياله ..
ثم ابتسم بوجع .. كان ألمها بمزقه .. هو .. الذي اعتاد أن يكون صلبا .. قويا .. لا يقوى رفع رأسه ليجابه دمعة قد تسكن مآقيها الحبيبة ..
- انتي ما تبين تشوفين عياله ..؟! بنييبهم عندج هنيه .. بيتمون تحت عينج .. عيال حمد و بناته .. و عيال عياله بعد ان شا الله ..
أجهشت باكية حال تلفظه بتلك الكلمات و هي تشدبيدها على طر الفراش .. كان صوتها يخرج من بين شهقاتها متقطعا ،،
- عياله مايبوناا .. ما تشوف محد منهم يانا البيت ..؟!
أرخى جفنيه بثقل .. هنا المربط اذا ..! ابتسم بتفاؤل و هو يقول ..
- الله يهديج .. وين ايونج هنيه .. انتي ناسية انهن بنات .. و ما وراهن ريال .. أمهن في العدة و ما يروم يودرنها .. و خوهن ياهل .. أول ما توفي أمهن العدة كلهم بنييبهم هنيه .. حرمة عميه و عياله .. في البيت العود .. ما ينحطهم الا عندج .. شوه تيبن أكثر ..
كان صوتها ممزقا و هي تهمس بيأس ..
- معاد فيها .. لي انكسر انكسر .. عيال ولديه غرب .. لا أعرفهم و لا يعرفونيه .. كبروا بعيد .. و ولديه مات .. مااات ..
و انتفضت بنشيج عالٍ و صوتها يرسل وخزات ألم موجعة في قلبه و هي تقول متلوعة ..
- آآآه ليتني مكانه تحت التراب ..
مسح غيث وجهه بصبر حقيقي و هو ينهرها عن هذا القول ..
- استغفري ربج يا أميه .. انتي انسانة مؤمنه ..
و راح يكشف تلك الورقة الأخيرة .. اليتيمة ..!
- الله يخليج لنا و لعيال حمد .. و لولده لي ياي في الدرب ..
تستمر لوهلة في ذرف الألم من محجريها .. ثم تتوقفها تلك الهمسة ..
لمسة من أنملة أمل .. بارقة من حلم قديم أخذت تنبثق من بين أوجاعها و هي تتأمل وجهه الأسمر القوي و هو ينظر اليها بثقة ..
للحظات لم تعد في الأبجديات أية كلمة قد تتلفظ بها .. لتفجر حيرتها .. دهشتها .. فرحها .. و بكاءها .. املها و يأس استبد بها ..
لم تعد تنطق سوى بأصابع أرهقها الزمن تعتصر قبضته الكبيرة و تشد عليها .. و دموع أخرى ترتجف على عينيها ..
و تتساقط لتروي قلبها غير مصدقة و هو يبتسم لها بشجاعة ..
- حرمة عميه حمد حامل ..
.
.
لم يعد لكل ما مضى قيمة .. و لم تكترث مطلقا لما قد تحمله أيامها القادمة .. تمنت الموت الآن و على خدها دمعة الفرحة هذه .. و هي ترتجف بشدة و تبكي بصوتٍ عالٍ .. هذا أمل ..
هذه حياة ستشهد مولدها و ترعرعها .. ستعيش ما حرمت من ابنها معه ..
ستكون حية لمرّة أخرى .. لترى جزءا من روح ابنها الراحلة .. كان هذا الاحساس اكبر من حدود أوجاعها ..
تحرك بسرعة يضمها لصدره بقوة .. يحوي فرحتها المتفجرة ..
.
.
لم تعد تجد وسيلة للتعبير هذه الأيام سوى ملوحة الدمع ..
أو حلاوته ..!

* * * * *


>>

.: المــاس :.
30-11-2007, 11:53 PM
تتمة



كان الغد الجديد قد أزف ،،
و هذا هو أول يوم من بقية حياتهم ...!
.
.
أصوات الحافلات المدرسية و ازدحام السيارات القادم من البعيد .. رائحة دخان المركبات تعبق بالجو ..
رغم هذا لا زال تلك النسائم المعتدلة في أول النهار تبرد وجوههم المحمرة حماسا و هم يحملون حقائبهم على ظهورهم متوجهين في مجموعات لانتظار الحافلة عند المواقف ..
ضحكاتهم .. أحاديثهم .. و حتى ألعابهم .. تملأ الطرقات ..
ستقع عينيك على تلك الصور الجميلة .. نشاط يدب في هذه الكائنات الصغيرة و هي تقصد أن تستشف علما ..
أشعة الشمس اللطيفة تداعب الشوراع السوداء .. و بيوت الطين المنتشرة في هذا المكان ..
تجاور المنازل .. و تلاصق جدرانها .. نوافذها القريبة .. أبوابها المنخفضة ..
و هناك تقبع نخلة وحيدة .. او يحتضن السور الضيق أشجارا وضحت قممها ..
ذلك زوج حمام يداعبان بعضهما على سقف منخفض .. أو سربٌ فضل الرحيل فجأة في منظر مهيب أشعل فتيل صيحات طفولية و أنامل صغيرة أشارت له ..
تلك البراءة تختفي في البقالة العتيقة لتخرج منها محملة بقطع الحلوى الصغيرة .. يتقاسمونها ..!
هذه أم تقف ببابها تنتظر وصول الحافلة لتنطلق بابنتها .. و ذاك رب عمل ترك بيته متوجها لطلب الرزق ..
عامل البلدية بلباسه البرتقالي المميز يعلق على كتفه كرتونا كبيرا فارغا يلتقط القمامة من الطريق ليضعها فيه ..
.
.
سحبت نفسا عميقا و ابتسامة غريبة تناوش شفتيها .. رغم أن عينيها الساخنتين تكادان أن تخرجان من محجريها و رأسها أخذ يضج بأصوات لا وجود لها .. ثقل في أطرافها يمنعها من التحرك ..!
رغم سخونة جسدها البالغة .. و شعورها بالبرد .. إلا أن تلك البسمة أبت إلا الظهور ..
هذه الصورة من الجمال بحيث حفرت بالدفء الذي احتوى قلبها الصغير في الذاكرة ..!
لتشد اللحاف حول جسدها و هي تجلس أمام البيت .. و تلوح بيدها لهند التي قادت مزنة نحو موقف الحافلة .. فيردن التلويح بحماس .. قبل أن ترفع رأسها لدانة التي تقف فوقها و تسألها بصوتها المتحشرج بفعل المرض .. و هي تريح جبينها الحر على يدها ..
- متى يي باصكن ..؟؟
أجابتها بتعاطف ..
- عقب ثلث ساعة .. حور حدري .. و الله شكلج تعبانة من الخاطر ..- و مدت يدها تلامس وجنة حور - أووووف .. شابة ضووو .. يوم ما فيج الا العافية ما تظهرين .. الحين يوم انتي رايحة فيها بتطلعين ..؟؟
تأوهت حور و صوتها المخنوق يخرج من حنجرتها المتعبة خافتا ..
- انتي غبية .. أصلا انا ما مرضت الا تضامنا ويا أمايا عذيجة .. الحين مايد بيي و يشجع ..
و ابتسمت برثاء .. جلست دانة جوارها و هي تتنهد ..
- أونها تنكت الأخت .. عاد هاي نكتة محمومة ما تضحك !! ..متى بيظهرن هالعيايز .. ما بقى شي ع الباص .. - أطلت برأسها داخل البيت تصيح - نووووووراااه .. عفراااااااا .. غريبة عفرووه تتأخر أحيدها أول وحدة تظهر فيناا ..
- بلاها عفرا .. سمعتج تسبين ..
قالتها عفرا و هي تنظر لدانة شزرا .. لترد تلك مدافعة ..
- اعوذ بالله .. أحسني الظن يختي .. شعندكن أبطيتن عليه ..!
خرجت نورة خلفها .. و هي تنظر لحور و دانة ..
- عفرا انطر جوتيها .. و لصقناه .. - ثم أضافت ساخرة - تعرفين من كثر الجواتي احتارت أي واحد تلبس آخر شي عز عليها لولي .. - ثم استدركت بعينين متسعتين و هي ترفع الغطاء على وجهها - حوووه نحن في الشارع .. شعندكن كاشفات الشيفة ..
تلفتت عفرا حولها بسرعة ..
- لا تسوين لنا فيها محد هنيه ..
حور ترفع طرف الشيلة لتغطي نصف وجهها بسرعة ..
- صادقة نورة العرب سارحة دوامااتها .. و نحن مبسطات ..
صاحت دانة بحماس و هي تشير لحاوية النفايات القريبة التي كانت ترمي فتاة فيها كيس كبير ..
- ها هب فطوم ..- و صرخت بقوة منادية - فطاامطاام ..
التفتت المقصودة في اللحظة التي قرصت حور أختها بغيض ..
- و الله انج هب صاحية .. يا الخبلة فضحتيناا ..
أدارت دانة عينها ببراءة ..
- الشارع فاضي ..
قالت عفرا بسرعة ..
- حتى لو كان فاضي .. عيب ..! هاي فطوم ياية قدانا ..
وصلت فاطمة و البنات يقفن جميعا ..
- السلام عليكن بنات حمد ..
رحن يسلمن عليها واحدة تلو الأخرى ..
- و عليكم السلام ..
قالت حور بصوت متحشرج بفعل المرض ..
- حيا الله القاطعة ..
توقفت فاطمة تنظر لها متفاجئة ..
- مرحب خويه .. مناك الميلس ..
ضحكت نورة بقوة .. فيما صرّت حور أسنانها بغيظ ..
- سبالووه لا تطنزين ..
خرجت من البيت المها تحمل كوبا تصاعد منه البخار لتدسه في يد حور و هي تبتسم لفاطمة بحب .. سلّمت فاطمة عليها بحبور و هي تقول ..
- هاي شيختكن كلكن و الله .. مادري ليش أحبها ..!
عفرا بسرعة تلتقط حقيبتها عن الأرض ..
- خلاص يوم تكبرين بنيوزج اياها ..
لوحت فاطمة بيدها ..
- و انتي الصادقة بيوزها خوية ..
طفا الاشمئزاز و الكراهية على وجوه الثلاث تباعا و هن يتبادلن نظرة حقد قبل أن تقول نورة بسرعة ..
- ما نيوز مطلقين نبا واحد أعزب .. فرش .. هب مستعمل ..
رفعت فاطمة حاجبها ساخرة ..
- لي يسمعج يقول يالسة أحلف عليج انتي تتيوزينه ..
قاطعتهن دانة بسرعة قبل أن يقال أكثر مما قيل ..
- بس خلاص .. الحين بيي الباص .. يا الله باي ..
قبّلت نورة حور و إحساس غريب يخالجها و عينها على فاطمة ..
- ادعيلناا ..
و وصتها عفرا بإصرار ..
- اشربي مضاد و بندول .. و ارقدي .. ما بيي العصر الا و انتي ترقصين ..
هزت حور رأسها بأسى و هي تشعر بالدوار ..
- خير ان شا الله ..!
بقيت فاطمة تحدّثها لبعض الوقت هي و المها قبل أن تذهب مضطرة لترى أمها .. لحظات قبل أن تدلف المها هي الأخرى .. تاركة حور في انتظار مايد الذي مرّت ثلث ساعة أخرى قبل قدومه .. و هي تحمي وجهها من أشعة الشمس التي راحت تتسلط عليها بلا رحمه ..
في اللحظة التي توقفت فيها سيارته الصغيرة أمام البيت و هو ينزل .. هبت حور واقفة تستقبله .. سلّمت عليه و هو يقول باعتذار ..
- تأخرت عسب ندخل الإدارة سيده و ما نرقب الطابور ..
ردّت عليه بهدوء و هي تشعر بأنها خائرة القوى .. جلوسها هنا لم يساعدها كثيرا ..!
- ما عليه أنا بسير أزقره من داخل و أول ما تخلص أمورك وياهم اتصلبيه و خبرنيه شوه الموضوع ..
أمسك يدها قبل أن تستدير للداخل و هو يسأل فجأة ..
- بلاه صوتج ..شي يعورج ..؟؟
هزت رأسها بسرعة و الغطاء يخفي ابتسامتها المتعبة ..
- ما شي .. بس تعبانة شويه .. يا الله ما بأخرك .. دقيقة بس ..
و دلفت للداخل و عيناه تتبعها ..
بدت غير طبيعيّة تماما ..!

* * * * *

كان يقطع الممر الفاخر المؤدي لمكتبه بخطى واسعة و هو يسأله بصرامة في الهاتف ..
- متى بيكون عندك بريك اليوم ..؟؟!
تدفق صوت أحمد مفكرا و هو يجيبه ..
- آممم .. ع الساعة وحدة و نص ..
تجاوز مكتب بطي ليدلف مكتبه بسرعة مغلقا الباب خلفه .. صوته يتردد بين الجدران .. ىمرا ..
- خلاص مرنيه الشركة بعطيك بطاقة و أوراق الحساب توديها بيت عميه حمد .. انشد عن حور يوم بتظهر لك عطها الأوراق و قلها غيث طرشنيه أعطيج اياها .. فهمت ..؟!
سأله أحمد بفضول حذر ..
- حور .. لي هي حرمتك ..؟؟
أجابه غيث بنعومة خطرة ..
- هيه ..
رد أحمد بطاعة ..
- خلاص أنا بشل بو سلطان ويايه و بنسير رباعة .. و لا يهمك يا خويه ..
.
.
أنهى المكالمة بسرعة و هو يمد يده نحو جهاز الاتصال الداخلي قبل أن يتوقف فوق الزر مباشرة ..
رفع يده و عينيه تلمعان بشيء غريب .. التقط الهاتف المحمول مجددا .. و تلك الفكرة تنبثق في ذهنه من العدم .. عليه أن يتصل بها ليخبرها أنه سيرسل البطاقة مع أحمد ظهرا ..
ابتسامة غامضة ناوشت شفتيه ..
هل هذا هدفه .. أن ينبئها بقوم أخاه .. أم أنه أراد أن يختبر طاعتها ..
يرغب في التأكيد على أنها تسير وفق ما رسمه من منهج لها ..
شيء مجهول يدفعه للمس العناد مجددا و هي تقاوم بيأس ما يفرضه عليها .. يستلذ ذاك التخبط اليائس و محاولتها البحث عن فرجة للانفلات من قبضته ..
راحت أصابعه الطويلة تبحث عن رقمها بسرعة بين الأسماء .. كم سيكون مذهلا أن يجد هاتفها مغلقا بعد أن أمرها بفتحه ..
ستكون حجة لتلقينها الأدب مجددا ..!
لحظات و أعلن الصوت المتقطع توافر الرقم .. و لكنه استمر في الرنين حتى انقطع .. تصلبت ملامحه و حاجبه الأيسر يرتفع ببرود ،،
حسنا مرة أخرى .. و سيرى إذا كان بإمكانها أن تتجاهله أيضا ..
.
.
.
.
.
.
كان الظلام الكثيف يحيط بها .. و هي تشعر بالهواء يضج في أذنيها .. رأسها ثقيل .. و هناك عرق ينبض بجنون في صدغها .. أنفاسها الساخنة تحرق انفها و فمها .. و هي تبتلع ريقها لتبلل حنجرتها الجافة .. رغم جسدها الساخن .. إلا أن الشعور بالبرد يكاد يقتلها و هي تلتف في بطانيتين مثنيتين .. تغرق للحظات في عالم سوداوي مليء بأحلام مزعجة غير مفهومة .. لتجد نفسها ليست نائمة .. بل تهذي ..!
هناك صوت يصيح بجنون عند رأسها .. تريد أن تهوي عليه بقبضتها فتسكته .. و لكنه يخرس لوحده ..
ثانيتين قصيرتين من الراحة قبل أن يعود للصياح قرب أذنها بجنون .. تشعر بأنه يكاد يشل حواها المرهقة .. أ هو الهاتف ؟ .. بالتأكيد ..!
بشكل ما استطاعت التقاطه و الرد عليه .. و رأسها يعود ليغرق في الوسادة .. عيناها مغمضتين .. و صوتها ياتي من غياهب الحمى .. هامسا .. تستميت ليصل إلى أذن من يريدها ..
- ألووه ..!
.
.
.
.
.
.
انعقدا حاجبيه حال تدفق صوتها الرخيم المبحوح عبر الهاتف ليسأل بقسوة ..
- ليش ما رديتي يوم اتصلت ..؟
لحظات صمت ثقيلة تمر دون صدى لإجابة ينتظرها .. ماذا ..! هل أنهت المكالمة ..؟؟ بالتأكيد لا .. يمكنه أن ينصت لأنفاسها المتسارعة ..
و لكن ما أثار دهشته و ألجمه صوتها الحائر و هي تسأل بهمس ..
- منوه ..؟
أبعد الهاتف قليلا .. ماذا ..؟! هل أخطأ في الرقم ..؟؟!
تساءل بهدوء ..
- حور ..؟
عاد صوتها الخافت يتردد في أذنه ..
- هيه .. منوه ..؟
راح يضرب بأنامله سطح المكتب في حركة رتيبة .. هل انتشلها من نومها يا ترى ..؟
- أنا غيث ..
- نعم ..؟
- أنا غيث ..
قالت وصتها الخافت يرتفع أكثر ليبدو مسموعا و هو يتقطع .. حقا يبدو أنه أيقظها .. فلم تبدو في كامل وعيها ..
- ادري انك .. - و صمتت لبرهة قبل أن تتابع - انك .. غيث .. خير شوه تبا ..؟
حسنا .. ألا تبدو أقوى الآن و هي بعيدة عن متناول سلطته و المواجهة ..! قال ببرود ساخر ..
- أبا أسولف وياج ممكن ؟؟..
- فاضي انت ..!
جيد .. تتمادى في تمردها .. سيجد الوقت حتما ليعلمها الخضوع قربه .. و إن قطعت بينهم مسافات .. قال يوجز بعجرفة يعرف أنها ستوجعها بما يكفي حتى يلقاها مجددا ..
- أحمد خوية بيمركم الظهر و بيعطيج البطاقة لي حولت لكم فيها فلوس ..
حالا أتاه الرد و هي تقول بصوت متحشرج ..
- انته ما تفهم نحن ما نبا منك شي ..
أراح يده على الطاولة باستمتاع .. يدرك أنها تتألم لما يفرضه عليها ..
- هب ع كيفج .. البطاقة لي بييبها أحمد شليها أخيرلج لا تخلينيه أييبها أنا بنفسي ..
كانت نبرة التهديد واضحة .. و صوتها الضعيف يردد العبارة متقطعا ..
- ما .. ما تفهم .. ما نبا شي .. منكم .. مانبا شي ..
انقطع الخط بينهما فأدرك بغيظ حقيقي أنها أنهت المكالمة و أغلقت الهاتف في وجهه .. قاوم رغبة مجنونة في أن ينهض من مكانه ليريها حجمها ..
أعاد الهاتف على الطاولة بصبر ..سينتظر إلى أن يرى ما قد تفعله بالبطاقة التي سيحضرها أحمد ..
إذا رفضت .. سيتمتع كثيرا بإجبارها على الإحجام عن المكابرة ..!
.
.
الغريب أن تلك الفتاة التافهة أصبحت تتمعن في إثارة غيظه ..
و هذا ما لن يسمح لها به ..!

* * * * *

- انخطبتي ..!!
نظرت لها روضة بهدوء ..
- لي يشوفج يا رواية يقول أول مرة أنخطب ..!
هزت راوية كتفيها و هي تلتفت حولها لتتأكد من أن انفعالها لم يجذب أيا من أنظار المتواجدات في مقهى الجامعة ..
- لا هب أول مرة .. بس مادري .. قلتي ولد عمج ..؟؟
أومأت روضة بإيجاب و هي تحرك عصيرها ببطء شديد .. لم تكن صدمتها أقل من صدمة صديقتها .. التي تابعت تتساءل ..
- شوه اسمه ..؟
- سيف ..؟
- أكبر عنج ..؟
- بسنتين بس ..
ابتسمت راوية بمكر و هي تتأمل وجهها الهادئ ..
- أهاا .. و شوه .. كشخة ..؟؟
ارتفعت عينا روضة تغشاها الحيرة ..
- هاا ..؟؟
رفعت راوية حاجبها ..
- كشخة .. حلوو .. كيف شكله ..؟
نظرت روضة للأسفل ثانية قبل ان تهز كتفيها بعجز ..
- مادري ..!
شهقت الأولى بصدمة ..
- ولد عمج و خاطبنج و ما قد شفتيه ..!!!!!
هزت روضة رأسها و ذهنها يتشتت .. لم تنتبه يوما لسيف .. لم يخطر لها أن ترى وجهه اذا كان جميلا أو لباسه إذا كان مهندما .. كانت هناك هالة من السلام تحيط به تشغلها عن ذلك .. لقد كان دوما هادئا .. منزويا في اجتماعاتهم المختلطة ..
- لا شفته .. بس مادري .. يعني شوه أقولج .. هو نشوفه بس ما ندقق في ملامحه ..
ضحكت راوية ..
- شوه يستحي ..؟!
ارتشفت روضة عصيرها بشرود ..
- لا بس .. هو ملتزم .. و ييلس بعيد عنّا ..
كان النفور جليا من الفكرة يعلو وجه صديقتها و هي تستنكر ..
- مطوع ..!!!!!
اتسعت عينا روضة باستفسار ..
- هيه مطوع .. ليش .. فيها شي ..؟
صمتت راوية لبرهة قبل أن تقول بصراحة سافرة ..
- لا ما فيها شي .. بس الله يعينج .. الصراحة الريال يوم يكون مطوع يلعوز حرمته .. تشوفينه بس يتأمر .. الا يبا يغير هذا .. و هذا هب عايبنه .. و هذا حرام .. و هذا غير مستحب .. الدين يسر .. بس الرياييل لي كذيه يخلون كل شي ممنوع ..!! يعني بيشد عليج وايد روضاني ..
بدا الكلام قاسيا للغاية و هي تحاول استعادة صورة ابن عمها الطيبة .. تلك الأخلاق العالية .. و ذاك التعامل النظيف لم يبدو لها بهذه الفظاظة أو هذا الجانب الذي صورته صديقتها بإجحاف ..
- و الله الحرام محد يرضاه لا مطوع و لا غيره .. انا نفسيه الحمد الله .. ما قد سويت شي يسحبنيه للغلط .. - ثم نظرت لراوية بشك - أحسج تبالغين ..!
شخرت صديقتها ساخرة ..
- و الله ما أبالغ . هو الموضوع أولا و أخيرا لج و القرار من صوبج .. بس أنا أبين لج جانب لازم تحطينه في بالج .. وحدة من بنات عميه ماخذة مطوع .. و ما نشوفها بالمرة .. و اذا لقيتاا في المناسبات ما يبين عليها الزين .. لا لبس شرات العالم و الناس و لا مكياج .. مادري رويض أحسج انتي بالذات حرام تاخذين مطوع .. يعني بما انج تحبين الكشخة و الطلعات و هالسوالف .. اعرفي ان كله هذا انسيه اذا عرستي بواحد بيشد عليج .. ع العموم هذا راي و انتي سوي لي يريحج ..
الغريب أن صديقتها بدت معارضة للفكرة بقوة .. غير راضية عن زواجها من سيف ..
هي لم تعرف سيف و لم تلتقيه قط ..
سيف رجل مسالم و هادئ .. وجوده في المكان يعطي إحساسا دافئا بالطمأنينة .. و ابتسامته المتواضعة .. ربما لم تلتفت لوجهه يوما .. و لم تفكر به كزوج و لم يخطر لها ما شابه من هذه الأمور..
حاولت اعتصار مخها لتكوين صورة قريبة له .. و لكن لم ترى أمام عينيها سوى وقار لحية سوداء و ملامح مبهمة ..!
و لكن ..
هناك خيط خبيث أخذ يُحبَك في الصورة الجميلة.. ليشوهها .. و كلمات صديقتها ترتطم بصفحة الماء الصافية في ذهنها .. مكونة دوامات كبيرة ..
.
.
دوامات ،،
دوامــــات ..
دوامــــــــات ..!
.
.
كثير من هذه الدوامات في حياتنا .. شيء من المعتقدات السخيفة يخلقها ..
و أشياء خاطئة تجعلنا موقنين بأن هناك جانب أسود للخير .. لن نراه إلا إذا اقتربنا منه ..
عندها لن يكون هناك خير قط ..
سيكون له اسم آخر ..!

* * * * *

الضيق يكتنف صدرها و هدى تصدر أصوات انفعالاتها المضجرة التي أعلت قلبها ..
- حيوانة .. أنا أقول هالاشكال ما منها أمان .. حبيبتي لا تضيقين صدرج .. بنعرفج على وحدة تسواها و تسوى طوايفها ..
دفنت وجهها بين كفيها .. لا تريد الا أن تتوقف عن الحديث فهي تمعن في غرس ذاك النصل في روحها .. قالت بصوتٍ غليظ تنهرها ..
- بس سدي السالفة .. طاريها يكرهنيه فحياتيه .. ماريد أتعرف على غيرها ..
و بحركة سريعة سحبت غطاء شعرها بخفة لتضعه على كتفيها .. و كأنما بهذه الحركة و ما ظهر وراءها تنهي الحديث ..
شهقة هدى المنبهرة كانت خير دليل على فداحة ما فعلت .. تعلم الآن أن أمها ستقتلها دون شك .. لن يطول بها الأمر قبل أن تكتشف الأمر ..!
- قصيتييييييييه ..!!!!!!
أومأت برأسها و هي تتخلل شعرها القصير الذي يصل لمنتصف رقبتها بأصابعها .. و عيني هدى تضيقان ..
- ليش ..؟؟ أحيدج ما كنتي تبين تقصينه ..!!
هزت كتفيها تقول ببرود يعاكس تلك الحرقة التي تسكن روحها ..
- غيرت رايي ..
.
.
رغم صوتها الواثق إلا أن احساسا انهار بداخلها .. شيء أرادت أن تبكي لأجله ..
شعور قاتل بانها تجاوزت حدا ما .. و لم يعد هناك وازع غيره قد يردعها ..!

* * * * *

تحركت الحافلة منطلقة بعد أن أنزلتهن عند رأس الشارع .. و نورة تتلفت حولها بسرعة و هي تقول بحماس ..
- شرايكن نربع البيت قبل لا يي ويه العنز الحين ..؟!
و كأنما علم بنيتها برزت مقدمة سيارته العتيقة من الشارع المجاور .. تسير بتهالك نحوهن و دانة تقول بحقد ..
- و الله لو راكبة صاروخ بيلحقج الحقير .. الله يغربله ان شا الله .. هذا ما وراه شغله غيرناا ..!!
قالت عفرا بقوة ..
- انطبن و طنشنه شرا كل مرة .. و نورة لا تردين عليه أبدا و لو يلس يسب حتى ..
لوحت نورة بيدها غير مكترثة و هي تقول بكراهية ..
- يخسي و الله أفره بجوتييه لو زودها .. عنلاته ..
كانت السيارة تمشي بمحاذاتهن الآن .. و صوته القذر يرتفع بشوق زائف ..
- يااا الله يا رب .. كم بعيش أنا .. كل يوم و أنا شوف أغصان البان تتمايل .. هيييه .. هيييه .. يا الله .. يسار .. يمين .. آآه يا فواديه ..
همست نورة بمقت ..
- غصن في عينك يا الكلب يعلك العمى .. يعل فوادك العلة .. يا ويه العنز ..
صرت عفرا أسنانها بخفوت ..
- جب ..
كان ألم رهيب يكتنف صدرها .. و كل أملها أن لا يطل أحد من نوافذ البيوت المجاورة ليرى هذا المنظر البمعتاد .. ما الذي قد يقال عنهن ..! كل يوم و هو يقوم بملاحقتهن و لا يردعه التجاهل ..
ليس لهن ظهر يسند اليه حملهن .. هن ،،
فتيات .. لا هم .. و لا فخر .. و لا ثمين لهن .. سوى سمعة ..
قد تلطخ بأدنى قذف يصيبهن ..
لم يجدن الشجاعة ليخبرن أباهن حين كان هنا .. الآن في غيابه تمادى هذا الحيوان .. و أصبح يدنو من افتراس حرماتهم ..
شعرت بالضعف .. باليتم ..
لا أحد قد يتصدى لهذا الحقير .. فها هو يصل لعتبات بيتهم الآن بعد أن كان يهاب اقترابه ..!
من أين لهم أن يأتوا بعزوة .. من أين ..!
.
.
يــابــــوي شــفـت الـــويـل وأنا لحـــالــي
....تـــــركـــتنــي للـــــوقــــت ولضــيــــم الأقـــــــــــــراب
مــــالي عضـــيــد(ن) في حيــاتي مــوالي
.... أنخــــــــاه لاضـــــاقــــــت مــــعــــي كـــل الأســــــباب
أخــــذ بــرايــــه لاتسـكـــــر مجــــالـــــي
...... وفيـــه اعـــــــتزي كــــــــان الــــزمـن كشـــر الــــناب
مــــالي سنـــــد غــــــيرك ولالي ولا لي
......غــــــــــيره ســــــــوى المــعـــــبـود هــــو رب الاربــاب
.
.
.
.
.
.
أخفضت صوت المسجل الذي كان يصدح في السيارة بقوة و هو يقول بضيق ..
- يا خوك ما رمت أقوله ..!
نظر له هزّاع بقوة و هو يقبض على مقود السيارة بعصبية ..
- و الله انك معثور .. ترانيه قلت لسيف انك ظاهر ويانا .. شوه بيقول يعني غيث .. قلّه انيه ساير وياك .. شدراه اننا سايرين سباق .. احمد .. لا تطولها و هي قصيرة ..
أعاد أحمد ظهره للخلف و هو يشير لمقدمة السيارة ..
- انزين طالع قدامك لا تخطف الشارع لي فيه البيت .. بعدين انا تميت ساعة واقف قدامة .. لقيته معصب و يهازب .. ما يتناغى يا رياال .. لو قلتله كان كفخني بشي .. اصبر الين العصر بسير بيت يدي و برمسه هناك ..
ثم قال بهدوء ..
- و بعدين نحن ليش حارقين أعصابنا .. يعني سباق دراجات .. و هب رسمي .. لمة شباب .. لو ما سرنا العافية ..!! أهم شي السباقات العودة لي صدق بتسابق فيها .. - ثم أشار إلى الشارع الجانبي - حول حول .. هذا الفريق ..
أدار هزاع المقود و هو يقول بعناد ..
- حتى و لو .. ياخي خلنا نظهر و نوسع صدورنا .. و لو ما طاع غيث خبرنيه .. بنقردن سيف يرمسه .. أي بيت ..
- آخر واحد الأبيض ويا البني .. الحين سيف لو درا ان غيث ما طاع بيعيد و بيقولك لا ..
صمت لبرهة و عيناه تضيقان مما يرى ..
- هاييلا البنيات هب سايرات قدا آخر بيت ..؟!
احتبست الأنفاس للحظة مع ادراكهم أن صاحب السيارة الذي يلاحق الثلاث فتيات يصل لآخر الشارع الذي لم يعد به بيت سوى بيت عمهم ..
ليضغط هزاع بقوة على دواسة البترول و تنطلق السيارة بسرعة رهيبة للأمام مع صوت أحمد الذي شتم بقوة ..
- ولد الكلب ..!!
للحظات لم يعد يرى سوى اللون الأحمر يغشى كل شيء أمام ناظره .. و مقدمة سيارته الفارهة تقترب بسرعة جنونية من مؤخرة سيارة سالم المهالكة لتصطدم بها من الخلف بصوت مروع قفزت اثره الفتيات اللواتي تجمدن دقيقة في مكانهن مصدومات قبل أن يهرعن للباب الذي كان قريبا ..فتح بابه هو و أحمد بقوة لينزلا راكضين نحو صاحب السيارة الذي كان قد نزل منها مذهولا .. في خطوتين وجد نفسه يقف أمامه يجره من تلابيبه .. و أحمد يسدد لكمة مباشرة لأنفه .. انهالا عليه ضربا و ركلا دون توقف ..
شيء كالسعير كان يحرق جوفه و رغبة عارمة في تمزيق هذا الحيوان بأسنانه ..
لم يكونا يعرفان الفتيات أو أسمائهن .. لا يعرفان عددهن .. و لم يصادفا هن قط .. و لكن يكفيهما بأنه يشار اليهن ببنات عم ..!
و قد تخطى هذا الحثالة حدوده و مس عرضهم .. تعرض لمن تربط بهم صلة قرابة دثرتها السنوات نسيانا ..
رغم هذا كاد يقتله .. كان أحمد يضربه بقوة و حقد غير طبيعيين .. و أدرك بأن الرجل قد يقتل بين يديه .. لذلك راح يشده بقوة للخلف فيما ينفلت مجددا منه ليركله و يبصق عليه .. و هو يشتم عاليا ..
حقا هذا الأمر تجاوز حدود تمالكهما للنفس ..
لم يحدث أن مشت أحد بناتهم في الشارع ليعترضها مثل هذه الحثالة ..
كان موقفا رخيصا .. أصابهم في كرامتهم ..!
.
.
.
.
.
.
- شووووه ..؟؟!
همست بتلك الكلمة بما تملك من بقايا قوة .. و رأسها يثقل ببطء ..
عفرا لا تزال ترتجف و دانة تبكي بخوف .. أما نورة هي من تمالكت نفسها لتدرك الأمر ..
- سالم ولد ييرانا ..؟؟!
ارتعش صوتها و هي تنظر لحور التي راحت تقاوم الارهاق البادي عليها و عيناها تجحظان ..
- هيه .. هوو .. بس مادري منوه راعي السيارة .. قدام البيت يا حور ..
ضغطت حور بيديها على جانبي رأسها و هي تهمس ..
- نايف ..!
التفت اليها و وجه الصغير يتميز غيظا .. همست له ..
- سير شوف شوه السالفة .. بسرعة ..!
قفز بقوة من مكانه و هو ينذرهم ..
- و الله لراويه الحقير .. و الله ما خليها له .. بفلعه بقب .. و الله ليروح دمه اليوم ..
ضغطت حور على عينيها و هي تشعر بأن فقدانها لرشدها دانٍ اليوم .. حقا هذا ما ينقصها .. ابن جيرانهم يعاكس اخواتها .. و أحد ما قام بالاصطدام به ...
.
.
.
مرت دقائق ثقيلة قبل أن يأتي يعود نايف مهرولا و في وجه المتجهم يتصارع قلق و حماس غريبين ..
- هذا أحمد ولد عمي علي و هزاع بطيخة .. دعموا سالم الكلب و ظربوه .. الشرطة يت الحين ..!
.
.
دفنت حور وجهها بين كفيها الحارين .. و هي تشعر بيدي المها التي كانت تقف جانبها تحتضن رأسها بحنان أتعسها ..!
و هي تمسح على ظهرها بهدوء ..
أي احراج .. و أي ضيقٍ و أي فظاعة قد تفوق هذا ..!
شعرت بعينيها الملتهبتين لا تتوقفان عن ادرار الدموع و هي تبلل صدر المها التي بدا لها باردا في تلك اللحظات ،، لا يمكن أن يبلغ بها اليأس قمة أخرى ..!

* * * * *


وقف بجانب ابن عمّه و هما يقفان قرب الباب و أخاه الأكبر يسترخي في المقعد المواجه لمكتب الضابط و كأنما يملك المكان .. كان هادئا للغاية .. و يتحدث بصوت منخفض حازم النبرات .. كان الضابط ينصت له باحترام و اهتمام جلي ..
للحظات فكّر بأنه ربما أخطأ في الاتصال بغيث .. فإذا كان غاضبا الآن و يلجم ثورته .. سيمزقه اربا حال اخلائه به ..
ارتعد للفكرة .. و هو يبتلع ريقه .. نظر لهزّاع بتوتر لينصدم بابتسامة أنيقة تحتل وجهه .. همس بغيظ ..
- شعندك تتضيحك يا الخبل ..!!
نظر له هزاع ببساطة ..
- كيفي عيناوي .. - ثم عاد يتأمل غيث بشيء من الغرور - و الله ان خوك هب هين شوف كيف قلب السالفة عليهم و الحين هو لي يبا يشتكي ..
- حتى لو .. ما تنفع الشكوى و نحن ضاربين الريال .. يعله العوق ان شا الله ..
وقف في تلك اللحظة غيث يصافح الضابط الذي هب هو الآخر باحترام ثم نظر لهما و غيث يوقع ورقة مدّت أمامه بسرعة ..
- تفضلوا وقعوا التعهد يا شباب .. و مرة ثانية ما نبا نشوفكم هنيه ..
ابتسم غيث للضابط مرة أخرى ..
- ما قصرت يا بو عبدالله ..
أومأ الضابط برأسه و هو يتأمل هزاع و أحمد يوقعان واحدا تلو الآخر ..
- حاضرين طال عمرك .. و نشكركم ع التعاون الطيب ..
.
.
بعد تبادل عبارات المجملة الطويلة التي بدت للاثنان كأنما تسرد في حفل عشاءو هما يقفان هناك بثيابهما الممزقة و الملطخة بالدمة ..
خرجا مع غيث الذي كان يتقدمهما بسلطة و ما ان استقلا سيارته التي كانت البديل عن سيارة هزاع التي أُخذت لكراج تصليح السيارات بدل أن تحجز ..حتى تأملهما باشمئزاز و هزاع يشيح بطرف وجهه الذي الذي خُدش .. و أحمد يضع يدا تخفي شفته المتورمة .. و صوته الغليظ يملأجو السيارة ..
- ماريد حد يدري عن لي استوا .. و لا حد حتى اعماميه .. الموضوع هذا لا ترمسون فيه حتى امبينكم .. تسمعون ..
كانا كطالبين مذنبين يتلقيان العقاب من أستاذهما و هما يجيبان ..
- ان شا الله ..
و أردف هزاع بشيء من الحذر ..
- و قوم عمي ..؟!
بدت نظرة غيث أقسى من الجليد و هي تنعكس على المرآة الخلفية و صوته العميق يقول بوعيد ..
- انا بخلص الموضوع ..
.
.
كان يغلي بشدة الآن ..
بدا أنهم بشيء من الاهمال قد فتحوا بابا لن يسد ..!

* * * * *

كانت الشمس قد غفت خلف حدود الأفق منذ ما يقارب الساعتين و سيارته الصغيرة تقطع الشوارع متوجهه لبيت خالته .. ألقى نظرة أخرى عليها ليجدها لا تزال تسند رأسها على زجاج السيارة و يديها المرتخيتين تحتضن كيس الدواء الذي أحضراه للتو من المستشفى ..
صوت أنفاسها يتردد في السيارة بثقل كالخشخشة .. و هي تزفر باستماتة ..شعر بموجة حنان هائلة تجتاحه .. لم يرها قط مريضة بهذا الشكل .. كان هذا الفيروس منتشرا في الهواء و بين الناس بشدة هذه الأيام .. و حين اتصلت به عفرا تخبره بان عليه الحضور لأخذها للمستشفى .. ظن أنها تهول الأمر فقط .. فقد رآها صباحا و لم يكن بها خطب سوى ثقل صوتها و الارهاق ..!
و لكن الآن راعه مظهرها البالي .. و قد أنهكتها الحمى .. ماذا يقال عن رشح الصيف ..؟؟ أ و ليس أحد من السيف ..!!
مد يده ليحتضن كفها الصغيرة و هو يهمس ليتأكد من أنها ليست نائمة ..
- حور ..؟
.
.
كانت قد أسدلت أهدابها .. بتعب .. بحزن .. بيأس ..
خواطر شتى أخذت تتنازعها و هي تشعر بانها ضعيفة كما لم تكن قط ..!
ممزقة للغاية .. و مستنزفة .. لا تدري بالضبط ما الذي عليها أن تفكر به ..
طريقة لجلب المال لدفع اخوتها للدراسة .. أم الحرص عليهن مما قد يواجههن خارج حدوةد البيت كما حدث اليوم .. ام عليها أن تجتهد في مراقبة أخاها الوحيد الذي تبين أن سبب استدعاء ولي أمره لم يكن سوى نتيجة عنفه اتجاه طالبٍ قام بضربه .. في مرحله يحتاج حقيقة الى ارشاد رجل فيها و ليست وقفتها هي ..!
أم يجب أن تهتم بامر أمها المريضة أم إخوتها الصغار .. أم ... أم ...
مئات الأفكار تتزاحم في ذهنها المريض حتى خيل إليها أنها تهذي بصوةتٍ عالٍ أو أنها ترى رؤى أمام عينيها الغائمتين .. رأسها يضج بأصوات لا مصادر لها و لا أساس .. و شريط صور ينزلق أمام عينيها الساخنتين ..
تضم شفتيها و هي تشعر بحرارتها .. برد شديد يحيط بها .. و صوت مايد يأتيها من مقعد السيارة المجاور و يده تحتضن كفها بقوة ..
- حور ..؟؟
قاومت هذا الضباب باستماتة و هي تجيب بصوتها المبحوح ..
- لبيه ..
- لبيتي في منى .. رقدتي ..؟!
هه .. أنى إليها أن تفغو عينيها و أقدار تنهال عليها مرّة واحدة .. أ لك أن توقف الزمن أخي للحظات ..
للحظات فقط ..
تلك استراحة محارب اتلهف اليها .. اريد أن أضع رأسي بعيدا عن كل شيء .. لأنام .. لأموت ... لأغيب فقط ..
للحظات ..
ثم بعدها فليحدث ما يحدث ..!
- لا ما رقدت ..
- انزين وصلنا ..
رفعت رأسها لتجد السيارة قد توقفت أمام البيت .. ليسألها بهدوء ..
- محتاية شي ..
كانت ابتسامتها ميتة و هي تقول بارهاق جعل عينيها الواسعتين تبدوان فجوة بلا قرار ..!
- سلامتك يا الغالي .. سلم على أمايا و عبيد و عمي سلطان ..
- يبلغ .. باكر العصر ان شا الله بخطف عليكم .. و انتي اشربي الدوا و ارتاحي .. تحملي ع عمرج ..
همست و صوته الحاني يدفعها لشفير البكاء .. تشعر بدمعتها المتخاذلة قد أقبلت .. فتتدارك أحزانها و هي تفتح الباب ..
- لا توصي .. و مشكور فديتك ..
لم يتبين ذهنها الغائب ما يقول و هي تغلق الباب بهدوء لينزل زجاج النافذة و يلوح بيده فترد التلويحة بوهن قبل أن ينطلق .. تستدير للبيت و هي تمشي بخطى متثاقلة .. تشعر بان كل خطوة ترتج لها عظامها و المخ بقوة ..
بدا الليل باردا للغاية .. و الباب الذي تدنو منه ببطء بعيدا ..
قبل أن تشهق بقوة و أنفاسها تحتشد في حنجرتها حين أطبقت قبضة حديدية من المجهول على ذراعها الغضة و هي تجرها جرا للداخل ..
لم تستوعب ما يحدث خلال تلك الثواني حتى وجدت نفسها تدفع لمجلس الرجال بقوة جعلتها تتعثرو هي تصر بيدها على كيس الدواء .. التفتت بصدمة نحو هذا الهمجي الذي قام بهذا . لتجده يقف أمامها ملامح وجهه المتصلبة بدت شيطانية للغاية و هو يلهث بفرط ما يخالجه من غضب .. كان صوته مزلزلا و هو يصيح بها بغلظة قبل أن تبدأ بالهجوم ..
- امنووووه هالحيوااااان لي كنتي ويااااه ..؟؟؟!!
انتفض جسدها الضعيف بقوة ذعرا .. بدا مجنونا في تلك اللحظة و أخافها بشدة لم ترى هذه الناحية من قبل .. فكل ما كانت تواجهه مسبقا جبل الجليد ذاك ..! ارتعش صوتها و هي تقول بخوف و تنأى بنفسها عنه ..
- مــ .. ماا .. مايد ..!
تجمد لبرهة في مكانه .. قبل أن يدنو منها .. تراجعت للخلف بسرعة .. بدا مخيفا و هو يشرف عليها بهذا الشكل .. و عاد يصرخ في وجهها مجددا ..
- و شوووه كنتي تسوين وياااه .. انتي ناسية انج ع ذمة ريال .. و الا شفتي الدنيا فالتوووه و قمتي ترتغدين يسار و يمين .. عنبوووه أبوكن ما قد له شهر متوفي و خواتج يرتغدن في الشوارع .. و انتي كل ساع و يا هالسبال .. انا بربيج يا الخايسة و بربيه ..
كان صراخه يصم أذنيها و هي تشعر بالدوار .. حتى بدأ بشتمها .. فانتفضت بغتة و هي تصيح بضعف ..
- انته تخبلت .. ؟؟!!
كان الرد فوريا و هي تشعر بأن الدماء سد مجراها في الذراع ..
- تخبلت يوم انيه ميودنج ظاهرة ويا واحد .. شوه كنتي تسوين وياااه هااا ..؟؟
ارتجفت بشدة و هي تصارع الدموع بقوة .. لم ترد أن تبكي أمامه قط رغم أن صوتها راح يتهدج بوضوح ..
- انا و خواتيه أشرف منك و من لي يابووك .. ماااايد أخوووووية ..
هزها بعنف ..
- هندي تقصين عليه .. أخوج من وين ..؟؟
راحت تقاتل بضعف .. تشعر بانها تستهلك ذرات القوة الأخيرة .. تفني نفسها ..
- خوووية بالرضاااع ..
لحظات طويلة شعرت بانها ستتهاوى خلالها قبل أن يفلت ذراعها .. بدا وجهه مجردا في تلك اللحظة و خاليا من أي تعبير .. لا زال يقف أمامها بجسده الكبير .. و هي تنظر لغطاءها الذي سقط أرضا .. و شعور بالموت يزحف في روحها .. ينهكها .. و يلتهم الاحساس في داخلها .. و هي تقول بصوتها المبحوح ..
- انته شوووه تباا .. شوووه تبووون مناااا ..
هزت رأسها بجنون و خيط التعقل قد انقطع و صوتها يرتفع باستماته إلى ما يقارب الهمس ..
- أنااا ماا اباااك .. طلقني .. فكني من شرك .. طلقني و اظهرووو من حياتنا .. ما نباا منكم شي .. ما نباا فلوووس .. و لا معووونة .. خلووونااا في حالنااا ..
.
.
كانت حدقتيها تتسعان بغرابة و هي تتلفظ بتلك الكلمات بغير ادراك بدت غير واعية لما تقول و هي تتحرك بسرعة لتدفع صدره بيدها .. لم يجد في نفسه الرغبة في الاعتذار حين وبخها على ما اعتقد بأنها تفعله .. و لكن لما بدت هكذا كالميتة .. و هي تنظر اليه بلا هدى و صوتها المبحوح المنخفض يتهدج ..
- ما نباا شي منكم .. اناا بييب فلوس و بخلي عفاري تدرس .. ما نباا صدقة .. انتووه شوه دراكم .. كل واحد لاهي بـ ..- ثم أمسكت رأسها بين يديها و هي تتوجه للباب -.. و نايف بحامي عليه .. أنا ولي أمره .. محد بيروم يأذي خوانيه .. انتووو .. مـ ..
عادت صورتها يوم وفاة والدها لذهنه .. ها هي تهذي الآن .. و لكن,,
كنت تترنح بشدة و بدا أنها على وشك السقوط .. في خطوة واحدة وصل اليها ليمسكها بقوة قبل ان تهوي على الأرض .. وضع يده خلف عنقها لتلذعه حرارة جسدها الساخن .. اتسعت عيناه بقوة ..!
قبل أن يرفعها ببساطة بين يديها ليعيدها من عند الباب إلى داخل المجلس فيمددها بهدوء على الأرض و يجثو قربها ..
وجهها الشاحب و وجنتيها الحمراوين الساخنتين ..و شفتها القرمزية .. بدت كالميتة .. رغم حرارتها .. شعرها المتدلي على جبينها بدا حالك السواد بالنسبة لشحوبها ..
و صدرها يعلو و يهبط في أنفاس متحشرجة ذات صفير غريب .. بدأ نبضه يتسارع بقلق .. أمسك كفها اليمنى لتضيع في يده الكبيرة و راح يضرب خدها بخفة و هو يناديها يقلق ..
- حور .. حور ..
اضطربت أنفاسها .. تسمعه إذا ..!
مسح على رأسها برقة و هو يسالها بعطف ..
- حور بلاج ..؟
شعر بانقباض في قلبه .. شيء كالشلل جمده و هو يرى دمعة صافية .. ساخنة .. تنزلق من جفنيها المطبقين .. و صوتها الهامس يخرج بوهنٍ يقارب الاحتضار و كأنها تسلم بأمرها ..
- انا تعبااااانة ..
سرى ألم غريب يخالطه شفقة .. و قد بدت و هي تستلقي كم استنزفت آخر قواها .. اقترب منها ليقول بشيء من الدفء ..
- انتي مريضة ..؟
لم يكد يقولها .. حتى بدأت تبكي .. كانت تبكي بخفوت و تعب شديدين لتنقل على جانبها .. أوجعه منظرها هذا .. و صوتها المتألم يأتيه من بين أنفاسها المتحشرجة ..
- هييييه .. انا مرييييييضة ..
التفت للوراء و كأنما وعى ذهنه الغائب لشيء ما فتسقط عينه على كيس الدواء الملقى أرضا .. أراد أن يلكم الجدار بكل قوته و هو يشعر باحساس ثقيل و الذنب يكتنفه .. و كل صراخه و عنفه يدور أمام عينه الآن .. لقد هاجمها بهمجية و وحشية في حين كانت خائرة القوى عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها ..!
رفع رأسها عن الأرض و هو يجلسها فيما ارتخت و لا زال صوت نحيبها يتردد بخفوت قرب أذنه ليمزقه باحساس قاتل .. لم يكن قط حقيرا مع من هو أضعف منه ..!
لم يضر إلى استعمال قوته أو قسوته حين بامكانه حل الأمور بغيرها ..
و لكنه الآن دهس هذه الفتاة الهشة حين جرّدت من قوّتها .. ليصدمها بعنف و يفرغ كل غضب يومه ليصب جامه عليها ..!
أسند رأسها برفق لصدره الفسيح .. و هو يتخيل ما قد تقول أمه نورة عن كل هذا .. و عبارات أخرى تمتزج ببعضها في ذهنه ..
تحدثت عن مال و دراسة لفتاة ما .. ! و عن أخاها ..!! هل كانت تواجه ضغوطا ما ..!
شعر بأن حملا ألقي على كاهله و هي تحول بضعف الابتعاد عنه .. و صوت خبيث يتردد في ذهنه ..
.
.
.
((قصديه إن لي بييلس وياهم لازم يكون محرم لها .. و محد محرم لها إلا غيث .. هب ريل بنتها ..؟؟ ))
.
.
.
رغم الحقد الذي تجلى في تلك الفكرة إلا أنها كانت صائبة .. وجودهن هنا دون رجل جعلهن عرضة للأذى ..
الآن و هو يجمع حطامها بين راحتيه .. ادرك أن لا حل لهذا الوضع سوى خطوة واضحة ..
عليه أن ينتقل للعيش هنا حتى يتمكن من نقلهم لبيت جده ..!

* * * * *

أمواج
01-12-2007, 06:49 AM
الله يعطيج العافيه أختي الماس ..

والله وشو أقول لج غير أن القصه ابدااااع ماعرف وش أوصف ولا أقول حسيت نفسي عايشه في جو القصه ..

البنات أخيرا افتكوا من هالسبال اللي ما يتسمى سالم هههههه بسس يستاهل اللي صار له ..

غيث الله ياخذه بس يقعد يتهم ويحب يشوف الخضوع من غيره اشوي وكنت أبي أدش في القصه أذبحه وأفكها منه ..

الجده مسكينه والله كسرت خاطري انتظرت كثير تبي تشوف ولدها لكن الحين صايره محطمه بس الحمد لله شكل خبر الياهل الجاي في الطريج فرحها على الاقل بتربيه بنفسها ..

على أن غيث زوج حور لكن ماجد أكثر واحد متحمل عايلة حور ويساعدهم ..

شيخه بطت جبدي مادري ذكرتني بايام المدرسه على حركات البنات بس ماتوصل لهالدرجه من الحب أنها تقص شعرها وتتحطم وشكل هالبنيه رايحه فيها ..

سيف خطب روضه لكن بتوافق من بعد كلام رفيجتها .. وبعدين معظم البنات نظرتهم للملتزم أنه متشدد ويحرم ويحلل على كيفه ..

في الاخير أنتظر الخطوه القادمه بفارق الصبر ..

وتسلم أناملج على نقل القصه الرائعه ..

السنافية
01-12-2007, 08:17 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،،

مع انه كان بودي تشرفنا في مجالسنا .. وتنزل القصه بنفسها .. لكن معذوره يا الغلا ..


الشرف ليه يا وخيتي ،،

و متابعة لردود بصمت :)

لا هنتي ع المجهود الطيب ..



ختج / ليتني غريبة

أمواج
01-12-2007, 09:51 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،،



الشرف ليه يا وخيتي ،،

و متابعة لردود بصمت :)

لا هنتي ع المجهود الطيب ..



ختج / ليتني غريبة

يامرحبا أختي ليتني غريبه منور منتدى المجالس فيج ..

ما شاء الله عليج كتابتج للقصه رائعه جدا حسيت نفسي عايشه وياهم ..

وان شاء الله كتابتج للقصص دوم في ابداع على هذا المستوى وأكثر ..

ونتمنى تواصلج ويا المنتدى ..

أختج \ أمواج ..

السنافية
02-12-2007, 01:06 AM
يامرحبا أختي ليتني غريبه منور منتدى المجالس فيج ..

ما شاء الله عليج كتابتج للقصه رائعه جدا حسيت نفسي عايشه وياهم ..

وان شاء الله كتابتج للقصص دوم في ابداع على هذا المستوى وأكثر ..

ونتمنى تواصلج ويا المنتدى ..

أختج \ أمواج ..

الله يرحب بج ع فضله ..

منور بهله الشيخة ..

ما عليج زود يا وخيتي ،،

و بيض الله ويهج ع الرمسة الطيبة ..

لا هنتي ،،

.: المــاس :.
02-12-2007, 09:33 PM
الله يعطيج العافيه أختي الماس ..

والله وشو أقول لج غير أن القصه ابدااااع ماعرف وش أوصف ولا أقول حسيت نفسي عايشه في جو القصه ..

تلوميني بحب هالقصه :4s2j9s (26):

البنات أخيرا افتكوا من هالسبال اللي ما يتسمى سالم هههههه بسس يستاهل اللي صار له ..

بردو حرتي فيه ولو ذبحوه كان احسن ..

غيث الله ياخذه بس يقعد يتهم ويحب يشوف الخضوع من غيره اشوي وكنت أبي أدش في القصه أذبحه وأفكها منه ..

صحيح يبيله تسطير .. بس تراه ملح القصه :em03:



الجده مسكينه والله كسرت خاطري انتظرت كثير تبي تشوف ولدها لكن الحين صايره محطمه بس الحمد لله شكل خبر الياهل الجاي في الطريج فرحها على الاقل بتربيه بنفسها ..

الله يجبر بخاطرها .. اكثر وحده تكسر خاطري صراحه :( ..

على أن غيث زوج حور لكن ماجد أكثر واحد متحمل عايلة حور ويساعدهم ..

عسا فاله عفرا << شدخل

شيخه بطت جبدي مادري ذكرتني بايام المدرسه على حركات البنات بس ماتوصل لهالدرجه من الحب أنها تقص شعرها وتتحطم وشكل هالبنيه رايحه فيها ..

يووووه ما شفتي اللي كنت ادرس فيها .. نسخه مصغره من الجامعه :glare:

سيف خطب روضه لكن بتوافق من بعد كلام رفيجتها .. وبعدين معظم البنات نظرتهم للملتزم أنه متشدد ويحرم ويحلل على كيفه ..

للأسف واقع مؤلم :( .. ما يدرون وين مصلحتهم وسعادتهم فيه .. والله يهديهم ان شاالله ..

في الاخير أنتظر الخطوه القادمه بفارق الصبر ..

وتسلم أناملج على نقل القصه الرائعه ..

وانا بعد كنت انطر السابعه .. وبعد هالخطوه .. صرت انطر الثامنه بفارغ الصبر ..

ويسلم لي مرورج الاروع ..

عاد لا تختفين مره وحده :4_9_17v: .. طلي ع القصه متى ما سنحة لج الفرصه ..

موفقه غناتي ..

.: المــاس :.
02-12-2007, 09:35 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،،



الشرف ليه يا وخيتي ،،

و متابعة لردود بصمت :)

لا هنتي ع المجهود الطيب ..



ختج / ليتني غريبة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

فديتج والله .. سرني ردج ومرورج العطر ..

عاد لا تبخلين علينا بمشاركاتج معانا ..

ويا جعلج تسلمين يالسنافيه .. وعساه دوم هالتميز يالغلا ..

لا تقطعين عاد :4s2j9s (26):

.: المــاس :.
08-12-2007, 06:21 PM
بتـــاريخ 4 / 12 / 2007


المبدعه قالتــ ..

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته



مغلقة حتى إنقضاء فترة الإمتحانات


دعواتكم :)




ليتني



وبالامس قالتــ ..

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

تفتح لمتابعة الردود على الخطوة السابعة

و لنا لقاء هذا الخميس بإذن الله



ليتني



تمنياتي لج بكل التوفيق ..

وناطرين الخطوه بفارغ الصبر ..

أمواج
09-12-2007, 09:57 AM
تسلمين أختي الماس ..

وفي انتظار البقيه بعد الامتحانات ..

.: المــاس :.
14-12-2007, 04:57 AM
الخطـــــــــــــــوة الثامنــــــــــــــــــة .. }


[ .. خطوات تدنو ..! ]






عقارب الساعة تغفو على التاسعة مساءا ،،
هذا السكون الذي عايشته طوال حياتها .. هذا الصمت المطبق الذي احتوى مسامعها و لم يخترقه شي يوما ..
إلا حفيف ..!
مناوشات تلك الأصوات المستميتة التي قد تبلغ شيئا من المستحيل لتداعب مخيلتها ..
تجيل عينيها الواسعتين في تلك الأوجه الحبيبة التي تحيط بها .. قبل أن ترفعها مجددا لعقارب الساعة ..
لا زالت غافية على التاسعة ..!
هل ترتقب عودتها هي الأخرى ..؟!
تأخرت كثيرا .. مضت ساعتين على قدوم أخاها ليأخذها للمستشفى ..
ما هو حالها الآن يا ترى ..؟!
هبت من مكانها واقفة متجهة نحو غرفة أمها القريبة .. دوم تتكسر الخطوات عند هذه العتبة العتيقة ..
ابتلعت عبرة كبيرة سدّت حلقها و هي تريح راحتها على الباب الخشبي بهدوء ،، تقاوم رغبة ملحة في أن ترفع يدها عنه و تعود لمكانها ..
تعلم جيدا أي وجع سينخر روحها مع تحطم أمنية حمقاء بأن أباها لم يرحل و أنه سيعود في لحظة ما .. لتفتح الباب فتجده يريح رأسه على مخدته القاسية .. و قد أرخى جفنيه استعدادا لسعي غدٍ منتظر ..!
رغم هذا تفتح الباب ببطء .. لتجد مكانه الخالي يسخر منها ..
شيء يمزق وجدانها .. كلما اصطدمت عيناها بفجوة تركت بعده .. و كأنما تواجه رحيله للمرة الأولى ،،
مدت راحتها تمسح وجهها بهدوء .. لتنحي ذاك الإحساس الأسود جانبا .. و ترسم ابتسامة باهتة على وجهها و هي تنظر لأمها بحبور .. فترفع تلك عينها مع شعورها بوجود أحد معها لترد ابتسامته بأخرى شاحبة مثقلة بالحب ..
فتربّت إلى جانبها .. تتقدم و عيناها تمسحان منظر أمها الهادئ ،، نحولها البالغ .. و الإرهاق الذي حفر أبدا على محياها ..
جلست بجانبها و هي تبتسم لها .. لم يعدن يتركنها لوحدها كثيرا يتبادلن الحديث معها .. و يلهينها عن أحزانها ..
رغم عدم إبدائها رغبة للانتباه أحيانا .. و لكنهن يعلم أنها ستضيق ذرعا بالحزن إن جلست لوحدها و الأفكار ..!
.
.
.
.
.
.
- بيتخبلن ربيعاتيه يوم أخبرهن السالفة .. خص نوفانه موتاا و سوالف الفزعة ..
قالتها دانة بحماس و هي تنقل بصرها ما بين عفرا التي راحت تقلب صفحات كتابها بهدوء و نورة التي ابتسمت بتفاعل هي الأخرى و هي تثني الثياب و تنهي كيّها في دورها اليومي .. و تبتسم قائلة ..
- و كيف بتقوليلهن السالفة و انتي ما حضرتيها ..؟؟!
ابتسمت بمكر و هي تلتفت لنايف الذي استلقى تحت التلفاز وسيلة التسلية الوحيدة في البيت و أختاه الصغيرتين تقبعان عند رأسه ..
- هب صعبة صاروخين من صواريخي و المعلومات لي بيفيدنا بها بو حمد . بس أهم شي تعرفين انتي تفاصيل السالفة عسب لو يت عبير تسألج عنها اذا صدق .. هي تستحي من عفرا .. و أكيد بتيلس تكذبنيه .. عاد هاي هب ربيعة .. عذول الله يخسهاا .. ويها لووح التافهة .. تخيلي تتصيدليه .. ما طاعت تصدق - و ابتلعت ريقها مع اتساع عيني نورة اهتماما - انيه بنت حمد بن سيف لي نشروا نعية في كل الجرايد .. يعني بدل لا تعزينيه و تيلس تواسي .. قالت كذيه - و راحت تغير نبرتها تقليدا - أحين أبوج ينعونه الشيوخ و انتي تسيرين و تردين بالباص ..؟ - تنهدت و هي تلوح بيدها اشمئزازا - الحمد الله انها ما يت ويا البنات لي ين ويا المدرسة العزا ..!
قالت نورة بلا اهتمام ..
- و الله أنا من شفتاا هالعبير ما حبيتاا .. احسهاا وايد خقاقة مادري ع شوه ..؟!!! عفاري شرايج ..؟
ردت عفرا دون أن ترفع عينها عن الكتاب ببرود ..
- راييه ان ما عندج سالفة انتي وياها .. نشن زخن كتاب و ذاكرته بدال ما تاكلن لحمها المعفن .. باقي اسبوعين ع الامتـ .....
بترت عبارتها تلك الصرخة الرجولية التي اخترقت المكان بقوة ..
- ناااااااااايف ..
انتفضوا جميعهم و نايف يقفز واقفا و عيناه تتسعان .. سقط الكتاب من بين يدي عفرا .. و هي تقف الأخرى و دانة و نورة يقتربن من باب الصالة المفتوح ..
- منوه هذا ..؟؟!
ارتعشت مزنة التي قالت بصوتٍ باكٍ و هي تندس خلف هند بخوف ..
- يمكن حرامي ..
نظرت لها نورة بغيظ ..
- حرامي بيزقر نايف .. و شوه عدنا عسب يصرقه ..؟!
قالت دانة يتوتر ..
- هذا عند باب الميلس صوته قريب .. يمكن حد من أعماميه ياي عسب السالفة لي استوت اليوم .. أمييييييييييييه ..!! وينج يا حوووور ..؟؟
نظر لنايف الذي دنا من الباب بعزم يهم بالخروج لتقبض عفرا على ذراعه باضطراب ..
- تبانيه أسير وياك ..؟؟
نفض ذراعها بصرامة و وجهه الصغير ينعقد بضيق و هو يزيد من خشونة صوته الحاد ..
- تظهرين للريال ..؟؟؟ استريحي .. بسدكن أنا ..
و خرج تاركا إياها .. راح يدفع الخطة ليجتاز الحوش الصغير ثم يدلف من الباب الذي يوصل للفسحة الضيقة الواقعة بين الباب الخارجي و باب المجلس الداخلي ..
هناك فردتي حذاء رجل كبيرتين تركتا عند باب المجلس الذي كان بابه مفتوحا و أنواره مضاءة ..اقترب منه بسرعة ليطل برأسه مع الباب .. فتصطدم عيناه ببياض ثوب ذاك الرجل الذي كان يوليه ظهره العريض و هو يجثو على ركبته .. لفت انتباهه سواد طرف تلك العباءة الذي زحف خارج حدود تغطية الجسد الكبير ليعقد جبينه و هو يسلم بصوت مسموع ،،
- السلام عليكم ..
التفت رأس الرجل نحو نايف بحركة سريعة فيما لا يزال جسده ثابت في مكانه و لكن تلك الالتفاتة كانت كل شيء و عيناه تتسعان بارتياع .. و الرعب يشل أوصاله ..
شعر بنبض خافقه يتباطأ .. أين رأى هذا الاستسلام و الشحوب الذي يسكن وجهها الشاحب الآن ..؟!
هنا .. على هذه العتبة .. حين غفا والده للأبد ..
ارتعشت قدماه و الاحساس .. ذاك الرجل الذي تعرف وجهه وسط رعبه بضبابيه يسندها بصلابة فيما تستلقي هي و ترخي أطرافها بلا حراك ..
لما تبدو بهذا الشكل ..؟ لماذا هي خائرة الشعور هكذا ..
هل ستغفو هي أيضا إلى غير يقظة ..؟!
انغرس ذاك اليقين في قلبه بقسوة .. و هو يشعر بعبراته تنزلق بخوف ..
لا يريد أن يفقدها .. لا يريد ..!
.
.
.
ينظر له و هو يقف بجمود في مكانه .. نظراته تنصب على أخته بجزع .. استغرب تلك الدموع التي بللت وجهه الصغير و هو يتقدم بخطى متعثرة .. لم يلقي نظرة واحدة عليه ..!!
جثا على ركبته ليتضح حجمه الضئيل أمام ضخامته .. و هو يلتقط كفها التي تلامس الأرض برقة ..
و صوته المتهدج الهامس يداعب وجنتها الحارة ..
- حور ..؟ حور ..؟!
لم تجبه .. كانت واهنة ..
واهنـــــة للغاية .. لم تقوى أن تطمئنه حتى ..!
- حـــور .. حـ ... حــ..ــور ..- ابتلع شهقة و هو يدنو منها أكثر - ليش ما تردين عليه ..
يبدو أنا قد استهلكت آخر قواها .. لم يعد بامكانها الحراك و انهاء رعب هذا الطفل .. الذي راح يشد على قبضتها و هو يحاول احتواء جسدها بين ذراعيه الصغيرتين و قد بدأ يبكي ..
- حووووور .. انتي ميتة ..؟! حووور لااااا تموووتيييين .. لااااا تمووووتين ..
دفن وجهه في حضنها و هو ينشج ،،
- حووووووووور ..
اتسعت عيناه دهشة من هذا الانفجار .. قبل أن يشعر بشفقة هائلة اتجاه هذا الطفل .. هل فقدانه لأبيه انتزع شعوره بالامان ..؟! لماذا اعتقد أنها ميتة ..؟
كان عليه ان ينهي خوفه بطريقة ما لذلك قبض على كتفه بقوة و هو ينهره بصرامة ..
- ناااايف .. بلاك .. حور تعبانة شوي و بتنش الحين لا تخاف .. خلك ريّال ..
لا يريد ..
لا يريد أن يكون رجلا .. انه خائف ..
يرى ركائز حياته تنهار واحدة تلو الأخرى .. لا يريد أن يفقدها الآن ..!
رفع عينه و و هو لا يمسك شهقاته ..
- ليش ما ترد عليه ..؟
نظر في عينيه بقوة ..
- لنها مريضة .. ما تحسها محمومة هي دايخة شوي .. يوم ترتاح بتنش و بترمسك ..
و لكن يبدو أن كلماته لم تكن سوى استفزاز لعزمها .. لتمد يدها المرتعشة بارهاق شديد و هي تكافح لتفتح عينيها الحمراوين الدامعتين ..
- نااايف ..
نظر الاثنان إليها فيما تركز رؤيتها الضبابية على وجه أخيها الصغير .. قبل أن تعود لترخي جفنيها بمرض ..
أومأ نايف برأسه موافقا و هو يمسح وجهه بهدوء و غيث يتابع آمرا و هو يعود فيمددها على الأرض بهدوء ..
- الحين سير شوف ليه الطريق بوديهاا حجرتاا ..
- حور ما عندها حجرة ..!
عقد جبينه بعدم فهم ..
- وين ترقد ..
- يعني ما عندها حجرة بروحها .. هاييك حجرة البنات كلهن .. بس بتوديهاا حجرتيه ..
هز رأسه بعجل و هو يقول بسرعة ..
- غايته .. سير شوف لي الدرب ..
ركض نايف نحو الباب قبل أن يوقفه صوت غيث القوي الحازم ...
- نايـــــف ..
توقف نايف ينظر له بلهفة .. ليقول له ذاك آمرا ..
- امسح ويهك عسب لا يتروعون هلك ..
هز نايف رأسه .. قبل أن يختفي خلف الباب .. عاد ينظر لها .. صدرها يرتفع و يهبط بقوة و هي تتنفس بصعوبة .. جبينها ينعقد بضيق .. للحظة عادت لفتح عينيها التي كانت تمتلئ دمعا ينزلق باردا على خدها الساخن و هي تهمس بضعف محاولة بجهد أن تستوي جالسة ..
- ماابااك تودينيه .. انا أروم أمشي .. ماابااك ..
و لكنها تهاوت تحت راحته التي أجبرتها على الاستلقاء مجددا و هو يقول بقوة آلمتها ..
- ما سألتج ..
راحت تنقلب على جنبها مجددا و تتدفق الدموع من بين جفنيها المطبقين و صوتها الرخيم يهمس ..
- خلناا فحالناا .. انتـ .. أناا ماباا شي منكم .. ارحمــ ..
تتقطع الكلمات المنفلتة من بين شفتيها .. قبل ان يظهر نايف مجددا و هو يلهث ليلتقط كيس الدواء المرمي أرضا..
- الطريق فاضي .. اقرب ..
انحنى عليها بسرعة و هي تضع يدها على صدره بيأس ترفضه و هي تدفع هذا الجدار الصلب باستماتة و همسها تخنقه الأنفاس فلا يصل إلا لمسامعها ..
- لاااا ..
و لكنه رفعها بين ذراعيه بخفة و كأنما لا تزن شيئا ليدني رأسه من أذنها بصوت خافت ..
- أوصصص ..
تقدمه نايف ليتبعه و هو يقطع الممر القصير ليدلف مع باب اوصله للحوش الصغير الذي كان يصل الصالة الضيقة التي بدت رثّة المنظر في عينيه بباب دلفه ليشير نايف بسرعة لباب توسط اثنان آخرين و هو يقول بخوف ..
- هاي حجرتيه ..
تقدم منها بسرعة ليدفعها بقدمه فينفتح الباب على بقوة .. كاشفا عن حجرة ضيقة قبعت في زاويتها خزانة ملابس صغيرة و ألصق في الجدار سرير صغير وضعت عليه أغطية بسيطة للغاية ..
شعر بصدره و قد أغرقته دموعها التي لم تتوقف .. فاقترب من الفراش ليمددها بهدوء عليه .. لا تزال ترتدي عبائتها و الحذاء .. أما الغطاء فقد سقط في مكان ما ..
التفت لنايف الذي دنا منها بسرعة ليأمره بصوت قوي تعمد أن يرفعه كي يصل لمسامع أي أحد يقف قرب الباب ..
- ارقبنيه برا .. لا تخلي حد يحدر الحجرة الين أظهر .. فهمت ..؟
ابتلع ريقه و هو يومئ برأسه غير قادر على سلخ نظراته عن وجهها .. و عيناه تتأملان كل ارتفاع و هبوط لصدرها ..
لا زالت تتنفس ..هي حية إذن ..!
لن يعود أبدا لتك الأمور السيئة التي قام بها بعد موت أبيهم .. و لكنه يتوسل اليها أن لا يفقدوها ..!
استدار بسرعة و تلك الأفكار تعصف بعقله الصغير .. قبل أن يغلق الباب .. مخلفا وراءه الصمت المطبق ..
.
.
.
ما أن تناهى لمسامعها صوت الباب و هو يغلق .. شعرت بأن عزائمها تنفلت ..
شعور بالإنكسار غزا روحها و هي تستلقي هنا بلا قوة .. لقد اقتحم الآن حدود بيتهم و حرمته ..
هذا الغريب وجد الفرصة لتصل يده إلى أمان هذه الجدران ..
شعرت بالضعف .. لا يمكنها التصدي لهذه الفكرة .. عاجزة عن كل شيء .. تشعر بانها تجر لدوامة من الأوجاع ..
هذا الهدوء الذي يلفها .. هل ذهبوا ..؟!
ارتعشت شفتيها و أنفاسها المتثاقلة .. شعر بأنها على وشك الانفجار سخونة و هي تغطي وجهها بكفيها و تترك العنان لدموعها التي لم تتوقف للحظة و شهقاتها المتتالية التي راحت ترتفع بقوة .. و تهز جسدها الضعيف بفعل المرض حين أجهشت باكية .. صوتها المخنوق يتردد في الغرفة و هي تأن بأوجاع تكاتفت عليها في تلك اللحظة ..
كان كل شيء يعاكسها ..كل شيء ..!
تصلب جسدها و اختنقت أنفاسها حين شعرت بتلك الذراع القوية ترفعها من على الفراش لتسندها على ذاك الصدر الصلب الذي سرعان ما ميزته ..
راحت تشيح بنفسها بعيدا عن منأى نفاقه ..
تكرهه ..
تكره وجوده ..
و تركه ذاك الرابط الذي يأخذه حجة ليعاملها بهذه الحرية..
تكره ادعاءه لهذا العطف و هي التي قد اصطدمت بقسوته المجحفة ..
.
.
و تكره نفسها أكثر .. و قد بدأت تخذلها بإحساس الأمان الذي راح يتسرب لها ببطء و مقاوماتها تخمد بين يديه و هو يضمها بقوة و كلماته الخافتة تسعى لتهدئتها لتحتضن فؤادها المضنى بدفء حقيقي .. كادت تصدقه ..!
لما عليها دوما أن تسكب أحزانها بين أضلعه ..؟!
لما تعاندها قوتها ليكون شاهدا على كل تحطم لها ..؟!
كان البكاء قد استنزفها أو أراحها لم تعد تدري ..
شعرت به يعيدها مجددا على المخدة و عيناها لا تفارق السواد خلف أجفانها .. هذه الظلمات رحمة ..
لا تريد أن تواجه الانتصار يلمع في عينيه .. مرت لحظات طويلة ..
أ لحظات كانت .. أم ساعات ..؟!
لم تعد تدري .. مر كثير من الوقت .. و ربما كانت قد غفت و استيقظت مجددا .. كل ما تشعره بأنها عادت تتماسك من جديد .. غريب كيف افترستها الحمى بهذه السهولة ..!
فتحت عينيها ببطء و لا يزال موجودا .. اذا لم يمر وقت طويل ..
رأته ينظر لها بطريقة لم تفهمها و هو يجلسها في مكانها ملتقطا كوب ماء ليسقيها اياه ..
حسنا لم تعهده بهذا الحنان بتاتا .. هل شعر بالذنب لهجومه الذي شنه منذ يعض الوقت ..؟!
يده تسترخي على شعرها .. و تقاوم رغبة قوية في نفضها عنه .. و صوته الهادئ يصلها .. لم تسمعه يحدها بهذه النبرة مذ التقته ..!
دوما كان للقسوة نصيب ..
- حور انتي تعبانه الحين .. ارتاحي و عيني من الله خير .. لا تتعبين عمرج .. باكر من الصبح بيكون عندكم سيارة بدريولها توصل البنات المدرسة و تقضي مشاوريكم و في الليل يردها الدريول ..
هزت رأسها ترفض بشدة و هي تفتح فمها للاعتراض و لكنه لم يهتم لها و عادت نبرته تقسو مجددا .. يكره أن يجادله أحد ..
- بس خلاص .. انتي ما تعرفين غير العناد ؟!!.. فكري بمصلحة أخوانج مرة وحدة ..
اغرق الدمع مقلتيها .. ما الذي يقصده .. دوما تهتم لمصلحتهم .. تابع و هو ينهض من مكانه واقفا .. جسده المديد ملأ جو الغرفة حتى بدت ضيقة للغاية .. خانقة ..!
- أنا برتب أموريه و بيي أسكن هنيه الين تنقضي عدة أمج و تنتقلون البيت العود ..
ارتعشت أوصالها و هي تهمس معارضة بضعف ..
- لااااا .. ما نباااك عدنـ ...
- انا أخبرج ما أطلب رايج و الا عايبتنج يلستكن و انتن كلكن حريم من دون ريّال .. نحن ملزومين بكن .. و محد بيروم ييلس هنيه الا محرم .. و بما انيه .. - صمت للحظة و هو يرفع حاجبا ساخرة - ريلج ..
كرهت طريقته في قول - ريلج - و هي تشيح بوجهها بعيدا عنه .. فيما تابع هو الحديث غير مكترثا لحركتها تلك ،، و كأنما كان ينتظر منها أن تتماسك فقط ليعود إلى خشونته تلك .. حسنا على الأقل تعرف أين موضع قدمها الآن ..
هذا هو العدو و عليها أن تتصدى لمحاولاته الخبيثة في خرق امان حياتهم .. لا يمكنه أن يسلبهم ما تبقى من أيامهم قبل أن يضمهم ذاك الجد لكنفه .. شعرت بان تلك اللحظة ستكون الأخيرة لا تدري لما ..!
- أنا الوحيد المحرم لكن و لأمج بعد .. عسب كذيه .. من باكر برتب الميلس عسب أيلس فيه ..
تسحب نفسا قويا تلتمس شيئا من الصلابة .. تبا .. ألن تتوقف مآقيها عن ذرف الدموع ..
- نحن هب محتايين ريال ويانا .. سادين عمارنا ..
نظر لها بامعان يتفحصها .. شعرت بوطء نظراته تلك رهيبا .. عيناه المتكاسلتان تسخران من الضعف الذي بدا في صوتها .. أم شيء آخر ..؟!
- صدق و الله ..؟ سادين عماركم ..؟؟ و نايف و عفرا ..؟؟
رفعت رأسها مجفلة بضعف .. لم تكن تعلم أنه يصطاد بثقة في الظلام .. و أن اجفالها هذا كان كل ما يحتاجه ..
هناك مشاكل إذا تعجز عن السيطرة عليها .. !
ابتسامته البغيضة التي توسطت وجهه الصلب كان بمثابة طعنة لها .. لا يمكنها التذكر حتى ما الذي تفوهت به في غمرة غضبها المجنون .. كان عليها أن تحكم نفسها .. كي لا تجد نفسها هنا الآن تحت رحمته ..
تعلم جيدا أنها ليست حمل معارضته أبدا .. يمكنه أن يدمر أي عذر تقدمه ..
كانت تجلس على السرير و هي تسند ظهرها المنهك على الجدار .. ضمت ركبيتيها لصدرها .. شعرت بأنها لا تقوى على رفع خصلات شعرها التي تلتصق بجانب وجهها بفعل الدموع ..
أسندت جبينها الساخن بيدها تعبة .. أفكار شتى تتنازعها .. لم تعد للحظات تريد أن تفكر بشيء ..
.
.
يعقد ذراعيه أمام صدره و هو يقف في مكانه يتأملها .. لم تجبه بعد كلماته الأخيرة ..
بدت و هي تضم نفسها هكذا كطفلة خائفة .. لا زالت تعتريه الدهشة كلما قابلها .. لا يمكنه تصور أن هذه الفتاة تبلغ من العمر أربعة و عشرين عاما .. بدت أصغر من ذلك .. في سن أخته شيخة مثلا ..؟!
الحقيقة أن هناك العديد من الأمور لا تزال في انتظاره .. هناك الكثير لينجزه ..و أولها رؤية جده وجدته ..
متأكد بانهما سيصعقان بالخبر .. ما الذي سيفكر به جده يا ترى ..؟! هل سيكفيه ذلك حتى تخرج زوجة عمّه من العدّة ..؟!
لطالما كان يثق به و بوعوده .. ما الذي يتغيّر يا ترى حين يصر على تأجيل توقيع عقد نقل الملكية حتى زواجه ..؟
متأكد بان جده واثق بانه لن يخدعه .. و أنه حتما سيفي بوعده بالزواج بها ..!
أمعن النظر في رأسها المطرق ..
يتزوجها .. !
هذه الفتاة زوجته ..!! ها هو يراها بلا غطاء .. شعرها ينسدل على جانبي وجهها بتعب و ظهرها المنحني يرتفع و ينخفض .. أتاه صوتها الضعيف و هي تتساءل بحيرة ..
- ما دري ليش متعبل ابنا .. نحن ما نشوفك الا غريب ..!
هل تفكر بصوتٍ عالٍ ام أنها تطرح سؤالا ينتظر اجابة ..؟! لا يزال وجهه شامخا يخلو من التعبير و صوته العميق يتردد بين جدران الغرفة الضيقة ..
- انتي حرمتيه .. و بنت عمي .. و نحن ملزومين ابكم ..
انتفض قلبها بطريقة كرهتها و هو يتبجح بقوله - حرمتيه - و كأنما يسعده حقا هذا .. !
رفعت رأسها لتسقط عينها في عينيه و هي ترفع صوتها الهامس تلتمس شيئا من الصلابة ..
- خلاص طلقني و فك عمرك من الهم ..
رفع حاجبه بتكبر و هو يقول بقوة ..
- و من قال لج انيه أبا أطلق .. انا مرتاح بالهم ..
وضعت أناملها بألم على شفتيها .. تشعر بالدوار .. الصورة هذه مشوهة أمام عينيها بطريقة ما .. و هي تقول بخفوت ..
- أنا أباك تطلقنيه .. طلقنيه ..
تصلب فكّه بقسوة .. و عينه تتحولان لقطعتي جليد .. جسده المديد يتقدم ببطء نحوها ..
حمقاء .. لا تعلم ما الذي تقف حقا عليه .. هي المفتاح الوحيد لذلك الجهد الذي كان يكابده منذ سنتين ..
راح يكبح رغبة عارمة في مد يده ليشد نعومة شعرها الذي احتضن وجهها الشاحب المحموم بقوة ..
اكتفى بنظرة متسلطة عليها .. قبل أن يعيد كتفيه إلى الخلف و يمد يده و هو يمسك بذقنها الرقيقة بإحكام عجزت عن الانفلات منه .. و صوته الآمر يقول بصرامة قاطعا هذا الحديث التافه ..
- انتي تعبانة الحين ارقدي ..
لمس بإبهامه طرف خدها .. فارتعشت و هي تشيح بوجهها عن رؤيته ..

* * * * *

- ياااااااااا وييييييييل حالييييييييييييه ..!!!
كانت تلك الصرخة المروعة لأمها التي وضعت يدها على صدرها و عيناها تزيغان بقوة .. هبت روضة التي شحب وجهها من الصدمة لتمسك بيد أمها التي بدا أنها على وشك الإصابة بالفالج ..!
بينما وقفت هي دون حراك .. ببنطالها الخشن الواسع و الفانيلة القطنية التي تكاد ان تصل لركبيتيها .. و شعرها المقصوص الذي صعق أمها بشدة ..
وجه أمها المحمر و أنفاسها المتسارعة .. كانا خير دليل على العاصفة التي تعتمل في داخلها .. و لكنها لا تكترث الآن .. يمكنها ابتلاع غضب أمها و تجاهل اخوتها .. تعلم جيدا أن أباها لن يجد الوقت ليعنفها على ما لا يهمه ..!
أمها تصرخ بجنون و عيناها تكادان تفارقان محجريها و هي تلهث ..
- شيخووووووه ويييييييين شعرج ..!!!!!!!!
كانت هناك لمعة في عينيها .. لم تعلم إن كانت دموع أم أنه بريق الصدمة .. لكن ذلك لا يهنيها لذلك رفعت أنفها بثقة و هي تقول ..
- قصيته ..
صاحت روضة في وجهها و هي ترى أمها على وشك أن تفقد وعيها ..
- لييييييييييش قصيتيييييييييه ...؟؟ شوفي شكلج كييييف غااادي .. تقولين واحد من الشبااااب .. و الله لو يشوفج غيث ليذبحج ..
لوحت امها بيدها بهستيرية و هي تصيح لروضة ..
- اتصلييييبه .. اتصلييييبه الحين .. خليييه ايي و يشوف سواااد ويهااا ..
ارتعدت لفكرة مجيء أخيها الأكبر و رؤيته لها بهذا الشكل .. رغم ذلك حاولت التظاهر بالشجاعة و هي تقف في مكانها دون أن تتزعزع .. كانت روضة هي من أنقذها و هي تنظر لها بعتب ..
- لا يميييه غيث خليه برا السالفة .. تعرفين انه ما بيستوي خير لو درا ..
لكن أمها كانت مصرة بجنون ..
- أناا ما باالها الخير .. حسبي الله عليها من بنية بتذبحنيييه .. اتصلبيه .. هاي تخبلت ... باكر بتلبس كندورة أحمدوه و بتسير تصلي في المسيد .. آآآه يا فوادييييييه .. قصت شعرهاا الخبلة .. قصت شعرهاا .. يا ويل حاليه ..
روضة استمرت باصرار في تهدئة أمها .. عليهم نسيان الأمر و أن لا يعرف غيث بالموضوع .. تخيلت مجيئه ليراها فقط بهذا الشكل .. سيدق عنقها ..!!
استرخت هي على الأريكة في الردهة الكبيرة فيما أخت روضة أمها لغرفتها .. تريد ابعادها عن شيخة .. سرعان ما عادت لها .. لتقف أمامها و هي تضع يدها على خاصرتها و تسألها بذاك الصوت الناعم ..
- عايبنج يعني لي استوى .. وااايد أشوفج مرتاحة و لا هامنج شي ..!
تأملت أختها الكبرى دون أن تجيبها .. بثوب البيت الرقيق و هي تقف هناك .. ملامحها الجميلة تنعقد في عزم هادئ .. تقف امامها .. تبعد عنها خطوات فقط .. رغم ذلك كله بدت بعيدة .. أمالا عن هنا ..
شتان بينهما .. لا يمكنها أبدا أن تكون كروضة ..أبدا ..
أشاحت بوجهها عنها و صوت روضة الهادئ يقول بحزم آمر ..
- تقول أمايا خواليه عقب باكر بيووناا .. ما فيه داعي للفضايح شيخة .. بليز ..
رفعت حاجبا محتقرا لأختها الكبرى و صوتها الغليظ يستاءل ..
- شوه قصدج ..؟
رفعت روضة رأسها و هي تقول بثقة ..
- تعرفين شوه قصدي ..

* * * * *

زفر نفسا طويلا من دخان سيجارته و هو يسترخي في مقعده مضيقا عيناه بتفكير ،، كان قد أبلغ جدته و جده للتو عن قراره بالإنتقال ،، و أظهرت الأولى حماسا بالغا كسر روتين بؤسها الذي يغشاها منذ فترة .. رغم تلك الدموع التي خالطت دعاءها له بمرارة .. الغريب هو التعبير المبهم الذي اعتلى وجه جده و هو ينصت له بصمت .. ها هو الآن يستقر خلف مكتبه و عينيه تركزان على وجه حفيدة الأسمر و هو يبدو غارقا حتى أذنيه في ما لا يعلمه .. يسحب نفسا عميقا من السيجارة الذاوية بين أنامله لينفثها دخانا في الهواء .. لا يدخن إلا إذا كان مشغول البال .. عادة سيئة للغاية .. و لكنه لم يفارقها منذ سنوات ..
نظر لجانب وجهه الجامد قبل أن يقول بهدوء ..
- شوه لي خلاك تغير رايك في سالفة السكن و انته ما خليت حد يتدخل فيها من الأول ..؟!
ضاقت عيناه أكثر قبل أن يدس طرف السيجارة المشتعل في المنفضة ليدوس عليها بقوة و يرفع عينيه و هو يهز كتفه ..
- غيرت رايي .. شفت ان فهد صادق .. حريم و اروحهن .. لو يستوي عليهن شي .. ما بتكون السالفة فمصلحتناا .. نحن معروفين و أي شي يمسناا ..
همهم جده بتعبير غير مفهوم و هو لا يزال ينظر له بطريقة غريبة ..
- لا .. زين سويت .. ما قلتلي .. و البنية ..؟!
عقد حاجبيه بتفكير .. يعرف من يقصد بالبنية ..
- بلاها ..
لم يرد جده عليه .. فيما استعاد هو في ذهنه .. صورتها اليوم .. بوجهها الشاحب و خديها الحمراوين .. و مدامع عينيها المتدفقة و هي تطلبه الطلاق ..!
ما الذي قد يفعله جده ان رأى ذلك ..؟! ما الذي يقف حقا خلف نيته في تزويجه حفيدته تلك ..؟!
قبل موت حمدا كان متيقنا أنه يحاول التقرب من ابنه ذاك دون أن يمس كرامته أو يتنازل عن علياءه ..
الآن ..!
ابنه رحل .. و ليس عليه استرضاءه بما أن ابنته ستأتي للعيش هنا على كل حال ..!
لقد عقد العزم على الزواج منها للحصول على حقّه و ما أفنى سنتين من عمره لأجله .. و سيفعل ذلك ..
سيتزوجها ..
لا يهم ما الذي قالته اليوم .. تلك مراهقة لا تعرف عن الواقع شيئا .. كل ما ترغب به هو أن تمنح إحساسا .. لا بد أنها تكرهه الآن .. لذلك لا تريد الزواج به ..
سيكون سعيدا بأن يمنحها الاحساس الذي تريد اذا كان ذلك سيجعلها طوع أمره .. لن يخسر على كل حال ..
فهو سيضطر يوما للزواج و الانجاب و ها هي الفرصة أمامه .. سيضرب عصفورين بحجر .. زوجة لا تعرف الشكوى .. و وسيلة للحصول على الشركة ..
ناوشت شفتيه ابتسامة ساخرة و هو يفكر بما قد يوهمها به من مشاعر كي تميل اليه و تصرف النظر عن طلبها الأخرق .. لن يصعب عليه بتاتا أن يغرر بها .. فلا خبرة لها أبدا في الحياة خارج حدود تلك الجدران البائسة ..
.
.
يراقب تلك الابتسامة الساخرة التب اعتلت شفتيه .. مفكرا بعمق .. ما الذي قد يدور في رأسه المعقد يا ترى ..!
رد بصوته الصارم حين رأى الاستفهام يعتلي محياه مجددا ..
- بعدك تباها ..؟!
رفع غيث حاجبه و هو يبتسم بخبث .. يريدها ..؟! نعم لا زال يريدها .. و بقوة ..
- بعدنا ع الاتفاق ..
تصلب ملامح جده و هو يقول بقوة و صوته يعلو ..
- أنا ما أرد في رمستيه يا صبي ..
ابتسم غيث بحب شديد .. لا زال يهاب غضب جدّه .. و المعاملة الخاصة التي يتلقاها كونه قد تربى في كنفه .. لن تعني شيئا إن أثاره ..
لذلك أردف بثقة ..
- و أنا ما أرد فرمستيه .. بس أشوفك وايد واثق يا بويه .. يمكن البنت ما تبانيه ..؟!
لمعت عينا العجوز بقسوة و هو يصر أسنانه ..
- و يمكن أنا أبا الشركة اتم بسميه .. خلاف لا مت اتقاسموها ..
رفع حاجبه و هو ينظر لجده بهدوء .. هذا تهديد إذا ..!
- خلاص هب مشكلة ،،
- يعني ..
هب واقفا من على كرسية .. يلتقط علبة السجائر و الغترة المرمية على الطاولة أمامه و هو يقول بقوة ..
- يعني من باكر بختار تصميم البيت و هالشهر ببدا الحفر في غرب الحوش ..
و رفع رأسه يقول واثقا ..
- أول ما تظهر أمها من العدة بنحدد العرس ..
كان الارتياح الشديد على وجه جده و هو يتنفس الصعداء .. معبرا ..
هل فكر بأنه قد يغير رأيه ..؟!
صحيح أنه يكره أن يجبر على شيء ..
و لكنه لا زال يريدها ..
لا زال يريد شركته ..

* * * * *

وضعت حقيبة يدها جانبا و هي تحرر شعرها من الغطاء و عوشة تتذمر ..
- أوفففف .. حررررر .. عنبوه لو بنتم هنيه في الصيف بينسلخ جلدي ..! و بشرتيه بتخترب .. لازم نسافر هالصيف .. لنا سنتين و محد طايع يسفرنا عسب يدوه ..!
لم تكن روضة تستمع لثرثرتها .. وافقت على مرافقتها إلى هنا .. على أمل أن ترى غيث مصادفة .. لا تجرؤ على الاتصال .. تود حقا أن يمسكها و ينفرد بها ليسألها عن قرارها .. أن يجبرها على البوح بحيرتها .. تعلم أنها ليست الوحيدة هنا المتأملة برؤيته ..عوشة أيضا لا يدفعها شيء لقطع حياتها الاجتماعية الصاخبة و التكرم بزيارة لبيت جدها أو بيت عمها الأكبر إلا لتراه ..
راحت تعصر يديها بتوتر .. هي على وشك احداث طفرة في علاقتها بذاك الأخ .. تسأله رأيه و تستشيره .. رغم أنها و إخوتها كانوا دوما يهابونه و يحترمونه .. دوما كان يبدي استياءا واضحا على ما لا يعجبه .. يأمرهم .. و ينهرهم .. أحيانا قسوة .. و أحيانا جانبا من اللطف في تلك اللحظات الخاطفة التي يلتقونه ..
لم يكن غيث قط قريبا منهم .. ربما بسبب عيشه هنا .. ربما بسبب فارق السن .. لا تعلم .. شيء واحد دوما تتساءل عنه ..
كان أبوها قد تزوج بإمرأة قبل أمها حين توفت زوجته أم غيث و قامت بتربيته لثلاث سنوات .. حتى بلغ السابعة من العمر قبل أن يطلّقها و يتزوج أمها ..!
لماذا انتقل للعيش إلى هنا بعد زواج أبيها بأمها ..؟! أ كانت أمها من رفض ايواءه في بيتها يا ترى ..؟! أ لهذا دوما ترى الصقيع يقطر من معاملته لها ..؟!
كل ذلك غير مهم .. المهم الآن أنها بحاجة لأن يكون قريبا منها الآن ليفهمها .. ليدلها ..
تنهدت بصوت مسموع لتقطع عوشة سيل حديثها بضيق ..
- مالت عليج .. انا من الصبح أرمس عمريه ..!
احمر وجه روضة باحراج و هي تعتذر ..
- لا وياج ..
زفرت عوشة بنقمة و هي تلتقط حقيبتها و تعدل من هندامها ..
- نشي عيل ..
- وين ..
- أمينة تقول يدوه يالسة خاري .. يا الله بنظهر لها ..
هبت واقفة من مكانها تلتقط حقيبة يدها .. متوجهات إلى الخارج حيث تجلس جدتها .. هل ستستطيع الإختلاء بغيث و عوشة هنا .. ربما لا .. فستسعى ابنة عمها حتما للالتصاق به .. توجهن معا للخارج و عوشة تتمايل في مشيتها بغنج .. حيث جلست جدتهن على المنصة الرخامية و قد فرشت فيها سجادة عجمية عملاقة .. وضعت عليها القهوة و توابعها من الأطعمة الخفيفة التي يُعتاد أن توضع معها
ما إن خرجن من الباب المؤدي للحديقة العملاقة حتى بدأت الجدة بالترحيب بهن بصوتها الضعيف .. الحبور الخفيف الذي علا محياها و هن مقبلات أذهلهن فكل من يعرف هذه المرأة أدرك أي ألم كانت تكابد في الأسابيع الماضية .. ما الذي حدث ليجعلها تعود لطبيعتها ..
تقدمت عوشة مسرعة لتحتضن جدتها بحب و هي تقبلها بقوة ..
- فدييييييتج و الله .. تولهت عليج أمايا ..
برقت عيناها بحنان حقيقي و هي تمسح على شعر عوشة التي جلست بجانبها ..
- تولهت عليج العافية يا حبيبتي ..
ابتسمت روضة بهدوء و هي تسلم عليها بحب و احترام ..
- السلام عليج يا أميه ..
- مرحبا .. مرحبا .. حيا الله ببنت علي .. حيا الله برويض القاطعة لي ما نشوفها غير في المناسبات ..
شعرت روضة بالخجل الشديد من تقصيرها و هي تقبل رأسها لتجلس على يسارها و هي تعتذر باحراج ..
- مقصرين يا الغالية سمحيلنا ..
مسحت الجدة على رأس عوشة التي كانت تتباهى بدلال كطفلة صغيرة ..
- عاد العاش يعلنيه هب بلاها ما تفارقنا .. كل يومين و هي مسيرة.. و انتي و شيخة امرررة ما لكن شوف .. عنبوه .. تعالن تخبرن عنيه و الا عن يدكن .. ما بقى في العمر باقي خلوناا نشوفكن ..
- الله يطولنا بعمرج فديتج .. يا غير غربلتنا الدراسة و عوشة فاضية ..
و راغبة في المجيء أيضا ..!
و لكن الجدة واصلت العتب عليهن ..
- حامد كل خميس أشوفه هو الشباب .. و غيث يعلنيه أفدااه عنديه .. أحمدووه و هزاع كل يومين طابين عليه .. و عيال سعيد و فهد ما يقصرون .. و انتن الثنتين تخطف عليه شهور ما شوفكن ..
هزت روضة رأسها بخجل .. دون أن ترد و احساس بالذنب يخالجها .. لا تعلم جدتها سبب هذه الزيارة ..!
و تابعت جدتها بأسى خالطه نبرة مختلفة و هي تقول بابتسامة هادئة ..
- عاد الحين لازم تخطفون عليه و تيونيه .. يدكن و ملتهي ما يفضي الشيبة .. مادريبه متى بيرحم عمره من هالاشغال .. و غيث ودر البيت و أنا يالـ ...
- ودر البيت ...!!!!!!!!!!!
كان هذا صوت عوشة الحاد مذهولا .. و هي تتابع بلهفة ..
- ليش يا أميه ..؟!
ابتسمت لها و لوجه روضة المصدوم .. ما الخطب ..!
- ماشي يعلنيه فداكن لا اتروعن .. يا غير شل قشاره و سار يلس في بيت عمه حمد .. بيتم هناك الين تنقضي عدة حرمة عمه .. و خلاف بييبونهم هنيه .. تعرفون عاده .. حريم و ما عندهن ريّال .. و هو ما طاع لهن و عزر ييلس هناك ..
كانت جدتها تواصل الحديث دون أن تدرك الضجيج الذي يضطرم به صدر كل واحدة منهن .. روضة مشدوهة بسيل المعلومات المتدفق هذا .. لابد أن أمها و أبيها و أخوانها على علم بهذا .. لمَ لم يتبرع أحد باخبارها .. متأكدة بان شيخة و عوشة التي بدت الصدمة على ملامح وجهها المرسومة بعناية لا يعلمن شيئا عن كل هذا ..!
هذه تطورات لا يمكن أن تستوعبها الآن .. لقد انحرف مسار تفكيرها تماما ..
و صور بيت عمها بجدرانه المشققة تعود لذهنها .. زوجته و بناته .. أشهر قليلة و يكونن هنا ..!
عجز ذهنها عن الرسم صورة لما ستكون عليه الحياة في هذا البيت بعدها ..!
.
.
.
تتميز غيظا و حقدا مما سمعت للتو .. شيء كالسعير يضطرم في صدرها ..
لقد ذهب إليها .. سيمضي وقته قربها من الآن وصاعدا .. لم يستطع الانتظار حتى مجيئها إلى هنا .. !
شعرت بدموع القهر تندفع لعينها فرفعت رأسها تقاوم سقوطها ..
أيعقل أنه سيقدم على الزواج حقا بتلك النكرة ..؟! ستموت ان فعل .. سيقتلها ذلك دون شك ..
بعد هذه القنبلة لم تعد ترغب بالمكوث هنا .. شعرت بحرقة تجتاح صدرها .. و هي تبتلع دموعها مقاومة رغبتها بالبكاء ..
وقفت على قدميها .. لتنظر اليها روضة و جدتها بدهشة ..
- وين فديتج ..؟
ابتسمت بشحوب ..
- بسير يدوه .. بنات خالوه بيوونيه اليوم .. تعرفين محد في البيت غيريه .. بسير أعابل الفوالة و المكان ..
نظرت لها روضة بشك واضح .. متأكدة بأنها مجرد حجة .. فوقفت هي الأخرى بسرعة .. و شعورها بالذنب يتعاظم .. ها هي ستترك المكان حالما علمت بأنه ليس هنا .. لم يعد هناك فرق بينها و بين عوشة ..
- و أنا وياها يدوه .. و ان شا الله قريب بنخطف عليج و بنييب شيخة ويانا ..
و ابتسمت و هي تستمع لاعتراضات العجوز .. راحة طفيفة سرت في عروقها و هي تقبل رأس جدتها ..
بدت بخير تماما .. لم يختف الألم عن وجهها .. و ما زال الوجع يسكن عينيها .. و لكن أفضل حالا بكثير من حالها في العزاء و الأيام التي تلته ..!
سبقتها عوشة و هي تمشي بسرعة تقطع الردهة الكبيرة و صوت كعبها على الأرض الرخامية تردد صداه الجدران .. لم تلتفت لروضة التي كانت تمشي بهدوء خلفها و هي تحاول لف غطاء شعرها قبل أن تخرج .. ما ان فتحت الباب الخارجي لتلحق بعوشة حتى تجمدت في مكانها .. تقبضت يداها بقوة .. و قداماها تعجزان عن مواصلة المسير للأمام .. و هي تنظر للثلاثة الذين توقفت عوشة عندهم لبرهة .. توجهت الأنظار نحوها .. و راح قلبها يخفق بجنون .. شعرت بالدم يهرب من وجهها .. هذا آخر من كانت تتمنى رؤيته الآن ..!
دفعت نفسها للتقدم مع إطالتها الوقوف هناك .. و هي تبتلع ريقها بهدوء .. اهدئي .. لا تفضحي نفسك .. لا شيء يستدعي هذا الخجل كله ..
كالعادة أطولهم يقف خلفهما قليلا و عينه تتأمل الأرض الذي يقف عليها .. ابتسامة هزاع اللطيفة كانت مشجعة و هي تقترب منهم بهدوء ..
- مرحبا مرحبا بشيخة البنات ..
ارتجف صوتها و هي تسلم عليهم ..
- السلام عليكم و الرحمه ،،
.
.
.
شعر بقلبه يطرق أضلعه بقوة رتيبة .. و صوتها الناعم يداعب مسمعه بهدوء .. رد عليها بهدوء دون أن يرفع عينه ..
- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ..
رآها للتو حين كانت تقف عند باب المدخل .. بدت مترددة في التقدم ..
هل أسر لها أخاها بطلبه يا ترى ..؟! حك لحيته بهدوء .. و صوته العميق يوجّه لها ..
- شحالج روضة ،،
ناوشت شفتيه ابتسامة حلوة أخفاها بجهد و صوتها الهادئ يخاطبه ..
- بخير ربيه يسلمك .. شحالك سيف ربك بخير ..
- فنعمة ما نشكي باس .. شحالج و شحال أهلج ..
- يسرك حالهم .. علومكم ،،
- علوم الخير .. حيّا الله بنت علي ،،
همست بهدوء ..
- الله يحييك و يبقيك ..
راح ينصت لصوتها الهادئ و هي تتبادل السلام مع هزاع و حارب .. يختلط بصوت كعب حذاء عوشة الذي راحت تهزه بقلة صبر ..
- حارب أخبار الدراسة ،،
.
.
كانت تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية .. هل لاحظ إهتزاز صوتها يا ترى ..؟! كان حارب يرد عليها و هي تحاول التركيز فيما يقول ..
- و الله يا بنت العم نكرف في هالمدرسة .. ما بقى شي ع الامتحانات اسبوعين و تبدا .. دعواتكم ..
- الله يوفقك إن شا الله .. و يسهل عليك .. و ترفع الراس ..
ابتسم لها حارب بلطف ..
- آمين .. عاد أنا على الله و على دعواتكم .. دعوليه ربيه يعينيه عليها ..
قال حارب مازحا ..
- أقول كل يوم تيينيه .. و تحب راسيه .. – و راح يمثل ويقلد صوت حارب – هزاع يا خوية .. ادع ليه ..
هز حارب رأسه مستنكرا ..
- و الله لو بطلب حد يدعيليه .. بخلي بو هناد .. ريال يعرف ربه .. و الا انته ما ظنتيه دعوتك توصل سقف الحجرة ..
ابتسمت روضة بهدوء .. وهزاع يوجه ضربه لظهر أخيه الأصغر مازحا و في حين نهرهما سيف بقوة ..
- محد يمزح في هالسوالف ..
غمز هزاع لروضة التي راحت تخفي ابتسامتها ..
- عصب المطوع ..
قاطعتهم عوشة و هي تقول بفتور تمسك برسغ روضة و تسحبها ..
- يا الله شباب .. البيت بيتكم .. و يدوه يالسة خاري .. نحن مستعيلات سمحولنا ..
نظر لها هزاع ببرود ..
- غصبن عنج بيتناا .. – ثم ابتسم لروضة بهدوء – خلينا نشوفج روضة ..
هزت رأسها بإحراج .. و هي تشعر بسيف يتحرك بضيق و كأنما لا يعجبه الوقوف هنا ..
- إن شا الله .. يا الله عيل نحن بنتوكل .. فداعة الله ..
- الله يحفظج ،،
مضت بسرعة ترافقها عوشة فرفع عينه للحظة لتصطدم بابتسامة هزاع الواسعة .. عقد جبينه و هو يشعر بأنه قد افتضح أمره بشكل ما ..
- شعندك متشقق ..
ضحك هزاع و حارب يهز رأسه .. ثم وضع ذراعه حول كتفي سيف العريضين ..
- هههههههههههه .. ياخي و الله انك سالفة ..
شعر سخونة في رأسه وهو يدفع هزاع بضيق ..
- و انته ما عندك سالفة ..
هز هزاع رأسه بوقار مصطنع ..
- ما عندي سالفة .. ما عندي سالفة ،، هب مشكلة .. أهم شي يود سوالفك .. يااا ..
ثم نظر بخبث له و هو يهمس قرب أذنه ..
- ياا المعرس ..
و أطلق ضحكة مدوية حين احمر وجه سيف غيظا أو خجلا .. و هو يسدد لكمة سريعة لكتفه ،،
.
.
.
.
و ضعت كفها على قلبها الذي راح يتراقص بطريقة مختلفة .. لمرة الأولى يراودها هذا الاحساس ..! لطالما رأته و لم يؤثر فيها بهذا الشكل .. الآن طلبه دفعها للنظر اليه من منظور آخر ..
تنفست بعمق و هي تلتفت لعوشة .. لتتسع عيناها بصدمة ..
كانت غرتها متدلية على جبينها كالعادة و لكن عينيها الواسعتين محمرتين و قد سالت دموعها سواد كحل على جانب وجهها و هي تعظ شفتيها ..
صوتها يتهدج و هي تعتصر طرف شيلتها بقوة باكية ..
- أخوووووج حقييييييير .. أكرهـــــــــــه ..!! و الله لينـــــــــــــدم .. و الله ..

* * * * *
>>

.: المــاس :.
14-12-2007, 04:58 AM
تتمة




- أنا يوم شفته شالنج ويربع بج .. شوه أقولج .. ويه الخايف الملهوف .. حور .. تقولين شاروخان في واحد من أفلامه !!
قالتها نورة بحالمية و هي تضم كفيها في حركة مسرحية حين كن يجلسن في الحوش عصر اليوم التالي .. قبل أن تضربها دانة على كتفها معارضة ..
- مالت عليج ما لقيتي إلا هالهندي المعفن .. حور ما يي صوبه شاروخان .. أحسه يقرب لبراد بيت يوم مثل في تروي .. آآآه والله انه هيبة ..
تصر على أسنانها ووجهها المنتفخ المحمر خجلا .. أم بفعل بقايا الحمى .. لا يتبين منه سوى الغيظ .. وهي تقول بصوتها المبحوح ..
- و الله ما عندكن سالفة ..
ضحكت نورة و دانة بقوة و ابتسمت المها رغم أنه بدا واضحا أنها لم تسمعهن ولكنها خمنت فحوى الحديث من وجه حور المحتقن فنورة و دانة لم يكفن منذ الأمس عن السخرية من حور .. ناولت عفرا حور كوب الحليب الساخن قبل أتمد واحد آخر لأمها التي كانت تلاعب شعر مزنة المستلقية على ركبتها ..
- ما عليج منهن .. خراطات أصلا يوم حدر الريال كنا في حجرتناا .. ما شافن شي ..!
قالت دانة بثقة ..
- و الله شفنااه من الدريشة يوم انه ظاهر ويا نايف .. تم زاخنه و يرمسه .. ظنتيه يسويله استجواب .. – ثم استدركت بخبث – يمكن كان يوصيه عليج ..
هزت حور رأسها بحقد ..
- شكلج ما بتصخين الا يوم أرشج بالحليب ..
ابتسمت نورة لوجه حور الذي بدا جميلا بشكل ما وهي تحمر هكذا ..
- هيه .. عيل السيارة لي ودتناا و ردتناا من المدرسة اليوم ليش حاطنها .. ؟؟ و تقولين بيسكن عدناا .. أخ يا فواديه ع الاهتمام ..! الله يعطيناا مما عطاكم .. أقول حور .. هب كنه طويل عليج شوي .. ؟ ما يي تقسمينه نص لي ونص لج ..؟
لم ترد حور على أي منهن و راحت تتأمل هند التي انبطحت على بطنها و هي تقرأ في أحد كتبها بصوتٍ عالٍ .. تستذكر دروسها مع اقتراب وقت الامتحانات ..تشعر بالخجل الشديد .. بدت ليلة البارحة و كأنما حدثت منذ سنوات .. تضطرب معدتها و تشعر بالخجل الشديد كلما تناهى لها تفصيل مما حدث بالأمس .. رغم ضبابية الذاكرة .. إلا أنها ودت لو تمر سنوات قبل أن تواجهه مرة أخرى ..!!
لا تستطيع منع نفسها من ذاك الشعور الغريب وهي تتذكر كم كان قريبا منها البارحة .. تبا له .. يبدو أنه تخطى الكثير من الحدود الحمراء دون اكتراث حقيقي لما قد يكون رأيها بذلك .. كانت تشعر بأنها أفضل حالا لولا تعليقات نورة و دانة المستمرة منذ البارحة .. و أحاديث نايف المتحمسة عن سيارته و العاملين الذين أخذوا بعض الوقت في المجلس لإحداث ما لم تستطع فهمه ..!
الأحمق هل ينوي تحويل المجلس لغرفة خاصة له .. تبا .. وكأنما يتحدى رفضها بمد أصوله هنا ..!
أخفضت نظرها وهي تزفر بهدوء .. لم يبدو على اخوتها أدنى اعتراض على وجوده هنا ..
تذكرت بألم كيف تفاعلوا جميعا مع الخبر بارتياح .. و استعادت وجه أمها المضطرب القلق و هو يلين بابتسامة حين ضمتها لصدرها ..
كرهت هاجسا راح يؤرق احساسها .. هل هذا كله هو انعكاسٌ لبريق المال في أعينهم .. أم أنهم شعروا بالراحة لوجود رجل هو الأمان بالنسبة لهم ..؟!
رفعت عينها مع نهوض البنات بسرعة و دخولهن واحدة تلو الأخرى .. وانتبهت لوجود نايف هنا .. وهي تسأل عفرا قبل أن تختفي في الصالة ..
- وين ..؟؟
- ريلج بيي ..
اتسعت عيناها و هي تهمس بارتياع ..
- هاا ؟؟!!!!
نظرت لنايف و هي تجيب ..
- أخوج يقول انه يبا يسلم على أمايا و يشوفج .. بنلبس شيل صلاة و نيي ..
ثم اختفت .. تلفتت هي حولها برعب شديد .. الجدار الذي تستند عليه .. و حولها بطانية تلفها رغم الحر فبرودة ما يقشعر لها بدنها بفعل الحمى .. شعرها الأشعث ووجهها الشاحب .. كرهته في هذه اللحظة من قلبها .. ألم يجد وقتا أفضلا ليأتي .. شعرت بأنها قطة متسخة استوت هند جالسة و هي تحكم لف غطاءها و مزنة تجلس على جانب أمها التي راحت تعدل من وضع برقعها ..
رباه أين لها أن تختفي الآن .. أ ما من أرض تنشق لتبتلع احراجها هذا ..؟!
لا تريده أن يدخل إلى هنا .. ليجلس بينهم .. لا تريد أن يقتحم وجوده عائلتهم الصغيرة ..
.
.
.
كان نايف يمشي إلى جانبه حين طرق الباب الذي يصل ممر المجلس بالحوش بقوة و صوته الرجولي يرتفع منبها ..
- هووووووود .. هوووووود ..
سمع صوت فتاة واضح تأذن له بالدخول ..
- هدااا .. اقرررب ..
تجاوز الباب ليدخل الحوش الصغير ..
- السلام عليكم ..
كن الأربع يقفن احتراما لقدومه أول من سقط نظره عليها .. إمرأة لم يتبين ملامحها جيدا من خلف البرقع .. جسدها الضئيل جعلها أقرب لابنتها تلك .. رغم بروز بطنها الصغير .. لا يدري لما تذكر أمه نورة حين رآها .. شيء من الوجع يسكن زوايا عينيها المسالمتين مس قلبه و ذكره بها .. هذه أيضا توجعت على فقدها ..
أي حدود وصل وجعها يا ترى ..
حين رحل حاميها .. سندها .. تاركا لها هؤلاء اليتامى ..
و شيء من الحياة لا تزال تحتضنها داخلها لن ترى أبا لها ..
وعجز ..!
لا زال في قلبه من الانسانية ما دفع موجة الشفقة الهائلة في عروقه و هو يسمعها ترد سلامه الذي حتما استشفته من حركة شفاهه و هو يدنو .. و ترحب به بلهجتها المتكسرة بفعل إعاقتها السمعية ..
- واا عييكم الساام .. مااحبااا ماا حباا ..
لم يستطع سلخ عينه عن مقلتيها الدافئتين وزوايا عينيها تتجعدان بدفء واضح دل على ابتسامة أخفاها البرقع ..
- لمرحب باقي ..
سلم عليها بشيء من الاحترام كما اعتاد أن يفعل مع زوجة أبيه .. وهوى على رأسها الذي يقل طولا عنه يقبله باحترام .. رغم كل شيء .. هذه الغريبة هي زوجة عمّه .. و لها من الاحترام ما كان له ..
التفت للجانب الآخر .. حيث تقف زوجته في مكانها .. وجهها المرهق بدا أفضل مما كان عليه بالأمس .. وجبينها ينعقد في هدوء .. ونظرة الغيظ و العداء تلك جلية في عينيها .. لم يقاوم ابتسامته الساخرة التي تسللت لشفتيه وهو يرفع حاجبه متحديا ويقترب منها .. تحولت مشاعرها السلبية إلى ذعر اتضح على وجهها وهي تتراجع خطوة للوراء حتى تكاد تلتصق بالجدار .. فيما أحنى رأسه نحوها بعجرفة و يده تقبض على زندها كي لا تتحرك و هو يسلم عليها .. توترت أنفاسها بقوة و تسارعت .. و هي تشيح بوجهها مع ابتعاده قليلا لينظر للفتاة التي وقفت قرب أمها تراقبه بهدوء .. علم أنها هي من صاحت تأذن له بالدخول حين سألها ..
- منوه انتي ..؟
ردت بصوتها الهادئ .. وهي تعقد يديها بتماسك وحيادية لا تمتلكها أختها الكبرى ..!
- أنا هند بنت حمد ..
أومأ برأسه متأملا ..
- و النعم ..
- النعم بحالك .. ما عليك زود ..
استدار ليرى طفلة حلوة اتسعت عيناها بانبهار و هي تنظر له و اصبعها في فمها .. لا يدري لما اندفعت ابتسامة لطيفة تليّن صلابة وجهه .. حسنا أ ليس بيت عمه هذا زاخر بالمفاجآت .. يشعر بأنه يخوض تجربة جديدة مع التقاءه هؤلاء الأقرباء و تعرفهم .. سيكونون عائلته لسبعة أشهر قادمة .. !
- منوه هالحلوة .. ؟؟
أمسكت الطفلة ثوب أمها بشيء من الحذر و نايف يجيبه بسرعة ..
- هاي مزنة ختيه ..
هز رأسه لها دون أن يضيف شيئا و أمها تبتعد عن طريقه تدعوه باشارة أن يجلس مكانها .. و لكنه أشار بيده رفضا و هو يشير بخبث لحور .. التي بدا السخط على وجهها و هو يجلس لجانبها براحة قبل أن يقرب له نايف مخدة الاتكاء .. ليريح جسده عليها في جلسة أغاظتها للغاية .. يبدو مستمتعا بالأمر .. ! لا تدري لما استنكرت جسده الضخم بثوبه الفاخر وهو يجلس على سجادتهم البسيطة .. يشاركهم هذه الجلسة و يريح نصف جسده على تلك المخدة المربعة الثقيلة ..
راح يتبادل الأخبار مع أمها بطريقة ما رغم اخطاءه الا أنه كان يقوم بحركات اشارة عامة .. التفت اليها قبل أن تشيح بناظرها بسرعة ..
عليه اللعنة لا تريده أن يظن أنها تتأمله .. شعرت بنظراته تخترق بشرتها وهو يمعن النظر فيها بصمت .. شدت قبضتيها .. كان قريبا للغاية .. لا تفصله عنها سوى هذه المخدة التي وضعت بينهما ..تكاد تشعر بدفء جسده الكبير و هو يسألها بصوته العميق ..
- شحالج ..
لم ينطق اسمها .. شعرت بهدوء غريب يهبط على نفسها و هي تبتلع ريقها و تجيبه بخفوت ..
- الحمد الله ..
لا تريد النظر اليه أو التقاء عينيه .. وهو يعود ليسألها ..
- شوه تانسين اليوم ..؟
بللت شفتيها و هي ترد بضيق ..
- أحسن ..
تكره وجوده هنا .. تريده أن يرحل حالا .. راح يتبادل الكلمات مع هند ونايف .. ومزنة تتأمله بعينيها الواسعتين بفضول .. قبل أن تخرج المها من باب الصالة حاملة بين يديها صينية كبيرة وضع عليها ابريق الشاي ودلة القهوة .. و مرفقاتها .. تتبعها دانة و عفرا و نورة .. ليهب نايف واقفا و يلتقط من أخته الصينية و يضعها أرضا فيبدأ بالصب ..
جلسن الأربع بجانب أمهن الأيمن تباعا .. و مزنة و هند على الجنب الأيسر .. يقابلن غيث و حور التي كانت تخفض بصرها .. لا تدري لما تشعر بالاحراج يقتلها .. بامكانها سماع تعليقات نورة و دانة من الآن ..
تبا له .. إن الحوش يتسع بما يكفي ليبتعد عنها ..!
تمنت من قبلها بقوة أن يلتقط الفايروس من اقترابه ليسقط طريح الفراش حتى يموت ..
أوف .. هل نظرات الجميع مسلطة عليها أم يخيّل إليها ..؟! لن تتبين نظرات أخواتها أو تستشف احساسهن من خلف أغطيتهن .. لكن المها بدأت بتبادل الأخبار و السؤال عن الحال بحركات يدها و لهجتها المكسرة الرقيقة ..و غيث يبادلها الاجابة كما فعل للتو مع أمها .. ثم صوت عفرا العميق .. تتبعها نورة ثم دانة ..
- شحالك يا غيث ،،
- يسرج الحال يا بنت العم و من صوبج ،،
بعد أن انتهين من تبادل السؤال و المجاملة .. التفت لها بهدوء و بصوت خافت لم يسمعه سواها بعد أن التقط فنجان القهوة من يد نايف ..
- عرفي بخواتج ..
عضت شفتها السفلى بقوة .. لا تريد .. لا تريد ..
لا تريد أن يخترق تلك الحدود أكثر .. لما عليه أن يعرفهم واحدا واحدا ؟؟! ابتلعت غصة سدت حلقها و هي ترفع صوتها المبحوح فوق مستوى الهمس و تشير بيدها على كل واحد من البنات ..
- هاي المها بنت حمد تبيعتي .. و هاي عفرا لي أصغر منها .. و هاي نورة .. و هاي دانة ....
- و النعم ابهن ،،
- النعم بحالك ما عليك زود ..
.
.
كان مسترخيا للغاية .. سمة البساطة هي الطاغية هنا .. اسلوب معيشتهم المتقشف .. جلستهم .. تقاربهم ..
و حتى استقبالهم له .. لم تكن هناك ردة فعل مميزة ..
مجرد استقبال هادئ و كأنما اعتادوا رؤيته هنا .. نظر لها .. لا ترفع عينها عن الأرض .. و احمرار طفيف لا يفارق وجنتيها .. مغتاظة .. أو محرجة ..؟
ربما كان تأثير الحمى ..!
لا يهم .. صمم على الجلوس هنا حتى حلول الظلام ..!

* * * * *

توقفت عجلات الدراجتين تدريجيا .. و هي تنغرس في التراب الأحمر .. و أصوات البقية لا تزال تخترق سكون الليل محدثة ضجيجا مزعجا .. قفز الأول بسرعة يركض قبل أن يرمي الآخر حذاءه و يركض خلفه .. كان التراب يمنعهما من الركض بسرعة و خطواتهم تثقل كلما انغرست بقوة في الأرض .. كان ضحك الأول المتوزاصل يمنعه من الركض السريع ليتمكن الآخر من اللحاق به بسرعة و الامساك بثوبه من الخلف ليدفعه إلى الأمام بقوة فيسقط ذاك على بطنه دون أن يتوقف عن الضحك ..
- هههههههههههههههههههههههههههههه .. بااااااااس عنلااااااتك يا بو راس .. ذبحتني .. هزااااااع يا الدب ..
و لكن هزاع لم يكتفي بل وضع ثقل ركبته على ظهر أحمد و هو يقول ،،
- بتوووووووووووب يا حماااااااااااااااار ..
- ههههههههههههههههههههههههههههه و الله لعيدهااااااا .. هههههههههه ما شفت ويهك يوم انقلبت الدراجة .. ههههههه .. كلت تراااااب .. آآآآآه يا السابل نش غربلك الله كسرت ظهريه ..
صاح واحد من الجالسين حول النار وسط المخيّم ،، حيث كان الجميع يراقب عبث هؤلاء الاثنين بابتسامة ..
- أفااا يا بو شهاب .. ولد عمك حاط راسك في التراب ..
تظاهر أحمد بالثورة و هو يصيح وسط ضحكاته و ينقلب بسرعة ليسقط هزاع هو الآخر أرضا ..
- أناااااا ولد أبوووية .. ههههه ..
للحظات شعر هزاع بالتراب البارد يلامس وجهه .. فيستنشق ذرات منه وسط ضحكات أحمد .. لهب واقفا بسرعة يحاول اللحاق به مجددا ..
- لو فييييييك خير تعال سابق مرة ثانية دون غش .. بغيت تنفدنيه انته وحركاتك ..
وقف أحمد بعيدا عنه قليلا و هو ينظر له و يشير مهدئا ..
- خلاص يا الحبيب هدنة .. أحس ثميه كله اتراب ..
و راح يبصق أرضا .. ليستغل هزاع الفرصة راكضا نحوه مجددا .. تنحى أحمد جانبا بسرعة و هو يشير بيده .. فتوقف هزاع باهتمام ..
- هااه بتموت .. اكتب الفتك اليديد باسمي قبل لا تودع ابسرعة ..
ضحكات أحمد امتزجت بسعاله و هو يشير لهزاع الذي راح يضربه بشدة على ظهرك .. و أحمد يقول محتقنا ..
- حشى هب ايد عليك .. طابوقة ..! يا الخبل شافنيه غاص بلقمة تدحنيه .. صدق ما عندك سالفة ..
و راح يدلك ظهره الذي كاد ينكسر تحت وطأة ضربات هزاع الذي ابتسم بانتصار .. و هو يضع ذراعه حول كتف ابن عمه و هما يتوجهان نحو مجموعة الشبّان الذين تحلقوا حول نار المخيّم و هو يقول ضاحكا ..
- يا خي عيبتنيه السالفة شرايك صدق نشارك في السباق ..
سعل أحمد بخفة قبل أن يرفض ..
- لا يا ريال خلنا ع المواتر .. هاي هب شغلتنا و ما نعرفلها .. و بعدين هاييك معروفة و مضمونة .. طبها .. طبها ..
- شورك ..؟
- هيه يا ريال .. و بعدين الشي ان زاد عن حده انقلب ضده .. اخاف يصيدوناا الشياب و الا غيث .. و الا ليخلينيه براطاا .. ما تعرفه انته بالزور مخلينيه أيي هنيه ..
و صمت مع وصولهما للمجموعة لينخرطا في الأحاديث و هما يجلسان إلى جانب بعضهما البعض كالعادة ،، كانت الضحكات ترتفع و المزح الثقيل مباح ..و خلو البال .. و المتعة دارجة تحت جنح الظلام و الهدوء الذي لم يعد كذلك مع هذه الأصوات المتفرقة و الأحاديث ،، و محركات الدراجات القادمة من بعيد ..
- بو شهاب .. شوه هالشمخ لي في يبهتك .. رب ما شر ..؟
نظر هزاع بسرعة لوجه أحمد الذي يدا الجرح من ذاك الشجار باديا على جبينه .. نظر له أحمد ساخرا قبل أن ينظر لصاحب السؤال ..
- هذا هزاع بطيخة .. ما يعرف كيف يظهر موتره من كراج بيتهم ..! دعم بابهم و بغا يوديناا في داهية .. يا غير ربك ستر .. ما تشوفونيه يايبنه فموتريه .. معاد أثق فيه ..
ظربه هزاع بقوة على ظهره ،، و أحمد يضحك بخفة ..
نجح في ابتلاع ذاك الغضب الذي كان لا يزال يشعر به نحو هذه الحادثة ..!

* * * * *

- كانها عيبتج اليلسة بلا شغل .. ؟!
قالتها دانة بحاجب مرفوع و ابتسامة ممازحة و هي تحمل بيدها سلّة الغسيل .. تنظر لحور التي استلقت بهدوء و وضعت رأسها في حجر أمها ،، لترد بصوتها المبحوح رغم عافيتها التي استردتها ..
- جب يا ناكرة المعروف .. يوم تمرضين اتمين شهر طايحة و معفينج من الشغل .. و نعطيج بعد اسبوع مجانا .. و الحين حاسدتنيه ع هالاسبوع لي مرضت فيه .. صدق ما فيج خير ..
ابتسمت دانة بخبث ..
- انزين خلاص صحيتي و ما فيج الا العافية .. نشي خمي الحوش و الميلس .. و سيري شوفي حمام الميلس اذا نظيف .. تعرفين ولي أمرنا الحين موجود في البيت و نسعى لتقديم أفضل الخدمات ..
تنهدت حور و هي تشيح بوجهها ..
- هاي لي تبانيه أعطيها بوكس يخليها كباب .. دندن .. يوزي عنيه أخير لج ..
هزت دانة كتفيها تقول ببراءة ..
- و الله أنا عادي عنديه .. بسير أرتب الميلس .. بس شفتج أولى .. يمكن يكون هناك .. و الا يي بالصدفة .. و يشوفج تخدمينه .. و نظرة حب .. و كلمة حلوة و غمزة ..
احمر وجه حور بقوة و هي تجلس بسرعة باحثة عن شيء ما حولها لترميه عليها ..
- يا السبااااااااالة ،،
تحركت دانة بسرعة و هي تضحك لتختفي لثوانٍ في الغرفة قبل أن تخرج و نورة ترافقها .. و كلٍ منهما تحمل بيدها غطاء شعر كبير ،، عينا نورة تلمعان بحماس ..
- حور بتخاويناا ..
عقدت جبينها ..
- ع وين العزم ان شا الله ..
ردت دانة عنها ،،
بنسير نشوف الميلس .. كيف رتبه ولد عمج ..
تذكرت حور بأنه ليس هنا بالتأكيد فاليوم هو الخميس .. و قد أخذ نايف أخاها الخميس الماضي لبيت الجد لحضور غداء أفادهم نايف بأنهما سيحضرانه كل خميس .. و تلك عادة حيث يجتمعون رجال العائلة هناك .. لم يكن يعجبها تعلق أخاها السريع به .. دوما يتحدث معه .. دوم يجالسه .. أصبح ملتزما و مطيعا صحيح و لكنها لا تريد أن تعزي هذا الانضباط لذاك الدخيل .. رغم أنها لم تره بعد ذاك العصر إلا أن ثرثرة نايف و مزنة التي لا تتوقف تثبت أنه هنا .. يعيش بينهم .. يخترق حدود أمنهم ..
نفضت أفكارها .. دوما ترهقها هذه الدوامة .. و ما يمزقها و يشتتها أكثر هو شعور خائن بالطمأنينة لوجوده هنا .. رغم تلك المشاعر البشعة التي تسكنها كلما لاح وجهه في مخيلتها .. رغم نفورها ..
و رغم اسمه الذي يندرج تحت قائمة العدو في لائحتها .. إلا أن راحة خبيثة تتسرب في نفسها لوجوده هنا .. بعد موقف إخوتها الأخير مع ابن الجيران و انقطاع فاطمة عن القدوم هنا لمدة اسبوع ..
بدت على وشك تغيير رأيها في أمور شتى ..
- حووه حووور بتيين و الا ..؟!
رفعت حاجبها تقول باستنكار ..
- انتن ما وراكن دراسة ..؟ الامتحانات يوم الأحد ..
لوحت نورة بيدها ..
- قالو لج عفاري ..!! نحن ندرس .. بس نرحم الورق .. الله يغنينا عن أكلها ..! اختج لو بيدها سوتها مكبوس و كلتاا .. حتى ارقام الصفحات تصمها ..
ضحكت دانة و هي تصفق يد نورة ..
- حلوة مكبوس ..! تخيلي .. عيش أحياء ويا فيزيا مشوي و سلطة كيميا .. وعع ..
قالت نورة بنفاذ صبر ..
- بتيين ..؟؟!
لا يمكنها أن تنكر هذا الفضول .. قالت بشك ..
- شوفن عفاري و المها ..
غمزت نورة مازحة ..
- حتى عفاري بتاخذ بريك .. دقيقة بس ..
و اختفت في غرفتهن للحظة قبل أن تخرج و وراءها عفرا التي علا وجهها الاهتمام و الفضول ،، و المها التي ابتسمت بهدوء و هي تهز رأسها .. ضحكت حور بخفة ..
- ما عندج وقت ..!
- بسرعة زين بيي الحين .. بتيين ..؟
هبت حور واقفة ..
- هيه يا الله ،، وين البنوتات ..؟؟
- في حجرة أمايا يذاكرن .. دخيلج لا تخلينهن اين ويانا ..
- أسأل بس ..! - ثم التفتت لأمها تخبرها تؤشر بيدها و صوتها يرتفع بقوة - أماااااه بنسييييير ،، الميلس .. الميلس .. الحييييين بنرد ..
و هزت أمها رأسها مواقفة .. تحركن بسرعة متوجهات نحو المجلس و نورة تنظر لحور شزرا ..
- ما شا الله عليج .. يوم انج بهالنشاط ليش ما تستلمين شغلج مدام حور ..؟! و الا الحيوية ما تظهر الا فمواقف ..؟!
صرت حور أسنانها تلطم كتف أختها ..
- جب ..
وصلن لباب المجلس و دانة تتسائل ..
- مبند ..؟
دفعته نورة بسهولة و هي تدلف ..
- لا أصـ .... - و بترت عبارتها و هي تهشق بحماس - اللـــــــــــــــــه ..
رحن يدخلن المجلس الضيق تباعا .. الواحدة تلو الأخرى .. اتسعت عينا حور بصدمة .. لم يالمجلس واسعا أساسا .. و السرير المنفرد الضيق الذي وضعه و الطاولة البسيطة جعلت مساحته تتقلص .. و وجودهن هنا كان له فعل الازدحام و نورة تلتقط شيء من الملفات المكومة على الطاولة الرفيعة و هي تقول ..
- بنات تعالن شوفن .. ملفات .. شرات الأفلام .. اكيد عقود و توكيلات .. الله وناسة ..!
المها تعقد ذراعيها بهدوء تراقب المكان .. و حور تجيل بصرها في المجلس .. السرير الضيق الذي غطاه ذاك اللحاف الفاخر الوثير و قد بدا أنه أزيح بغير ترتيب .. لم يتناسب مع الجدران القديمة و لا السجاد المهترئ .. ثياب رجل عدة علّقت في أكياس مغسلة خلف الباب .. و عمامات مختلفة مكوية بعناية وضعت على أحد وسادات الاتكاء في المجلس .. هناك كتابين ألقيا على الطاولة باهمال إلى جانب الملفات المكدسة على الطاولة .. اقتربت المها من الطاولة بهدوء تلقي نظرة على الكتب و هي تمرر أصابعها على عنوانه البارز ( رأس المال ) و قد زيّن باسم الكاتب أسفله ( كارل ماركس ) ،، تقدمت حور من السرير بهدوء لتمد يدها و تزيح الغطاء المبعثر عن ذاك الطرف الأسود الذي كان يلمع قبل ان تشهق ..
- بنااااات كمبيوتر محموووووول ..!!!
اقتربن جميعا و دانة تضحك بقوة ..
- و الله انج مغبرة .. كمبيوتر محمول أونه ..! مامي .. هذا اسمه لاب توب ..
عقدت حور جبينها ..
- اللي هوو .. كل الطرق تؤدي إلى مكة ..
عفرا تطالعه بذهول ..
- الله شكله روعة ..! بطليه حور ..
هزت رأسها رفضا ..
- لا .. لا أخاف ..
أعادت الغطاء عليه و عيناها تعود لتأمل الغرفة .. كيف يتكيف مع العيش هنا .. بعد أن سبق له أن ترعرع في وسع ذاك القصر الذي رأته يوما ..؟!
شعرت بجو الغرفة خانقا فتقدمت للنافذة تفتحها .. ما انفعلت هذا حتى اتسعت عيناها بذعر و هي ترى نايف يقطع الممر إلى داخل البيت لتشهق و هي تصيح منبه بجنون ..
- بناااااااااااااااااااااااااااات .. الله يغرلللللللللللللكن .. رد .. رد ..
تجمدن جميعا لبرهة قبل أن يتحركن في مكانهن بسرعة مصدرات جلبة و هي تراه يقطع المسافة القصيرة بين سيارته و باب المجلس بخطوات واسعة .. ركضت نحو الباب بسرعة لتستند عليه بقوة .. كي تمنعه من الدخول حتى يتمكن أخواتها من التغطي .. قالت عفرا بخوف ..
- حور لحظة لا تبطلين ..
شعرت حور بمقبض الباب يتحرك للحظة .. تدفعه بقوة كي لا يتحرك .. و أخواتها يصطفن إلى جانب بعضهن البعض و قد تغطين بسرعة .. كان الباب يهتز من خلفها بقوة .. و هو يدفع .. تحركت قبل أن يرفس الباب ليلصقها بالجدار المقابل ..
ما ان تركت الباب حتى انفتح على وسعه .. تدفق نور الشمس راسما ظله الطويل داخل المجلس و هو يريح يده على الباب و جسده يميل بخفة للأمام .. حاجبه يرتفع بهدوء و ابتسامه ساخرة تعلو شفتيه ..
تردد صوته البارد في المجلس و هو ينظر للأربع اللواتي انون قرب الطاولة .. و حور التي وقفت قرب الباب لا ترفع عينها ..
- هلا و الله ..
شعرت حور بالاحمرار يزحف لخديها و هي تتمنى الموت في تلك اللحظة .. يداها المتقبضتين تتعرقان بشدة .. و هي تشعر بخفقات قلبها تتصاعد لحلقها .. ارتجفت و صوته الرجولي يعود ليقول بنبرة مستهزئة ..
- حيا الله بنات العم ..
همهمن البنات و هن يقتربن من بعض بكلمات لا تسمع ،، لستند هو بكتفه على إطار الباب و عيناه تجولان عليهن لتتوقف على حور التي بدت رغبتها في الاختباء تحت السرير واضحه و هي تضم طرف - الشيلة - لفمها .. و قد احمر وجهها بشدّة .. ليتابع بتلذذ و عينيه مسمرتين على حور ،،
- ما خبرتونيه بالزيارة و الا ما سرت ..
ردت عليه دانة بشجاعة و صوتها برتعش ..
- و الله يا ولد عميه هاي ما نعدها زيارة .. بس قلنا نشيّك ع المكان .. كانك محتاي ترتيب و الا تنظيف و الا معونة في شي ..و الا الزيارة مأجلينها لغير وقت ..
تعجب غيث من قوتها و هو يلتفت للمجلس الذي لا زال عل حاله كما تركه ..
- أهاا .. و خلصتن ..؟
- شوه ..؟
- قلتن بتشيّكن ..
- هاا ..؟! .. آآ هيه .. الحين بنسير ..
و دفعت نورة من كتفها ..
- نترخص .. نحن ..
تنحى للخلف مبتعدا عن الباب سامحا لهن بالتحرك بسرعة و ابتسامته الساخرة لا تفارق شفتيه .. تحركت نورة و المها و عفرا و دانة متوجهات للباب .. لتتبعهن حور أخيرا .. و ما إن تجاوزت الباب حتى شهقت بقوة حن التفت أصابعه الطويلة على رسغها .. ليسحب يدها بحزم و يعيدها إلى جانبه .. حتى اختفت آخر الفتيات في الباب المؤدي للحوش .. شعرت بقدميها لا تقويان على الوقوف و عيناها لا تفارقان الأرض .. تلك السخونة التي تجتاح وجهها بقوة ..راحت تحرر يدها بتوتر من قبضته و هي تنوي للركض حتى تلحق بأخواتها .. و لكن يبدو أنه يخطط لشيء آخر .. فأمسك بذقنها بقوة ليرفع وجهها نحوه .. يجبرها على النظر إليه .. ما ان اصطدم ناظريها بوجهه حتى شعرت بنبضات قلبها تتسارع بجنون .. و هي ترى ابتسامته التي ألانت قسوة وجهه ،، و عيناه الحادتين تلمعان بنظرة غريبة لم تفهمها .. قبل أن يحني رأسه و هي تحاول الابتعاد بشهقة ليطبع قبلة رقيقة على جبهتها ،، ما ان أحست بشفتيه تلامس جبينها .. حتى شعرت بالدوار .. أصبح رأسها خفيفا للغاية و أنفاسها تتقطع بقوة .. و هي تعجز عن لملمة شتات نفسها .. أغمضت عيناها بشدّة ..
تريد أن تختفي من الوجود الآن .. و اللهيب يكسو وجهها ..
تمسك يدها بقوة كي لا توجه له صفعة تعيد له صوابه .. راحت تجر يدها من قبضته بجنون و هي متأكدة بأنها ستقع الآن أرضا لا محالة ..
و لكنه جرّها من يدها بحزم لداخل المجلس يسيّرها و هي في غير وعيها .. ليجبرها أن تجلس على السرير الضيقة .. فتغطي وجهها بكفيها كي لا تفضح حرجها .. تحرك ليسند جسده المديد على الطاولة .. و نظراته تتسلط على حركتها تلك .. و هي تزيح بيدها و تشيح بوجهها بعيدا عن عينيه .. لا تريد أن تقابل نظره .. أتاها صوته يسألها بهدوء ،،
- شحالج حور ،،
مبعثرة ..!
كانت تلك اول مرة تسمعه يناديها بوعيها .. نطق اسمها بنعومة خطرة شلتها .. راحت تبحث جاهدة عن صوتها و هي تبتلع ريقها لتهمس قائلة ..
- بخير ..
.
.
شعر بالشفقة اتجاهها و هو يراقب أصابعها التي اشتدت حتى ابيضت مفاصلها و صدرها الذي راح يعلو و يهبط بجنون .. وجهها الذي كان محمرا بشدة ..!
بدا واضحا أن ما قام به قد أحرجها للغاية و هي تنظر للطرف الآخر من المكان .. لذلك تقدم بهدوء نحو السرير ليجلس إلى جانبها ،، ما ان فعل هذا حت قفزت بسرعة كالملدوغة .. و لكنه عاد يمسكها ليجبرها على الجلوس جانبه ..
أنفاسها تترد بجنون .. و هي لا تزال تشيح ببصرها .. خصلات سوداء تتمرد على حجابها المحكم .. ليتذكر أنه سبق و قد نهاها عن ارتداءه عنده .. لذلك مد يده لحرره ببساطة ،، فيما هي جامدة في مكانها لا تتحرك ،، جانب وجهها الصافي لا زال يثير عجبه .. بدت أصغر سنا مما هي عليه ..!
.
.
تكره .. تكره بشدة حين يفعل ذلك ..
حين ينتهك حدودا رسمت بدقة منذ عمرٍ مضى .. حين يجد سهولة في أخذ ما لا يحق له في نظرها ..
حين يتعامل معها بهذه الطريقة الغريبة .. لتتشتت أفكارها .. و تتبعثر نفسها ..
ما الذي جرى لها ..؟! لما تبدو مستسلمة و طائعة هكذا ..؟!
أين صدها و قوتها التي كانت تتباهى بها .. أ لأنها تعلم أن لا سبيل للتمرد عليه ،،
لماذا يبدو غريبا عنها أكثر من قبل مع رحيل تلك الواجهة الحجرية التي اعتادتها ..؟!
شعرت بشعرها ينزلق للأمام ،، تكاد تحس باحتراق المكان الذي تسلط عليه نظراته القوية .. و هو يأمرها بهدوء ..
- طالعينيه ..
لا تريد .. تبا له .. انه يربكها ..
ارتعشت يدها بخفة و هي تحاول السيطرة على نفسها .. ما الذي دهاها لتصبح بهذه الغرابة ..
أين تماسك نفسها .. ابتلعت ريقها بقوة .. و أنامله الطويلة تلامس خدها الذي تديره له ..و هو يقول بدفء ،،
- ليش خايفة .. ما آكل أنا ..
سحبت نفسا مرتجفا و هي تهمس و تنظر للأمام مباشرة .. هذا أفضل من الاشاحة بوجهها فيضنها خائفة منه .. و أفضل من مقابلة عينيه ..
- أنا هب خايفة ..
- و ليش ما تطالعينيه ..؟
رفعت عينها تتظاهر بالهدوء .. هل يرى ذاك النبض المجنون في عنقها يا ترى .. اللعنة .. لما بدا قريبا هكذا ..؟!
أخفضت بصرها و هي تتحرك بسرعة واقفة قبل أن يمسك بها مرة أخرى .. تقدمت نحو الباب و هي تقول بصوت خافت بسرعة ..
- انا لازم أسير و ...
قاطعها بهدوء ..
- ما تبين شيلتج ..
شهقة خفيفة مدركة تصدر منها و وجهها يحمر حين أردف و هو يسترخي و يقلب الشيلة بين يديه بأريحية ..
- وديه انها اتم عنديه .. لنها فيها ريحتج .. بس شوه بيقولن خواتج و أمج لو انتي حادرة عليهن من دون شيلة ...!!
تجمدت في مكانها و هو يهب واقفا ليتقدم نحوها .. تراجعت خطوة للخلف .. و هو يسألها بهدوء ،،
- شوه تانسين الحين عقب الحمى ؟!
و مد يده بالشيلة لها .. لتلتقطها بتوتر و تضمها لصدرها ..
- الحمد الله أحسن ..
لحظات صمت و هي تقف بلا حراك .. يمرر عينيه عليها متأملا ..
التقط خصلة من كانت تتدلى على جبينها .. ليدسها بخفة خلف أذنها المتوردة خجلا ..
- ما كنتي بتسيرين ..؟! و الا بتمسن يالسة ويايه ..
انتفضت بغتة قبل أن ترفع عينيها المتسعتين نحوه بضياع وو ثانية فقط قبل أن تستدير لتختفي خلف الباب ..
أيقن أنه أمعن في تشتيتها هذه المرة ..!
لذلك ألقى بجسده المديد على سريره الضيق الذي بالكاد يتسع له .. و هو ينظر للسقف .. بدت غايته أسهل الآن ..
اعتلت شفتيه ابتسامة بارده .. و هو يوئد شعورا مختلفا انبثق في داخله و عيناها الموشحتان بالضياع تطالعه قبل هروبها ..
هل عليها حقا أن تبدو بهذه البراءة .. ستقتله احساسا بالذنب قبل أن يقدم على الزواج بها ..!

* * * * *


غطاء رأسها على كتفيها ،، و شعرها المقصوص تتلاعب به نسائم الصيف الساخنة فتبعثره .. وجهها المتجهم المختفي خلف تلك النظارة الشمسية الكبيرة ،، لا يفضح شيئا مما يدور من داخلها ..
و هي تحمل حقيبة الظهر الرياضية التي تحوي كتبها .. متوجهه نحو الكافتيريا الخاص بالطالبات ..
ستنتظر هدى هناك لبعض الوقت .. فرغم ثرثرتها و ازعاجها .. الا أنها تضل رفيقة يمكنها أن تمضي الوقت معها بدل التجوال وحيدة ..
ما إن وصلت الكافتيريا حتى دفعت بابه الزجاجي لتغمرها موجة من الهواء البارد المنعش فتنتزع نظارتها و ترفعها على رأسها ،، و هي تقطع المقهى متجاهله بعض النظرات الفضولية التي تتوجه للباب كلما فتح ،،
صوت خشيش عباءتها الخشنة كان مسموعا لها .. و هي تتقدم بخطوات واسعة ساعدها ذاك الحذاء الرياضي الذي ترتديه .. ألقت حقيبتها على أحد الكراسي الخالية لتجلس على الطاولة بتعب .. كانت جائعة للغاية ،،
فهبت مجددا لتتوجه نحو الطاولة التي صفت عليها أصناف الأطعمة فتلتقط صحنا تضع فيه بعض المعكرونة الساخنة و تلتقط زجاجة مياه باردة .. ثم تدفع للمرأة خلف طاولة الدفع .. قبل أن تعود لطاولتها ..
تقلب الطعام بالملعقة بشرود .. و مئات الأفكار تختلط في ذهنها .. الضجة التي أحدثتها أمها حين قصّت شعرها ،، الخبر الذي أبلغتها به روضة عن بنات ذاك العم و أشهر قليلة قد تصل قدومهم إلى هنا ..
و تلك الحبيبة .. الغادرة ..
شعرت بغصة تتضخم في حلقها لتعيد الشوكة إلى مكانها .. و هي تسحب نفسا عميقا حين شعرت بالدموع تندفع لعينها مجددا .. لن تبكي .. الخائنة لا تستحق الدموع حتى .. هي أقوى من أن تتحطم لأجلها .. ستواصل حياتها ..
عادت تملأ شوكتها مجددا بالمعكرونة لتدفع الطعام دفعا لحلقها و هي تبتلعه بقوة .. قبل ان يفتح باب الكافيتيريا بقوة لترتفع العيون نحو من وقفت خلفه ،،
تلك الوقفة اللامبالية الرجولية ،، و تلك العباءة المفتوحة تظهر ساقيها في بنطالها الواسع المتباعدتين غطاء الشعر على الكتفين و نظّاراتها المعلقة على أذنيها و تتدلى تحت ذقنها في حركة استعراضية و أنفها يشمخ في الهواء و هي تدير عينيها في الموجودين و كأنما تبحث عن أحد ما ..ما ان وقعت عيناها على ضالتها حتى تقدمت بمشيتها العسكرية .. تتبعها الفتاتين اللواتي رافقنها .. لا تكترث ببعض الأعين التي تنظر لها باشمئزاز .. و هزات الرأس .. و التجاهل من الأخرى ،،
كانت هي قد أعادت بصرها فور رؤيتها لها لطبق المعكرونة دون أن تهتم لها .. شعرت بقدومها نحوها حين رفست كرسيا وقف في طريقها تنحيه جانبا ..و شيخة ترفع الشوكة لفمها .. فتتوقف قبل أن تضعها في فمها حين التقطت تلك الكرسي المقابل لها و تقلبه فتجلس عليه و هي تريح ذراعيها على ظهر المقعد و تنظر لوجه شيخة بوقاحه .. قبل أن تلقي الأخيرة نظرة باردة و هي تدس الشوكة في فمها و تمضغ اللقمة دون مبالاة بوجود تلك الذي جذب الأنظار لهذه الطاولة .. الفتاتان المرافقتان لتلك لازلن يقفن عند رأسها قبل أن تقول بصوتها الغليظ و هي تميل برأسها لجانب واحد ..
- علومج الشيخة ..
وضعت شيخة الشوكة على طرف الصحن و هي تعود للوراء في مقعدها ..
- خير ..؟
رفعت تلك حاجبها بابتسامة قذرة و عيناها تتحركان على شيخة نزول و صعودا ..
- كل خير حبي ،، أبا أشوفج الليلة .. عـ ..
قاطعتها شيخة و هي تترك صحنا و تلتقط حقيبتها لترميها على كتفها ..
- آم سوري حمدة ..
قالت تلك بشراسة ..
- حمدان ..
- What ever .. عنديه كويز باكر ..
- عقب باكر .. ؟
أدارت لها شيخة ظهرها و هي تترك الطاولة ..
- أفكر ..
و لوحت بيدها تاركة المكان بثقة ..
لتسلط حمدة .. أو حمدان .. أيا يكن .. نظراتها على الطاولة بتصميم .. و هي تهس بصوت كالفحيح ..
- و الله ما ييب راسج غيري .. و الا ما كون حمدان ..

* * * * *

.: المــاس :.
28-12-2007, 11:03 AM
بتاريخـ

17 / 12 / 2007

بسم الله الرحمن الرحيم ،،

السلام عليكوو و الرحمه ،،

خوانيه .. و خواتيه ..

مباركن عيدكووو ،، و عساكم امن العايدين و السالمين

اليوم يايتنكووو في موضوع .. و هو خبر محبط نوعا ما ..

أنا و الله أحترم التزاميه وياكووو في تنزيل الأجزاء .. و أحاول قدر الامكان ما أتخلف عليكووو عن الموعد المحدد كل اسبوع ..

يوم طرحت القصة و حددت موعد طرح البارت .. كنت فاضية و قادرة ع الالتزام ..

و لكنيه الحين مرتبطة بدراستيه ,, و هي شاقة نوعا ما .. و تتطلب وايد اهتمام ..

غديت آخذ من وقت الدراسة الكثير عسب أتابع الكتابة .. كل اسبوع ..

و هالشي حسيته يأثر على مستوى دراستيه و القصة ..

لن السرعة في الكتابة يمكن تسبب ليه تدهور في المستوى لي أباه للقصة ..

لذلك سمحوليه أقول من هالاسبوع بإذن الله بيكون في بارت كل اسبوعين يوم الخميس ..

و بحاول قدر الامكان انيه أطوله عسب يكون مرضي و أكثر من كافي ..

كل اسبوعين بينطرح بارت واحد و موعده يوم الخميس ..

و ببدأ من هالاسبوع و سمحوليه ع زحمة العيد .. مرخصتنكووو .. و ماشي بارت هالخميس ..

و لي عقبه .. فالكووو طيب .. بارت دسم يعوض عن هالاسبوع :D..

أدريه إن الموضوع محبط .. بس مضطرة ..

و أشكر مراعاتكوو و صبركووو عليه مقدما ..



و السموحة و العذر ،،


خذي راحتج يالغلا .. اهم ما عليج دراستج ..

وعسى الله يوفقج فيها ان شاالله ..

.: المــاس :.
28-12-2007, 11:09 AM
الخطـــــــــــــــوة التاسعــــــــــــــــــة }


[ .. خطوات مترددة .. تتعثر ..! ]





صفق باب سيارته الفارهة ثم توجه للمقعد الخلفي يفتح بابه ليلتقط الثياب التي التف حولها كيس نايلون شفاف يقيها من أي اتساخ و هو يقطع بالخطوات المسافة القصيرة ..
ابتهاج غريب بهذه الثياب سرى في داخلها .. سعيد بأنه سيبث السعادة في قلب ذاك الصغير .. لا ينكر حبا يسكنه لذاك الطفل .. كان يذكره بنفسه بشكل ما ..!
وصل لباب المجلس ليفتحه بهدوء .. فكر بأن عليه أن يركب قفلا جديدا للباب .. هناك من الأوراق ما هي من الأهمية التي قد لا تصل لعقول سكان هذا البيت ..!
علّق الثياب بجانب ثيابه .. و وقف و هو يغلق الباب بهدوء .. و يشعل نور المجلس ..
المجلس .. أم مأواه الجديد ..
لو كان أحدا قد أخبره أن سيمضي أشهرا في هذه الحجرة الخانقة الأشبه بالعلبة الكريهة لنعته في وجهه بالمجنون .. لم يعتد ضيق المكان بعد ..
لسنوات كان يرفل بالرفاهية .. ليجد نفسه يغفو كل ليلة في هذا السرير الضيق .. الخشن .. و يجلس على هذا الكرسي المستقيم لساعات حتى يئن ظهره من الألم ..!
سحب نفسا عميقا و هو يتوجه للمكتب الصغير يفتح جهاز حاسوبه المحمول و يديره .. و يده الأخرى تخرج الهاتف من جيبه .. ليضغط أرقام هاتفها بآلية .. يلصق السماعة بأذنه ..و عينه على الشاة التي لا يراها ..
قفزت ابتسامة غريبة على شفتيه حالما تدفق صوتها المبحوح بخفوت عبر الاتف ..
- ألوووه ..
خرج صوته دافئا يحمل من المشاعر ما ألجمها للحظات ..
- حلاااتااا الألوووه من ثمج .. عيديهااا..
صوت أنفاسها المتسارعة تلتقطها أذنيه و هو يتراجع في مقعده الصلب و يريح احدى ذراعيه على صدره الفسيح .. ليهمس بشوق مثقل .. تعمد أن يصلها ..
- شحالج ..
كانت اجابتها مختصرة .. هامسة ..
- بخير ..
- اشتقتيليه ..؟!
لم تجبه .. تنهد بقوة .. يعلم رغم كل شيء أنا ترتعش .. ترتبك .. أمامه ..
اذا هو يأثر فيها ..
اذا لا زال لجامها في يده .. سيعلم كيف سيروض تلك الطفلة ..
- وديه أقولج تعالي بس ماريد أضغط عليج .. بس بغيت منج خدمة ..
- آمر ..
ابتسم بهدوء و هو يميل على المكتب و أصابع يده الحرة تطقطق على لوحة مفاتيج جهازه بسرعة ..
- ما يامر عليج عدوو .. طرشيليه نايف الميلس ..
قالت بهدوء أوضح له انها تمالكت نفسها ..
- ان شا الله ..
- شي فخاطرج ..؟!
الهدوء المعتاد .. قبل صوتها المبحوح ..
- سلامة راسك ..
ابتسم بشيء من السخرية ..
- الله يسلم قلبج ..
.
.
ألهاها عن فكرة الطلاق على الأقل ..
لم ترددها مذ بدأ هذه اللعبة ..!

* * * * * *

يتدفق صوت الموسيقى الهادئ من جهاز التسجيل الضخم في زاوية الغرفة ليملأ سكونها و هي تستلقي على فراشها الوثير .. الإضاءة البيضاء الخافتة تنعكس على الجدران ذات اللون البنفسجي الفاتح .. و هي تحتضن مخدتها الناعمة .. عيناها الجميلتين ترفان بتوتر .. و هي تنظر للهاتف المحمول الملقى على فراشها بشيء من الاضطراب ..
تجلس الآن بإصرار على سريرها و هي تراقبه عن قرب .. شفتاها مضمومتين بشيء من القلق ..
تمد اناملها بتردد .. قبل أن تهوي بيدها عليه بسرعة فتلتقطه ..تهزه بقوة ..
ثم تتوقف عن كل هذا فجأة ..
ما الخطب أيتها الحمقاء ..؟! أيربكك الأمر إلى هذا الحد ..؟!
لم يحدث شيء إلى الآن .. يمكنك التراجع في أي لحظة و نسيان الأمر ..
نسيانه ؟! هه .. كيف لها ذلك ..؟! سيعاودها الأمر كلما وقعت عيناه على ذاك الطيف الهادئ .. المسالم ..
كل ما في الأمر أن هناك هاجس يؤرقها .. تريد أن تعلم لما اختارها حقا .. هناك عوشة .. و شيخة أختها .. و قريباته من أمه ..
ما الذي دفعه لخطبتها ..؟! يهتم لأمرها ربما ..؟! لا تظن .. تعلم جيدا أنه لا ينظر اليهن .. و لا يحادثهن الا فيما ندر ..
الأمر هو قلقها .. قلقة للغاية من أمور شتى ..
لا يمكنها أن تتخيل كيفية العيش معه .. أو قضاء حياتها قربه ..
لا تعرفه .. ليس قريبا منهم .. دوما يجلس بعيدا .. يرونه للحظات قبل أن يترك المكان لهم ..
كل ذلك لأنه يكره الاختلاط ..!
هل كانت راوية محقة يا ترى ..؟! هل أصابت في قولها انها ستجد صعوبة في التأقلم معه ..؟!
ماذ لو فرض عليها هي الأخرى تجنب رؤية أبناء عمها أو الجلوس معهم ..؟!
سيجد ان الاختلاط عذر مقنع .. هناك الكثير مما قد لا يلائمه فيها .. أو لا يعجبه ..
ماذا عن لباسها .. هواياتها .. لا تظن أنه بالتزامه قد يسمح بأمور تجد سهولة في فعلها دون ناهي ..!
أراحت رأسها بين راحتيها .. قليلا من هذه الأفكار ..
كل ما عليها هو أن تتبع احساسها .. ليقودها نحو ما تظنه صواب .. مؤكد ..لن تندم ..
فعلى الأقل سيكون قرارها نابعا من داخلها .. و لن تكون آسفة لتحمل تبعاته ..
تلتقط الهاتف بتردد بين يديها .. لم تبلغ الجرأة بها حدا كي تتصل بأخاها لتبلغه بقرارها أيا كان ..
تفتح صفحة رسالة نصية فارغة .. تضيف اسم أخيها في أعلاها ..
ثم تضع السهم في مربع الرسالة ..
الآن ليس عليها سوى رسم تلك الأحرف البسيطة التي ستحدد مصيرها أيا يكن ..
فكري روضة .. فكري جيدا ..
أهذا ما تريدين .. متأكدة ..
ترتجف أناملها على الأزرار بارتباك .. و هي تكتب الرد له بسرعة رهيبة ..
تشعر بانها تشق لها طريقا ..
تنحت معالم قدر منتظر ..
رمت بالهاتف على السرير بعد أن ضغطت زر الارسال .. لتتبعه و تدفن وجهها في مخدتها الناعمة ..
ضربات قلبها تخفق في هدوء رتيب ..
و هي تسحب نفسا عطرا من الوسادة ..
و تغرس فيها دمعة ..!
.
.
ارتفع رنين الهاتف بقوة يملأ جو الغرفة ..
عرفت أنه غيث ..
و لكنها لن ترد .. ليس الآن على الأقل .. عليها أن تجمع قواها أولا ..!

* * * * *

- عربية أرضاً سماء محتداً .. عمراً وتاريخاً يضيء ويزهر .. عربية يا قدس مهما دبروا .. لك في الخفاء وهيئوا وتنكروا .. عربية ((عمرٌ)) ببابك واقف .. يملي على التاريخ فيك و يأمرُ .. وأبو عبيده والصحابة حوله .. بالله ، بالقرآن فيك تجمهروا ،،، و آآآآآآ ..
و ترفع عيناها للسقف محاولة أن تتذكر قبل أن تنبهها حور و هي تنظر للكتاب ..
- حملوا إليـ ...
قاطعتها و هي تصفق رأسها بحماس ..
- حملوا إليك العدل أرفع راية .. تبقى على مر الزمان وتعمرُ .. عربيه (( الله أكبر)) … تعتلي .. قمم الجبال الشامخات وتنذر .. هم يحملون بأن تضيع معالم .. لك شادها شعب عظيم خير .. هيهات ، والإسلام أنت منارة .. ولواؤه والملتقى والمحشر .. إنا هنا في القدس ، فوق جبالها .. و وهادها ، ابد الزمان نعسكر .. تبقين ما بقى الزمان عزيزةً .. يا قدس ، مهما حاولوا أو دبروا ..
ناولتها حور الكتاب و هي تقول بهدوء ،،
- هنوده حبيبتي راجعيها مرة بعد .. خلاف ارقدي .. بوعيكم قبل الصلاة بساعة عسب تراجعون .. خلاص ..
هزت هند راسها و عينها في الكتاب ..
- أوكيـــه ..
نظرت لأمها التي كانت تنام بسلام و قد تدثرت ببطانية ثقيلة .. لا يخترق هدوء نومها هذا الازعاج حولها .. كانت مزنة قد أنهت مذاكرتها و نامت في غرفة أمها التي أصبحت مكان نومهن هي و هند منذ وفاة أبيها ..
حانت منها التفاتة لفراش أبيها الذي لم يحركه أحد منذ رحيله .. و ابتسامة هادئة متوجعة تناوش شفتيها ..
لم تعد ذكراه تدر الدموع ..أصبحت متمرسة في رسم تلك الابتسامة الرثة ..!
هبت واقفة من مكانها تترك حجرة أمها لترى ما الذي تفعله اخواتها .. فنايف قد نام الآن .. و غدا هو أول يوم في إمتحانات آخر العام الدراسي .. كانت الصالية خالية و أصواتهن تتدفق من الحوش ..
صوت حركة جذبتها لتلتفت للمطبخ و تتقدم نحوه بهدوء .. تدلف المطبخ الضيق لترى المها مندمجة في إعداد الساندويتشات و قد صفت أكوابا و ابريقا على صينية عريضة .. تأملتها بهدوء دون أن تشعر تلك بوجودها .. وجهها الناعم قد بدا مستغرقا في ترتيب الطعام .. و قد عقدت شعرها الطول على قمة رأسها .. لتتدلى غرتها القصيرة على جبينها و خصلات طويلة تحيط بوجهها الجميل ..
تقدمت منها بابتسامة لتلامس كتفها بخفة فتنتفض المها متفاجأة قبل أن تبادلها الابتسام بحلاوة .. لتلتقط حور ملعقة و تقوم بمساعدة المها في عملها بصمت ..
وضعت لفافة الخبز المحشوة الأخيرة في الطبق الكبير .. و هي تبتسم بهدوء ،، لا تعلم لما تعلقت الابتاسمة على شفتيها .. فقط هناك هالة من الهدوء .. تدفع ذهنها للصفاء حين تكون لوحدها مع المها ..
كيف هو الحال لهذه الشابة التي تسكن الصمت منذ سنوات ..؟!
بسمة خفيفة علت شفتي المها لتتبين - غمّازتيها - الجميلتين ..حملت صينية الشاي و الأكواب و التقطت حور صحن الشندويتشات .. ليتوجهن نحو - الحوش - حيث جلسن أخواتهن .. بمجرد أن تجاوزت الباب للخارج حتى هزت رأسها بأسى .. كانت نورة تجلس في الطرف الشرقي الأقصى من الحوش .. و دانة في الطرف الغربي .. و الأولى تحادثها بصوتٍ عالٍ .. فيما كانت عفرا تمشي ذهابا و ايابا تقطع الحوش و هي تضع سبابتيها في أذنيها لكي لا تستمع لأحاديث أختيها و هي تتمتم بخفوت لنفسها .. التفتت نورة للمها و حور دون أن تقطع حديثها ..
- لا حبيبتي .. هاي ما عندها ون تو .. سيده حولت مريوم لجنة خاصة .. حتى علاماتاا في هاك الامتحان انخسفت .. اللجنة الخاصة ما تراعي حد .. تدريـ ....
قاطعتها حور بصوت ساخر ..
- ما شا الله ع المذاكرة .. أي سالفة وصلتي أخت نورة ..؟؟
ابتسمت نورة ابتسامة واسعة لمعت خلفها أسنانها البيضاء ..
- لي في الوحدة الثالثة صفحـ ..
لوحت عفرا بيدها بضيق و هي تقترب من السجادة لتجلس عليها و المها تضع في منتصفها الصحن الذي لازالت تحمله ..
- من يلسن و هن سوالف ما شفت حد منهن بطلت كتابها ..!
اندفعت دانة تقول بسرعة أمام نظرة حور الغاضبة ..
- أصلا نحن مخلصات مذاكرة و مراجعات .. بس نخطف ع الكتاب بعد مرة عسب تتثبت المعلومة ..
تقدمت حور و وضعت الصحن قرب الصينية التي وضعتها المها لتجلس بجانبها فتهب الاثنتين نورة و دانة نحوهن أيضا .. و الأولى تقترب من حور لتطبع قبلة على خدها ثم تفعل الشيء نفسه مع المها بقوة شديد و الأخيرة تضحك بهدوء .. لتضم نورة كفيها لقلبها بحماس و هي تقول بصوتٍ عالٍ ..
- فديييييييييييييتج .. أحببببببببببببج أنااااااااااااا ..
مسحت حور على خدها باشمئزاز ..
- بس هي لي تحبينها ..! ترانيه مسوية السندوتشات وياها ..
وضعت دانة الخبزة التي التقطتها بتمثيل قرف ..
- أقول ريحتاا هب شي .. اللهم لك الحمد و الشكر ع النعمة ..
رفعت حور طرف حاجبها ..
- و الله انكن هب ويه يماله .. حطي السندويشة .. حطيها .. مالت عليكن و ع لي يراعيكن .. لو متن من اليوع كان أخير ليه ..
ضحكت دانة و هي تلكز حور ..
- عنبوووه حور .. غادية كبريت هالايام .. ما تتناغين .. امزح وياج ..
ثم تبادلت مع نورة نظرة خبيثة و الأخيرة تردف بمكر ..
- يمكن تواجد ولي أمرنا في البيت ينرفزها شوي .. و تخاف طباخها ما يلاقي قبول .. - ثم راحت تربت على كتف حور بثقة ساخرة - اذا المثل لي يقول أقصر طريق الى قلب الرجل معدته .. فلا تخافين .. أنا متأكدة انه وائع لشوشته ع قولة المصارية ..
رفعت حاجبها و و هي تصر أسنانها ..
- قسم بالله لو ما تيوزن عنيه .. انكن ما بتشوفن خير .. طفرتنبيه تراكن .. أففف ..
و التقطت سندويشة تقضمها بغيظ و دانة ترتشف كوبها ببراءة ..
- شوه نسوي زين ..وجوده هنيه حدث الموسم .. بعدين انتي لي تخلينا غصب نرمس .. و الا هاي حركات ..
ثم هزت رأسها بعتب مصطنع و هي تكتم ضحكة ..
- عيب عليج .. ندري ريلج ما قلنا شي .. و غاوي و كشيخ ع العين و الراس .. بس يعني أنا ما شوفها حلوة .. كل شوي تتغافلينا و تسيرين الميلس .. عيب حور .. أحين بعدج بنتنا يوم بتعرسين سوي لي تبين .. ما تبينا نربطج و الا نبند عليج الحجرة ..؟ صح .. و الا شرايج نوري ..؟
كانت عفرا تضحك الآن بقوة و المها تبتسم و عيناها على وجه حور المحتقن غيظا و نورة تقول بحكمة ..
- أنا أشهد .. حور .. يقولون الحب أعمى .. و انتي عميا الحين .. ما تشوفين وين مصلحتج .. نحن خواتج و أدرى بمصلحتج .. لازم تحكمين أهوائج .. ما يستوي فديتج .. شوه بيقول الريال عنج .. عاقه عمرها عليّه ..؟! اثقلي شوي ..
تعتصر كوبها و هي تشعر بالضيق يكتنف صدرها بقوة ..
- عنلااااتكن .. زودتنها تراكن و أنا ساكتة .. بتنطبن و الا شوه ..؟!
رفعت نورة حاجبها باستفزاز ..
- تنكرين انج ما سرتي الميلس أول أمس ..؟
صرت على أسنانها بقوة تدافع عن نفسها من أفكارهن ..
- سرت أشوف اذا شي كنادير وصخة تبالها غسيل ،،
شخرت دانة ساخرة ..
- يعني ما شفتي أكياس الدوبي .. انزين و أمس ..؟
احمر وجه حور بشدة .. لا تدري لما تشعر بأنها متهمة هنا ..
- وديت القهوة ..
- أوكيه بنخطفها .. و الخميس لي طاف .. يوم شردنا و تميتي اروحج هناك شوه كنتو تسوون ..؟ تلعبون تيلة ..؟
- أفكارج الخايسة هاي شرا ريحتج ما صار منها شي ..
ثم اردفت بثقة ..
- ريلي و يرمسنيه .. عندج خلاف انتي وياها ..
صفقت نورة بحماس .. و هن تصيح بقوة ..
- وووووووووووووو .. عاااااااااااشت حور بنت حمد ..
ثم تنهدت بدرامية ..
- أخيرا قلتيها .. من امتى و أنا أرقبج ..
عقدت دانة جبينها و هي تزفر ..
- أفاا .. ما توقعتج سهلة كذيه يا حوير ..
شعرت حور بالضياع ..
- شوه السالفة .. حوووه انتي وياها .. قلت شوه ..
راحت نورة تحرك حواجبها بابتسامة عريضة ..
- اعترفتي بغيث .. قلتي ريلي قبل شوي .. دانة قالت انج ما بتسوينها ..
شعرت بحرارة تزحف على خديها و هي تقول بصوت محرج مقاومة رغبة في دفن وجهها بين كفيها ,,
- انزين .. شوه فيـ .. فيها .. هب ريلي ..؟ سخيفات ما تستاهل السالفة .. غيرنها .. و الا و اللـ .....
و قاطعها صوت طنين متقطع صادر عن هاتفها المتحرك الذي كان في جيبها معلنا وصول رسالة نصيّة .. اتسعت عيناها لوهلة قبل أن ترخي جفنيها مبتهلة حال رؤيتها ابتسامة نورة و نظرة دانة الماكرة ..
رباه ليس هو .. ليس الآن على الأقل ...
لكزتها نورة بحماس و هي تدنو برأسها نحو الهاتف الذي أخرجته حور من جيبها ..
- يا ويل حاليه مسجات بعد .. اقريه ..
نظرت لها حور شزرا تخنق خفقات قلبها المجنونة .. لا ينقصها هذا الاحراج ..!
تعبث بأناملها المرتجفة محاولة الوصول للرسالة الجديدة .. و أنظارهن تنصب عليها باهتمام ..
.
.
و في لحظة حقيقية .. حيرها الاحساس بالذنب الذي راح يكتنف صدرها ..
شيء يشبه الخجل من احساسها .. رغبة خفية في دفن تلك اللهفة التي راحت تتفاقم في روحها و هي تدنو من تلك الرسالة ..
كرهت تلك الخيبة التي خالطت راحتها و هي ترى رقم مايد يعلو الرسالة .. و ابتسامة غريبة تسكن شفتيها و هي ترفع عينها لأخواتها بصوتٍ غريب ..
- من مايد ..!
و أشارت للمها التي تطالعها بتساؤل عن أمر الهاتف و هي تدني الشاشة منها لتقرأ الرسالة .. لحظات و تبتسم المها بحنان .. و عيناها تمران على الأحرف المطبوعة في السطح ،،
.
.
( مرحبا غناتيه ،، أدري انيه من زمان ما ييتكم .. أمايا كانت عندكم أمس بس ما رمنا نيي وياها عبيد عنده امتحانات الفاينل الحين .. و أنا ماخذ دوام مسائي في الشركة بعد .. بس عقب الامتحانات ان شا الله بنرتب أمورنا و نحول نييكم .. ما عليكم خوف و ريلج وياكم في البيت .. ردي السلام على خالوه و البنات )
.
.
همست بابتسامة و عينها تدور أكثر من مرة على سبب اطمئنانه ..
- يسلم عليكن مايد ..
- الله يسلمه ..
و دانة تقول بخيبة ..
- يعني هب من غيث ..؟
هزت عفرا رأسها و هي تقلب كتابها .. و ترتشف قليلا من كوبها الذي تصاعد منه البخار ..
- و الله انكن قليلات ادب .. شوه خصكن .. غيث و الا غيره ..
رفعت نورة حاجبها ببرود ..
- محد سالج .. سيري احفظي مقدمة المؤلف يمكن ما خطفتي عليها ..
ردت عفرا دون أن ترفع عينها عن الكتاب ..
- و انتي صادقة .. اخيرليه .. لنه رزة الفيس من طبايع التيس ..
عقدت نورة جبينها ..
- التيس ريلج .. لا تسبين يا الناقة ..
نظرت عفرا لها بحاجب مرفوع مهددة بصمت ..اتسعت عينا حور التي نست أمر الهاتف لوهلة ..
- حوووه انتي وياها .. شوه استوى عليكن .. مـ ....
- آآآآآآآه يااااااااا الخاااااااااااااينة .. يااااااااااااا مسودة الويييييييييه .. و الله انييييييييه كنت شاكة ..
صاحت دانة بذلك بطريقة مبالغ فيها و هي تقذف الهاتف لنورة و عفرا اللواتي نسين أمر الخلاف و هن يلتفن حول هاتف حور .. لتكتم عفرا ضحكتها و قد بدت الصدمة و الاحراج على وجهها جلية .. و نورة تقرأ بصوتٍ عالٍ ..
- سلام لك يصفي فوادك و يرضيك .. رضاك غاية في فوادي أكيده ،، صوت الغلا في خاطري قام يدعيك .. مدري سمعت الصوت و إلا نعيده ..؟! ،، الشاهد الله كم نعزك و نغليك .. رغم المسافة و الظروف الشديدة ..
ثم عقدت جبينها تلتفت لعفرا ..
- أي مسافة ..؟! هم إلا يدار .. اسمعن .. اسمعن ..!! - و راحت تكمل القراءة بصوت خبيث - يعلنيه هب بلا الايدين لي سوت القهوة ..حطيتي شكر و الا اصبوعج في الجاهي ..
انفجرن ضحكا كلهن و ابتسامة المها لا تفارق شفتيها رغم أنها لا تسمع من ذلك شيئا و حور تنتزع الهاتف من بين يدي نورة بقوة .. حين لم يعد يتبين من وجهها شيء ..
- سخيفااااااات ..
- ههههههههههههههههههه أونه اصبوعهاا .. وععع .. بيتسمم الريال .. هههههههه كفج دندن ..
كانت عفرا لا تتوقف عن الضحك ..
- افاا حور.. من ورانا .. هههههههههههههه .. ماشي غير هالمسج ..؟ سمعيناا ..
دست حور الهاتف في جيبها بغل شديد محاولة بجهد كبت خجلها مما يحدث و هي تلتقط كوبها لتشرب منه ..
- حتى أنت يا بروتس .. اذن فليسقط قيصر ..! - ثم أبعدت الكوب فجأة عن فمها و هي تكح بشدة - أححححح .. حرقنيه الله يغربلكن ..
ضحكت دانة ..
- تستاهلين .. هاي يزات اللعب من ورانا .. المرة الياية تخبرينا بكافة التفاصيل .. و بعدين نحن محترات و حالتنا لله .. سون عصير شي بارد يرد الروح .. مسويات جاهي ..؟! عنبوه أنا أشربه منيه .. و يظهر من جلدي منيه .. حرررر ..
عقدت عفرا جبينها ..
- شوه هالتعبير المجازي المقرف ..
لوحت دانة بيدها ..
- كيفي مواطنة ..
شخرت عفرا ساخرة تعود لأوراقها ..
- في ذمتج ..!!!! متى عطوج اليواز ..؟!
- قبل لا يظهر سنامج يا الناقة .. آآآآآآآآآآه ..
صاحت بذلك متألمة حين سددت لها حور ظربة على ظهرها ..
- لا تعايبين ع أختج .. شفيكن الليلة ..؟
تنهدن معا و بدأ البؤس على وجوههن و نورة تقول بصوت يائس ..
- باكر الامتحانات حوووووووووووور ..
- و العثرة ثركن بتتذابحن قبل لا تيي العطلة ..!
- لازم حبيبتي توتر الامتحانات .. بس نحن نرفه عن عمارنا شوي و ننسى التوتر ..
قالت عفرا ساخرة ..
- هيه .. يعني يبندن الكتاب و سوالف و حش ..
- أووونج عااااااااد .. في منوه حشينا ..؟!
- شاروخان ..
شهقت دانة بحماس قبل أن تقول بقرف ..
- حوور .. في ذمتج .. وين هالهندي و الحلا وين ..
نظرت لها نورة بحاجب مرفوع ..
- جب ما يخصج انتي .. المهم انه عايبنيه ..
نقلت حور عيناها بينهن ..
- لا و الله .. حلفن بس ..!
التفتت للمها .. و هي تشير بيدها في حركة دائرة قرب صدغها ..
- مخببببببببببل خواااااااااااااتج ..
و تشير بحركة خاتم في الخنصر و هي تردف مع ابتسامة المها ..
- نورااااة .. تبااا هندييييي .. بوزار مشخط .. و حل تاتا ..
ظربتها نورة على كتفها ..
- شاروخ ما يحط حل تاتا ..
رفعت حور حاجبها مستنكرة ..
- شميتي شعره ..؟
- لا هو خبرنيه ..
- حلفي و الله .. في التيلفون و الا فيس تو فيس ..
رفرفت نورة بأهدابها بطريقة مضحكة ..
- في الرسالة لي طرشها لي ويا بشكارة المقصف .. تشاندي ..
عظت حور شفتها السفلى كي لا تضحك ..
- أهاا .. و شوه قال لج بعد ..؟
ابتسمت نورة بحالمية و هي تغني ..
- قال ،، يا لييييييتك تكووووووون وااااااحد من بني عميي .. و أكووون أناااا لووولي بالحق لمطالب ..
اختفت ابتسامة حور و هي تقول بعتب ..
- نوووروووه .. غير إن الأغاني حرام .. أبويه ماله شهرين و شي متوفي ..!
وضعت نورة يدها على فمها معتذرة ..
- أستغفر الله .. سوري ..!
برهة صمت ثقيلة أعقبت الكلمتين الأخيرة .. قبل أن تقول حور و هي تنفض السكون ..
- المهم .. شاروخان ما بينفعج باكر في الإمتحان ..و لا بيعطيج الشهادة ..
وضعت نورة يدها على خاصرتها ..
- منوه قال ما بينفعنيه ؟؟ .. حواري .. فكري بعقلج شوي الشهادة ما بتدخل وياي القبر .. ما بينفعنيه الا ولد صالح يدعو لي يعني لازم تيوزونيه شاروخ عسب أضمن حسي في الدنيا قبل لا أموت.. أنا قررت خلاص .. مابا الا شاروخ ..
أجابتها دانة مفكرة و عفرا تضحك حين هزت حور رأسها باشمئزاز ..
- بس الهنود عندهم الحرمة لي تعطي الريال المهر .. و نحن على بساط الفقر .. من وين بنييب مهر هالهندي بو وزار مشخط و تاتا ..؟!
- نبيع ذهبنا و حلالنا .. كل شي فدوة لعيونه ..
- أي ذهب .. أي حلال يا حسرة .. كان ما بتبيعين مواعين المطبخ .. و التلفزيون .. و تحطين مزنووه اختج وياها مجانا للي يشتري ..!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
على عتبة شهدت رحيل روح ذات غفوة .. يجلس مصيخا و الحر لا يضايقه مطلقا و هو يتخلخل فانيلته القطنية و ازاره الابيض ..
عقب السيجارة يذوي بين أنامله .. يتآكل اللهب أطرافها حتى النهاية و خيط من الدخان يتراقص مرتفعا لأعلى ..
يتأمله بهدوء .. و الجدار الذي يفصلهن عنه لا يحجب أصواتهن .. و لا احاديثهن المتحمسة ..
لا يخفي تلك الابتسامة التي ناوشت شفتيه ..
ثرثرتهن التي بلا معنى .. مشاحناتهن .. و تعابير حمقاء يستخدمنها ..
جعلته يشعر بأنهن يكشفن شيئا من خبايا أنفسهن .. أو أنهن يجردن احساسا ما على مسمعه ..
و أنه متطفل .. و أنه متطفل ..!
ألقى بعقب السيجارة يدهسه بقدمه بقوة .. قبل أن يهب واقفا .. و أصواتهن المتحمسة لا زالت تتسلل لأذنه ..
امسك الهاتف الذي كان في يده الأخرى ينوي أن يضيق النطاق عليها حتى في لحظاتها الطبيعية .. سيقتحم حياتها و الوجدان .. كي لا ترجو عالما لا يسكنه ..
و على الزر الأخر توقف الابهام معاندا ..
شيء من الإحترام أبى أن يخدش لحظة الصفاء التي لمسها عبرهن ..
بخبث ما يخطط له ..!


* * * * *

ما ان انبثق الفجر الوليد و انتشر النور في الأرض .. و توجهن أخواتها للمدرسة لقضاء الامتحان الثالث عليهن .. حتى انطلقت هي الأخرى لمشاركة المها كي ينهين أعمال المنزل .. بدا أن حمل زاد عليهن مع انشغال الفتيات بالامتحانات .. أخرجت حور ملابس نايف من آلة التجفيف تضعها في السلة كي تنشرها على الحبل قبل أن تملأ الغسالة بالماء و الصابون لتضع ثيابا أخرى تحتاج للتنظيف ..
حملت السلة بخفة و توجهت للباحة الخلفية الضيقة لتنفض الملابس الرطبة و تعلقها على الحبل .. تأملتها بهدوء ساخر .. مؤكد لن يحتاجها نايف بعد الملابس التي أحضرها له غيث ..!
واصلت تعليق الملابس على حبل الغسيل .. حتى انتهت .. التقطت السلة و هي تهم بالعودة للداخل .. و لكنها توقفت للحظة .. و عينها تقع على الجدار المشترك بينهم و بين جيرانهم ..
و فجأة و هي تقف في مكانها .. عينها على الجدار .. شعرت بخواء غريب يجتاحها ..
كم من الوقت مر مذ رأت صديقتها تلك ..؟! منذ قدوم ذاك الغريب لم تطأ قدماها عتبات المنزل ..!
ما يقارب الشهر أو أكثر ..
لما كان عليها الابتعاد حين شعرت حور بانها تحتاجها حقا ..؟ هناك أحاسيس قد بعثرت في زوايا الروح تحتاج إلى تلك الصديقة كي تجمعها بين راحتيها ..
هناك أراضٍ مجهولة تطأها هي بقدماها .. تضللها تلك الأماكن .. أين الدليل ..؟!
أريدك صديقتي .. أحتاج صدقكِ .. ليس عليكِ أن تتركيني أضيّع نفسي في فوضى الشعور هذه ..
.
.
تضع السلة جانبا على الأرض .. تنحني ..
أناملها تلتقط تلك الحصي الصغيرة .. تحتنضنها راحة يدها بشوق ..
كم من الحنين مر عليها و لم تلقي بهذه الحصي .. لتلبيها صاحبة القلب الكبير ..؟!
ترجع يدها خلف رأسها لتقذف بالحصي الصغيرة .. عيناها تتابع اندفاعها بلهفة ..
تتطاير في الهواء .. سترشق مسامعها حتما ..
هل ستجيبها ..؟!
هل ستجيبها ..؟!
هل ستجيبها ..؟!
هل ستجيبها ..؟!
ضمت قبضتها و هي ترخي جفنيها بانتصات .. تصيخ السمع متأملة ..
لا تخذليني .. لا تفعليها فاطمة ..
تعالي ..
أرغب أن تري خرابة أضحت تعشش داخلي .. من سيجلي حيرتي غيركِ ..؟!
لحظات من الصمت و بدأ اليأس يدب في قلبها .. لن ترد ..؟!
.
.
- امنوووووووووه ..؟!
فتحت حور عينيها على اتساعها لتهتف بصوت أثقله الوله ..
- أناااا حوووووووور ..
لحظة سكون .. قبل ان يندفع صوت فاطمة ..
- حووووووووور ؟؟؟؟؟!!!!
صاحت حور بحماس ..
- هيه تعالي للفتحة ..
و دون أن تنتظر ردا على صيحتها راحت تجري بسرعة نحو الفتحة الواقعة خلف المطبخ .. تلك الفجوة .. لطالما تدفقت عبرها من الكلمات ما شد من عزمها .. لحظات و يظهر وجه فاطمة من خلف الفجوة الضيقة .. وجهها كان يشع بفرحة خالصة ودت حور لو تحشر رأسها في تلك الفرجة الضيقة لتقبل خدها بقوة .. كم اشتاقت لها ..!
قالت لها بعتب ..
- هب نحن لي ظاربين خوج .. هاييلا عيال عميه المفاليع .. لا تحطين السبة علينا ..
بدت الدهشة على وجه فاطمة .. قبل أن تسأل بحذر ..
- الحين انتن هب زعلانات عليه ..؟!
لم تفهم حور ..
- زعلانات ..؟!
- لن خوية .. تعرفين .. و الله أنا ما كنت أدري بس ....
قاطعتها حور بصدمة ..
- جب .. عنلاااااااتج يا السبالة .. الحين كل هالفترة مقاطعتنا و تتحرينا زعلانات .. أقول قلبي ويهج .. و البسي شيلتج و تعالي البيت الحين .. يلاااا ..
ضحكت فاطمة بفرحة و هي تهز رأسها .. تتأمل وجه حور للحظات ..قبل أن تلتفت فتناديها حور مجددا ..
- فطوم ..
التفتت فاطمة نحوها مجددا .. لتمد حور يدها فتقرص خدها بقوة و هي تقول بحب ..
- اشتقنالج ..
همست فاطمة و هي تضع يدها على خدها ..
- و أنا أكثر ..
.
.
و كانت حور متأكد من أن دمعة تألقت في عيني صديقتها قبل أن تشيح بوجهها ..!
.
.
صديقي من أصارحه فيبقى...
ودود القلب عف في اللسان
صديقي من يرى الإيمان بحرا...
عزيز النفس مشبوب الجنان
فلا الأهواء تجرأ تشتريه...
ولا الإعجاب يسبي ذا الجنان
ولا النزوات تنسج بردتيه...
ولا الأحقاد تسكن في الكيان
حيا ..مخلصا..عفا..جريئا...
سليل الهدي يا بقرب الحنان *
.
.
.
.
.
.
.
.
- وين المها ..؟!
قالتها و هي تضم كوب الشاي الكبير بين راحتيها .. حين جلست مع حور في - حوش - البيت بعد دقائق .. لتجيبها حور بهدوء ..
- عند أمايا ..
ارتشفت حور بعضا من الشاي و رفعت رأسها حين أبدت فاطمة ملاحظة ..
- محلوة حور ..؟!
احمر وجه حور ..
- أنا ..؟
- هيه انتي ..
- آآ .. هيه .. مادري ..
ضحكت فاطمة ..
- شوه هيه مادري .. بخطبج أنا ..؟ بلاج قفطتي ..
احمر وجه حور .. لا تدري لما .. و هي تهمس لفاطمة ..
- جب ..!
- هههههههههههههههه .. قولي و الله .. شعندج منفخة .. و ويهج محمر .. عنبوه لو واحد من الشباب بقول ما عليه .. بس فطوم البطة أنا صديقة الطفولة .. ليكون شاكة فجنسي ..؟
ابتسمت حور لها ..
- لا و الله .. بس كذيه أستحي يوم حد يمدحنيه ..
- أوووف من متى ..؟ ما حيدج ادلينه درب المستحى ..؟ شوه هالتطورات ..
سحبت نفسا عميقا .. تملأ به رئتيها .. ينتشر عبق الصباح داخلها ..
بماذا أبوح لكِ صديقتي ..؟! أ أخبركِ حقا أن هناك احساسا حفر في جوف الروح .. حين وُجد هنا من راح يمتدحني .. يدنو مني .. يشتتني ..
حتى أحال كرهي لحيرة ..
تضيّعني ..
- آآممم .. حور ..؟!
قالتها فاطمة بتردد ..
- لبيه ..
- البنتلي السودا لي كل ليلة واقفة عند باب بيتكم مالت منوه ..؟! مايد ..؟
ها أنتِ تكشفين ستر تلك الخبايا ..
ببطء ..!
أخفضت حور بصرها بهدوء ..
- مايد ..! من وين له يا حسرة عسب اييب هالموتر ..
- مالت منوه عيل ..؟!
ابتلعت حور تنهيدة عميقة و هي تقول بهدوء تعلم أنه سيصدمها ..
- مالت ريلي ..
أجفلت فاطمة بدهشة كبيرة ..
- ريلج ..؟؟؟؟ .. ولد عمج تطرين ..؟؟؟؟؟ شسمه ... هذا .. هيه .. غيث .. و الا ..؟!
أومأت حور برأسها ..
- هيه غيث ..
صمت تلى كلمتها المهزومة تلك .. قبل أن تقول فاطمة و هي تشد على يدها ..
- شوه يسوي هنيه كل ليلة ..؟
- يرقد عندنا ..
تدلى فك فاطمة بصدمة ..
- يرقد وين ..؟
- في الميلس .. سكن عدنا الحين ..
همست فاطمة بصدمة متسائلة عمّا حدث في غيابها ..
- شوه صار ..؟!
راحت حور تسرد ببطء كل ما حدث بالتفصيل طوال فترة انقطاع فاطمة عنهم .. جميع تلك التفاصيل الدقيقة .. راحت تنثر في حضن صديقتها كل شيء .. احساسها ذاك الذي لا تعرف له اسما يتكسر قلبها على حدود مده و جزره .. و صورة رجل ظهر في حياتهم ليلعب دور المنقذ في غير حينه .. و لحظات أصبحت تدرك فيها انها لا تعرف نفسها .. لا تعرف ما يخالجها .. كل ما شتتها .. كل ما مزقها .. أفكارها .. تلك الظنون .. أسرارها ..
تفاصيل نبضاتها الدقيقة .. و دموع أوشكت على الانفلات و لكنها امعنت في أسرها ..
يرتعد صوتها بالاحساس مرة .. و يتهدج بالمرارة مرة أخرى ..
- مادري شوه أقولج .. أحس انيه .. أحس انيه ما أعرفه .. أصلا أنا ما أعرفه .. هذا غريب .. بس شوه أقولج .. مرات ..
سحبت نفسا عميقا تحتبسه في صدرها .. تمد يديها بعجز للأمام .. كيف تسرد الشعور .. كيف ترسم بالكلمات ملامحا .. لحيرتها ... لإحساسها .. لكل ما يخالجها ..
- مرات .. كيف أقولج .. يعني .. أحس انه ريال و طيب .. و كل شي ..
سألتها فاطمة بهدوء ..
- كيف يعني كل شي ..؟!
ردت بإحباط ..
- مادري .. أتعود منه قسوته أول ما شفته فحياتيه .. و أوامره .. صراخه .. حسيته حقير و نذل .. و يبا يتحكم فينا .. بس أفكر .. الحين يالس ويانا مودر العز لي شفناه هنك .. يشغل عمره بنا مع انه مشغول .. فطوم اتعرفين كيف غدى نايف أذية يوم توفى أبوي ة.. يوم يظاربنا و يبا يظهر ع كيفه .. من يا هو البيت .. تغير نايف رد لولي .. يوم يكون موجود في البيت ييلس وياه .. يصلون الفير رباعة في المسيد .. و يسمع الرمسة .. و ما يرقد الا و هو خاطف عليه و كل سوالفة .. عنه .. هو سوى هو قال .. هو راح .. و هو عنده .. تدرين انه شله وياه مرتين يوم يسير يتغدا وياهم كل خميس .. بس أنا قلتله الخميس لي طاف لا يشله لن عنده مذاكرة و الامتحانات بتبدأ و يوم تخلص برايه ..
- ليش هو .. ليش ما تقولين غيث ؟؟
ألقت فاطمة سؤالها بهدوء ..
لكن كان له دويا غريبا و كأنما انتزعت شيئا من روح حور .. ها هي صديقتها التي لطالما عرفتها تمعن في نبش كل احساس مجهول .. أرخت حور أهدابها .. تبلع عبرة سدت حلقها دون سبب و هي تجيب ..
- مادري .. بس صعب اسمه عليه ..
- تخافين انج تهدمين الحواجز لي بينكم ..؟
- يمكن ..؟
- تحبينه حور ..؟
فتحت حور عينيها بسرعة ..
- لا .. شوه أحبه .. ما يمدينيه ..!!!
ابتسمت فاطمة بحكمة ..
- يعني ما تكرهينه ..
عقدت حور جبينها ..
- ما فهمت ..
قالت فاطمة ببساطة ..
- أول ما حيدج ادانينه .. ما تيبين حتى طاريه .. عقب ما يا و غصبج على سالفة السامان لي تردينه و الفلوس ما خليتي رمسة ما قلتيها .. و الحين .. ؟ أقولج تحبينه تقولين ما يمديني ..! كانج تقولين يبالي وقت بس و أحبه ..
نفت حور الأمر فورا ..
- لا .. هب هذا لي ..
قاطعتها فاطمة بهدوء ..
- حووووووور .. اسمعيني .. اسمعيني .. ليش تحسين انج في موقف دفاع .. ؟! ليش ترفضين الريال .. بسألج سؤال .. الحين الغلط لي تشوفينه في هالريال ..؟!
- بعد ما فهمت ..؟!
- الريال من يوم ما شفتيه و هو ما يبا الا يساعدكم و خايف عليكم .. العون و مده لكم .. و سكن و ياكم هنيه .. يمكن العيب الوحيد انه هو لي خبرج انكم بتنتقلون البيت العود .. فكري .. اذا خوفة و حرصه عليكم .. اندفاعه و عصبيته من عنادج عيب .. يعني ظركم في شي ..؟!
لحظات طويلة و كلمة بكاء تأبى أن تعبر حدود الشفاه المطبقة .. قبل ان تنفلت منها رغما عنها ..
- لا ..
- من يوم سكن عندكم .. غلط على حد منكم .. ؟
- لا ..
- ريال مودر بيته و أهله .. عسب يداريكم و يعابلكم .. البيت و سادنكم فيه .. مشاويركم حاط لها موتر .. خواتج مرتاحات في الروحه و الييه .. ريال و في البيت عندكم .. كيف اسلوبه وياج ..؟!
احمر وجه حور فورا بعد هذا السؤال ..
- يعني .. زين ويايه ..
رفعت فاطمة حاجبها بابتسامة ..
- زين بس ..؟!
- افففف .. لا تيلسين تنغزين فطوم ليتني ما خبرتج ..!
- ما بنغزج .. بس انتي خذتي سالفة ابوج دافع لردود أفعالج .. الحين قبل ثلاثين سنة أو أكثر سالفة استوت و انطر ابوج بسبتاا .. ريلج لي طرده ..؟
- لا بس هم أهله ..
- و أهلج و أهل أبوج بعد .. و ابوج لي انتي كارهتنهم ابسبته .. هو لي ميوزنج اياه .. ليش تحطين ذنب الريال من ذنب هله .. اوكيه بتقولين نفس الطينة .. حور الحين هو ريلج .. ما ترومين تغيرين شي من هالوضع .. ليش ما تطبين كل هالخرابيط من راسج و تعيشين حياتج .. من الرمسة لي تقولينها أحسه الريال .. شارنج .. و انج عايبتنه .. ودري الماضي .. ركزي ع الحاضر ع اليوم لي انتي فيه .. على باكر .. و شوه ياي وياه .. لا تخلين غلطة غيرج تأثر على حياتج حور ..!
عضت حور شفتها السفلى بقوة .. كانت كلمات فاطمة تنخرها بقوة .. تزعزع أسس تلك الركائز التي أسندت خوفها من مشاعرها عليها طويلا ..
.
.
أين ستقودها الخطوات في النهاية على أي حال ..؟!

* * * * *
>>

.: المــاس :.
28-12-2007, 11:14 AM
تتمة





كانت السيارة الفارهة تتقدم ببطء شديد .. في الشوراع المزدحمة .. و استغرب حقا من تواجد الناس هنا في أيام مثل هذه ..
التفت بسرعة لصديقه الذي استرخى في المقعد و كاد يغفو ..
- حوووه بو سعود ... لا ترقد يا خي .. و الا برقد وراك ..!
تثائب عبدالعزيز بكسل و هو يتمطى كالهرة الكبيرة و يقول ..
- بو هناد .. كراسي موترك عجيبة كنها شباري ..! أنود كل ما يلست فيها ..!
ابتسم سيف بمجاملة .. الحقيقة أنه يفضل استبدال هذه السيارة الفارهة باخرى بسيطة لا تتجاوز عُشر سعرها .. يكره التباهي .. يكره هذا البذخ .. و لكنها قد أتته عطيّة من أبيه .. قال بصوت حازم و هو يراقب جموع الناس المتفرقة في هذا المكان ..
- باكر هب امتحانات آخر السنة ..؟ شوه يسوون هاليهال و هلهم هنيه ..؟
- شوه حاسدنهم يا ريال .. خلهم يمكن يتأهبون نفسيا لامتحان باكر ..
و ضحك بخفة و كانما أعجبته الكلمة .. ثم أردف ..
- بس بتلقاها فرصة للعب الليلة .. أهم شي ما نضيّع الغنايم ..
و ابتسم بحماس .. و سيف يواصل الامعان بالنظر حوله و هو يقود الشيارة ببطء .. تلك المعالم الجميلة التي تمر على جانبيه كانت تشرح صدره .. - الأخضر الندي الذي زحف على صدور الجبال .. تلك الأعشاب اليانعة تنبثق من بين الصخور لتعطي ظلا رائعا داكنا في هذه الليلة .. الأضواء المسلطة على عمالقة الصخور الجاثمة على انفاس الأرض ،، و ينابيع الماء المتدفقة و الأفلاج المتعددة .. ضحكات الأطفال و ألعابهم .. أحواض سباحة عملاقة متعددة تحيط بها جدران متينة للخصوصية .. و حديقة ترفيهية صغيرة تقبع أمامه مباشرة .. و تلك الاكواخ المصغرة للسكن فيها .. بحيرة فسيحة .. توقفت أمام رصيفها عدة قوارب صغيرة ..
.
.
بقدرة الله العظيم ،، و رحمته ..
قد أمعنت كف ذاك الكبير بنحت الجمال قبل رحيله ..
فليرحمه الرب .. كان منبعا للخير ..
و لا زال الخير منبعا لأبناءه ،،
.
.
قال بصوت هادئ يشق الهواء البارد في السيارة ،،
- الله يرحمك يا زايد ..
تمتم عبد العزيز بذلك أيضا قبل أن يرتفع رنين هاتف سيف فيلتقط السماعة ليضعها في أذنه و عينه تنظر للأمام مباشرة و هو يرد ..
- حييه بو سلطان ..
تدفق صوت أخيه يقول بسرعة ..
- مسويلنا فيها مطوع و انته من تحت لتحت .. مطول اللحية و مقصر الثوب .. و انته ترتغد في مبزرة .. اعترف مواعد منوه ..؟
هزت سيف رأسه و هو يقول بقوة ..
- ما برد عليك لنك ما تستاهل .. شدراك انيه في مبزرة ..
- شفت موتر خطف من شوي ..
- انته هنيه ..
- هيه ..
- شوه عندك ..؟
- شوه عنديه بعد .. لي عند الخلق .. ياي أتمشى ويا الشباب .. تعال صوبنا يا ريال .. الربع كلهم هنيه .. و اليلسة وناسة .. حد عندك ..؟
- عبدالعزيز ..
- أهاا يا حييه .. بو حميد معزر انك تيينا ..
- لا يا ريال .. أنا هب فاضي .. يايين في مهمة .. نحن في وقت الدوام الحين ..
- يا ريال ..!!
- هيه و الله .. مرة ثانية ..
كان عبدالعزيز يلوح بيده معترضا .. و تجاهله سيف و هو يوصي أخاه ..
- لا تبطي هنيه .. رد البيت قبل 12 ..
أجابه هزاع باحباط ..
- ان شا الله أمايا ..
- يا صبي ..
- خلاص آسفين .. يا الله يا خي .. شغلتنااا .. أقولك يوّد أحمدوه يباك ..
ثانية و يأتيه صوت ابن عمّه المتحمس ..
- علومك بو هناد ..
ابتسم سيف بهدوء ..
- علوم الخير ..
- بغيت أخبرك يا ريال كانك أحين في وقت الدوام تعال شوف واحد من الربع مركب عاكس .. صادروا موتره ..
ضحك سيف و هو يسأل ..
- و انته ليش تفتن ..؟
- نذالة .. و أحافظ على نظام البلاد ..
- نظام البلاد ..؟ أقول بنصادر موترك أول .. و الا تحرانيه مادري انك مزود ..
- و الله انك سوالف بو هناد .. كم رقمك ..؟ أقول توكل على الله و لا تيلس تروعنا .. انتو تحريات و هاي شغلة المرور ..
- و لا يهمك أحين أتصل بالربع هناك ..
- عنبوه يا سيف .. محد يمزح وياك ..
ابتسم سيف من نبرة الاحباط التي لمسها في صوت أحمد ..
- القانون ما فيه مزح .. و النظام ع اليميع ..
- انزين أذيتنا .. تقول ما صدقت حد يفتح لك مجال محاضرة .. أقول بو هناد . و الله ان صوتك حلو .. بس بشوفك باكر في العزيمة .. فداعة الله ..
قال سيف بسماحة ..
- الله يحفظك ..
أعاد السماعة لجانب الهاتف و هو يجيب نظرة عبدالعزيز المتسائلة ..
- هزاع خوية و أحمد ولد عميه هنيه و شافوا موتريه .. ما طحت ع شي ..؟!
- لا طلعنا فوق .. بنشيك ع القمة .. تعرف بعضهم يروحون هناك خلاف يخطفون ع الفندق ..
و غمز بعينه لسيف و هو يقول عبارته الأخيرة .. ليقول ذاك باستياء ..
- أستغفر الله .. يا خي ترفع عن هاي الظنون ..
رفع عبدالعزيز حاجبه و هو يقول ..
- الحين يوم واحد يواعد وحدة من هاللوث .. و ييلس وياها اروحهم .. شوه يبابها .. ؟ شوه يسوي وياها ..؟ يلعبون تيلة ..؟!
- يسوون لي يسوونه ،، هب شرط ان كل وحدة ظهرت ويا واحد زانية .. اتق الله يا أخي ..
- و هب شرط انك وحدة تظهر ويا واحد عفيفة .. هاي باعت هلها .. هب صعبة تبيع عمرها بعد ..
لم يجبه سيف بل التزم الصمت حتى وصلا قمة جبل حفيت .. ليدوران ببطء في الساحة الواسعة و عيناهما تستقطبان كل سيارة منزوية .. قبل أن يقول عبد العزيز بسرعة ..
- سيف .. البي ام لي في الزاوية ورا المطعم ..
التفت سيف الى حيث أشار عبد العزيز قبل أن يقترب منها و يوقف سيارته على مسافة قريبة .. و أحنى سيف رأسه و زجاج السيارة ذو التظليل الخفيف يكشف عن رأسين متقاربين في الداخل ..
- أهل يمكن ..؟!
- بنشوف ..
مرت دقائق طوال و هما يراقبان السيارة المتوقفة .. دون أدنى اشارة قد تدفعهما للتدخل .. لحظات قبل أن يفتح باب السائق على وسعه .. ليكشف عن رجل مال إلى الخارج ليقذف كيس قاذورات و اتضح من خلفه شكل المرأة الجالسة بجانبه بلا غطاء شعر .. ليقول عبدالعزيز فور التفات سيف للجهة الأخرى ..
- أهل ..؟
أطفأ سيف محرك السيارة و هو ينظر للمرآة و يعدل من وضع - الغترة - ..
- بنشوف ..
- أنا ورا ظهرك هنيه ..
- ترتوب .. و فتح باب سيارته لينزل منها في اللحظة التي زحزح فيها عبدالعزيز جسده الثقيل ليحتل كرسي السائق المجاور ..
تقدم سيف بخطوات واثقة .. و هو يندفع لشي اعتاد فعله مئات المرات .. هامته الطويله تقطع المسافة القريبة بين السيارتين بثقة .. حتى وصل للسيارة التي بدا من خلف الزجاج الداكن طيف رأس الرجل يلتفت إليه .. مد أنامله ليقرع زجاج النافذة و لكن الرجل سيبقه لينزلها و هو يتساءل ببرود حين التفت المرأة بوجهها للجهة الأخرى فلا يراه سيف ..
- نعم يا الشيخ ..
قالها الرجل و هو يتأمل اللحية الوقور و الوجه السمح لذاك الشاب الذي يقف قرب نافذته بابتسامة بسيطة يقول بهدوء ..
- السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
قال الرجل ببرود ..
- و عليكم .. خير ..؟
هز سيف رأسه آسفا و هو يقول بنبرة عميقة ..
- رد السلام زين يزاك الله خير .. الله سبحانه و تعالى يقول : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا } ** ..
عقد الرجل جبينه ينظر لسيف بشك ..
- انته صاحي ..؟
- شرايك ..؟
- راز بويهك تعلمنيه السلام .. ؟!! انقلع زين ..
لا تزال الابتسامة الهادئة على شفتي سيف ..
- مشكور و الله يسامحك ..
- شكلك واحد فاضي و ما عندك سالفة و ياي تسويلنا فيها طيب .. بتذلف و الا شوه ..؟
- فالك طيب خوية .. بس لو تعطينيه الليسن أول .. و بطاقة شخصية للأهل لي وياك ..
تدلى فك الرجل في ذهول قبل أن يتلعثم ..
- ليسن ..؟! حق شوه ..؟
- ليسنك و أي بطاقة اثبات هوية للأهل لي وياك ..
- و امنوه انته عسب أعطيك اياها ..
نظر له سيف بهدوء ..
- أولا اتفضل انزل من السيارة ..
فتح الرجل بابه بغيض و هو ينفض ثوبه من رماد سيجرته و يرميها أرضا و يقول بعصبية و يدفع كتف سيف بيده في قوة ..
- انته بتفارق و الا أشل ويهك ابوكس يسنعك ..
في حركة سريعة امسك سيف بيده ليلويها بقوة خلف ظهره و هو يدفعه لمقدمة السيارة و يسأله ببرود ..
- الليسن وين ..؟
الرجل يحاول الانفلات من بين يدي سيف المحكمتين و لكنه كان يقبضه في حركة متمرسة منتظرا اجابة على سؤاله و جسده المديد لا يتحرك .. فيقول الرجل بضيق مع انفتاح باب السيارة و خروج المرأة منها ..
- منوه انته ..؟؟؟
- التحريات ..
شهقت المرأة بفزع و هي تقول شيء ما بخوف و الرجل يصيح باستنكار .. و عينه على السيارة التي فارقها سيف للتو و نزل منها عبدالعزيز الآن متوجها نحوهم ..
- تحريات بجاكوار XF .. هندي تقص عليه ..
تقدم منه عبدالعزيز بهدوء ليلتقط البطاقة و يرميها تحت أنف الرجل و هو يأمره ببرود ..
- الليسن .. و الهوية للي وياك ..؟
قبل أن يقدم الرجل على أي حركة صاحت المرأة بصوت منهار و بدا أنها على شفير البكاء ..
- ما يخصنيه فيه .. هالحيوان ماخذنيه بالغصب ..
و بكت و هي تقول لعبدالعزيز الذي لم يبدو على وجهه أدنى تأثر ..
- أنا ما أعرفه .. و هو شلنيه غصبن عنيه ..
لوح عبدالعزيز بيده في ملل .. لم يكن الدعاء غبيا و فارغا فقط .. بل بدا أحمقا للغاية و دون معنى .. و وجد أنه قد مر عليهم حالات ادعاء و صدمة بعد القبض كانت أقوى من هذه ..
صاح الرجل بصوت مخنوق تحت وطأة قبضة سيف ..
- ما تعرفيني يا كلبة الشوارع ..!!!! أنا ماخذنج غصب يا الحثالة ؟!!.. انتي سبيل يا الخايسة لكل من هب و دب ..
صاحت به في انهيار و دموعها تغسل وجهها المذعور ..
- جب يا النذل .. يا الخسيـ .. ..
تجاهل عبدالعزيز صياحها و انفعالها و هو يقاطعها باشمئزاز ..
- الهوية لو سمحتي ..
كان صوتها متقطعا و غطاء رأسها قد سقط عنها .. و الهواء المعتدل يتلاعب بشعرها .. و هي ترتجف ..
- مـ .. ما .. ما عندي هــ .. هوية ..
رفع عبدالعزيز حاجبه بشك و سيف يركز على الرجل متجاهلا المرأة التي لا يبغي التعامل معها اطلاقا ..
- ما عندج هوية ؟؟ هب مشكلة في المركز نظهرلج هوية ..
و رفع الجهاز اللاسلكي الذي في يده يطلق الأموامر طالبا سيارة شرطة لاصطحابهما و سيف ينتزع رخصة القيادة و مفاتيح السيارة من الرجل ليضعها في المظروف و يمسك دفترا يدون فيه بعض الأشياء .. تجاهلت المرأة عبدالعزيز و صوت بكائها يرتفع و هي تتقدم من سيف ..
- دخيلك خوية .. دخيلك .. أنا ما يخصنيه .. انته تخاف ربك .. استر عليه الله يستر على أهلك .. استر عليه .. و الله أنا بنت عرب و ناس معروفين .. الله يخلييييييييك .. و الله لو يدروون هليه يذبحونييييييه .. و الله بنفضح ..
و اقتربت من سيف الذي انكمش أنفه باشمئزاز من رائحة عطرها .. و هي تبكي قربه ..
- الله يخلييييييييييك .. كلله و لا المركز .. حراااام عليك و الله وراي خوات و أهل .. استر عليه الله يستر عليك ..
لم يرفع عينيه اتجاهها أبدا و هو يتراجع خطوة عنها .. و صوته المحتقر يقول بهدوء ..
- ليش انتي تعرفين الله ..؟!
بهتت للحظة قبل أن تنفجر في جنون و تنطلق نحو الرجل لتضربه بيدها ..
- يااااااا حيوااااان كله منك .. شوف وين وصلناااااا الحين ..
أمسك الرجل بصدر عبائتها المتهدلة يدفعها بعيدا .. و هو يصيح بغيظ ..
- خووووووووزي يا اللوووووووث ..
أطلقت المرأة صرخة قصيرة و انفتحت مقدمة عبائتها كاشقة عن نحرها و القميص الضيق الذي شد على صدرها ..
- ياااااااااا حيواااااااااااااان .. ياااااااااااا حقييييييييييييير .. اللــــــــه يلعنك .. اللـــــــــــه ياخذك ..ياااااا القذرررر .. اللـ .........
و بترت عبارتها و قد بدا الرعب عليها حين صرخ سيف في وجهها فجأة ..
- جاااااااااااب ..
فتحت فاهها قبل أن يلتقط - غترته - التي كانت تلتف على رأسه فيقذفها نحوها بقوة لتصطدم بصدر المرأة التي تلقتها بخوف بين يديها و هو يصيح بها في غلظة ..
- تستري ياا حرمة ..
ضمت الغترة بين يديها بقوة و هي تحاول بذعر اعادة الغطاء على رأسها .. الغريب أن ذاك الرجل لم يلتفت نحوها و لو لبرهة .. كيف علم بأن زمام الحشمة قد انفلت ..!
يده تعتصر الدفتر الصغير .. و هو يشعر بأنه ينفث لهبا لا أنفاسا و هو يحتقرها بقوة ..
- بنت عرب و ناس ..؟ بنت عرب و ناس ..؟ وين العرب و الناس لي انتي بنتهم ..! وين هلج عنج و انتي تحدرين و تظهرين ويا كل الياي و الغادي ..؟! تبينا نستر عليج و انتي الستر ما تدورينه ..!! خفتي من رمسة العرب .. من هلج .. !! ما خفتي من ربج .. ؟؟!! اتقي الله .. اتقي الله .. ما تخافين ربج ياخذ روحج و انتي ترتكبين الاثم ..؟؟ شوه بيسون هلج لي انتي خايفة منهم ..؟ يذبحونج ..
هز رأسه بأسى ..
- آخرتاا بتموتين .. ما خفتي من لي عقب الموت ..؟ جهنم لي بتكونين خالدة فيها أبدا ..
عبدالعزيز يكتف ذراعيه و عينه لا تفارق وجه الرجل الذي تململ في وقفته و المرأة الباكية .. يبدو أن كلمات سيف لا تجد صدى عندهما .. و يبدو أن سيف أدرك ذلك بشكل ما .. إذ قال بأسف ..
- إمرأة .. أعزج الاسلام .. و رفع شانج .. ترخصين بعمرج .. و تسعين للرذيلة .. ليش ؟؟ ما لقيت الا هالدرب .. شوه لي قاصر عليج .. و الله منعم عليج بالصحة و العافية .. اتقي الله .. غيرج أبوابهم مفتوحة للغلط و ما انقادوا له .. اتقي الله ،،
ثم أردف بصوت مقهور و قد بدت لمعة غريبة في عينيه كاد عبدالعزيز يجزم أنها أثر دموع حبيسة .. و صوته يرتفع ..
- اتقـــــــــــــــي اللــــــــــــــه ..
.
.
اتقي الله ..
اتقي الله ..
اتقي الله ..
.
.
يا غافلة ..
يا ساهية ،،
أ تلهثين وراء بريق دنيا زائلة .. وراء اشباع شهواتكِ ..
خلف ارضاء رغباتك ..
أ تسعين لدنيئة و قد رفّعك الإسلام عنها ..
أتكسرين شموخ دينٍ فيكِ .. لا زال يرسم حدود عزتكِ بسترك ..
أ تتقاذفكِ ملذات هنا و هناك .. فتلهيك ..
أ تنغمسين حتى النخاع في الرذيلة ..
أ تصلين لحدود نكران النفس فتضحين مجرد لقمة سائغة لفظتها أفواه الذئاب الجشعة ..
لفظتها .. متقززة .. كارهة .. شبعة ..
لفظتها ملوثة .. مغرقة بالقذارة ..
أي فاه قد يدنو منكِ بعدها ..؟!
أ تعلمين .. ؟ أم لا تعلمين ..؟!
أم أنكِ تنسين ذلك يا ترى ..؟!
.
.
لا زال رب يعتلي عرش السماء .. هو الصبور ..
يراك .. و يشهدكِ و تشهد قسمات ذنبكِ عليك ..
يتوعدكِ حشرا مع زمرة الخائبين ..
لتجرين على وجهكِ يوم الدين ..
مصركِ حيث تلقين ..
الحُطمــــة
الحُطمــــــــة
الحُطمـــــــــــــة ،،
نار الله الموقدة ..!
.
.
رباه أجرني و أجر أهلي و أجر من يقرأ أحرفي و من يلقى لها صدى ..
رحمتك يا ربي .. رحمتك ..!
.
.
كان يلهث بشيء من العصبية و هو يضم الدفتر و رخصة القيادة و يأمر عبدالعزيز ..
- هويتها ..
بكت مجددا و هي تسبق عبدالعزيز في الرد ..
- ما عندي هوية .. ما عندي .. دخيلكم خلونيه أسير البيت .. استروا عليه .. و الله ما أعيدها .. و الله ..
تجاهل الاثنان توسلاتها و قد بدا الضيق على صاحبها و يتحرك في مكانه بتوتر .. حين ظهرت مقدمة سيارة الشرطة عند أعلى الشارع القادم من الأسفل ليلتقط عبدالعزيز الجهاز اللاسلكي و يهتف بهم ..
- بي أم سودا .. يمين ورا المطعم ..
لحظات و تتقدم سيارة الشرطة بثقة .. حتى تصل إليهما فتتوقف بهدوء .. ليفتح بابيها و ينزل منها رجلين بملابس الشرطة الرسمية .. يتقدم الأول من عبدالعزيز فيسلم عليه ..
- السلام عليكم ..
ليرد الاثنان و الأول يسلم على سيف ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
تقدم الثاني ليسلم عليهما ثم يلتقط الدفتر من يد سيف .. و رخصة القيادة ..
- بو سعود شحالك ..
- بخير الله يعافيك .. و شحالك يا خوي .. ربك بخير ..
- بخير يعلك الخير .. بو هناد .. جيف الحال ..
- الحال طيب يا خميس .. و من صوبك ..
- كل شي يسرك ..
و انتزع الورقة من دفتر سيف و سيف يتبادل الأخبار مع الشرطي الآخر الذي سأله ..
- الحاله ..؟
أجاب سيف بهدوء ..
- خلوة ..
- و البطايق ..
- الليسن ويا خميس .. و الأخت ما عندها اثبات هوية ..
اقترب الرجل من سيف يسأله بخفوت ..
- متأكد خلوة ..؟!
أجابه سيف بهمس مستاء ..
- هدت علينا و تقول ماخذها غصب .. و اكيد ما بتخلي هلك ظاهرين قدام الشطرة و ييرونك التحريات دون ما تقول شي .. حتى ما أنكر .. !!!
هز الرجل رأسه دون أن يجيب قبل أن يتقدم ليقتاد الرجل و المرأة للجلوس في المقعد الخلفي من سيارة الشرطة .. و نحيب المرأة يرتفع .. اقترب سيف ليمد للرجل مفاتيح سيارته .. و هو يقول له بهدوء ..
- حبس .. و يمكن تظهر بغرامة .. بس وين بتروح من رب العالمين ..؟! فكر اذا يستاهلن انك تضيع دنياك و آخرتك عشانهن ..؟!
رفع الرجل حاجبه ببرود ..
- خلصت ..؟
ظل وجه سيف الجامد يراقب الرجل بسكون للحظات طويلة قبل أن يهمس ..
- فكر اذا فضلة الغير و النتنه .. اذا الشي المستعمل يغنيك عن الحلال ..؟!
لكن أي انعكاس لاحساس بسيط لم يلح بريقه في تلك العينين الجافتين و صاحبها يشيح بوجهه متجاهلا ..
معاندا ..
مصرا على ذاك المصير الأسود الذي لا زال في انتظاره ..
بعد عبارات التوديع المختصرة انطلقت سيارة الشرطة دون ضوضاء كما أتت تجنبا للفت الأنظار ..ظل سيف واقفا للحظات ينظر في أعقابها بصمت و هو يضع يديه في جيبه ..
عبدالعزيز يقف خلفه هو الآخر بهدوء انتقل له من صديقه .. دوما هذا الانفجار يحدث ..
دوما يستغل سيف لحظات مسروقة ليقذف ببضع كلمات أغلبها لا يلقى صدى في مسامعهم المتحجرة ..
تقدم منه بهدوء يمد له غترته التي ألقتها المرأة أرضا قبل رحيلها و هو يقول ..
- يا الله يا خوي .. باقي نص ساعة ع الزام خلنا ناخذ لنا لفة ..
التفت سيف بطرف عينه ليرى غترته الممدودة .. انكمشت ملامحه بقرف و هو يلتقطها بيده متجاهلا رائحة العطر النسائي الذي التصق فيها .. فيلفها بيده بقوة ..
يقترب من السياج الحديدي الذي يلتف حول قمة الجبل .. يحتضنهم خوفا من الهاوية التي لاحت في الأسفل ..
أضواء المدينة المترامية الأطراف في الأسفل .. نقاط من النور تنتشر هناك في خطوط منظمة ..
هواء الليل بدا أكثر برودا على القمة من حر الأرض و هي تحرك شعره القصير و هو يرمي الغترة بكل قوته للأسفل .. فتنفرد في الهواء .. لتنزل ببطء .. تهوي .. تهوي ..
يراها تتعلق بصخرة الآن .. شيء ما يخيفه كل ما رأى مثل هذه المناظر ..
كلما وقعت عيناه او يداه على مثل ما وجد هذه الليلة .. هاجس مرعب يجتاحه ..
هل تغلغل شيء من خبث الدنيا لبناتهم ..؟! هل هناك لطخة تلوث نقائهم في غفلة ..؟!
أغمض عيناه بقوة يبعد تلك الفكرة السوداء .. و هو يهمس ..
.
.
.
- يا الله استر على بناتنا ..!

* * * * *

صوت موسيقى الروك الأجنبية الصاخبة يتردد بقوة بين الجدران و تتجاهل النبض المتألم الذي يغزو أذنيها .. و هي تنظر لجسدها في المرآة برضا .. ببنطالها الواسع منخفض الخصر و قميصها الفضفاض .. و ذاك الاكسسوار الجلدي التي تعلقت به بعض الأحجار في عنقها و شبيه به قيد معصمها بغلظة ..
بدت تهز خصرها بقوة على أنغام الموسيقى و ايقاع طبلها .. كانت تتحرك بجنون .. عيناها المغمضتين لا تفتحهما و هي تقوم بتلك الرقصة الغريبة التي راحت تستفز على ذرة في جسدها للارتجاج ..
دقائق طويلة قبل أن تلقي بنفسها على فراشها بقوة ليئن هو الآخر تحت ثقلها .. و يختلط صوت اهتزازه بتصادم الأحجار في معصمها و العنق ..
عيناها المغمضتين لا تفتحهما .. و الموسيقى المتواصلة تتوقف عند نهايتها .. ليسود الغرفة الصمت المطبق ..
لحظات و يرتفع رنين هاتفها بصوت يشق الهدوء .. الرنين الذي لم يكن بهذا العلو حين تجاهلته عدة مرات و هي ترقص ..
انقلبت على بطنها و هي تمد يدها لطاولة السرير و تلتقطه بملل ..جبينها ينعقد بقوة ..
الرقم الغريب نفسه ..! ضغطت زر الرد بقوة و هي تجيب بصوتها الخشن ..
- نعم ..؟
الصوت الرجولي الناعم المألوف يتدفق عبر الهاتف لأذنها .. كان عليها أن تتوقع ذلك ..!
- هلا حبي ،،
عادت تقول بشيء من القوة ..
- نعم ..؟
الضحكة الخشنة المجلجلة زادتها ضيقا و الصوت يخفت و هو يدنو من الهمس ..
- الله ينعم بحالج .. ريلاكس .. ما تحسين انج ماخذة الأمور بعصبية ..
تأففت بصوت مسموع و هي تقول بصبر ..
- حمدة .. من وين يبتي رقميه ..؟
كان الصوت أقرب للفحيح الآن و أنفاس تلك تصلها عبر الهاتف ..
- حمدان يا الشيخة .. حمدان يا قلبي .. هب صعبة .. و الا ناسية أنا ولد منوه ..؟ أنا أروم أييب عنوان بيتج و شوه تسوين فحجرتج الحين ..
شخرت شيخة ساخرة ..
- حلفي والله !
- عندج شك ..؟
- هه .. هيه .. مليون شك .. ناسية انيه بنت علي بن سيف .. حبيبتي .. نحن هب أقل عنج .. لا تيلسين تتعنترين عليه .. سيري العبي ع المخبل لي يالسة تعيشينهن على حسابج ..
تأوهت تلك بنشوة ..
- آآآآه .. عيديها .. مرة وحدة عيديها ..
عقدت شيخة جبينها ..
- أعيد شوه ..؟
همست حمدة بصوتها الأجش ..
- حبيبتـــــي ،،
مطت شيخة شفتيها بضيق .. و تلك تتابع بنبرة متلهفة ..
- و المخبل لي هب عايبينج نفرهن ورا الشمس .. كم شواخ عدنا ..
- حمدووو .....
قاطعتها منبهة ..
- حمدان ..
تنهدت شيخة بملل ..
- كله واحد .. أحين ليش متصلة .. شوه تبين ..؟
- أباج ..
- شوه تبين ؟؟؟؟؟!!!
- أباج .. و انتي تعرفين شوه أقصد .. من زمان عايبتنيه .. بحركاتج .. بغرورج .. و مكابرتج .. تعرفين أنا كنت أروم أفر هالعنزة لي يسمونها راية من دربيه .. بس شفتج متعلقة ابها .. و ما بغيت أكسر بخاطرج .. الحين يوم فضى الجو .. ما عنديه نية انيه أودرج .. بس انتي مادري بلاج انقلب حالج مرة وحدة .. حبووو .. انتي هب اول و لا آخر وحدة تحب و يخونونها .. الخيانة هب مشكلة .. المشكلة كيف تربين الكلبة لي تخونج ..
عقدت شيخة جبينها مستفهمة ..
- شوه قصدج ..؟؟
- قصدي هالحقيرة لي خانتج .. راية العنز .. أنا بربيها لج .. و أخليها تحترق من الندم ع لي سوته فيج ..
رفعت شيخة و قد راق لها الأمر نوعا ما ..
- و كيف نا وية تربينها ان شا الله ..؟!
- بطرقي الخاصة .. بس على شرط ..
- شرط شوه ..
كان صوتها خبيثا و هي تعرض عليها الأمر ..
- تعطينيه فرصة .. أنا ما أطلب منج شي الحين .. بس أبا اخاويج .. ابا أتعرف عليج و نغدي ربع .. صعبة ..؟
ارتفعت شفة شيخة العليا بشيء من الكبر ..
- متأكدة هذا لي تبينه .. ربع ..؟
- هيه يا بعدهن .. أي شي يريحج يريحنيه .. ودي انيه أتقرب منج .. شرايج ..؟
-تاملت شيخة اظافرها ببرود ..
- حاليا ما عنديه خلاف .. بس عطينيه وقت بعد ..
- بعطيج العمر كله .. غناتي .. بس عطفي علينا شوي .. على فكرة .. الخميس الياي مسوين حفـلـ .....
قاطعتها شيخة دون تفكير ..
- الخميس الياي أنا مشغولة ما روم أسير مكان ،،
تنهدت حمدة بخيبة و صوتها الخشن يقول بغلظة ..
- هب مشكلة حبووو .. بيي الخميس لي انتي هب مشغولة فيه ،،

* * * * *

نظرة واحدة لعقارب الساعة التي كانت ساكنة على الثالثة فجرا أكدت أنه لا زال أمامها ساعة كي توقظ إخوتها ليتابعوا مذاكرتهم قبل انطلاقهم للمدرسة .. سحبت نفسا عميقا و هي تعيد النظر لنافذة المطبخ ..
اعتادت هي و المها وعفرا في صغرهن على الارتقاء لسطح المنزل عبر ركوبها ثم التشبث بحافة مكيف المطبخ .. ليتعلق ببروز ناتئ في سور السطح القصير .. لكنها لم تجرب ذلك منذ سنوات .. أصبحت هذه خبرة نايف ومزنة الآن .. ابتسامة شقية ناوشت شفتيها و هي تلبي نداء خفي للارتقاء مجددا..
الجميع رقود الآن .. لن يشعر بها أحد .. ! لفت غطاء شعرها حول رأسها و تلثمت به جيدا .. فتحت النافذة ليتدفق هواء ليل الصيف دافئا ..استنشقته عبر اللثام الذي كان يحجب أنفاسها .. تمسكت بحافة النافذة لترفع رجلها و هي تخرج منها .. كانت ضيقا أكثر مما كانت عليه قبلا ..! حشرت نفسها فيها .. وتمسكت بالمكيف الذي كان أقرب .. و هي تبحث عن ذاك البروز القديم .. ابتسمت بفرح حالما لامسته بأناملها ..
خشونة الجدار وسطحه الجاف .. أمسكته جيدا و هي ترفع نفسها للأعلى ..وضعت قدما على السطح ثم الأخرى .. استوت واقفة و هي تكتم ضحكة .. و عينها تقع على الأرض تحتها .. لو أنها انزلقت أو سقطت ..
تخيلت فقط ما الذي كان ليحدث .. سيصدم الجميع حتما بذلك .. أولهم هو ..
هو ..
هــــو ..
.
.
انفلتت منها تنهيدة عميقة و ابتسامتها تلك تذوي .. وأناملها تنزع حجابها .. تحرر شعرها ببطء وهي تقف وسط السطح المظلم .. خيوط الضوء الضئيلة لم تتعالى لتصل إلى هنا لا زال تواضعها يجبرها على التزام الأرض ..
عيناها تجولان في السطح الفارغ .. ما زال هو نفسه .. أعشاش الطيور القديمة في تلك الزاوية البعيدة تتبينها بصعوبة وسط الظلام .. تلك التعرجات للسطح ..
تقترب من حافة السطح لتسند ذراعيها عليه .. تشعر بشعرها ينسل على ظهرها بهدوء .. متحررا ..
تتغلغل غرتها بأصابعها .. لتريحها على خدها .. نفس عميق تملأ به رئتها .. و دفء الهواء يتسلل للداخل ..
كانت عيناها تجوبان الطرقات أسطح المنزل المجاورة .. و ما تحتضنه أسوارها المنخفضة .. هذا بيت جارهم أبو سالم .. و هذا بيت امام المسجد عبدالسلام .. هذا هو بيت أم العنود ..
العنود .. جارتهم الصديقة .. فتاة ألفوها منذ عمر .. حتى أتى نصيبها لتشد الرحال إلى بيت زوجها .. ها هو المسجد .. و تلك البقالة ..
انقبض قلبها في حزن غريب .. و اسرار وجع أرادت أن تبوح به لهذه الصور بدمعة ..
كم هي حبيبة .. كم هي حبيبة ..
هذه الأرض .. هذه المساكن .. ببساطتها ..
و بساطة سكانها .. و أحلامهم . ضحكاتهم .. ودهم .. و تقاربهم ..
كيف سيقدرون على ترك البقعة التي احتضنت أرواحهم لأعوام ..؟!
كيف ستجد في نفسها القوة ..؟! كيف ..؟
هنا رسمت أحلام بألوانها الوردية .. هنا توجعوا .. و ضحكوا ..
هنا ضاقت بهم حدود الكون .. و هنا انطلقت بهم الحياة فلم يعودوا يسابقوا اندفاعها ..
هنا أمنيات تدفن في التربة .. هنا ذكريات وزعت على تلك الزوايا الغابرة ..
.
.
و هنا خطوات غفت على عتبات الرحيل ..!
.
.
هنا لها جزء من الروح حتما ستتركه خلف بين هذه الأزقة .. و هذه النوافذ .. و أحجار الطيب ..
تعب بعشق هذا الهواء الدافئ .. تنتزع منه أنفاسا طاهرة ..
شهقة مكتومة فزعة اختنقت في تلك الراحة الكبيرة التي أطبقت على فمها و أنفها تكتم أنفاسها و صوتها .. حين التفت قبضة قوية على ذراعها الهشة .. تحاول يجنون الانفلات .. و صوتٌ هامس يصل لذهنها المذعور ..
- أوصصصصص .. أنااا غيث لا تخفين ..
لحظات مقامة أخرى قبل أن تسترخي حين أدارها نحوه .. لتتبين وجه على الأضواء البعيدة في الظلام .. عينيه الواسعتين التي لا ترى إلا لمعتها .. ظل أنفه الطويل المستقيم .. و شعره الكث بدا لها فوضويا .. انتزعت راحته من فمها بقوة و هي ترتجف ..
- روعتنييييه .. صاحي تيي من ورايه .. كان عفدت من فوق .. و الا وقف فواديه من الخوف ..!!!
لم يجبها .. يتأمل بعينيه .. خيالها .. و حدود صورتها .. التي ترسمها أضواء الشارع البعيدة ..
لا تعلم أنه قضى لحظات طويلة يدرس تفاصيلها في غفلتها ..!
كان شعرها الطويل ينسدل على طول ظهرها .. متناثرا الآن حول كتفيها .. قاوم رغبة غريبة في دفن وجهه في شعرها و هو يمد ظاهر يده يلامس خدها .. و يقول بخفوت ..
- لو عفدتي .. عفدت وراج ..
ارتعدت و هي تشيح بوجهها .. تقدم من سور السطح يريح ذراعيه مستنشقا الهواء .. و عيناه تتأمل المنظر أمامه .. وقفت هي قريبا من الحافة تراقب المنظر .. وصلها صوته يقول بضيق ..
- لي يطلع السطح يروم يشوف كل البيوت .. !!
لم تجبه .. و لم ترد عليه .. التفت نحوها .. انكمش قلبه من مرأى لمعة الدمع في مقلتيها ..
اقترب منها ليجذبها من ذراعيها نحو الحافة .. بدا وجهها أكثر وضوحا ..
.
.
يرى في عينيها ذاك الحطام ..
تلك الأطلال المهجورة .. بمنازلها المهدمة ..
بأسقفها التي تمددت أرضا .. طريحة النسيان ..
بنوافذ تناثر زجاجها سويا و الإحساس ..
تلك الطرقات الخالية ..
لا آثار تطبع على جبينها الحالك .. الموشح أسىً و سكونا مظلم ..
لا أنوار تنعكس في مآقي أكواخها الخاوية ..
بدت مشتتة .. أم خائفة لا يعلم ..
و لكن هناك رجاء صامت نطقت به عيناها ..
قبل أن تشيح بوجهها ..
.
.
شعر بإدراك غريب .. مسه بقوة ..!
قد تكون متوجعة ،،
ممزقة .. و لا يجرؤ على خدش تماسكها الخادع ..!
سيتركها الآن ..
واثق بأنها ستبوح له ذات ضحكة ،،
عن سر دمعتها التي تشبثت بأطراف الهدب المطرِق ..!
.
.
نامت عيونك
وصحى الليل مظنونك أغاني
قصّت جناح الثواني ..
غيبتك
وصارت الساعة أماني

وآهـ ..آهـ
أنا حروفي في غيابك
لا هي حكي ولا هي قصيد
أكتب الظلما وأعيد
وإنت يالفجر البعيد .. نامت عيونك
.
.
لحظات من الصمت .. كان يتأمل فيا أسقف البيوت البعيدة .. متجاهلا وجودها لسبب لا يعرفه ..
لملمت هي فيها تلك المشاعر الخرقاء التي تمزقها .. و هي تتأمل الفانيلة القطنية و الإزار اللذان يرتديهما ..
يبدو واضحا من صوته الأجش ان نهض من نومه .. كيف شعر بوجودها هنا يا ترى ..؟!
سألته ذلك بصوته المرتعش ..
- كيف عرفت انيه هنيه ..؟!
مد يده .. أمسك بيدها .. جذبها بتملك يدنيها منه .. ليحتضن كتفيها .. وجهها للأمام حيث ينظر .. متأملا الأفق .. أنفاس تحرك شعرها .. و يستنشق هو رائحة حلوة من شعرها .. قال بهدوء ..
- وعتنيه خطواتج ..
اتسعت عيناها فجأة ..
- سمعتنيه أمشي ..؟!
- هيه .. هب متعود ع الازعاج .. هب كل ليلة يعفدون ع السطح فوق حجرتيه ..!
لا تدري لما شعرت أنه يبتسم .. و دون أن تشعر ابتسمت بهدوء هي الأخرى ..
.
.
يا ساحر البسمه .. أساهرك نجمه
وابسمعك كلمه .. كلمه و لو كلمه
قم نادني .. يالله عسى تحتاجني
وإن مر ليلي ما سألت
وإن زاد ظلمك ما عدلت
.
.
كلمات فاطمة تدوي بشكل مجنون في رأسها ..!
كان ساكنا للغاية .. يسند ذقنه على قمة رأسها .. يداه مشبوكتين .. و ذراعيه تلتفان حولها ..
للحظات شعرت بأنهما هنا ..
دون الماضي .. دون المستقبل ..
هنا لهذه اللحظة فقط ..
أرخت أهدابها و أمنية غريبة انبثقت من العدم تراودها و هي تتول لو أن هذه اللحظة تطول ..
و تطول ..
حتى تجد معنى أو مسمى .. او تفسيرا .. لهذا الشعور ..!
سحبت نفسا .. عميقا .. و هي تشعر بأنه تدين له بكلمة ما ..
- مشكور غيث ...
كان صوتها يرن باسمه غريبا على مسامعه و هو يتسائل بهمس ..
- على شوه ..؟
أخفضت رأسها و هي تقول ممتنة ..
- على كل شي سويته لنايف .. و على ...
صمتت لبرهة و ينتظرها هو أن تتم عبارتها .. كان صوتها هامسا ..
يكاد لا يسمع ..
- و لأنك هنيه ..
أغمضت عينيها بقوة .. و هي تشعر به يطبع قبلة عميق على قمة رأسها ..
.
.
إسهر معي ليلة
حاول تحس بلوعتي ليلة
عد النجوم وش كثرها.. ياللي بقلبي كثرها
نام .. القمر فـ وسادتك نام
ليتك تغير عادتك
خل القمر ليله.. يسهر معي ليله ***

* * * * *

كان صوتها الناعم مهزوزا و متهدجا و هي تعتصر هاتفها ذو اللون الزهري الأنيق بأصابعها مطلية الأظافر ..
- خالوووه ،، يقولون بيسكنونهم في البيت العود ..!
شخرت خالتنها بصوت ساخر مؤكدة ..
- ما يرومون فديتج .. عميه سيف ما بيطيع .. رايغ ولده من ثلاثين سنة تبينه اييب عياله الحين ..
شعرت بدفء دمعتها تحتضن وجنتها و هي تعارضها ..
- لااا .. خالوه يدي سيف هو لي طالبنهم و يباهم ينتقلون البيت العود .. يباهم ..يباهم ..
بدا الذهول جليا في صوت خالتها و هي تشهق ..
- عمي سيف لي طلبهم ..! كيف ..؟؟؟ و متى هالرمسة ..؟؟
أسندت جبينها براحة يدها و هي تبكي ..
- مادري .. مادري .. يدوه خبرتنيه ..
صمت مطبق لدقائق طويلة لا يقطعه سوى تنهدات عوشة و خالتها تنصت بغيظ ..
- و انتي ليش تصيحين ..؟؟
اختنقت شهقاتها بشكل مفاجئ .. قبل ان يتهدج صوتها مجددا بنبرة متألمة ..
- خالووووه .. بتيي الحقيرة .. بتيي ويه الفقر ..
كان صوت خالتها باردا للغاية .. لا أثر للتعاطف فيه .. جمد أوصالها ..
- قصدج بتيي حرمته ..
بكت عوشة بقوة و كأنا خدشت تلك الحقيقةاحساسها ..
- هي الحيوانة .. بتسكن وياه في نفس البيت .. خالوه ماباها تيي .. مادري .. مادري شوه أسوي ..
تدفقت قسوة خالتها و هي تقول ..
- شوه بتسوين بعد انسيه .. هالغيث ما يستاهل ظفرج .. - ثم تنهدت و هي تقول بنبرة ذات مغزى - ألف واحد وده بثارج .. انسيه ..
هزت رأسها رافضة الموضوع بشدة ..
- ماروم خالوه .. و الله أحبه .. حتى لو ما يعطينيه ويه .. حتى لو ما يشوفنيه و لا يشلنيه من قاع .. حتى لو ما يعبرنيه .. لو يدوس عليه أحبه ..
و قاومت رغبة في قذف الهاتف على الجدار المجاور ..
- و هاي الخايسة المفلسة انا أعرف كيف بخوزها من طريقي ..

* * * * *

هي المرة الثانية .. التي تقودها النفس لهذا الشارع المغبر .. لهذه البيوت المتعبة .. بجدرانها الطينية .. بأبوابها الحديدية الذي زال طلائها .. بنواقذها الضيقة ..
بيوت بدا بيت عمها في عينها أكثرها تماسكا بجدرانه البيضاء التي تلطخت جذورها بالأتربه البنية .. فتحت باب السيارة تخرج من رفاهيتها لهذا العالم البسيط في الخارج .. عاصفة الأصوات لفتها حالما كشف فتح الباب فرجة للخارج .. أصوا السيارات البعيدة و أبواقها القادمة من الشارع العام .. ضحكات أطفال يلعبون بدراجة هوائية أمام البيت المقابل .. و صرخات حماسية لؤلئك المراهقين الذي يلهثون خلف الكرة .. عيناها تدوران في المكان و الاحساس غريب بالألفة و الحميمية يكسو هذه البقعة من الأرض .. ابتلعت ابتسامة لا تدري لها سببا أرادت الظهور على شفتيها .. حين قررت القدوم للمرة الثانية إلى هنا تأكدت من أن الإمتحانات قد انتهت .. و أن الاجازة الصيفية قد بدأت .. كانت الارتباك يتملكها و هي قادمة .. هذه المرة الأولى التي تراهن فيها بعد العزاء .. ثلاثة أشهر و نيف مضت على ذاك اللقاء .. كيف سيكون استقبالهن لها يا ترى ..؟!
تمنت بعمق أن لا يكون أخاها متواجدا .. ها هو الشهر يقارب آخر مرة رأته فيها حين كلمها عن أمر الخطبة .. تشعر بأنها لن تقوى على رؤيته بعد تلك الرسالة التي أرسلتها و رفضها الرد على مكالمته تلك الليلة ..
لا تخفى عليها عصبيته و كرهه لمثل هذا الفعل و التجاهل .. و لكنها لم تجد في نفسها الشجاعة لمقابلته .. رغم أنه زارهم في البيت مرتين الا أنها تعلثت بأسباب واهية كي تخرج حين قدومه ..
هل يمكن أن تراه هنا يا ترى ..؟!
دفعت قدماها للتقدم من الباب المفتوح على مصراعيه .. و فكرت بأنهم لا يتركون أبوابهم مرحبة هكذا .. بل أنهم يوصدونها .. دلفت بهدوء للداخل .. و تقدمت تقطع الممر الذي سبق لها زيارته .. قبل أن تبلغ الباب الذي يوصل ممر المجلس بالحوش .. خرج فتى يركض بسرعة ليصطدم بها .. فتتمسك بالجدار قبل أن تقع أرضا و يتراجع هو إلى الخلف بصدمة .. استقامت بهدوء في وقفتها و هي تتأمل ذاك الفتى الذي يقف على أعتاب المراهقة و عينيه الواسعتين اللتان كستهما الآن نظرات الحذر بدل الصدمة و عيناه تجولان على تلك الشابة الغريبة .. بوجهه الجميل و غطاء رأسها المحكم المزين الأطرف .. و ذاك النقش الدقيق الملون في عبائتها .. بدت أنيقة للغاية و جميلة .. مظهرها المختلف لم يتلائم قط مع بيتهم المتقشف ..
من هذه الغريبة ..؟! و ماذا تفعل في بيتنا ..؟!
صوتها الناعم تدفق لمسامعه و هي تبتسم بلطف ..
- السلام عليكم ..
عيناها الواسعتين ..! رآها في مكان ما .. بدت مألوفة للغاية .. جعل صوته غليظا و هو يجيبها برزانة ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا الساع ..
اتسعت ابتسامتها و هي تسأله ..
- آممم .. انته نايف ..؟!
عيناه تضيقان لبرهة قبل أن يقول ..
- هيه .. منوه انتي ..؟!
- أنا روضة .. روضة بنت عمك علي ..
ذهنه الصغير .. يحلل الأمر قبل أن تنفرج شفتيه بابتسامة كبيرة ..
- أخت غيث و حامد و أحمد ..
ارتفع حاجبيها باعجاب و هي تقول ..
- هيه أختهم أنا ..
تنحى جانبا عن مدخل الحوش و هو يشير بيده نحو الداخل ..
- سمحيليه و الله ما عرفتج .. حياج يا بنت العم .. قربي ..
أخفت دهشتها من كلمات الفتى و هي تبتسم له ..
- بالحل فديتك .. قريبة .. حد داخل ..
- محد غريب .. بس البنات ..
ترددت لبرهة قبل أن تندفع لتسأله ..
- غيث خوية هنيه ..؟!
عقد حاجبيه في حيرة و هو يشير للمجلس ...
- هاي حجرة غيث .. بس هو ما يي الا فالليل .. يظهر الصبح و يرد عقب العشا ..
لا تدري لما انتابها الاحراج و هي تهز رأسها بهدوء ..
- مشكور حبيبي .. يا الله أنا بحدر الحين ..
أخفض نايف رأسه بخجل و هو يجيب ..
- حياج الله .. أنا بسير ألعب ويا الشباب ..
ضحكت بخفة حين سمعت كلمة - الشباب - ..
- الله يحفظك ..
ابتسم لها نايف ابتسامة كبيرة ظهر من خلفها صف أسنانه البيضاء .. قبل أن يجري للخارج و عيناها تتبعه بود .. لماذا يبدون سكان هذا البيت بهذه البساطة حتى في تعاملهم ..؟!
بدا الوترت يتصاعد بخفة في روحها مجددا و هي تجتاز الباب للحوش .. لم يكن عليها أن تدلف للداخل حتى تجد الاستقبال ..
أمام ناظريها مباشرة في اللحظة التي وطأت في الحوش .. التفتت لها الرؤوس جميعها .. في تلك الثانية عيناها المضطربتين تستوعب هذه الوجوه القريبة منها في الحوش الضيق ..
الطفلتين اللتان انبطحتا على طنيهما و هما تقلبان في دفتر ملون كبير .. لم تتبين معالمه من هنا .. و احدى الفتيات تستلقي على ركبة أمها التي كانت تشرب الشاي و تراها هي للمرة الأولى بلا برقع .. و ثلاثة فتيات اجتمعت رؤسهن حول شي ما في يد اللتي جلست في الوسط .. ليرتفع رأس اثنتين منهن نحوها حين دخلت .. و تتأخر الثالثة في ذلك حت انتبهت لانشغالهن عنها بشيء ما .. لترفع رأسها هي الأخرى .. كان صوتها مرتجفا و هي تسلم بخفوت ..
- السلام عليكم ..
نهضن جميعهن و نهضت أمهن فور شعورها بدخول أحد ... حتى الطفلتين وقفتا ينظرن نحوها بفضول و الجميع يرد سلامها ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
تقدمت خطوتين لتصل إلى - الزولية - القديمة فتخلع حذائها الثمين قبل أن تخطو نحو أم نايف لتسلم عليها ..
كانت المرأة تبدو صغيرة السن ..! ملامح وجهها الجميلة رسمت عليها الأيام خطوطا واضحة .. تحكي كم من الشقاء قد مر عليها لتتجاوز سنوات عمرها الحقيقية .. تسائلت في داخلها لما تبدو صغيرة و ضئيلة رغم أن ابنتها الكبرى تقارب الرابعة و العشرين من العمر .. بروز بطنها .. أكد الخبر الذي وصلهم بأنها تنتظر مولودا من ذاك الراحل .. كانت أم نايف تبتسم بحبور مرحبة .. هل تذكرتها يا ترى ..؟! أقبلت روضة و سلمت عليها بشيء من القوة و الدفء .. لا تدري لم شعرت بأنها تطمس كل السنوات و الحواجز حين تصل لحدود حنانها ..!
انتقلت لتسلم على الفتاة التي كانت تستلقي على ركبة أمها .. ابتسم لها بحرارة .. و الارتباك يبدو جليا على روضة ..
- مرحب الساع .. حيا الله من يا ..
تعرفتها روضة فورا .. و تذكرتها .. هذه بالتأكيد دانة .. التفتت نحو الفتاة الجميلة الانطبعت ملامح مصغرة عن امها على وجهها تبتسم بود .. و عيناها الواسعتين دافئتين .. دنت منها لتقوم المها بحركة مرحبة و تحتضن ابنة عمها بترحيب .. شعرت معه روضة أن دموعها تهددها .. رفعت بعدها عينها إلى حور .. ملامح وجهها الصافي .. تلك التي أثارت دهشتها للمرأة الأولى .. حقا لا تجد شيئا يقارب وسامة أخاها الخشنة .. تلك الصلابة في عينيه لا تقارب أبدا ذاك الحنان و البساطة على وجهها .. هذه أكثر من كان يربكها لقاؤها .. شعرت بأنها ستلمس الصد مرة اخرى .. و لكن ابتسامة خجولة علت شفتي حور و هي تقترب منها و تسلم عليه بحرارة .. تنفست الصعداء ثم سلمت على عفرا التي كانت تنظر لها باهتمام .. ملامحها تقارب ملامح أخواتها .. و شبه عام يربطهم باستثناء المها التي بدت أكثر شبها بأمها .. كان صوت حور هادئا .. مبحوحا .. و هي تشير لها بالجلوس قرب الوسادة الثقيلة التي وضعت للاتكاء ..
- مرحبا و الله حيا الله من يا .. قربي ..
احراج طفيف شعرت به و هي تجلس بكامل أناقتها وسط بساطتهن .. رغم محاولاتها الحثيثة لارتداء أبسط ما لديها .. الا أنها شعرت بأنها مبهرجة جدا ..
- لمرحب باقي . قريبة يعلنيه فداج ..
و جلست بهدوء حيث أشارت حور .. و جلسن جميعا معا .. هبت المها نحو الصحن الكبير الذي وضع في وسط الجلسة .. فيه حافظات قهوة و شاي .. و أكواب و فناجين .. و صحنا كبيرا من البسكويت المالح و ضعته أمامها .. و أدنت منها وعاء التمر .. بعد أن صبت لها فنجانا من القهوة .. التقطت منها الفنجان و هي تلتفت لزوجة عمها التي حركت يدها في حركة سؤال و صوتها ينطلق بلهجة مكسرة ..
- اشحااا .. اتي بخيي ..
علمت روضة فورا أنها تسألها عن حالها .. لذلك أراحت يدها على صدرها بابتسامة و هي تجيبها بصوت تحاول أن ترفعه قدر الإمكان ..
- الحمـــــــد اللـــــــــــه .. - ثم قامت بنفس حركة السؤال التي أدتها أم نايف للتو - شحااااااالج عمووووه ..؟!
هزت أم نايف رأسها بابتسامة ..
- ابخيي .. أعافييج .. حااا الله ...
شيء في هذه الصورة أراح روضة بصورة ما .. كان لقاءهم بلا وجع كتلك المرة ..!
- الله يحييج ..
التفتت لها حور بهدوء ..
- شحالج روضة .. ربج بخير ..
ابتسمت روضة لها .. نطقها لإسمها بهذه السهولة جعلها تشعر بالألفة كأنها تعرفهن منذ وقتٍ طويل ..!
- بخير يعلج الخير .. شحالج انتي ..
- يسرج الحال .. هلج شحالهم ..
- فنعمة .. ما يشكون باس ..
راحت تتبادل الأخبار مع كل واحدة منهن حتى الصغيرتين .. المها اعتمدت معها اسلوب أمها في الحركات .. لا تدري لما ترى هذه الفتاة مميزة ..!
لحظات صمت طويلة محرجة لم تدري ما تقول خلالها .. كادت أن تندفع لتسأل حور عما اذا كانت تدرس أم لا حين ارتفع صوت فتاة تصيح بلهجة غريبة و هي قادمة من الداخل ..
- و عندااااااك اتنييييييين كوباااااااية شاي لسيييييد المعلمييييييين الفتوة حسنييين..
و توقفت في منتصف الجلسة أمام الصينية قبل أن تضع الصحن الذي ارتفع عليه كأسين من العصير و عيناها تتجمد على وجه تلك المتفاجأة قبل أن تغمز باحراج ..
- أخخ فشلة .. ايي نعيد اللقطة ..؟!
ثم عادت خطوتين بسرعة للوراء لتختفي في الصالة و الصحن لا يزال بيدها .. لتخرج مرة أخرى بخطوات بطيئة و ابتسامة حلوة و هي تقول بهدوء ..
- السلام عليكم ..
ابتسم الجميع و روضة تضحك بخفة ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
- مرحب مرحب .. أقول النور طاغي اليوم ..
هبت روضة واقفة تسلم عليها ..
- منورة بهلها .. نورة صح ..؟!
- صحين .. هاف أ سيت ..
- ثانكس ..
و جلست و هي لا تزال تبتسم .. و دانة تقول بأسف ..
- السموحة منج بنت العم .. لا تخافين .. هاي حالات هياج تيي نورة أحيانا ..
ضحكت روضة ..
- لا عادي نتعودة ..
عقدت نورة جبينها ..
- ايييييه انتي وياها .. حالات هياج و متعودة أونه .. لو يسمعكن شاروخ بيتحرا السالفة صدق ..!
هزت حور رأسها بضحكة و عفرا تقول ببؤس ..
- يا ها المشروخ لي ما خليتيه فحاله ..
رفعت نورة حاجبها ..
- مشروخ أونه .. هاتي واحد شراته و ارمسي .. دانوه بالله عليج .. هذاك مشروخ ..؟
هزت دانة رأسها تؤكد ..
- لا و الله .. هذاك صاروخ ..
- خشمج .. يعلنيه هب بلاج .. شحالج بنت عمي ..
ضحكت روضة على التغيير المفاجئ ..
- يسرج الحال نورة شحالج ..
- الحمد الله .. عاد لو أدري انج يايه .. كان قلت كوبايتين شاي لسيد المعلمين روضانين ..
شخرت دانة ساخرة ..
- بايخة ..
و ضحكت روضة بهدوء ..
- لا زين عيل مادريتي بي .. بس توقعت ما تحيدونيه ..
صفقت دانة بيدها متحسرة ..
- ليش ..؟ من كثر الغراشيب لي نشوفهن ..؟
ابتسمت روضة بخجل ..
- الزود فيكن .. بس تعرفين 3 أشهر .. و ظروف أول زيارة .. يعني .. ما ..
ثم مدت يدها بحرج .. لتجيبها حور مطمئنة ..
- لا نحيدج .. و أول ما شفناج عرفناج .. تدرسين ..؟
- هيه و الله آخر كورس ليه و بتخرج ..
ابتسمت حور مشجعة ..
- يا حييج و الله .. بس ما بدت اجازتكم ..؟
- لا بعدنا اسبوعين خلاف امتحاناتنا ..
- الله يعينكم ..
- انتي تدرسين حور ..؟
هزت حور رأسها بهدوء ..
- لا انا وقفت عقب الثانوية ..
كادت تسألها عن السبب .. و لكن خشيت أن يعتبر اندفاعها شيئا الفضول .. استمرت الجلسة خفيفة التزمت المها طوالها الصمت و لم تنبس بحرف كذلك مزنة الصغيرة التي كانت تندس خلف أمها .. أما هند فكانت تناوش أحاديثهن من حين لآخر .. شعرت لاوضة بصفاء غريب .. و راحة كبيرة .. راحت تنتقل من حديث لآخر بسرعة كبيرة .. تضحك حتى على ما لا يضحك .. شيء من الفرحة انفجر داخلها من هذا الاستقبال المريح منهم ..كانت نورة و دانة أشبه بحلف .. كانتا هذه الفتاتين أكثر من أعجباها .. عفويتهما و المرحهما أدخلاها جوهم و اعتادته بسرعة .. كان الجميع يعاملها ببساطة شديدة تحدثت و ضحكت و نست نفسها حتى بدت الشمس تميل للغروب .. و دانة تستفسر ..
- الحين عدنا أربعة أعمام ..؟!
هزت روضة رأسها .. و دانة تقول بحيرة ..
- و كيف نحفظهم هاييل ..
- ههههههه شوه درس تحفظينهم .. ما يبالهم .. ابوية علي .. و عمي سعيد .. و عمي أحمد و عمي مطر ..
قالت نورة باحباط ..
- وايدين ..
عقدت روضة جبينها و هي تقول ..
- الحين هاييلا وايدين .. بعدينيه ما قلت منوه عيالهم ..
ضحكت عفرا ..
- لا تخبرينهن .. بيي باكر و انتي تعيدين و هن يحفظن ..
سألت حور بفضول ..
- لا صدق .. منوه عيالهم ..
قالت روضة ..
- عيال أبوية آممم .. غيث طبعا ..
و رمت نظرة ماكرة نحو حور التي تأوهت ساخطة ..
- علمووووها ..!
ضحكت روضة تتابع ..
- بعدين حامد خوية ..
كتمن البنات ضحكاتهن حين تذكرن الرجل الذي اعتادت حور على طرده ..
- و أنا و بعدين أحمد خوية هذا في الجامعة أصغر منيه بسنتين .. يعني 22 سنة تقريبا و تيي عقبيه ختيه شيخة ..
اتسعت عينا عفرا باهتمام ..
- عندج أخت ..؟!
هزت روضة رأسها بالايجاب ..
- هيه أصغر عنيه 21 سنة .. عميه سعيد عنده ثلاث عيال .. سيف العود يشتغل في الشرطة تحريات و مرات يينا بالإدريس و ع سيارة الدورية .. و هزاع تبيعه ويا أحمد خويه .. هاييل مرة ويا بعض ما يتفارقون ..
تبادلن الفتيات نظرة ذات مغزى .. و روضة تتابع ..
- و حارب الصغير ثانوية عامة .. وياج عفاري .. شدي حيلج تراه دحيح كتب ..!
نفخت عفرا صدرها بثقة ..
- لا تخافين عليه ..
هزت دانة رأسها بسرعة ..
- هيه و الله .. هاي اذا ما طلعت الاولى ع الدولة بحلق شعريه ع الزيرووو ..
ضحكت روضة بخفة و حور تتساءل متأملة ..
- و عميه .. آممم أحمد و مطر ..؟؟
أجابتها روضة ..
- عميه أحمد عنده ولد واحد فهد .. هذا كبر سيف تقريبا .. و عميه مطر ما عنده غير بنية وحدة اسمها عوشة .. و أمها متوفية الله يرحمها .. كانت بنت عم أبوية و أبوكن .. ماتت من 13 سنة تقريبا ..
سألتها دانة بفضول ..
- تحيدين يوم ماتت ؟؟
- هيه .. شوي .. بس أذكر هاييك الفترة ..
اتسعت عينا نورة باهتمام ..
- و منوه رباها عقب ما توفت أمها ..؟
- خالتهاا .. عم أبوية ما ياب غير بنتين فاطمة و موزة .. موزة توفت .. و عوشة سارت عند خالتهاا فاطمة ..
سألتها حور باندهاش ..
- ما عرس عميه ..؟!
بدت كلمة عمي غريبة على لسانها و هي تخرج بتلقائية هكذا ..! هزت روضة رأسها نفيا ..
- لا .. و يوم تقوله يدوه يعرس .. يقول هب فاضي لخرابيط الحريم ..
ثم ألقت نظرة على ساعتها و رفعت عينها للسماء قبل أن تعدل من وضع حجابها و هي تعتذر بابتسامة لا تفارق شفتيها ..
- يا الله بنات .. لازم ارد البيت قبل المغرب ..
قالت دانة مازحة ..
- لااا دخيلج عيشي ويانا للأبد ..
ضحكت روضة تقول ..
- انزين عقب ما تربي أمج ان شا الله ..
أجابتها عفرا ..
- شوه الفرق .. ليكون تبينا نيوزج البمبينوو اليديد ..؟!
- شوه أسويبه عقب .. أربيه ..؟! قصدي يوم بتنتقلون البيت العود ..
- أي بيت عود ..؟!
قالتها نورة بحيرة و وجه حور يتصلب .. نقلت روضة عينيها بين وجوههن .. لترى عدم الفهم ارتسم على ملامحهن باستثناء المها التي لم يبدو أنها سمعتها .. و حور التي أخفضت رأسها دون أن تنبس ببنت شفة .. أدركت لحظتها أن لا علم عند احداهن بهذا الامر .. حور ربما تعرف ..؟! من أخبرها غيث ..؟!
شيء واحد أدركته .. هو أنها تفضل أن لا يعرفن بالأمر عن طريقها .. لا تعلم لما رأت الأمر بهذا السوء .. لذلك قالت بسرعة و هي تنهض ..
- يا الله أنا أترخص الحين ..وقفن جميعا معها و هي تنتعل حذائها و عفرا تحذرها ..
- لا تقطعين ..
- أقرب فرصة ان شا الله عندكم ..
قالت نورة بمزح ..
- هيه عقب 3 شهور ان شا الله ..
قالت روضة بثقة ..
- لا أقل أول أخيل منكن و ما اعرفكن .. الحين فصفصتكن تفصفيص ..
- شوه حب شايفتنا الأخت ..
- ههههه .. يا الله سمحوليه ..
و راحت تسلم عليهن مودعة الواحدة تلو الأخرى .. حتى وصلت لحور التي ابتسمت لها قائلة ..
- بوصلج ..
حملت روضة حقيبتها و لوحت لهن مودعة و هن يصيحن بعبارات مختلفة و حور تمشي معها بهدوء .. كانت ترتدي ثوبا قطنيا زهري اللون بنقش بسيط على أكمامه و صدره .. و غطاء رأس كبير بنفس اللون .. وجهها البيضاوي الصافي بدا حلوا للغاية و حمرة خفيفة تعتريه من حر الصيف .. و هن يتقدمن .. شعرت روضة بأنها تدين لها باعتذار بشكل ما .. لذلك توقفت في الممر حالما اجتازت مدخل الحوش و توقفت حور تنظر لها متسائلة .. تأملت روضة الباب الموصدة لحجرة ما خلف حور و هي تبحث عن كلمات لتترجم احساسها قبل أن تقول ببساطة ..
- أنا آسفة ..
نظرت لها حور بجمود لبرهة .. صمت .. ثم ..
- لا عادي .. مصيرهن بيدرن .. بس ...
بدت نظرة متألمة على وجهها ..
- أنا هب قوية عسب أقولهن .. ما أدري ليش خايفة ..؟!
و لا أدري لما أبوح لك بمكنون صدري و أنتي لوقت قريب لم تكوني سوى غريبة ..؟!!!!
بدت الحيرة على وجه روضة قبل أن تقول لها ..
- ليش ..؟
هزت حور كتفيها بعدم دراية قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة ..
- يمكن جبانة .. بس احساس غبي .. آمممم .. مادري ..!
ابتسمت روضة لها ..
- ما عليه بتييج لحظة مجنونة تسوين فيها الغير المتوقع - و غمزت بعينها - اسأليني ....
ثم اختفت ابتسامتها و اتسعت عيناها قليلا و وجهها الجميل يحمر .. دون أن تنتبه حور لذلك و هي تضحك بخفة ..
- لا ما أعتمد على لحظات مجنونة .. تو بي أو نات تو بي ..
شعرت بتلك الذراع من المجهول تلتف على كتفها لتضمها بشيء من القوة .. و تصلبت أوصالها حين لفحت أنفاس دافئة صدغها و صوته الرجولي يهمس قرب أذنيها ..
- فديتاا القوية يا ناس ..
ارتجفت بشدة و هي تنتزع نفسها بعيدا .. متأكدة بأنه لم يكن في المجلس ..! شعرت بالحرارة تزحف فورا لخديها و هو يبتسم لشقيقته منذ تلك الليلة التي قبض عليها متلبسة بالغباء و مسللة للسطح لم تصادفه.. لمعت عيناه بصفاء غريب .. و هي تراه يدنو من روضة التي احمرت وجنتاها و هو يقول ..
- مرحباااااااااا بالعرووووس ..
لف ذراعيه حولها و هي تدفن وجهها المحمر في صدره .. و تهمس بخجل ..
- غيييييييييث ..!
لا تدري ما هو ذاك الاحساس الغبي الذي نغز قلبها من هذه المودة الجلية لأخته .. أتمنت أن تكون هي من يحضى بهذا الحب ..؟! صدمتها هذه الفكرة فنفضتها فورا ..
أبعد روضة قليلا و نظرته الصارمة تعلو وجهه الأسمر و يعاتبها قائلا ..
- لو ييتكم باكر و لا شفتج .. كان طلعت لج الين فوق و يريتج من كشتج ..
و سحب خصلة من شعرها بقوة ..
- آآآآي .. - ثم همست دون أن ترفع عينيها - آسفة ..
أشار بتحذير ..
- آخر مرة ..؟
هزت رأسا تكتم ضحكة محرَجة ..
- آخر مرة .. احم .. لا تفشلنا قدام حرمتك عاد ..
التفت غيث لحور و كأنما نسي أمرها للحظة .. كرهت حور الضيق الذي تسلل لها لبرهة و هي تتجنب النظر نحوه .. رفع حاجبه بشيء من الخبث و هو يمد يده ليلتقط كفها و يجرها الى جانبه دون أن تجرؤ على الانفلات أمام أخته ..
شعرت بقلبها يحتقن بقوة .. و قرعاته تتسارع حتى خيشت أن يسمعوه .. دفء جسده الكبير و يده الملتفة حول قبضتها المضمومة المتعرقة .. و صوته الرجولي العميق يتخلل مسامها قبل المسامع ..
تكره شعورها بأنه الآخر بدأ يزحف داخل روحها بشكل ما ..!

* * * * *

* أنشودة صديقي / لمشاري العرادة ..

**سورة النساء آية : 86 ..

***نامت عيونك / للمبدع البدر ..

السنافية
29-12-2007, 01:35 AM
[B]خذي راحتج يالغلا .. اهم ما عليج دراستج ..

وعسى الله يوفقج فيها ان شاالله ..

السلام عليكووو و الرحمه ،،

أشكر مراعاتج يا الماس و جهودج المشهودة ..

الله يوفقنا يميع

و لا هنتي يا وخيتي :)

الشقردي
07-01-2008, 04:02 AM
بصراحة استمتعت بقراءة الفصول السابقة

اسلوب مميز للكاتبة يدل على مكانتها الادبية

واسلوبها الراقي في التعامل مع الاحداث

بإنتظار الاجزاء الباقية

what ever
09-01-2008, 02:34 AM
القصه رووووعه بكل معنى الكلمه ..

قاعده اقرا فيها من الصبببببببح .. وتوني مخلصتها ..

الاسلوب جدا مرتب وسلس ..

مميز وفيه احساس عميق ..

اختيارج للقصه كان مميز يا الماس ..


انتظر باقي الفصول بكل شووووووووق ..

وسلامي للكاتبه المبدعه ..

.: المــاس :.
10-01-2008, 02:51 AM
الخطـــــــــــــــوة العاشــــــــــــــــــرة .. }





[ .. خطوات بطيئة ،، حتما ستصل ..! ]







اتسعت عينيه و هو يجيل بصره فيمن حوله .. المجلس الداخلي الفسيح .. ذو السقف المرتفع .. و الثريات العملاقة التي تدلت منه ،، الجدران المطلية باللون الذهبي الدافي ،، و خطوط مربعات وهمية داكنة يخيل إليه أن الجدار بُطِّن بها و هي تعكس ضوء الثريات الساطع الأصفر ليشعر بأنها تشع نورا ..! يرتد عن الأرض الرخامية التي مدت عليها سجّادات عجمية ضخمة ..
كان المجلس قد يساوي مساحة بيتهم و بيت أبو سالم معا ..! و قد قسم لقسمين حيث وزع في النصف الأيمن من الباب الأرائك الوثيرة الضخمة .. تمتد على جدارين و نصف بشكل رائع .. وزعت أمامها طاولات صغيرة زجاجية و توسطتها واحدة عملاقة .. و يتوقف امتداد الأرائك في منتصف الجدار المقابل للباب .. لتمتد جلسة أرضية على باقي المكان و تتوسطها طاولة أرضية عريضة وضعت عليها أصناف الأطعمة في الحافظات و أوعية التمر الزجاجية و حافظات متعددة للقهوة و الشاي .. لم يدري لما كانت بهذا العدد الهائل و هم قليلون ..!،، بدا و كأنهما مجلسين منفصلين .. و كان يتطلع مبهور الأنفاس هو يجلس في منتصف الجلسة إلى جانب غيث الذي كان منخرطا في حديث خافت مع جده .. فيما انشغل من حوله بالتحدث في أمور شتى .. كانت هذه المرة الثالثة التي يحضر فيها إلى هنا .. و الأولى بعد انقضاء امتحاناته .. تحرك في مكانه بهدوء .. و هو يحاول كبح ابتسامته المنتشية .. و هو يمرر راحته على قماش ثوبه القوي .. كان أحد ثيابه الجديدة التي أحضرها له غيث .. و قام بإحضار عمامات جديدة له أيضا .. و اشترى له حذاء جميلا .. شعر أنه يهيئته الجديدة لا يقل مستوى عن أبناء عمه .. يلبس مثل ثيابهم .. بل ربما يلقى حفاوة أكبر لجلوسه بجانب غيث و جده ..
حانت منه التفاته بطرف عينه لوجه الجد المتصلب الصارم ..
لا ينكر ذاك الفزع الذي ينتابه أحيانا .. يهاب هذا الرجل بشدة .. لم يبدو أنه يكبر أبناءه الأربعة كثيرا .. كان لا يزال قويا و لم تخضعه السنوات ..
لا يتحدث أحدا إن فعل .. ينصت الجميع له بطاعة .. ذاك التكبر المرتسم بحدة على ملامحه يخيفه .. مذ بدأ في القدوم إلى هنا .. لم يبادله كلمة واحدة قط سوى السؤال عم الحال .. كان يفعل مثلما يفعل غيث تماما حين يسلم عليه ..
يقبل أنفه و لحيته ثم ينحني ليقبل كتفه .. رغم أن الجميع يكتفي بتقبيل أنفه .. و لكنه أخذ غيث دليلا له .. سيفعل كل شيء يفعله هو ..
كان شعور بالتوجس يخلق داخله من هذا الرجل الأسمر الذي خط التجاعيد خرائط عمر في وجهه .. بدا متصلبا .. قاسيا .. و لا يدري لما خلف هذا الانطباع فيه ..!
أمنية واحدة احتلت قلبه الصغير .. هو أن تكون جدته التي لم يلتقيها حتى الآن و وعده غيث برؤيتها أكثر لينا منه ..
حين يتحدث بصوته الأجش و تلك الطريقة الصارمة المتسلطة يذكره بغيث .. يشعر أحيانا بأن هذا هو أباه و ليس العم علي ..!
رأى أحمد و هزاع يضحكان بحماس في الزاوية مع عمهما مطر و أبو غيث .. و فهد يجلس مع أباه و سيف .. فيما راح العم بو سيف يكلم أبنه حارب قربه و الأخير يهز رأسه بإمعان ..
حامد الوحيد الذي جلس لوحده يقلب شيئا ما في هاتفه المحمول .. شعر بأنه وحيد هنا و بدأ الملل يتسرب لنفسه شيئا فشيئا .. التفت مرة أخرى لغيث .. لا يزال غارقا حتى أذنيه في تهامس جاد مع جده متصلب الوجه ..!
راح يشغل نفسه مجددا بالنظر حوله .. و الثواني تمر ببطء .. ألم يتناولوا الغداء ..؟! إذا ما الذي يفعلونه هنا .. يرغب حقا في العودة إلى البيت .. هناك حتى الملل مألوف .. و لا جدران ضخمة .. او أسقف عالية تميل عليه مع مرور الوقت .. زفر ببطء .. قبل أن يلتفت له غيث بحاجب معقود و وجه الأسمر يستفسر ،،
- بلاك ..؟
أخفض نايف بصره محرجا .. ليجيب غيث على السؤال بهدوء ..
- مليت ..؟
هز نايف وجهه المحمر ببطء .. قبل أن تنم ابتسامة خفيفة عن شفتيه و هو يميل عليه بجسده الضخم و يهمس له ،،
- خلنا نيلس شوي .. خلاف بنسلم على أمايا و بنرد ..
أومأ نايف بطاعة مرة أخرى .. ليعود غيث مرة أخرى للحديث مع جده ،، راح يدير رأسه بضجر مرة أخرى ،، و كالعادة يبهره المكان ،، لم يحلم قط بالتواجد في مكان كهذا ..!!
لحظات قبل أن يشعر بغيث و هو يردد كلمات التوديع لجده الذي كان ينظر له باهتمام و يتحدث بصوت منخفض لا يصل إلا لغيث الذي كان دانيا منه .. قبل أن ينحني غيث لتقبيل أنفه و لحيته و كتفه و يهب واقفا و هو يقول بصوته الرجولي العميق ..
- العرب .. أنا كل يومين أمرهم .. بس انشغلت شويه .. باكر لو ربك راد بخطف عليهم .. أما المناقصة الريال اعتمد الرمسة ،، و بتنطرح هالأسبوع .. ازهلها .. أنا بخلصها ..
ثم نمت عن شفتيه ابتسامة ملتوية و هو يقول بقسوة ،،
- لو ما يبتاا .. ماكون غيث بن سيف ..
عقد نايف حاجبيه بعدم فهم .. أ و ليس غيث بن علي ..؟! لماذا ينسب نفسه للجد مباشرة ..؟!
نظر له غيث بقوة .. فهب من مكانه بسرعة ليتقدم من جده ،،
.
.
نفس النظرة الجامدة التي تنظر للأمام و لا تلتفت إليه ..
نفس الوجه المتصلب .. و القسوة التي تحد وجهه فلا يلين ..
نفس البرود الذي يقشعر جسد نايف الصغير له كلما انحنى ليسلم عليه مقبلا أو مدبرا ..
لا يعلم لما يلمس دفئا في عيني هذا الرجل حين تتوجه نظراته لحفيده الأكبر بينما تتيبس ملامحه و يتجنب النظر له أو إعطاءه أدنى اهتمام ..!
اعتدل واقفا بجانب غيث الذي قال بصوت مرتفع ،،
- يا الله أنا اترخص .. - ثم التفت لسيف بنبرة آمرة - سيف تعال ويايه بغيتك ..
و تحرك نحو الباب يتبعه نايف و سيف يهب من مكانه وسط كلمات التوديع المتفرقة ..
ما إن تجاوزا الباب ارتفع صوت غيث مناديا بقوة ..
- أمينــــــــــة ..
خرج سيف في تلك اللحظة خلف قبل أن تخرج خادمة من مكان ما و سيف يشيح بوجهه عنها و هي تدن من غيث مستفسرة ..
- Yes ser ؟؟!
وضع يده على كتف نايف و هو يقول ..
- وين أمايا ..؟!
- in her room ،،
نظر لنايف مشجعا .. و هو يقول ..
- ودي نايف قداها .. - ثم ركز نظرته في عيني نايف الذي ارتبك على الفور - بتسير تسلم عليها .. و أنا بظهر خاري شوي أشوف العمّال و أرمس سيف .. أول ما أطرش أمينة عليك اظهر ..
فتح نايف فاهه معترضا .. لا يريد الذهاب إليها لوحده ..!
و لكن غيث شد قبضته على كتف نايف و هو يقول بنبرة صارمة ..
- لا تخاف .. سير ويا أمينة و سلم على أمايا نورة و ايلس وياها الين أزقرك .. يا الله ..
و استدار إلى حيث يقف سيف ليقول آمرا ..
- بو هناد اظهر ويايه أبا شوف العمال شوه مسوين ..
راقب نايف الرجلين بهامتهما العريضة يتوجهان خارجا .. و عيونه معلقة بأطولهما .. لما عليه أن يدفع به إليها لوحده ..
كانت الخادمة تقف بصبر بجانبه قبل أن تقول بابتسامة ..
- نروه أند ماما نوراا ..؟؟!
كشر في وجهها و هو يهز رأسه لتسبقه إلى الردهة بخطوات بدت أقرب لمشية عارضة من أن تكون خادمة .. حاول جاهدة تجاهل كل ما يرى و هو يعتصر ذهنه محاولا بجهد أن يتذكر ما الذي قالنه أخواته عن العجوز حين أتين للمرة الأولى و التقين بها هنا ..؟!
و لكن محال ..
مذ بدأ يرتاد هذا المكان مع غيث لم يتجاوز عتبة المجلس الداخلي الذي يقع يمين الباب قط .. كل ما كان يراه هو نظرات مسروقة من الردهة الفسيحة التي ترامت على وسعها قطع أثاث أنيقة فخمة .. بجدرانها التي زيّنت بعناية و ثرياتها التي تدلت من السقف العالي .. و الدرج الكبير الذي توسطها .. بدا منظر الردهة و هو يقطعها خلف أمينة أشبه بصورة من مجلة ما لعينيه اللتان لم تعتادا مثل هذا الترف ..
راح يتبعها و عيناه المذهولتين تلتهم المشهد بأكمله .. لا يريد أن يفوته أدنى تفصيل صغير ..!
الكثير من الفخاريات وزعت في عدة زوايا .. بعضها ألقيت و قد انزلق من داخلها بعض التربة في حركة جميلة للغاية على أرضية المكان الرخامية ..
تلك القطع المميز من الزجاج و الخزف توزعت على الصالة الواسعة في كل مكان ..
يستدير حول الدرج الواسع نحو ثلاثة أبواب متباعدة بدت في الداخل .. تقدمت الخادمة من أقربها .. لتفتحه بخفة دون أن تطرقه .. تباطأت خطواته و هو يقترب منه بارتباك .. و الخادمة تدلف إلى الداخل دون أن تلقي نظرة أخرى عليه ..
وقف عند الباب ليطل برأسه للداخل .. فتتسع عيناه حالما يستوعب تلك الغرفة الوسيعة أمامه التي اصطفت في أقصى طرفها الأيمن أرائك وثيرة ..في نصف دائرة .. و في أقصى طرفها الأيسر جلسة أرضية داكنة اللون التفت على جانبي شاشة تلفاز مسطحة علّقت على الجدار ..
أمامه مباشرة باب آخر موصد تقف بجانبه الخادمة و هي تنظر له بابتسامة لطيفة ..
- تفدل ..
اقترب منها بحذر و عيناه الواسعتين تضيقان بتوتر .. رفعت أمينة أناملها لتقرع الباب بخفة ..
.
.
خفقات قلبه تتعاقب بسرعة .. يداه الصغيرتين تعرقان ،،
.
.
أمينة لا تنتظر ردا فقط تفتح الباب بهدوء
أنفاس فقط ،،
ثم تدفق دفء ذاك الصوت المهتز .. ليخترق مسامع نايف المضطرب ،،
- قرب ،،
تصلبت قدماه و أمينة تدلف و تتنحى جانبا منتظرة منه الدخول .. شعر بأنه عاجز عن دفع قدميه ،،
لا تطيعه الخطوات .. فترسم أثرا لطريق يقوده إليها ..
يخشاها .. و يخشى قسوة .. و تصلبا قد يكتسحه حال مواجهته لمثل برود ذاك الجد ..
أغمض عينيه .. و هو يبتلع ريقه بخوف .. أمينة لا تزال تنظر له باستفهام .. و هو ينظر للجدار الذي قابله عبر الباب .. و لتلك النافذة العملاقة بستائرها الثقيلة التي أزيحت جانبا ،، ليتسلل شيء من تسلّط شمس الظهيرة ..
يزحزح قدميه متقدما للداخل .. تمنى لو أن غيث لم يتركه لوحده هنا .. ماذا لو واجهة شيء لا يتوقعه في هذا المكان ..
تجاوز الباب ببطء و هو يخضع بصره أرضا حين راح يتأمل الجدران ذات اللون الهادئ و الغرفة التي فرشت بسجّاد كامل .. ذاك السرير الضخم الذي توسط الجدار المقابل ..
يقف بجانب أمينه و عيناه لا تفارقان مقدمتي حذائه .. شيء من الخجل امتزج بخوفه .. يشعر بلهفة تشده لتفحص قصر العجائب هذا ..!
كان الصمت يسود المكان .. و تذكر الصوت الذي سمعه منذ قليل ..
فرفع رأسه يبحث عن مصدره .. أمامه مباشرة في الزاوية البعيدة بجانب جهاز التسجيل الضخم .. تجلس أرضا .. و قد اتكأت على مخدة ثقيلة .. بيدها مسبحة سوداء ميزها من مكانه ..
.
.
وجهها المغضن ذاك ..!
لا شك أن الأيام نحتت حكايات لا تنتهي في كل خط حفر بعناية على مر السنين ..
هنا قصة للحزن تسكن تلك العينين اللتان تعلقتا بوجهه في نظرة غريب ،،
سؤال ،، أم توسل ..؟!
أمل .. ألم ..
نزف يتألق في عينها البعيدة .. يوشك على الانهمار ،،
حتما سيسري ..
سيروي ..
سيشبع أرضا لم تطأها قدمي من كانت حقا ترجو لقاءه ..
من هذه المرأة يا ترى .. أي قلب تحتويه أضلعها ..
أهي ،، هي ..؟!
أم أنها ..
ماذا .. لما هذا التخبط .. لما يشعر بالتشتت ..؟
لما يشعر أن أباه يقف خلفه الآن ..
لما يريد أن يبكي حال هذه العجوز التي راحت دموعها ترتعش ..
شوقا .. أم حزنا .. في مآقيها العتيقة ..
عباراتها التي تسكن عينها .. يراها رمادية بشكل ما ..
قدماه تتقدمان رغما عنه ..
لا يتكلم .. و لا تنطق هي ..
سيمد يده الآن .. و سيتحسس صورة قديمة .. تلوح أمامه ،،
إطارها وجع أصبح جزءا من هذه المرأة ..
تفاصيلها الصغيرة .. الغابرة .. تلك الوجوه التي تحتلها ..
شيء مما مضى لازال مدفونا في أعماقها ،،
هذه المرأة ..! من هي ..؟! من هي يا ترى ..؟!
أ حنان قديم .. سقته ذاك الكبير الذي رحل عنهم يوما ..؟
أ شوق لحب يألفه في أبٍ لم يعد كذلك ..
لم يعد أب .. أصبح ،، الراحل ..
أ و ليس هو اليتيم .. بلا أب ..؟!
أهي روح تاقت للقاء من يتوقون هم للقائه الآن ..
من هي هذه العجوز ..؟
هي أمه .. متأكد من ذلك ..
و لكن من هي ..؟
أ لها أن تمد ذراعيها الهزيلتين .. أن تحوي يتمه .. أتعلم من هو ..؟
أتعرف حكاية مخدة يسقيها بعبرة كل ليلة ..
يدفن فيها حرقة أنفاسه .. يخفي فيها كل فراغ .. يردم وسطها ثغرة راحت تتعاظم بعد رحيل سنده ..
لتلتهم طفولته .. فرحته ..
و حلـــــم ..؟!
أ تعلم من هو .. ؟
قدميه ترتعش و مسافة بينهما تتقلص .. ستلتقي الطرقات هنا إذن ..!
أصبح أمامها الآن .. يراها تلك العينين الغائرتين الواسعتين .. المثقلتين دمعا كلما أوشك على الجفاف ..بلّها ..
يرى ذاك الرجل .. بشح حنان كان يخالط حزمه ..
يكاد يشعر بيده الكبيرة ترتاح على ظهره .. و تشد كتفه ..
رائحة تلك - الغترة - القديمة .. المشبعة بجهده .. التي احتضنت جبينا لا يعرق إلا لهم .. يعبق حوله ..
لا يرى هذه الجدران المزخرفة الآن ..
حوله سور بيتهم الأبيض .. بطلائه الذي تشقق أسفله .. بخربشات عليه .. عبثت بها طفلة .. و هي تخط أمنيات ساذجة بالفحم الذي كان يدفئهم به شتاءً ..
كتفيه العريضين .. و ذراعه القوية ..
يرى العينين العميقتين .. و سر الشوق اليائس .. الممزق يسكن نفس العينين ..
أتسكن روحه جسد هذه المرأة ..؟!
.
.
أخبريني سيدتي ..
دعيني أريح رأسي الصغير .. و أحلامي الطفولية .. و ضحكة لم أعد أريد إطلاقها .. و عبرة .. في حجرك ..
دعيني أزيح عن كاهلي كل ذاك الحمل الذي يثقل إحساسي ..
و أستلقي .. أفترش حنانك .. لأغفو ..
و أخبريني ..
احكي لي عن سر ذاك الألم .. ذاك الوجع الذي اشتركتِ به معه ..
مع ذاك الحبيب الذي لم يشأ الانتظار ..
فضل رحيلا على البقاء بلا وعد تخبئه له الأيام ..
فضل هجران طرقات طالت به .. و لا نهاية تلوح في الأفق ..
قصّي علي سيدتي ..
أريد سماعها تلك الأسطورة التي لم يعرف أبطالها سوى شوقا ذبح شعورهم ..
سوى فراقا لم يجبرهم عليه إلا سرا ..
لا أفهم كنهه ..
كيف تسربت .. انزلقت ..
كيف ذوى حنانكِ فلم يعد في جعبتكِ ما قد تمنحينه ذاك الابن ..
كيف طوعتِ إحساسك لهجرانه ..
أ و تعلمين سيدتي أن شوقه غفا على تلك العتبة ..؟
أ و تدركين أنه مات جائعا .. طمئا ..
لتلك العذوبة التي رحتي تريقينها الآن ..
.
.
أ و تعلمين سيدتي ..
أنني يتيمٌ الآن ..؟! بلا أب ..!
بلا كبير ..!
.
.
تلك الحرارة التي بلّت خديه بلا شعور و هو يجثو أمام هذه العجوز التي راحت تبكي بصمت ..
صمت لم يعرفه هو و شهقاته تنفلت من شفتيه .. و جسده الصغير يهتز بقوة ..
ركبتيه على الأرض و يده تلتقي بيدها الضئيلة التي راحت تعتصر يده بقوة ..
قبل أن تجره لحجرها .. فيدفن رأسه فيه ..
يدفن وجعا في زاوية من أراضي الطمأنينة هذه ..
هنا شيء لأبيه أعاد لحظات فقده له من جديد ..!
.
.
.
.
.
.
.
.
يرفع ثوبه قليلا ليظهر إزاره الأبيض من تحته .. و هو يخطو خطوة واسعة و يرتفع على إحدى الحجارة المربعة الضخمة التي صفت جانبا .. جسده العريض ينتصب واقفا و عينيه الحادتين تتأملان سير العمل من خلف ناظرته السوداء التي انعكست عليها أشعة الشمس .. متابعته للبناء يتطلب منه ساعة على الأقل من جدوله اليومي .. و لم يكن هذا بالشيء الهين نظرا لانشغاله ..
دون أن يلتفت تابع النظر بعينيه في المساحة الواسعة التي حفرت لوضع أسس البناء .. يقع البناء على الجانب الأيمن من واجهة البيت الكبير و هذا يناسبه تماما .. سيحرص على أن يكون التصميم كما خطط له تماما ..
ناوشت شفتيه ابتسامة باردة .. يعلم أن سيف الذي وقف قرب الحجرة التي يعلوها هو مرتقبا الذي سيقوله .. نزل عن الحجر و هو يتوجه نحو المهندس و نزعه لئيمة تراوده .. سيحدثه قليلا .. لن يضير سيف أن يجلس تحت أشعة الشمس قليلا قبل أن يمنحه ما يريد ،،
.
.
يقف هو في مكانه و هو يرفع يده على عينه كي تتاح له مراقبة غيث الذي قفز من على حزمة حجارة البناء و صاح بصوته الصارم ينادي المهندس القائم على البناء .. يرقب ظهره العريض و كتفيه المشدودتين و هو يقطع المكان بسهولة متفاديا قطع الحجارة و أكوام التربة .. و قطع الحديد المتناثرة في المكان ،، يمشي بسهولة بينها .. كان يقف بجانب المهندس الآن يتبين سيف وجهه المتصلب بهدوء .. لا يرى عيناه اللتان أخفتاها نظارته السوداء ،، و نبرته المتسلطة تصله من هناك ..
تململ سيف في مكانه و هو يعقد كفيه خلف ظهره .. و يزفر ببطء ..
إلى ما يسعى غيث ..؟! إتلاف أعصابه ..؟ لا حاجة إلى ذلك .. فهذا ما يفعله من شهرين ..!
رأى غيث يشد على كتف المهندس الذي انصرف عائدا إلى عمله و غيث يتقدم بخطوات واسعة .. حتى وصل إليه ..
وجهه الأسمر بدا باردا و ملامحه غير مقروءة .. أنفه المستقيم المتكبر كان مرتفعا قليلا و هو ينظر له من خلف زجاج نظراته الغائم ،،
- علومك بو هناد ..
أخفض سيف يده ببطء ،، ملامح وجهه الهادئ لم تكشف مدى توتره .. و هو يرد ببساطة ،،
- علوم الخير .. ما به علم ..
أمال غيث رأسه و هو يسأله ،،
- تعرف في شوه برمسك ..
أخفض سيف رأسه و أومأ بالإيجاب .. متأكد بأن غيث سيوصل إليه رفض أخته بكلمات مهذبة و مواسية ..
- سالفة الخطوبة ..؟
- هيه نعم ..
سحب سيف نفسا عميقا و هو يرفع رأسه للسماء ،، أشعة شمس الصيف تلفح وجهه دون أن يبالي ،،
- أهاا .. يعني .. - و صمت لبرهة قبل أن يقول - خير إن شا الله ،،
يكبح غيث ابتسامة متمردة و هو يتأمل لهفة دفينة تطفح على وجه سيف بين الفينة و الأخرى قبل أن يماطل قائلا ..
- بينيه و بينك يا بو هناد بغيت أرد عليك في نفس اليوم لي رمستنيه فيه .. لنيه كنت مقرر شوريه أهم من شور البنيه .. خلاف مرت بنا الظروف لي أنته أدرى بها .. و ما يتنيه الفرصة أخبرك رايي ..
مد يده و انتزع نظارته .. عينيه كانتا تضيقان هو يسلط نظره على وجه سيف المرتقب .. و هو يقول بهدوء أخفى إضطرابه ،،
- ما عليه يا ريال .. المهم الحين .. شوه قلتو ،،
رفع غيث حاجبه بنظرة غريبة ،، و صوته العميق بدا غامضا ..
- أنا أقولك اتوكل على الله و رمس بوية ،،
عقد سيف حاجبيه بشك ..
- أخطب ..؟
ابتسامة ملتوية نمت عن شفتي غيث و هو يبدأ بالتحرك ..
- على راحتك ..
خطوات واسعة يقطعها قبل أن يأتيه صوت سيف الحازم ..
- غيث ..
توقف غيث و ظهره لسيف .. الشمس تسقط على عرض منكبيه ..
سيف يسحب نفسا عميقا قبل أن يسأله بهدوء ..
- روضة شوه قالت ..؟
التفت له غيث نصف التفاته و هو يضيق عينيه ..
- يهمك ..؟
أومأ برأسه و هو يقول بثقة ..
- لو هي ما تباني أنا بكنسل السالفة ..
تأمل غيث سيف للحظات صامتة .. وجهه الهادئ .. لحيته الوقور .. و عينيه الصادقتين ..
شيء من الطمأنينة تدفق في عروقه و هو يرى موقف سيف .. لم يكن يتوقع منه أقل من ذلك ..!
ارتدى نظارته الشمسية بهدوء و هو يقول له قبل أن يستدير و يمضي ..
- موافقة ..

* * * * *

- ما يمديكن تتولهن عليه ..
قالتها بضحكة و هي تتجاهل نظرة أختها الجانبية و تنصت لصوت حور المبحوح الذي حملته أسلاك الهاتف ..
- لي يسمعج يقول البارحة عدنا ما كنه خطف اسبوع .. نحن العرب لي نتعود عليهم نشوف الثواني مديّة بلاهم .. بعدين فطوم انقهرت يوم درت انج ييتي هنيه و لا شافتج ..
- فطوم منوه ..؟
- بنت ييرانا .. تحيدينهاا .. لي كانت عدنا في العزا ..
- هيه .. هيه اذكرتها ..
قالت حور بنبرة كئيبة ..
- بعدين حسي ابنا شويه .. نحن محبوسات في و كل وحدة مالها إلا شيفة الثانية .. تصدقين انيه عايشة مع خواتيه عشرين سنة و مادريت انهن مخبل الا الحين ..!!
- هههههههههههه .. انزين و شوه تبين ابهن خواتج انتي و ريلج موجود .. - ثم قالت بخبث - استغلي الفرصة و تعرفي عليه و خليه يتعرف عليج و تتفاهمون مثل ما يقولون ..
ردت حور بحنق ..
- أقول انطبي .. أنا أقول نورة و دانة ييلسن بالساعات ايرمسنج في التيلفون .. خربنج أشوف ..!!
كانت حور تلاحظ نظرات أمها التي تركزت على وجهها بفضول و هي تقول ..
- لا و الله .. بس ما قد شفت غيث رومنسي و الا حنون الا فبيتكم .. تأثيرج باور عليه ما شا الله .. أول ما نشوف الابتسامة الا في السنة مرة .. و الحين يبتسم ليه و يلوي عليه .. وينج من زمان عنا تنهين عصر الرعب لي كنا نعيشه ..
كان صوت حور منحرجا و هي تقول ..
- اتبالغين و الا عصر الرعب ترانيه عشته وياكم أول أيامه هنيه .. أول ما عرفته مسويلنا رعب ..
- و الحين ..؟
صمتت حور لبرهة قبل أن تجيب ..
- الحين ما عندج سالفة أونج بتسحبينيه في الرمسة .. بتيين باكر و الا شوه فطوم بتيي ..؟!
ابتسمت روضة بحنان ..
- و الله وديه يا حور لكن لامتحانات ملعوزتنيه .. هيه ع طاري الامتحانات .. أريد رقم جلوس عفرا .. لنه حارب بيظهر نتيجته قبل العرب بيومين .. و نباه يظهر نتيجتها وياه ..
- دقيقة بس بوديلها التيلفون ..
.
.
.
كانت عيناها تضيقان على أختها التي جلست بنعومة بجانب أمها التي راحت تتأملها هي الأخرى بإهتمام .. تضع ساقا على ساق و هي تملس تنورتها بشرود و تتحدث في الهاتف و ابتسامة متألقة تحتل شفتيها .. بدت سعيدة بهذه المحادثة .. شعرت بشيء من الغيرة يقبض صدرها .. لماذا تجد روضة التسلية مع الغريبات فيما تفتقر إلى ذلك معها ..
كادت تركل الطاولة التي أمامها بقوة مع أفكارها .. ما الذي يهمها في ذلك .. لا تحتاج إلى الحديث معها و لا إلى صحبتها .. فلتستغرق في علاقتها بؤلئك الغريبات حتى تتعفن .. قلما يهمها هذا الشأن ..!
لحظات و تنهي روضة المكالمة بابتسامة .. لتسألها أمها فورا ..
- روضة .. حرمة عمج كم لها حامل ..؟
رفعت روضة عينها مفكرة ..
- آممم .. مادري يا اميه .. تقريبا آخر الرابع .. أول الخامس .. أحيد حور قالتليه ان ابوها توفى و هي لها شهرين حامل ..
أومأت أمها برأسها ..
- هيييه .. الله يعيننا و يعينهم ..
راحت روضة تعبث يهاتفها ..
- آمين ..
استدارت الرؤوس نحو حامد الذي كان ينزل درجات السلم العملاق بسرعة و هو يلف - الغترة - و يتساءل ..
- أمييه حطيتوو الفوالة و القهوة في الميلس ..
ابتسمت أمه بحب ..
- كل شي زاهب فديتك .. امنوه لي ياينك ..؟
- واحد من الربع ياي من السفر .. يا الله فديتج ..
و قبل رأسها ليتوجه نحو الباب الخارجي .. توقف أمامه حين فتح على اتساعه ليدلف أحمد ..
- مرحبا ..
- حيّه بو شهاب .. من وين ..؟!
- من الجامعة ..
رفع حامد حاجبه ..
- الساعة 8 فالليل جامعة ..؟!
تحرك أحمد بتعب للداخل ..
- يا خوك عدنا فاينل .. ما يبون يرحمونا ..
رمى حقيبة جهاز حاسوبه النقال على الأريكة قبل أن يقبل رأس أمه و يسترخي بجانبها ..
- وين ساير ..؟
قال حامد بصوت مرتفع و هو يفتح الباب الخارجي ..
- عنديه شباب في الميلس .. بتيي ..؟!
لوح أحمد بيده ..
- لا بعد عنديه امتحان باكر .. بيي هزاع عسب نذاكر رباعة ..
- برايك عيل ،،
و خرج حامد ليلتفت أحمد نحو أمه بحب ..
- شحالج يا أم حامد ..
أمسكت أمه بكفّه بحنان ..
- بخير يعلنيه هب بلاك .. شوه مسوي في الامتحان ..
تمطط احمد بكسل و اخشوشن صوته أكثر ..
- طييييييب ان شا الله .. أم صروال علومج ..
نظرت له شيخة باحتقار و لم تجبه .. فضحك أحمد و هو يقول ..
- طاع ويهها مصدقة عمرها .. ههههههههه ،، أقول الصروال يطلب الرحمه .. سيري غيريه ..
التفتت شيخة لأمها بعتب .. و لكنها لم تعرها اهتماما لازالت غاضبة منها بعد قصها لشعرها .. و قالت بصوت متحدي ..
- ما يخصك فينيه .. صراويليه و أنا حرّه ..
رفع أحمد حاجبه قبل أن يلتقط علبة المحارم الخشبية و يقذفها بقوة نحوها .. و هو يقول بقوة ،،
- ما يخصنيه ..!! الا يخصنيه يا بنت ابوج .. و اير كشتج هاي و أحلقها ع الزيرو بعد .. انتي ما تخيلين يوم تحاوطين في البيت بهالصراويل .. و الا الكنادير ما تعرف ينبج الا و غيث موجود ..؟!
كانت شيخة قد التقطت علبة المحارم بحركة سريعة .. و وضعتها جانبا و هي تقول ..
- ابوية و يشوفنيه .. شوه حارنك ..
هب واقفا و لكنها كانت أسرع منه اذ قفزت من مكانها و راحت تجري نحو السلم .. قبل أن يعود فيجلس بحنق ..
- و الله ما بيخربها الا دلعكم .. ادلعون البنية .. و ملبسينها هالصراويل و مخلينها ع راحتها .. لو يشوفها حخد من الشباب بيقول طباخنا .. منوه سمح لها أصلا تقص كشتاا ..؟!
شخرت روضة باستهزاء ..
- ليش شاورتنا عسب نسمح لها و الا لا ..؟!
ضيق عينيه بقوة و هو يقول ..
- شوه ..؟!
تداركت أم حامد الأمر و هي تقول بسرعة ..
- البنت شعرها يتساقط و قالتليه تبا تقصه و رخصتاا .. يا غير الصالون ما عرفوا يقصونه و قصرووه ..
التفت لها أحمد بشك ..
- قصروووه ..؟! هااا ..؟ - رفع سبابته في وجهيهن - أقص ذراعيه لو ما كانت هي لي طالبتنه كذيه مسودة الويه .. البنت هاي أنا أشك في جنسها .. ليش ما تتسنع و تغدي شرات روضة .. حرمة .. في لبسها و في رمستاا.. بنتج يبالها كسر راس .. أنا مول هب عايبتنيه .. لكن ما علـ ..
و قاطعه رنين هاتفه ليرد بسرعة و الضيق لا زال يكتنفه ..
- هااا هزاع .. عند الباب ..؟! اقرب يا ريال ،،
و أغلق الهاتف و هو يقول لروضة التي لم تكن تضع شيئا على رأسها ..
- هذا هزاع .. حدري ..
وقفت و توجهت نحو المطبخ بسرعة .. و تقدم أحمد للباب .. فيما انشغلت أمهم بشاشة التلفاز التي راحت تعرض في تلك اللحظة - علوم الدار - ،،
.
.
.
العجيب أن المشكلة عرضت هنا .. و نبشت أبعادها ..
و لم يكترث أحدهم البتة لذلك ..
كان بإمكانهم تدارك الأمر مبكرا ..
و لكنهم التهوا ،، وجدوا أن هناك ما هو أهم منها ..!

* * * * *

صباح لا يزال في بدايته .. ولم تتجرأ لفحات الصيف الحارقة في التمادي بعد ..
السماء بلونها الأزرق الهادئ .. لطختها السحب بالبياض في أطراف متراميه منها ..
يسحب نفسا أخيرا من سيجارته و جسده المديد يستند على مقدمة سيارته التي توقفت داخل أسوار ذاك البيت ..وأمام بابه مباشرة ،، وعينيه الحادتين تتأملانه بهدوء .. قبل أن يرمي عقب السيجارة الأخير أرضا ويدهسه بحذائه الثمين ..
أ يخيل إليه ..؟! أم أنه أصبح يدخن بكثرة هذه الأيام ..؟!
لا شك في ذلك ،، يشعر بأن وقته إزدحم بالمزيد من المسؤوليات ،،
هناك الكثير لينجزه في يومه ،، يوزع وقته بين الشركة و جدّه و جدته ،، و بيت عمّه ..
وزوجة تتطلب منه وقتا ثمينا سيكون أكثر فائدة إذا صرفه في غير تملقها ..
لا بأس .. يشعر بأنه قطع شوطا لا بأس به في علاقته بها ..
ارتفعت شفته بابتسامة ساخرة مفكرا .. أصبحت تتصرف كزوجة ..!!
خجلها و تجاوبها معه .. هه .. لم يصعب عليه التغرير بها..!
جميل جدا .. هذا عبء وانقضى ..
رغم ذلك لا زال يشعر بضغط هائل.. لا يجد الوقت للراحة حتى ..
أصبح يهمل واجبات مهمة للغاية ..! نظر للباب الموصد ..
أولها هذه..!
اعتدل واقفا يبتعد عن سيارته وهو يصلح من وضع – الغترة – يقطع الطريق الداخلية من حديقة المنزل الداخلية إلى الباب ..
ألقى نظرة عجلى على ساعته الثمينة ..كانت عقاربها تستريح على السابعة إلا ربعا صباحا .. متأكد بأن أصحاب هذا البيت مستيقظين الآن ..
قرع الباب بهدوء عدّة مرات .. ثم انتظر قليلا .. صوت خطوات تأتيه من الممر الداخلي قبل أن تهمد للحظات عند عتبته .. عرف وقتها أنهم يتأكدون من هوية الطارق .. تراجع خطوة واحدة عن الباب الذي فتح على اتساعه.. لتظهر من خلفه إمرأة في أوائل الثلاثينات .. طويلة القامة وحادة الملامح .. بعينيها الواسعتين ذات لونٍ بني فاتح وبشرة حنطيه صافية .. غطاء شعرها الذي تدلت من مقدمته غرّة ناعمة بلون القهوة .. ابتسامتها الجميلة كشفت صفا من الأسنان المصفوفة وصاحبتها تقول بصوت ناعم ..
- مرحبــــا الســــــاع .. حيا الله بو سيف ..
وجهه الأسمر الصلب لم يتأثر برؤية هذا الجمال و هو يرد بهدوء ..
- لمرحب باقي ،، الله يحييج .. شحالج خولة ..
أخفضت أهدابها أمام رجولته الطاغية .. تخنق خفقاتها التي شعرت بأنها ستصل لمسامعه ..
- بخير ربي يسلمك.. شحالك انته ..
لم يكن ينظر اليها .. كانت عيناه تتجاوزانها بلهفة إلى ما ورائها .. إشتاق لتلك القابعة هناك ..!
- الحمد الله ..
تنحت جانبا عن الباب وهي تشير له بالدخول..
- اقرب ..
تقدم للداخل يتجاوزها ..
- قريب .. نهيان هنيه ..؟
صوتها يأتيه من الخلف و هو يتقدم بخطوات واثقة نحو الغرفة التي يعرفها جيدا ..
- لا يطولي بعمرك.. ظاهر من غبشة يقول عنده أشغال في بوظبي بيقظيها ..
توقف أمام الباب الموارب ينظر إليه قبل أن يلتفت إليها ..
- ميعاد ..؟!
دنت منه و هي تقول بنبرة حب لم تستطع كبحها ..
- واعية .. تونيه كنت أريقها ..

أخفض بصره و هو يومئ لها بهدوء .. قبل أن يطرق الباب بخفة .. ويدفعه .. كشفت الفرجة عن غرفة فسيحة نوافذها الثلاث فتحت على اتساعها ونور الشمس ينعكس على سجّاد الغرفة الوردي ،،
رقت نظرته و اعتلت شفتيه ابتسامة حنون وعينه تقع على تلك الشابة التي استرخت في كرسي خشبي قرب النافذة .. شعرها البني ربط خلف عنقها في عقدة .. لينسدل برقة على ظهرها .. لم يتحرك من مكانه و هو يتأمل جلستها الصامتة .. و أشعة الشمس التي انعكس على وجهها الحنطي .. عينيها المفتوحتين اللتان كانتا تنظران للأمام مباشرة بلا هدف ..
بدت بملامحها الرائعة أقرب شبها لخولة .. لم يلتقي أمها يوما .. و لكن يعلم أنها لا تشبه أباها باستثناء تلك العينين الدعجاوين ..
وجهها الذي كان مشدوها للأمام تحرك بانتباه .. تحرك قليلا نحوها ببطء ..لتلتفت نحوه ..
حالما رأته ارتسمت على ثغرها بسمه رائعة .. و عينيها تتألقان بفرح ..
- غيث ..!!!!
انحنى يطبع قبلة رقيقة على رأسها و هو يهمس ..
- شحالها الغالية ..
مدت يديها لتمسك بيديه وهو يجلس في الكرسي الذي كانت تحتله خولة قبل قدومه ..
- بخير يوم شفتك .. انته وينك ..؟؟ تولهت عليك ..!
انحنى يقبل كفها بحب ..
- مشغول فديتج ..
و التفت للصينية التي احتوت قطعا من - المحلى - و ابريق الشاي و كوب صغير ..
- شوه ما تبين تتريقين ..؟!
.
.
تستند هي على إطار الباب الخشبي و عيناها الملهوفتين تلتهم ملامحه بشغف ..
كم اشتاقت إليه .. لم يعد يزورهم كما كان يفعل في السابق ..
رغم تلك الحدود الجازمة بينهما .. و تلك القوانين الصارمة ..
إلا أنها كانت ترضى بالفتات الذي يلقيه عليها .. رؤيته هنا .. و إن لم يكن يأتِ من أجلها كانت تغنيها عن كل شيء ..
.
.
خطأ..
تبخل .. وأنا كلي عطا..
خطأ ..
ضاعت على الدرب الخطى ..
خطأ ابتدينا ..
وان نهيناها .. خطا !!
تزرع طريقي .. بالألم..
يا خوفي .. لا توطاه القدم ..
تجرح ظلايل.. فيتك ..
وتدمي ..أماني جيتك ..
لو فرحت.. بجيتك !!
.
.
الآن لم يعد يرتاد بيتهم كما كان قبلا كان يكتفي بذاك .. لا بد أن أمورا أهم انتزعته من روتين زياراته تلك ..!
شعرت بغصة و هي تتذكر ما قد تكون ماهية تلك الأمور .. أيكون شيئا غير بيت عمّه ؟؟
تأملت جسده العريض الذي مال و هو يطعم ميعاد .. تمنت لو أنها هي من تعاني من شلل الأطفال ذاك ..
تمنت لو أنها من تحتل مكانة مميزة في قلبه لترى هذا الحنان موجها لها ..
لترتشف الحب من بين راحتيه .. تمنت لو أنها ترتدي لباسا أفضل من ثوب البيت البسيط هذا ..
تململت في مكانها حين استغرق في حديث باسم مع ميعاد .. لتسأل بهدوء ..
- بو غيث ما بتتريق ..؟!
أتاها الرد باردا لا مباليا ..
- تريقت فبيت عمي ..
انقبضت يداها بوجع .. و شعرت بألم يغزو صدرها ..
لم يلتفت حتى إليها ..!
رأت عيني ميعاد تتعلقان بها في رجاء صامت .. لكنها لم تبالي بها .. و استدارت لتترك المكان ..
.
.
- يعني لازم ترمس عنهم قدامها .. و بهالبرود ..؟!
قالتها ميعاد بضيق حين انسحبت خولة بألم .. التقط غيث قطعة من - المحلى و غمس طرفها في صحن صغير فيه بعض العسل و هو يقول ..
- هي لي سألت ..
- كان قلتلها انك تريقت و بس ..
رفع غيث رأسه بجمود و هو يرفع حاجبا ..
- إن شا الله عمتيه .. غيره ..؟!
نظرت له بصمت لبرهة قبل أن تتنهد بضعف و هي تسأل ..
- حرام عليك غيث .. راعيها شوي .. الكلمة الطيبة صدقة .. و انت امرة هب شالنها من قاع ..!! هذا و هي حرمتك ..!
اشتد فكه بقسوة و صوته البارد يتردد في الحجرة ..
- لا تخبصين العلوم .. انتي تعرفين أنا ليش خذتهاا .. و شوه كانت شروطيه من البداية .. و تعرفين بعد انيه مالك على حور و عقب ما تخلص عدة أمها بعرس .. و عقب ما نرتب نحن أورج بطلقها ..
لمعت عينا ميعاد بشيء من الحزن حين ذكر ذلك .. لكنه تجاهل الأمر ..
- ماريد شي يتعقد عليه .. لا تحاولين انج تلينين راسيه ..
لم تنتبه لما تفوه به و قد توقف تفكيرها عند عبارة و هي تسأله بشيء من الهدوء الحزين ..
- ما قلتليه .. شحالهم ..
تأمل عينيها الجملتين اللتان كستهما غشاوة الألم اللامعة .. كعيني ذاك كانت ..
هذه نفس نظرة الوجع التي تباغته أحيانا ..!!
سحب نفسا عميقا و هو يجيب بصبر ..
- يسرج حالهم ما عليهم شر ..
- اتشوفها ؟؟
- حور ..؟!
- هيه ..
أومأ برأسه و هو يمد يده بقطعة من الخبز ..
- هيه أشوفها ..
كان يدني اللقمة من فمها منتظرا أن تفتح فاهها و لكنها تجاهلت الأمر .. و تسأله بهدوء ..
- متأكد انك تباها ..
ابتسم لها فتجعدت زوايا عيناه و لانت ملامحه و هو يجيبها ..
- عندج شك ..؟
نظرت له بتشكك ..
- قلت يمكن حد ضغط عليك ..!
لم تتزحزح ابتسامته و هو يدرك من تعني بكلامها ..
- ظنتج حد يروم يضغط عليّه ..؟!
نظرت له متمعنة قبل أن تبداله الابتسامة ..
- لا .. و هي ..؟!
- ضغطوا عليها قصدج ..؟!
هزت كتفيها ..
- ليش لا .. غريب و ما قد شافته فحياتها .. أكبر منها بتسع سنين .. و مقاطعينهم .. ليش وافقت ..؟!
لا زال هذا السؤال يحيره أيضا .. رغم هذا يعلم أنها الآن أكثر من راضية ..! لذلك قال بهدوء ..
- يمكن تحبنيه ..؟
بدت ابتسامتها ساخرة ..
- تحبك و هي ما تعرفك ..
- الحين .. فيه احتمال ..
- آممم .. يمكن .. بس ..
ناولها كوب الشاي ..
- بس ..؟؟؟!!
قالت تلك بنبرة ضعيفة ..
- خولة بعد تحبك ..
سحب غيث نفسا عميقا فتداركت هي بسرعة ..
- غيث و الله ما أضغط عليك .. بس شوه .. هاي ختيه و تكسر خاطريه .. كل ما أشوف فرحتاا يوم تيينا .. أحسنيه السبب مادري ليش .. يمكن لنك خذتها عشاني .. و هي تأملت خير ..
أرجع كتفاه العريضين للخلف و هوم يقول بصرامة ..
- هب ذنبيه .. أنا ما قصرت عليها .. و تعرف انه مستعد أطلقها في أي لحظة تبا .. و السالفة سالفة وقت .. و كل واحد يروح فطريقه .. هب من مصلحتاا تعلق عمرها فينيه ..
أسدلت ميعاد أهدابها بحسرة ..
- ما عليه باكر لي يا الوقت بتتحمل .. لكن الحين و هي حرمتك .. لا تكسر بخاطرها ..
و اعتصرت يدها ..
- عشاني غيث .. دخيلك .. و الله يعورنيه فواديه عليها ..
التقط كفها الرقيقة و انحى يقبلها بهدوء .. قبل أن يرفع رأسه و تصطدم عيناه بذاك الكرسي المتحرك الموجود في زاوية الغرفة .. التقت عيناه بعينيها المتوسلتين .. فانفرجت شفتاه عن ابتسامة محبة و هو يقول ..
- عشانج بس .. يا الله حبيبتي .. أنا بسرح الحين ..؟؟
و هب واقفا لترفع هي عينها له بخيبة ..
- رامسين .. ما يلست ..!
- مستعيل فديتج .. الساعة ثمان الحين .. عنديه مناقصة ابا الحق عليها .. شي فخاطرج ..؟!
همست بحب ..
- سلامتك .. بس .. آآآآآ .. سلم ..
رفع حاجبه ..
- على ..؟!
اعتصرت كفاها ذراعي المقعد و هي تسدد النظر لصدره متجنبة عينيه الثاقبتين ..
- عليه ..
أومأ برأسه مودعا ..
- يبلغ .. فادعة الله ..
ضمت أناملها لشفتيها و هي تلوح بيدها الأخرى ..
- الله يحفظك ..
تجاوز الباب للممر الموصل للباب الخارجي .. تقدم خطوات منه فقط قبل أن يستوقفه الصوت القريب الصادر من المطبخ .. صوت احتكاك الأوعية ..
تأكد من انها هناك ..بخطوات صامتة عاد ليدنو من المطبخ الواقع في آخر البيت ..
البيت الذي لم يكن ملائما في نظره كي يسكنوه .. و لكن رفض نهيان كان قاطعا أمام أي مساعدة قد يحاولون تقديمها .. لذلك اكتفى ببيتهم هذا و ارتياح ميعاد فيه .. على الرغم من حجمه المتوسط .. إلا أنه كان أفضل حالا من بيت عمه حمد .. تلك الخرابة التي لا يعلم كيف استطاعوا العيش فيها لسنوات ..!!
كان باب المطبخ مفتوحا .. و هي تقف أمام المغسلة تجلي الأوعية بشيء من العصبية .. أشعة الشمس تندفع من خلال النافذة الكبيرة التي توسطت الجدار أمامها .. لتسقط على شعرها البني الداكن .. ليلمع بلون عسلي دافئ .. عادت لذهنه صورة طفلة خرقاء تسللت للسطح لتفلت زمام شعرها ..
استعاد تلك الصورة الناعمة .. لشعرها الطويل الذي انسدل على طول ظهرها .. و نسائم ليل الصيف الدافئة تتغلغله ..
تذكر رغبة مجنونة اجتاحته تدفعه لدفن وجهه في شعرها .. و استنشاق رائحة الورد تلك ..
نفض تلك الأفكار من رأسه و عينه ترتكز على تلك الواقفة أمامه .. دون أن تشعر بوجوده .. كانت حركاتها رغم عصبيتها ناعمة ..رفع حاجبه حين ألقت أحد الأوعية بقوة في المغسلة .. قبل أن تستند لها بيديها و تخفض رأسها بشيء من الإنكسار ..
يكاد يجزم بما يدور في خلدها ..!
لذلك اقترب منها بخطوات هادئة .. شعرت بأن أحدا ما يقف خلفها .. متأكدة بأن ميعاد لن تستطيع إلقاء هذا الظل عليها ..!
إذا هو ..
و كأنما تريد التيقن من الأمر استدارت نحوه .. وجدت انه لا يبعد عنها سوى .. خطوتين ..
و أنفاس ،،
ارتعش فؤادها و عينيها تتأملان تفاصيل وجهه القوي .. حدود فكيه القاسية .. و النعومة الغامضة التي تضفيها أهدابه الطويلة .. تلك الأهداب التي تختفي حالما يضيق عيناه ..
لا يهمها شكل عينيه حقا .. كل ما ترجو هو شيء من نظرات الحب و الحنان التي يغدقها على غيرها .. تريد كسر الجليد الذي يجمد مشاعره ..
تريد أن تشعله .. أن تستفز إحساسه .. تريد أن تصل لأعماقه ..
أن تزرع وردة في زاوية من تلك الأراضي المجهولة .. لما لا يحبها ..؟!
لما لا يحبنا كل من نحب .. لما علينا أن نتوجع حين لا نجد صدى لتلك الطهارة التي تسكننا ..
حين نجد أن ما نمنح ليس مرغوبا .. ليس سوى مضايقة فظة بالنسبة للآخرين ..!
و على هذه الفكرة .. شعرت بالألم يكتسح روحها مجددا ..
ما لا يعلمه هو انها ستموت بلا شك .. عندما يحين الأوان لهجرها ..!
.
.
بعد الظما.. وبعد الهجير ..
تخفي حنانك .. بالضمير ..
لو ما جنت ..
عينك علي بنظرةٍٍ .. لو ما جنت
ولو ما رضيت .. تحدني ..
روح الشقاوي .. ما عنت ..
واستهونت درب الهوى ..
ولو ما غدى جرحي دوا ..
ليته غدا..
عودتني منك الحنان .. عودتني
وطال النوى وجار الزمان .. صبرتني ..
وإثر الهوى .. مثلك غريب ..
ماله .. على نفسه حبيب .. *
.
.
.
ارتعشت دمعة صافية في مقلتها .. عينه تتأمل وسع عينها المغرقة بالدمع .. أهدابها الجميلة المبتلة ..
و وجهها الدقيق الملامح .. بدا محمرا و كأنها على وشك البكاء ..
كانت هذه إمرأة حقيقية .. أنثى في كل ما فيها .. في حبها .. و في حزنها .. تخلو من الطيش الذي قد يراه في حور .. في كبريائها .. و لهفتها ..
هذه تتمتع بنضج لم تعرفه تلك الأخرى ..
رغم هذا كله لا يملك لها سوى الإعجاب .. و الشفقة ..
ما الذي قد يهديه لإمرأة أغرقت نفسها في حبه حين لم يكن يعنيه حتى وجودها ..؟!
انزلقت دمعتها على خدها فمد يده قبل أن تمسحه ليحتضن جانب وجهها براحته الكبيرة .. و يمسح بابهامه دمعتها و هو يسأل بعمق ..
- ليش تصيحين ..؟!
هزت رأسها بعجز .. عاجزة عن النطق .. و أشاحت بوجهها عنه .. ليس عليه أن يعذبها بقربه في وقت لا ينوي فيه إلا على تركها ..!
لم يكن يريد أن يمنحها أمملا .. أو يقتطع من نفسه شيئا لها .. فقط قال بهدوء ..
- انتي تعرفين حدودج .. و تعرفين طبيعة العلاقة بينا .. لا تتوقعين انه ويا الوقت بيتغير شي ..
عضت شفتيها حين أدارت وجهها بعيدا فلم يعد يرى إلا جانب راسها ..
استدار نحو الباب و توجه للخارج تاركا اياها تكابد أوجاعها ..
.
.
.
سحبت نفسا عميقا تبتلع عبراتها الغبية .. ألم يعد لها من الكرامة شيء ..؟!
ليس عليها أن تبكي كلما وجدت نفسها على أرض الواقع حقا ..
هذا الرجل ليس لها .. و إن لم تعترف قلبها بذلك ..
عليها أن تخفي جرحها .. و تتحلى بشيء الكبرياء ..
و لكن كيف يمكنها أن تفعل ذلك ..؟! كيف لها أن تدفن إحساسها في جوف النسيان ..
لا يمكن .. لا يمكن ..!
و انفلتت عبرة أخرى تبعتها ثانية ،،
.
.
لا عطر .. لا أوراق تناثرت ..
و لا غبار ..
لا ذكرى ستتذوق وجعها الحلو ..
لا صور سوداء // بيضاء ستعيدها لما مضى من الدهر ..
لا ضحكات تتردد في جوفها .. عتيقة ..
لا إحساس منسي يخالجها ..
لا تعرف من هذه الأماكن الملونة شيء ..
لا تعرف ..
غير شعور حتما ذوى ..
في وضح ذاك النهار ..!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.



>>

.: المــاس :.
10-01-2008, 02:55 AM
تتمه



لم تمر دقيقتين على وصوله للشركة حتى تعالت طرقات باب على مكتبه .. ترك القلم الذي بيده و هو يعيد ظهره للوراء في مقعده الكبير ..
- تفضل ..
انفتح باب مكتبه على وسعه و دلف بطي و هو يحمل ملفا بين يديه ..
- السلام عليكم ..
عقد كفيه باسترخاء و هو يرد ..
- و عليكم السلام ..
تقدم بطي من مكتبه .. و استدار حوله و هو يقول بنبرة حذرة ..
- طال عمرك الريال طرش أسماء الشركات لي داخله المناقصة ..
ابتسامة واثقة احتلت شفتيه .. لا يهم ان كانت هناك تجاوزات .. اذا كان الأمر في مصلحته ..
رغم هذا ضيق عينيه على وجه بطي .. و هو يسأل ..
- وينها ..؟!
توترت يدا الرجل على الملف بين يديه ..
هاي .. بس طال عمرك فيه .. آآ
عقد جبينه بسرعة ..
- فيه شوه ..
مد بطي الملف بسرعة لغيث و هو يقول بحذر ..
- لو تشيك ع الاسماء الشركات الداخلة .. أول ..
رفع غيث حاجبه و هو ينتزع الملف من يده .. فردهى على المكتب .. لم يكن يحتوي إلا على صفحتين .. جدول و قائمة أسماء .. راح يتفحص الأسماء واحدا تلو الآخر ..
عيناه الثاقبتين تلتهم القائمة .. أسماء توقعها .. و أسماء تنافسه .. و أسماء أدهشه وجودها ..
ثم توقف ..
تجمدت نظرته على ذاك الاسم ..
انكمشت الورقة البيضاء بين يديه .. و هو يشد عليها ..
غالبت صدمته بركان الغضب الذي راح يتصاعد داخله بجنون ..
كانوا على اتفاق أنه هو من سيدخل المناقصة دونهم ..
لن يستطيع احدا نقض الأمر ..
لن يستطيع ..
سوى .......
اعتصر الورقة بين يديه قبل أن يلقيها أرضا و هو يهب من مكانه واقفا ..
بدا مخيفا للغاية و الحقد يلمع في عينيه ..
سيسحق تلك الحشرة التافهة ..
المغفل .. كيف تجرأ على ارتكاب شيء كهذا ..!
و دون أن ينتظر للحظة واحدة ..
التقط هاتفه المتحرك و هو يتوجه للباب خارجا .. كل ما يفكر فيه حاليا هو قتل ذاك الأحمق الذي سيتسبب في خسارته لهذه الصفقة الثمينة ..!

* * * * *

زفرت بضيق شديد و هي تسند ذقنها لركبتيها اللتان الضمتهما لصدرها و تقول ببؤس ..
- يعني أكيد .. أكيد بتظهر نشب الثانوية العامة هالاسبوع .. و شهايدنا بيسلمونهن .. و أسبوع و بتقول عفاري تبا تسوي فحوصات الجامعة .. و بتنشغل بالامتحانات .. يااااااااااااااا اللــــــــــــــــه .. حرام .. و الله حرام ..!!!
كن يجلسن تحت أشعة شمس الضحى الدافئة متوازيات .. السبع جميعهن و قد أسندن ظهورهن للجدار .. تلتفت لها حور و تنحني للأمام لتتجاوز رأس عفرا و تقول بحزم ..
- نوري .. حمدي ربج .. و الله اننا في نعمة غيرج هب لاقي البيت لي ييلس فيه ..
أيدت دانة نورة باحباط ..
- ما نبا البيت نحن بنعطيهم .. يختي نبا نظهر .. نبا نغير جو .. من سنة تقريبا ما ظهرنا الا شايرين قدا قوم خالوه .. الحين بيخطفن فوق الست شهور ما سرنا حتى بيتهم .. اففففف .. و الله أحسنيه مخنوقة .. الحين بتخطف الاجازة و بتبدا المدارس .. بتتعذرون بنورة و الثنوية و مادري شوه ..
نظرت حور لقدميها الممدودتين بشرود .. لا يعلمن حقا أن هناك مفاجأة قريبة قادمة في الطريق .. ماذا سيقلن اذا تركن البيت ..؟!
- انزين شوه أسويبكن ..؟ في ايديه شي و قلت لا ..؟!بعدين لا تنسن ان أمايا في العدة وين نسير ..؟!
اقترحت هند بهدوء ..
- رمسي غيث خليه يظهرنا ..
اتسعت عينا حور ..
- حلفي والله .. خلاص فالكن طيب ..- ثم أردفت بسخرية - تبن تسيرن القرية العالمية .. و الا وايلد وادي ..
ضحكت نورة ..
- أووه تطورت العزبة .. تعرفين وايلد وادي حور ..؟ لا .. فيج أمل ..
- أعرفها قبل لا تييبج أمج .. بعدين لو صدق طفرانات و ما عندكن شغلة زهبن عماركن باكر بنغسل زولية حجرة أمايا و زولية الصالة ..
صاحن جميعهن معا ..
- لاااااااااااااااااااااااااااااااا
عقدت حور جبينها ..
- الله يغربلكن طريت أذنيه .. هب ع كيفكن ..عنبوه قدهن مغبرات يبالهن غسيل ..
قالت عفرا بخيبة ..
- الحين نقولج طفرانات و تقولين غسلن زولية .. حرام حور .. نبا نستمتع في الاجازة ..
ردت حور بصرامة ..
- و عقب الاجازة مدارس و امايا بتربي و انتن مداومات نبا ننظف قبل لا تربي .. باكر يعني باكر ..
ساد صمت محبط عليهن قبل أن تتذمر مزنة بصوت عالي ..
- حوووووور .. متى بينشف ......؟؟؟؟
و أشارت لشعرها الذي وضع عليه طبقة كثيفة من الحناء .. قالت حور بهدوء ..
- اصبري شوي .. بينشف الحين ..
التفتت نورة لمزنة تغيظها ..
- لا ما بينشف إلا باكر .. نحن كلنا حطيناه قبلج انتي آخر وحدة يعني ما بينشف إلا بعدييييييين .. يوم يسيح على ويهج .. و يغدي لونج أحمر من الحنا .. و تظهرين عند عنوده و حنون و شيفتج مرقعة .. و تبين تلعبين وياهن و هن يقولن وععع .. هاي ويها أحمر .. هاي هب بشرية .. مزنة كائن فضائي متحول ..
بدا الذعر على وجه مزنة و نظرت لحور الشاردة باستنجاد و لكن تلك لم تنتبه للأمر و دانة تتابع بخبث ..
- هيه .. و انتي تصيحين .. و تبين تلعبين وياهن و تربعين وراهن و هن يشردن منج .. يصارخن .. - و راحت تصرخ بتمثيل - واااااااااااااااا .. ساااااااعدوووونييييييييه .. مزنووووووووه المريخية ..
هزت نورة رأسها بعدم رضى ..
- شوه مزنوه المريخية ..؟! هب حلوو .. بيقولن .. - و راحت تصرخ بتمثيل هي الأخرى - واااااااااااااااااااااااا .. إي تي .. إييي تييي .. يلحق بنا .. النجدة .. النجدة ..
ضحكت دانة و هي تتخيل الأمر ..
- ماظنتيه عنودة المقلوعه تقول النجدة .. هاي ما تعرف الالف من الياء تبينها ترمس بالفصحى ..
مزنة تهز حور و هي تكاد تبكي ..
- حووووووور أباااا أغسل شعريي ..
التفتت لها حور ..
- ليش
مدت شفتاها للأمام بتذمر..
- بسرعة بيسيح على ويهي و بيقولون مزنة تاريخية ..
ضحكت نورة و دانة ..
- مريخية يا غبية ..
نظرت لها مزنة بضيق ..
- انتي غبية ..
رفعت نورة حاجبها ..
- بنش و بفعصج الحين يا الفص ..
- انتي فص ..
مدت نورة يدها بنية قرصها فاختبئت مزنة فورا خلف هند التي نبهت حور ..
- حووووووور ..
حور تضرب يد نورة الممدودة ..
- حوووووه .. رب ما شر ..؟ تخبلتي تظربين البنية .. ؟؟
مسحت نورة على ذراعها بضيق ..
- تستاهل الملسونة .. تعلمت ترادنا الحين .. و انتي تدافعين ..
- لا و الله تسبينها و تروعينها و تبينها تحبج ع راسـ .....
بترت عبارتها حين ارتفع رنين هاتفها عاليا ..قالت بحزم و هي تخرج هاتفها من جيبها ..
- لي تظرب مزوون يا وليها منيه .. - ثم نظرت لشاشة الهاتف - هاي روضة ..
اجتمعن كلهن حول حور التي حولت المكالمة للسماعة الخارجية حتى المها التي كانت تكفيها اشارات مختصرة من الحديث ..
- مرحبــــــــا مليـــــــــار ،،
تدفق صوت روضة الناعم بحبور .. و ارتسمت الابتسامات المتفرقة على الأوجه ..
- لمرحب بااقي ،، شحالها بنت حمد ..
- بخير يعلج الخير .. ترانيه حاطيتنج سبيكر ..
- منوه عندج ..؟!
ابتسمت حور ..
- المخبل كلهن لو اتشوفينهن كيف ملتمات ع التيلفون بياكلنه ..
ضحكت روضة بخفّة ..
- بنات شحالكن ..
ردن معا ..
- بخير شحالج رويض ..
- ترتوب .. شوه تسون ..؟؟؟
ردت دانة بصوتٍ عالٍ ..
- محنيات كشيشنا و يالسات في الحوش نتشرق ..
صاحت روضة بحماس ..
- لاااااا .. ليتنيه عندكن ..
صاحت عفرا ..
- تعالي انزين ..
تساءلت روضة .
- منوه عفرا ..؟
- هيه ..
ضحكت روضة مرة أخرى ..
- أنا متصلة عشانج ..
- الله يرفع شانج .. ليش ..؟
- آمممم .. حارب ظهر النتايج ..
شهقن جميعا معا .. و اتسعت عينا عفرا ..
- ظهرهاااااااااا ..!!!!! كيف ...؟!؟!؟!
- واسطة .. المهم نسبتج عنديه الحين .. تبين تعرفينها و الا لا ..؟!
قالت حور بلهفة ..
- هيه هيه .. نبا نعرفها ..
شرحت روضة بهدوء ..
- أنا بغيت أأجل السالفة الين ما أييكم باكر .. لكن حارب لين باكر بينشر السالفة .. و قلت يمكن حد من الشباب و الا الشياب يتصل يبارك و انتن ما تدرن شوه السالفة ..
عقدت حور جبينها ..
- أي شباب و أي شياب ..؟!
- أبوية و عمامي .. و عيالهم ..
جف حلق حور و أطرافها تتشنج ..
- لااااااا .. بيتصلوووون ؟؟؟؟!!!
بدت الدهشة في صوت روضة جليّة .. و تعبير من الحماس على وجوه أخواتها ..
- هيه أكيد .. شوه ما تبينهم يتصلون .. عادي ما بعطيهم رقمج ..
رفعت عينها لعفرا .. و شعرت بشيء من الخجل .. أنانية ..؟! ربما ..!
- لا رويض .. آآآ .. عادي .. عـ .. عطـيهم ..
صفقت روضة و هي تصيح بحماس ..
- انزين كم تتوقعون عفرا يابت ..؟؟!!
قالت نورة ضاحكة ..
- هاي ناقة من بنات ظبيان .. كان ماخذت المركز لول على الهين .. ما كون بنت أبوي ..
قالت دانة بسرعة ..
- روضة .. دخيل أمج لو ما كانت يايبة المركز لول اكذبي و قولي انها يابته .. قدها مسألة شرف و انكار نسب ..
ضحكت روضة بدلال و هي تجيب ..
- فاضيات و الله .. المهم .. تعرفن كم يابت ..
صاحت عفرا بخوف ..
- روووووضوووووه .. ياااااا الله عاااااااااااد ..
- ههههههههه .. انزين .. كم .. كم .. كم .. أقول و الا ما اقول ..
صاحت عفرا باحباط ..
- رووضاااااااااه ..
ضحكت دانة ..
- تعيبينيه بنت عميه .. شوي و تنجلط .. سوي خير و خبريها يقولون فصيلتها في طريقها للانقراض ..
ضحكت روضة و عفرا تتميز غيضا .. قبل أن تقول بمرح ..
- لااا .. كله و لا تنقرض .. نسبتج يختيه .. 98.6% ..
صرخن جميعا بصوت واحد .. تفجرت الفرحة بينهن حتى المها التي لم تسمع بالأمر .. راحت تهز حور بلهفة و حور تحاول وسط فرحتها شرح الأمر ..
انتزعت عفرا الهاتف من يد حور ..
- حلفييييييييي .. قوووووووولي و الله ..
ضحكت حور و ضجيجهن و الصراخ يصلها بقوة ..
- و الله .. لا اتروعين ماشي غلط .. حارب توه اليوم امظهرنها واحد من رباعته مرمس خوه في الوزارة و عاطنه النتايج ..
صاحت عفرا ليصل صوتها لروضة وسط التعليقات و الضحكات المبتهجة ..
- هووو كم ياب ..؟!
- حارب ..؟! ياب 86.3% .. طريتييييه ...
ضحكت عفرا بسعادة حقيقة ..
- أعيبج أنا ..
تساءلت روضة ضاحكة ..
- خيييييبة شعندهن ..
ضحكت عفرا مجددا و هي ترى حور و المها و هند و مزنة انشغلن بالتصفيق و نورة و دانة وقفن يرقصن بفرح .. و هن يترنمن بصوت واحد تشاركهن حور ..
- يحتفلن ما تسمعين التغريد .. ههههه
- هههههههه .. يا الله عفاري .. ألف .. ألف مبروك ان شا الله عقبال ما تتخرجين من الجامعة ..
صمتت عفرا للحظات قبل أن تهمس بصدق..
- الله يبارك فيج .. و يوفقج في امتحاناتج و تتخرجين و نفرح بج .. مشكورة رواضي ..
- العفو حبيبتي ما سوينا شي ..
قبلأن تتفوه بشيء .. تألقت الشاشة مرة أخرى .. لتعقد عفرا جبينها ..
- أوكيه روضة غناتيه عدنا خط ..
ضحكت روضة و هي تقول ..
- هذا حارب .. تونيه مطرشتله الرقم مسج .. ما عنده وقت الريال شكله مقهور .. يا الله أخليج الحين .. سلمي ع البنات و باكر بييكم ان شا الله ..
- يبلغ .. حياج الله الغالية .. و ثانكس أقين ..
- يو ويلكم .. فداعة الله ..
- الله يحفظج .. مرحب ..
ارتفع رنين الهاتف فور انهاء عفرا للمكالمة .. و علمت أنه على وشك قطع الخط .. لذلك صاحت بصوتٍ عالٍ ..
- بنااااااااااااات بااااااااس برد ع الريال ..
قفزت حور نحوها ..
- أي ريال .. غيث ..؟!
تحلقن جميعهن حول عفرا التي قالت باختصار قبل أن ترد ..
- لا حارب ولد عمنا .. ألوووه ..
أشارت لها دانة بحماس و هي تهمس ..
- سبيكر .. سبيكر ..
حولت عفرا المكالمة على السماعة الخارجية و صوت رجولي يتدفق ..
- ألوو السلام عليكم و الرحمه ،،
- و عليكم السلام و رحمة الله ..
- جيف الحال ..
- بخير الله يسلمك .. وشحالك شوه صحتك .. ربك بخير ..
- بخير يعلج الخير .. عفرا ..؟!
- هيه .. حارب ..؟!
ضحك الرجل بخفة قبل أن يقول ..
- لا هزاع أخوه .. علومج يا بنت العم ..
صرت عفرا على أسنانها باحراج ..
- علوم الخير .. و من صوبك ..
- طيبة و الله .. مبروك .. يا بنت حمد .. رفعتي الراس و الله ..
رفعت حور حاجبها و هي تلوي شفتها مستهزئة .. و عفرا ترد بهدوء ..
- الله يبارك فيك ..
- هذا أحمد بن علي بيباركلج ..
عقدت عفرا جبينها و نورة و دانة يصفقن بحماس .. صوت مختلف هذه المرة .. غلظة لا تفارق آدم تسللت عبر خطوط الهاتف و الرجل يقول بسرعة ..
- مرحبا ..
- السلام عليكم ..
- و عليكم السلام و رحمة الله .. شحالج يا بنت العم ..
- بخير الله يسلمك .. شحالك ..
- يسرج الحال .. مبروك .. مبروك .. هاي النسب و بس .. و الا حارب مسود الويه فشلنا .. آآآآآه .. ههههههههه .. هذا حارب بيبارك لج ..
صوت اكثر رصانة قال فجأة ..
- السلام عليكم ..
رفعت عفرا عينيها للسماء .. و ضحكت نورة بخفة ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
- مبروك يا بنت العم .. غلبيتينا ما شا الله ..!
.
.
.
كانت الفرحة تنبثق من مآقيهن المشعة .. صافية ،، صادقة ..
مختلفة للغاية .. ضحكات حرّة .. و سعادة مريحة ..
و خفقات قلوبهن الدافئة .. الحيّة .. المفعمة بالحب .. تخالط صفقات أيديهن ..
بهجتهن الكبيرة بهذه النتيجة ..
لها مذاق خاص بين هذه الجدران الحبيبة .. يصفقن معا .. و نورة و دانة يعدن للرقص ..
و الجدران ..
تترنم بتلك الأغنية معهن .. فرحة ..
رغم طلائها الحائل ..
- نجحنا و الله وفقنا .. و آخر صبرنا نلنا .. فرحنا من قبل لكن أكيد الفرحة هذي غير .. زرعنا خير و بالآخر حصدنا خير ..
كانت نورة تتمايل بسعادة و كأنما هي من تلقت النتيجة هذه .. و حور تصفق بحماس مع اقتراب نورة منها بحركات مضحكة .. أضحكت مزنة التي نهضت هي الأخرى تشاركها نفس الحركات ..
- تواعدنا مع الأحلام .. نسابق لجلها الأيام و عاندنا التعب فينا .. و نلنا الحب و التقدير .. زرعنا خير و بالآخر .. حصدنا خير ..
.
.
حقــا
حصدنا خير ،،

* * * * *

صوت توقف الإطارات المجنون أمام الدرج العملاق النصف دائري المؤدي إلى المدخل الزجاجي الضخم لمقر الشركة الرئيسي .. لم يتفوه رجلي الأمن بكلمة واحدة و هو يترك سيارته في منتصف الشارع .. مكان غير قانوني و لا مصرح به البتة .. فتح بابه و خرج بهامته الطويلة ليصفق الباب بقوة ..
التفت من هم قريبون منه بعض العاملين المنشرين عند واجهة المبنى ..
خطواته الواسعة تقطع المسافة بقوة .. ينفث أنفاسه غضبا .. يشعر بالغيظ الشديد يضطرم بصدره .. حالما اقتحم المبنى المألوف التفتت له الرؤوس في الردهة الواسعة تجاهل عبارات الترحيب و نظرات التوجس من ذاك الجنون الذي راح يلوح في عينيه و هو يتجاوز الكثيرين متجها نحو السلم و متجاهلا مجموعة المصاعد الكهربائية ..
راح يرقى السلم درجات .. درجات .. دفعة واحدة .. حتى وصل إلى الطابق الرابع .. ليدفع باب السلم و يتوجه نحو المكان الذي يعرفه جيدا .. ألم يقضي سنوات من عمره يدير هذا القسم ..؟!
سار في الممر الطويل لا يرى أمامه سوى المنحنى الذي في نهايته ..
لا يشعر بتلك الرؤوس التي استدارت له .. و لا أولئك الذين وقفوا له احتراما .. و لا الموظفين الذي وقفوا في أماكنهم و دنوا يلقون عليه التحية فلم يرد عليهم ،،
بمجرد أن بلغ نهاية الممر .. و عبر المنحنى وقف السكرتير الخاص بمكتب ذاك المغفل تجاهله و هو يندفع نحو الباب للمكتب الرئيسي و يقتحمه بقوة .. بمجرد أن فتح الباب على اتساعه وقعت عيناه عليه و هو يسترخي في مقعده ممسكة بسماعة الهاتف .. التفت له .. قبل أن تتسع عيناه بنظرة صدمة ..
- غيـــث ..!!!
لم يتفوه بكلمة بعد هذه .. في لحظة كان غيث أمامه مباشرة يمسك به من تلابيبه .. و يفعه بقسوة عن الكرسي .. و قد سقطت - الغترة و العقال - من قوة جذب غيث له .. قبل أن يدفعه بقوة نحو الجدار .. ألصقه بقوة و هو يكاد يرفعه عن الأرض و يصر بأسنانه و يهمس بحقد ..
- شووووه سويت يا حيووواااان ،،
علم فهد أنه لا سبيل للإنكار.. بدا غيث ثائرا .. مجنونا و على وشك أن يرتكب جريمة .. أصاب في اختيار هذا الهدف .. فغيث كان ينتظر مطولا كي يثبت نفسه بقوة .. و لم يكن أمامه أفضل من هذه الفرصة .. يعلم كيف عمل جاهدا كي يصل للشروط التي طرحها في المناقصة .. كل ما في الأمر أنه لم يتوقع أن يكتشف غيث الأمر قبل أن تفوز المجموعة بالمناقصة .. لكن يبدو أن خبث غيث يصل لأماكن عدة ..
حاول دفعه صدره الصلب الذي لم يتزحزح .. و غيث يضغط بيده الممسكة بثوبه عند رقبته حتى كاد يحنقه .. همس باحتقان..
- شوه سويت .. دخلت الشركة في المناقصة لو خسرت نحن ناخذها ..
جذبه غيث بقوة قبل أن يعود فيدفعه نحو الجدار بجنون .. تأوه فهد متألما .. و هو يشعر بأن عموده الفقري قد تحطم .. و صاح غيث و عبناه المحمرتين غضبا تكادان تخرجان من محجريه ..
- يا كلب تدخل شركتين من مجموعة وحدة في منافسة .. تبا تطيح اسمنا في السوق ..
كان فهد يحاول مستميتا أن يبعده .. و لكن غيث لم يبالي به و هو يهمس بحقد ..
- و الله لربيك يا النذل .. بعلمك كيف ما تتدخل في شغليه مرة ثانية ..
و مع نهاية كلماته كور قبضته الضخمة و وجه لوجهه لكمة كادت تطيح به لو لم يزل يمسك بتلاليبه .. ارتد جسد فهد و هو يصرخ بألم .. و دلف المكتب ثلاثة أو أربع موظفين وقفوا يتفرجون عاجزين عن التدخل و قد بدا لهم غيث كالوحش الكاسر في ثورة غضبه ،،
كان يرى الدم يتفجر من فم فهد و أنفه .. و لكن هذا لم يشفِ غليله .. لا زال البركان في داخله يلتهب .. و هو يرى هذا المغفل يفسد فرصة عليه كهذه ،، شيء بذل لأجله الكثير ..
كيف تجرأ ..؟! كيف استطاع التخيل أن بإمكانه أن يتحداه .. سيسعى لسحقه .. سينفيه من منصبه هذا ..
لكمة أخرى على وجهه و هو يفلت لتطرحه صريعا تحت قدميه عند المكتب ..
مع بعض الشهقات المتعجبة .. قبل أن يعدل من وضع - غترته - ثم ينحني و هو يقول بهمس حقود ..
- هاي بس عسب تعرف مرة ثانية تلعب على قدك .. الشركة بتسحب أوراقها من المناقصة .. و السمعة بتتعوض ..لكن انت يا الحثالة بترد العلاقات و الا المخازن ..
ثم وجّه ركله أخيرة لخاصرة فهد الذي صاح متألما قبل أن يتوجه نحو الباب .. و الموظفين يتنحون جانبا بذعر .. سامحين له بالخروج ..
كان يلهث من فرط الضيق الذي يشعر به .. و هو يتوجه للطابق الأعلى حيث تقع مكاتب والده و أعمامه الثلاثة .. من هناك يمكنهم إدارة المجموعة بشكل تام ..
كيف وقعوا في خطأ مثل هذا و سلّموا منصبه القديم لهذا الطفل ..؟!
لقد ارتكب خطأ لا يغتفر .. ليس في صالحهم أن تدخهل شركتين من شركاتهم في منافسة على مناقصة واحدة .. حتما سيشك أن هناك تلاعب ما و سيتم استبعادهم ..
عليه تدارك الأمر بسرعة ..
.
.
.
.
كان وجهه ملتصقا بالأرض و هو يشعر بالدوار .. تلك اللزوجة الدافئة التي ملأت فمه و وجهه و ذاك الألم في جانبه ..
عينه تفتح ببطء على اللون الأحمر الذي صبغ الأرض تحت أنفه .. و سكرتيره يسارع لرفعه قبل أن يصرخ به بصوت مكتوم ..
- لا تلمسنييييييييييييييييه .. اظهروووووووووووو يا الحيواااااااااااناااااااااااااااات .. براااااااااااااااااااااا ..
انتفض السكرتير و من معه قبل أن يتركوه على حاله ملقيا .. و هو يتساند براحتيه ليرفع نفسه عن الأرض ..
قام بضربه .. و أمام موظفيه .. أطاح به أرضا و مسح بأنفه الأرض ..
كان يرى الدنيا أمامه في تلك اللحظة بلون الدم الذي راح يتأمله و غطى صدره .. مسح بظاهر كفّه أنفه محاولا ايقاف النزيف الذي تدفق بقوة .. بلا فائدة ..
شعر بأنه على وشك ارتكاب جريمة .. أراد أن يمزق ذاك السافل إلى قطع ،،
شعر بطعم الدموع في حلقه .. رجل .. هو رجل .. و يبكي قهرا ..
خيط رفيع من الرحمة انقطع في داخله .. و هو يتوعد غيث بقوة ..
سيعرف كيف يسقيه هذه الدموع ..
كيف يجبره على تجرع الإهانة .. كيف يريه حجمه ..
و أنه لا يزيد عن البشرية شيئا لمجرد أن جده يفضله على الجميع ..
.
.
.
هناك بذرة أحقاد دفنت في طيات روحه لوقت طويل ،،
نجح غيث في سقيها بالدم .. و الكره ..
سيمعن في تمزيق روحه .. سيقتلع قلبه بقوة ..
سيرى كيف بإمكانه أن يقتله حيا دون أن يموت ..

* * * * *

في اليوم التالي ،،
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
التقطت حبة حمراء من طبق الكرز الطازج الذي كان أمامها و هدى تلف شوكتها بالمعكرونة في تلذذ واضح و تقول ..
- آآه .. أقولج .. عذاااااااااب من الخاطر .. عيونها تقولين فنيال .. هالكبر .. و عدها متكحلة .. قططططعة يا شويخ .. جسم .. و صوت .. شوه تقولين .. عيبتنيه و الله بخاويها ..
مضغت شيخة الكرزة بهدوء و هي تقول ..
- سيري خاويها حد قابضنج ..؟!
نظرت لها هدى بعتب ..
- ما بغيت أنشغل عنج ..
تجاهلت شيخة عبارتها حين ارتفع صوت الهاتف معلنا وصول رسالة ،، فتحتها بهدوء ،، متأكدة من المرسل .. هي ،، أو بالأحرى هو دون شك ..
فتحتها و هدى تواصل ثرثرتها دون توقف ،،
( و الله انا اعشقك ياشيخه الزين
....................................ومهما ابكتب فيك ادري شويه
دنياي لاشفتك تزهـــر بساتين
.................................وان غاب طيفك ذقت طعم المنيه
اذوب انا يابنت من نظره العين
...................................وتذبح قليبي شفاهك النرجسيه
و الله انا وافــــــي وابيك توفين
.................................ابيك انا ويــــــــاي صبح ومسيه )
ارتفعت شفتها العليا بسخرية .. دون أن تجيب .. الكثير من هذه الرسائل تصلها في اليومين الفائتين و تتجاهل الرد عليها .. مثلما تتجاهل المكالمات المتكرر .. وضعت هاتفها جانبا و هي تسأل هدى التي كانت تتحدث في شيء لم تتبين كنهه ..
- انزين ما قلتيليه .. شسمها ..
قالت هدى بحالمية ..
- العنود .. آآآآآآآه .. أنا أشهد من سماها ما خاب .. اسم على مسمى .. لو شفتي الصدر و الا الخصر .. باربي هب بنية .. فديت الوردي عليها .. شيخاني أباج تضبطين لي اياها ..
تراجعت شيخة في مقعدها ..
- أخاف تحبنيه و تودرج .. و الا يمكن هب راعية بنات ..
ضحكت هدى بفم ممتلئ ..
- لا .. لا تخافين .. هاي أم الحركات و خبرة بعد .. كانت خوية حمدان من قبل ..
اتسعت عينا شيخة باهتمام ..
- ليدي ..؟!!
هزت هدى رأسها بسرعة ..
- هيه و الين الحين يقولون تبا حمدان بس حمدان هب معبرنها ..
ضحكت شيخة بسخرية .. و هناك من لا - يعبر - حمدة .. أو حمدان ..!
- و ليش أضبط لج اياها .. ما شا الله شغلتج هاي ..
رفعت هدى حاجبها ..
- أفاا نسيتي راية .. و أنا لي مضبطنج وياها .. منوه ياب راسها لج غيري ..
لوحت شيخة بيدها كارهه .. و هي تلتقط حبة كرز أخرى ..
- الله يلعنج و يلعنها .. أنا شوه خلانيه أطيح على هالخايسة الخاينة ..
صفقت هدى بيدها ..
- عيّدي حبيبتي .. مادريتي شوه استوا بها ..؟!
عقدت شيفة جبينها في تساؤل و هي تمضغ حبة الكرز و تلتقط كوب الماء لترتشف منه و هدى تتابع ..
- انضربت في الحمامات لي قدا المسرح ضرب الكلاب .. و وسموها بحديد حامي في ريلها اليمين ..! لو تشوفين شيفتاا كيف مرقعة و وارمة .. يقولون انها ما شافت لي ضربنها .. و لا عرفوهن ..!
غصت شيخة بجرعة الماء .. و كتمت كحتها بعينين محمرتين ..
.
.
اللعنة ..
فعلتها تلك المجنونة ..!

* * * * *

ركضت نورة تلتقط خرطوم المياه بحماس شديد و وجهها المحمر يلمع و هي تقول بصوتٍ عالٍ ..
- أنا برش الماي ..
وضعت حور يديها على خاصرتها و هي تتأمل المنظر أمامها .. السجادة القديمة فرشت في الحوش بنية غسلها .. أخواتها الست حتى مزنة وقفن حولها متفرقات و لم يبدو النشاط على أحد سوى المها و نورة .. كن قد رفعن ثيابهن للأعلى و ربطنها عن الخصر بأغطية الشعر ..و قد تبينت سراويلهن و التنانير الحريرية الداخلية ..
قال دانة بضيق و هي تهف على وجهها من الحر ..
- أففففففف.. انزين كان وعيتينا الصبح و غسلناها .. الحين في القايلة بنتفحم عدنا ما خلصنا ..
لكن حور أصرت بعناد ..
- لا نبا نخلص قبل العصر .. و الحر ما عليج منه الماي بيرطب الجو .. نايف وين ..؟!
أجابتها مزنة بحماس ..
- عند حمود أنا شفته يوم راح .. حتى قلتله غيث قال ما يظهر من البيت الا العصر .. بس ما طاع ..
تذكرت حور وجه نايف الباكي حين دخل مساء الأمس لغرفته دون أن يعيرهم اهتماما .. و حين استدرجته في الحديث .. عرفت أنه قد ذهب لغيث كعادته للمجلس ليجده هناك ينقب في أوراقه .. و زجره حين أراد أن يخبره بنتيجة عفرا ،،
ما جعلها تشعر بالإشمئزاز من نفسها هو تفكيرها بما قد ضايقه ليحتد على نايف بدلا من أن تشعر بالانزعاج لتوبيخه لأخيها دون سبب ..
تنهدت و هي تبعد هذه الأفكار المتخبطة عن ذهنها .. لن تزيدها إلا تشتتا و حيرة ..!
أشارت لنورة تقول ..
- نورة عطي هند ترش الماي ع الزولية و انتي شلي المخمة البرش .. ما بتروم هنوده عليها ..
اعترضت نورة ..
- لاااااا حور .. أبا أرش ،،
- عطيها يختي و خلصينا .. سلختنا الشمس .. يا الله .. الهمة يا بنات ..
راحت هند ترش السجادة بالماء جيدا .. حتى ابتلت كلها .. أمرت حور عفرا ..
- عفاري رشي الصابون ..
تذمرت عفرا بسخرية ..
- و الله ما عندكن سالفة .. أنا علمي .. 98 .. أرش الصابون .. ما قول الا الحاية بنت حرام ..
قالت دانة ساخرة ..
- شوه تتحرينا بنخليج شيخة في البيت و نحن نخدمج .. تحركي يا الله شوفي شغلج ..
نظرت لها عفرا بحقد ..
- دانووه صخي عنيه .. ترانيه ما نسيت سالفة عميه علي ..
ضحكت دانة و نورة من قلبيهما و دانة تقول ..
- انتي حمدي ربج يوم انيه رديت عليه و قلتله أنا عفرا .. ع الاقل بيقول صوتاا غاوي .. بيوزها واحد من عياليه .. لو سامع صوتج شوه بيقول .. بنت و الا خشبة اييرونها في الشارع .. وااااااككك .. وااااااااككك .. حلوة نورة صح .. ؟! أعيدها .. بنت و الا خشبـ ...
صاحت حور ..
- داانوووه بس انتي و هالضحكة .. شوه بطة واك واك .. حركي الصابون بالمخمة بسرعة ..
تسندت دانة على عصا المكنسة الطويلة ذات الشعر البلاستيكي القاسي ..
- ماروم أنا عنديه ديسك ..
قالت نورة بسرعة ..
- ديسك و الا فلوبي .. بوووووووووه ..
أغمضت حور عينها بغيض .. تعرف هذه الحالة التي تصيبهن جيدا .. و هذه الصيحة الغريبة .. لا تريد حقا أن يبدأن ..
- و الله لو ما تصطلبين انتي وياها و تغسلن بضمير .. انيه أسنعكن ..
قالت دانة و هي تضك ..
- أسنعكن و الا أعفسكن .. بووووووووه ..
- دااااااااااااااااااانة ..
ردت نورة تضحك ..
- دانة و الا نورة .. بووووووووووووه ..
- تبينيه أييج انتي وياها ..
- تيين و الا تروحين بوووووووووووه ..
صرت حور أسنانها بغيظ ..
- سخيفات ..
- سخيفات و الا عسولات .. بووووووووه ..
- عفاري يوديها هالحمارة ..
قالت نورة ..
- حمارة و الا بقرة بوووووووووه ..
حور تصيح لعفرا التي انطلقت لتمسك دانة ..
- يوديها يوديها ..
و راحت تركض خلف نورة لتمسكها .. و المها و مزنة و هند يقفن متفرجات .. قبل أن تنطلق نورة نحو هند و تنتزع منها خرطوم المياه الذي كان يضخ الماء بقوة .. لتوجهه نحو حور .. فيبللها و هي ترفع يدها لحماية وجهها و عينيها ..
- نووووووورووووووووووووووه .. و الله لذبحج اليوووووووم .. يااااااااااا السبااااااااااااااااااالة .. هند يوديهاااااااااااااااا ..
لكن هند ما ان اقتربت حتى حولت نورة الماء عليها .. لتبللها هي الأخرى .. ثم وجهته مرة أخرى نحو حور التي تراجعت خطوة للخلف قبل أن تعدو نحوها بقوة رغم المياه التي راحت تنهال عليها لتغرقها .. و نورة تضحك بهستيرية .. قبل أن تقبض حور على ذراعها لتصارعن على انتزاع الخرطوم .. الذي راحت مياهه تتطاير في كل صوب و الفتيات الأخريات يهربن من البلل قدر الإمكان قبل أن تنتزعه حور بقوة و توجهه نحو نورة بجنون .. تلك التي راحت تولول هاربة من سطوة الماء الساخن بفعل حرارة الشمس ..
سمعن صوت انغلاق باب بقوة فهمدت الأصوات .. لتركض دانة و تنظر من شق الباب للممر المؤدي للمجلس ،، و هي تهمس ..
- حووووووور غيث .. غيث .. يالس عند باب الميلس ..
ضكت حور الخرطوم لصدرها دون وعي و لم تشعر الا بالمياه التي تدفقت رأسا لأنفها فراحت تسعل بقوة .. قبل أن تقول بعينين حمراوين ..
- الله يغربلج ..
ضحكت دانة و هي تقول بشر ..
- حوووووور رشيه بالماي .. النذل أمس مزعل نايف .. يا الله ..
اتسعت عينا حور بجنون ..
- صاحية انتي .. و الله ما سويها .. تخيلي بس .. بيدفنيه عند الباب ..
هزت نورة رأسها بأسى ..
- خلاص دندن .. انسيها هاي هب اختنا .. سوالها غسيل مخ ولد علي .. البارحة هزب نايف الين بكّاه لو غير غيث كان لعنتي خيره .. انتي ما تعرفين ان الهزبات لي تيي المراهقين تأثر على شخصياتهم و يطلعون منحرفين يوم يكبرون .. مسكين نايف ..!!
نظرت لها حور شزرا ..
- حلفي و الله .. انتي بالذات لا ترمسين ..
تساءلت مزنة بجبين معقود ..
- حور بترشين غيث ..؟!
أجابت عنها دانة بسرعة ..
- لا حور تحبه ما بترشه ..
وجه حور الماء نحو دانة بقوة و كأنما تريد اعادة هذه الكلمة ..قبل أن تتجنب دانة الماء بسرعة ..
- أونج ما تحبينه .. ليش ما ترشينه عيل .. رشيه .. سب نايف و انتي ساكته .. أفاا ضعفت شخصيتج قدام ريلج يا بنت حمد ..
تنهدت حور و هي ترى هذا الاستفزاز .. تعلم أنهن لا يعنين ما يقلن فقط يردن بعض المتعة برشه بالماء ..
لما لا تفعلها حقا ..؟!
قالت بتفكير ..
- من وين برشه دون ما يشوفنيه ..؟
صفقت دانة و نورة باهتمام و عفرا تهز رأسها ترفض التدخل أو حتى منعها ..
- حور اندسي ورا الباب .. ما بيشوفج .. تعالي ..
اقتربت حور من الباب بشيء من الخوف .. كان الماء لا زال ينطلق بقوة من الخرطوم و يزيدها بللا ..
نظرت عبر شق الباب و هي تبعد الخرطوم قليلا ..
كان يجلس على عتبات مدخل المجلس و قد وضع سماعة الهاتف في أذنه و بدا مستغرقا في الحديث مع أحد ما .. كان يرتدي إزارا أبيض و فانلة قطنية بيضاء اللون .. عادت تنظر لوجه نورة و دانة المشجعين ..
نظرت له مرة أخيرة قبل أن تغمض عينيها بخوف و توجه فوهة الخرطوم القوية نحو مكان جلوسه القريب .. لم تره حين ابتل .. أو سقط الماء و لكن صرخة رجولي مزلزلة انطلقت في المكان .. في تلك اللحظة دفعتها لترك الخرطوم بذعر ..
- ايييييييييييييييييييييه ..
وضعت نورة كفيها على فمها و هربت دانة بسرعة ..
- يميييييه ..
رحن يجرين كلهن للداخل و أولهن حور .. ما ان دخلن و هن يلهثن .. قالت دانة بابتسامة ..
- خسارة ما شفنا شكله يوم انمزر ماي .. ههههههههههههههههه .. ههههههههههههههههه .. خطيرة حور .. أنا أشهد انج ختيه ..
انتفضت حور و قفزت من مكانها برعب حين بدت صرخة قريبة من باب الصالة لنفس الصوت الغليظ يصيح في غضب ..
- حووووووووووووووووووووور ،،
راحت حور تلطم خديها برعب شديد ..
- يا ويليه .. يا ويليه .. شوه أسوي ..
اجتمعن كلهن عند النافذة ينظرن لظل غيث الذي كان يقف عند باب الحوش مباشرة .. و عفرا تقول ..
- محد قال لج تسمعين شويرات شنقل و منقل .. يا الله اظهري قبل لا يحدر الريال و يسحبج من كشتج ..
عاد يصيح مجددا و هي ترتعش باسمها .. قالت نورة بشفق و الاحساس بالذنب يعلو وجهها ..
- اظهري حور و قوليله بالغلط .. لا اتخلينه يعصب ..
نظرت لهن حور مستنجدة .. قبل أن تتجاوز الباب بخطى مرتجفة .. ما إن خرجت من الصالة حتى وقع ناظرها عليه و هو يكتف ذراعيه على صدره و يسند كتفه على حفاة الباب الموصل لممر المجلس ..
كانت ترى حاجبيه المعقودين و شعره الثائر المبتل .. و نظرة الغيظ المرسومة على وجهه ..
.
.
رباه ..!
يبدو غاضبا ..
ابتلعت ريقها و هي تخفض رأسها حين دنت منه .. انتظرت أن يقول شيئا و لكنه لم يفعل .. لم ترد أن ترفع عينها فتواجه غضبه مجددا لذلك قالت بسرعة رهيبة دون أن تتوقف ..
- السلام عليكم .. آآ شحالك .. نحن آسفين .. بالغلط .. بس .. يعني .. نحن يبنا الزولية و فرشناها هنيه نبا نغسلها .. لن .. تعرف الحين عفاري طلعت نتيجتهاا .. و يتنشغل بخرابيط الجامعة .. المدارس قريب ما بقى شي .. و بغينا نغسل قبل .. لاااا ... أمايا يمكن تربي في المدارس .. و قلنا بنغسلها رباعة .. هذا .. شسمه .. أنا عادي كنت بغسلها اروحيه .. بس أميه و المها ما بيطيعن .. أميه دوم ترحمنيه ما تحبنيه أضك على عمريه .. بس .. يعني .. مادري .. لو .. تدري الواحد يوم يروم يدبر أموره ما يحب العرب يراعونه .. أما الين الحين تتحراان يهال .. ما تحب تعبل علينا .. هاي نورة .. كنا نتظارب على فوز الماي و رشيناك بالغلط .. يعني لو ما ياك الماي .. ما ..
.
.
فضفضت لي عن سواليف امها اللي كدرتها ..
والحزن مثل الحسن لا مر لازم ينوقف له ..
جت تفلسف طفله مكياجها من فلسفتها ..
كملت عشرين عام ولا تزال اليوم طفله ..
.
.
توقفت عن الكلام فجأة ..
يا للهول .. ما هذا الغباء .. ما كل هذه الثرثرة ..!!!!!!!
ما هذه الحماقات التي راحت تتفوه بها لمجرد خوفها منه ..
أين حور .. العاقلة .. المتزنة .. المسيطرة .. ملا تجد نفسها طفلة بلا عقل أمامه ..؟!
ما هذه النسخة المزعزعة .. المتوترة .. العصبية منها ..!!!
أرادت أن تغطي وجهها بيدها في إحراج و هي تشعر بأنه لم يفهم كلمه واحدة مما قالت للتو .. لم تجرؤ حتى على رفع بصرها إليه ما الذي يضنها الآن ..
خرقاء ..!!
همست بضعف ..
- آسفــــــــــة ..
.
.
.
.
ذاك الخافق المجنون الذي راح يضرب بعنف و هو يتأملها من قمة رأسها لأخمص القدمين ،،
ثوبها الذي ربطته عند الخصر بغطاء رأسها .. و تنورتها الداخلية الحريرية ،، كانا يقطران ماءا ..
وجهها الصافي تورد من الحر .. من الخجل .. لا يعلم ..
و شعرها الطويل تشعث أو خمد بسكون تحت سطوة الماء ..
كانت مبتلة حتى العظم .. رقبتها العارية تلمع تحت أشعة الشمس ..
و هي تتفوه بسيل الكلمات الذي لم يفهم منه شيئا .. شعور غريب بالمتعة و هو يراها رسم على شفته ايتسامه كافح جاهدا ليخنقها على حدود الشفاه ..
أراد أن يمد راحته الكبيرة ليحتضن وجهها العذب ..
و رغبة مجنونة تدفعه لاستنشاق رائحة البلل فيها .. بدت مرعوبة بشكل ما .. و هي ترتجف أمامه ..
لماذا كان على القدر أن يرمي بهذه الفتاة في طريقه ..!
لا زال خافقه يتراقص لمرآها بعجب .. شعور مجهول يكتسحه .. و هو يتمنى لو أنها استمرت بتلك الثرثرة اللذيذة للأبد ..مد يده ليجتذبها من ذراعها فتتجاوز الباب لداخل الممر .. أدناها منيه فراحت ترتعش بقوة .. بدت مضطربة للغاية .. و لم يفلح هذه المرة في منع بسمته الحنون و هو يمد أصابعه الطويلة لذقنها و يرفع رأسها ..
أجبر عيناها اللامعتين على النظر إليه .. بدت نظرتها خجلة ..و هي تكسرها للأرض .. يده الأخرى تفلت ذراعها و هو يلتقط خصلة سوداء إلتصقت بوجهها .. و يسألها بعمق ..
- ليش خايفة ..
صوتها المرتجف أثر فيه و هي تنكر بعناد و توجاه نظرته المتحدية ..
- أنا هب خايفة .. ما كنت متعمدة ..
رفع حاجبه و هو ينظر لها ..
- يعني انتي لي رشيتينيه ..؟!
أخفضت بصرها مجددا بخجل و هي تقول ..
- هيه ..
.
.
ضمنتها الغاليه دمعه وداع وعطر حفله
قل اراضيها وجيت وجات والدنيا ملتها
والغزل دار ولقا المشتاق مشتاق يعزفله
كل ما زودت وردي السواليف خجلتها
وكل ما زاد الحيا قلت الحلو وش ينكسفله
.
.
قرص خدها المتورد برضا و هو يقول مفكرا ..
- أهاا .. و بشوه أعاقبج .. ؟!
عقدت جبينها ..
- و ليش تعاقبنيه .. أنا ما كنت متعمدة ..
نظر لها بشك ..
- متأكدة ..؟!
أشاحت ببصرها و هي تكذب ..
- هيه ..
و سحبت نفسها ببساطة .. و هي تتجه للباب بسرعة ..
- آسفة ..
و اختفت خلفه فورا ..!!
لم يأذن لها بالذهاب بعد .. لما كان عليها أن تترك المكان .. كان ليجد شيئا من المتعة بعد ..
نظر ليده التي كانت تلامس خصلتها منذ برهة ..
الكاذبة .. يعلم أنها فعلت ذلك عمدا ..
و ابتسم بسخرية من نشوة سكنت جوفه في قربها ..
تضرب و تهرب .. تجيد الانفلات ..
.
.

قالت امي تفتكرني طفله وتظلم بختها
صح ماني بطفله صح ماني بطفله ؟! **

* * * * *

* خطــــأ / للبدر ،،

** صح ماني بطفلة / للشاعر ناصر القحطاني ،،

.: المــاس :.
10-01-2008, 03:00 AM
بصراحة استمتعت بقراءة الفصول السابقة

اسلوب مميز للكاتبة يدل على مكانتها الادبية

واسلوبها الراقي في التعامل مع الاحداث

بإنتظار الاجزاء الباقية

حي الله الشقردي ..

اسعدني جداً انها اعجبتك ..

منـــور القصه :) ..

.: المــاس :.
10-01-2008, 03:02 AM
القصه رووووعه بكل معنى الكلمه ..

قاعده اقرا فيها من الصبببببببح .. وتوني مخلصتها ..

الاسلوب جدا مرتب وسلس ..

مميز وفيه احساس عميق ..

اختيارج للقصه كان مميز يا الماس ..


انتظر باقي الفصول بكل شووووووووق ..

وسلامي للكاتبه المبدعه ..


افا عليج .. حاظريين لطيبين :all2:

وياهلا فيج يالغلا ..

what ever
10-01-2008, 01:59 PM
رووووعه الجزء ..

ضحكتني حور يووم رشته بالماي ^.^

يستاااااااااااااااهل ^.^

يسلموووو الماس ..


وننتظر الفصول الباقيه على نااااااار ..

الشقردي
10-01-2008, 10:58 PM
مصدوووووووووووووووم من الجزء الاخير ومن غيث

.: المــاس :.
11-01-2008, 03:03 AM
رووووعه الجزء ..

ضحكتني حور يووم رشته بالماي ^.^

يستاااااااااااااااهل ^.^

يسلموووو الماس ..


وننتظر الفصول الباقيه على نااااااار ..

يا قو قلبها .. توقعت بيذبحها ع هالحركه ..

.: المــاس :.
11-01-2008, 03:05 AM
مصدوووووووووووووووم من الجزء الاخير ومن غيث

انا تفاجأة من احداث فهالجزء ..

بس شنو اللي صدمك بالضبط ..

الشقردي
11-01-2008, 03:21 AM
انا تفاجأة من احداث فهالجزء ..

بس شنو اللي صدمك بالضبط ..

سالفة ميعاد

جديدة علي

وتصرفات غيث

ونظرته لحور انها وسيلة لتحقيق طموحاته فقط

وعقبها تروح في حالها


ووووووووووووووووو

.: المــاس :.
12-01-2008, 02:21 PM
سالفة ميعاد

جديدة علي

وتصرفات غيث

ونظرته لحور انها وسيلة لتحقيق طموحاته فقط

وعقبها تروح في حالها


ووووووووووووووووو

بالنسبه لسالفة ميعاد اعتقد الكل انصدم .. وخاطري اعرف شعلاقتها فيه !! .. واللي متزوجها عشان شنو تزوجها ؟! .. و و و ؟!!!

التساؤولات وايد وناطرين الاجابه عليها بفارغ الصبر ..

اما بالنسبه لتصرفات غيث .. من بداية القصه وهو قاهرني :bash:

بس ما اعتقد انه بيخليها تروح في حالها :all2:

الشقردي
12-01-2008, 05:47 PM
بالنسبه لسالفة ميعاد اعتقد الكل انصدم .. وخاطري اعرف شعلاقتها فيه !! .. واللي متزوجها عشان شنو تزوجها ؟! .. و و و ؟!!!

التساؤولات وايد وناطرين الاجابه عليها بفارغ الصبر ..

اما بالنسبه لتصرفات غيث .. من بداية القصه وهو قاهرني :bash:

بس ما اعتقد انه بيخليها تروح في حالها :all2:

واحنه ننتظر معاج

حل هالتساؤلات


ومثل ما قلتي من الصعب انه يترك حور :bash:

.: المــاس :.
18-01-2008, 01:47 AM
الخطـــــــــــــــوة الحاديـــــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }



[ خطوات تختنق ..! ]






بعد مرور أربعة أشهر ،،
.
.
.
.
.
.
.
لم يثر عجبها شيء أكثر من ردة فعل أمها على الأمر ،، بدا و كأنما توقعت هذه الخطوة منذ أمد و تؤيدها أيضا ..!
نظرة متسامحة اعتادتها منها .. و إيماءة رضا مستسلمة .. ولّدت شيئا من قهر اندثر في زاوية من الروح ،،
المها عقدت ذراعيها و نظرة عناد غريبة لاحت في عينيها الواسعتين و هي تزم شفتيها ..
و كأنها تقبل الأمر على مضض ..!
أخواتها و أخوها ..؟! هذا ما يقلقها حقا .. لا تعلم لما ..!
شعور بالتوجس يربكها كلما أوشكت على مصارحتهم بالموضوع .. حتى طال بها الكتمان .. و دنا الوقت الذي سيضطرون فيه للعزم على الرحيل عن هنا ..
لهذا هي تمسك الهاتف الآن .. أصابعها تلامس أزراره الملساء برتابة ..
و تضعه على أذنها منصتة لذاك الصفير المتقطع .. قبل أن يتدفق صوتها الدافئ و هي تقول بعتب ..
- ساعة و أنا أطالع الإسم و هب مصدقة .. معقولة حور تتصل فينيه و تذكرنيه ..؟؟!
سحبت حور نفسا عميقا و حبسته بين أضلعها .. تريد أن تزفره محملا بكل حيرة تسكنها ..
و دون أن تسلّم .. دون أن تتلفظ بتلك المقدمات الطويلة ..
دون كل شيء قد يفسد صرخة تكابد للخروج .. همست و هي تعتصر الهاتف ..
- وديمة .. محتايتنج ..
كان عليها أن تلجأ لعقل حكيم متزن ليفكر عنها ..
تريد أن تسأل أحدا بصراحة ..
ما الذي حقا يجري هنا ..؟!!!

* * * * *


التوسل يسكن ملامح وجهها الجميل بعناية تأكدت من أن نظرة الإنكسار في عينيها ستخضع والدها حتما لرغبتها .. لذلك قالت مجددا بصوتها الناعم الحزين ..
- أبويه فديتك .. و الله ضايق صدريه .. من سنتين تخرجت .. و يالسة في البيت .. لا شغله و لا مشغله .. انته تظهر الشركة من الصبح .. و أنا أيلس بروحيه هنيه ..
كان أباها مشغول بالأوراق التي تناثرت أمامه .. رد بهدوء ..
- ليش تيلسين بروحج .. سيري بيت أمج نورة .. و الا عند بنات علي .. و الا حتى سيّري على خالتج ..
زفرت بضيق شديد ..
- بنات عمي علي يدرسن .. و روضة الحين مشغولة بتزهب لملكتاا .. - ثم أردفت بحقد - ما بقى شي على حرمة عمي حمد .. برتبي و بتظهر من العدة .. و بيسوون الملكة .. انا مادري ليش يدوه حالفة عليهم ما يسوون الملكة الا عقب ما تظهر الحرمة من العدة .. أساسا .. الحزن بالقلب .. و اذا كانت في العدة و الا لا .. ما بيغير من الموضوع ان حضورها و العدم واحد ..
صمتت لبرهة و هي تلمس نبرة القسوة التي رفع والدها حاجبه باستنكار .. قبل أن تقول بوهن مصطنع ..
- باابااتي .. و الله هب قصديه .. بس لا تلومنيه .. شهر على هالحال و بتخبل .. مليت .. من الهياته بين هالبيوت .. ابا أسوي شي مفيد .. أبا أشتغل ..
قال أباها بلا مبالاة ..
- اشتغلي ..
كبحت ابتسامة انتصار و هي ترى أنها تدنو من هدفها ..
- انزين شغلونيه في الشركة عندكم ..
رفع مطر رأسه برفض صارم ..
- الشركة لا .. وين تبينا نشغلج و انتي خريجة اعلام ..؟!
أرخت كتفيها ببؤس كاذب ..
- في العلاقات العامة ..
هز رأسه نفيا و هو يقول بإصرار ..
- لا .. الشركة لا .. هاي هب الا شركة .. مجموعة شركات .. الموظفين فيها مؤهلاتهم عالية و خبراتهم عدنا من سنوات ..
رفعت أنفها بغرور ..
- و أنا مؤهلاتيه بعد توب .. خريجة جامعية .. تخصص إعلام ..
- الشركة لا ..
- لييييييييييييييش ..؟!!!!!!!!!!!
- دون ليش .. لا .. و سدي السالفة ..
تنهدت بيأس كاذب قبل ان تقول بحذر ..
- انزين حطونيه في الشركة اليديدة عند غيث ..
رفع مطر يده عن الأوراق و هو يتنهد ..
- نقول تيس و تقول حلبوه .. نحن ما نبا بناتنا في الشركة ..
بدا الأمر عسيرا ..! لذلك قالت باعتراض ..
- و عادي أشتغل في مكان ثاني ..؟! أهم شي المراجعين و الموظفين ما يشوفونيه ..!!!!
أومأ بهدوء .. لتصيح به يائسة ..
- باااااابي .. و الله مليييييييت من هالعيشة حرام عليكم .. ابا أظهر .. أبا أتحرك شوفلييييييييه حل ..
قال بحزم رقيق ..
- عووووشة ..
أخفضت أهدابها بحرج .. و هي تقول باعتذار ناعم ..
- سوري بابي .. و الله من لي فينيه ..
نظرة الحزم لم تفارقه و هو يقول ..
- حتى و لو صوتج ما ترفعينه ..
مطت شفتيها بدلال و هي تقول ..
- إن شا الله ..
تنهد و هو يعيد بصره للأوراق و يركز فيها قائلا ..
- تبين تتوظفين من باكر بنييب لج وظيفة في أحسن جريدة في البلاد ..؟! هب انتي تخصص إعلام ..؟ خلاص .. بنشوف شي يناسبج ..
استرخت في مقعدها و هي تكتم صرخة قهر .. جل ما كانت تسعى اليه هو أن تكون معه في مكان ما .. تعلم أن والدها سيرفض أن تعمل معهم في الشركة .. و لكن عند غيث ..؟!
أوفف .. لا بأس بالعمل أيا يكن .. و لكن ألم يكن من الأفضل لها أن تكون بقربه ..؟!
.
.
ستجد طريقة أخرى لتراه .. لا يهم ..

* * * * *

يضحك هزّاع بفظاظة و أحمد يتابع بلا مبالاة بنظراتها الحاقدة ..
- و الريّال ينشدنيه .. أخوك لي واقف عند الباب ..؟ الحق عليه طاح من على الدري المتحرك ..
مسح هزّاع وجهه و هو يواصل الضحك المتقطع و عينه على شيخة التي راحت تطالعهما بكراهيه ..
- هههههههههههههه .. عنبوه ما شاف أذنيها مخرمة ..؟
رفع أحمد حاجبيه مفكرا ..
- أي مخرمة .. ما ظنتيه تصدق !.. أقول شيخووه ظهري أذنج نشوف لو مخرمة و إلا لا ..
ضحك هزاع و شيخة تقول بقسوة ..
- تافه ..
واصل هزّاع الضحك .. و أحمد يقول بصوت أنثوي مصطنع و يتمايل ..
- و الله .. لا تخبرين حد .. - ثم قال بصوته الآمر - يا الله نشي شوفي القهوة .. و حطي الفوالة .. بدال اليلسة هنيه ..
أشاحت بوجهها متجاهلة ..
- هب بشكارة أبوك .. صالتنا و أنا حرة ..
- كأنها قالت صالتنا .. ؟ و أنا من ..؟ راعي دكانكم .. شيخووووووه .. ذلفي شوفي البشكارة ..
هبت واقفة لتتوجه نحو المطبخ .. مديرة ظهرها له .. و لضحكات هزّاع .. لم تقف خوفا منه ..
و لا طاعة لأوامره ..
للحظة شعرت بأنها متوجعة من تلك الحكاية السخيفة التي راح يلقيها نكتة ليضحك بها هزّاع .. و ضيق غريب يكتنف صدرها .. شعرت بأنها تريد الانزواء بعيدا كي لا تسمع تلك الضحكات ..
أسندت ظهرها على جدار الممر المؤدي إلى مطبخ البيت و غرف الخادمات .. و أسدلت جفنيها الثقيلين بألم .. و هي تطرد صورة أعادتها لتلك الحقبة الكريهة ..
تلك الفترة المقرفة .. لطالما أثارت اشمئزازها كلما عادت إليها .. ضغطت بيدها الثقيلة على صدرها توقف شعورا بالغثيان و هي تنفض الصور القبيحة من ذهنها ..
ابتعدت عن الجدار و هي تفتح عينيها على وسعها و تقطع الممر لنهايته بخطواتٍ سريعة ..
دلفت المطبخ و هي تبتلع كل إحساس غبي .. و غصة حمقاء لا تعرف لها سببا ..
كانت الخادمة تقف قرب المغسلة .. توقفت لبرهة هي عند الباب و عينها تقع على جسدها الذي راح يهتز مع كل حركة تقوم بها و هي تفرك الأوعية لتنظفها ..
تتأمل خطوط جسدها الناحل .. و حركاتها المرنة .. فبل ان تدلف الخادمة الأخرى من الباب خلفها لتقول بشرود دون أن تنتزع عينيها عن الأولى ..
- سميحه .. شلّي فوالة و قهوة و ودي الصالة .. هناك أحمد يا الله ..
التفتت الخادمة الاولى نحو شيخة لترى نظرتها تتركز عليها بغرابة .. غسلت يدها بسرعة و تحركت لتساعد سميحة في ترتيب القهوة و توابعها .. و هي تتجاهل نظرة شيخة المتمعنة ..!
.
.
.
.
.
دفعت باب الصالة بتعب و هي تدلف الردهة .. ليستدير رأسيهما نحوها .. محملة بأكياس كبيرة .. و تقطع الصالة دون أن تنتبه لهما .. لتنادي بصوتها الرفيع ..
- كااااامي .. كااااامي ..
- شوي شوي على أحبالج الصوتيه يا العروس ..!
التفتت بذهول لهما .. لتواجه هزّاع مباشرة و هو يسترخي أمامها بابتسامة عريضة فيحمر وجهها فورا و هي تعتذر ..
- هزّاع ..! سمحليه و الله ما انتبهت لك ..
وقف هزاع احتراما حين اقتربت .. و هو يقول مازحا ..
- منوه كامي ..؟! هاتوها بناكلها ..
ابتسمت روضة و هي ترى الخادمة القصيرة و قد أقبلت مهرولة ..
- هاي كامي .. تبا تاكلها ..؟!
عقد هزاع جبينه قبل ان يهز رأسه بسرعة ..
- غيرت رايي ..!!
ضحكت روضة و هي تناول الخادمة جميع الأكياس الثقيلة لتتقدم و تجلس بجانب أحمد و تقول ..
- حيا الله هزاع .. من زمان عنك .. وينك يا القاطع ..
حك هزاع لحيته الحليقة و هو يقول ..
- مشاغل يا أم سعيد .. و الا نحن ما نستغني .. يا غير قلت أخطف على عربيه كلهم يوم رمضان عقب اسبوع..
احمر وجه روضة حين ناداها بإسم أبيه .. و قالت تلهيه عن الموضوع ...
- ما شا الله تتفقد أحوال الرعية يعني ..؟!
- شيء من هذا القبيل .. الا شوه الاستعدادات للملكة ..
أخفضت وجهها و أحمد لا زال مشغولا بهاتفه ..
- آحم .. ما شي و الله .. يعني تو .. الناس .. شوي نرتب ..
رفع هزّاع حاجبه بمكر ..
- خيييييبه .. كل هالاكياس .. و شوي ..!! عنبوووه يا روضة أنا قلت ما خلت شي في السوق ..!! انتي و ريلج عليكم حركات .. هذاك يرتب القسم في البيت .. يتحرا السالفة عرس هب الا ملكة .. لو تدري حرمة عميه حمد مسكينة ان مصيركم بايدها كان ربت من زمان .. تخيّلوا ما اتربي الا عقب شهرين ..؟!
رفع أحمد رأسه عن الهاتف و هو يقول باستنكار ..
- شوه ناقة ..؟! الحرمة قدها موصل .. و غيث يقول انها فشهرها .. يعني أكيد .. أكيد ملكة روضة و سيف عقب العيد ..
هزت روضة رأسها توافق أخيها بشيء من الخجل ..
- هيه حتى البنات يقولن يمكن تربي فرمضان ..
التفت احمد لها ..
- من البنات ..؟ بناتاا ..؟
- هيه ..
تبادل هو و هزاع نظر اهتمام قبل أن يقول الأخير بابتسامة ..
- كم عددهن ..؟
- آممم .. سبع ..
اتسعت عينا الاثنان معا و أحمد يقول مذهولا ..
- أووووففف .. سبع ...!!!!! كم عمارهن ..
- قول ما شا الله أول ..
- ما شا الله ..
- حور هاي حرمة غيث .. عمرها 23 أو 24 .. تقريبا .. مادري بالضبط ..!
عقد هزاع جبينه معترضا ..
- صغيرة و الله .. أخوج شيبه ..!!
نظرت له روضة ..
- ما عليك عايبنها ..
ضحك أحمد يرد عنه ..
- و أنا أقول مسنتر هناك عشان منوه .. المهم غيرها ..
- آممم .. غيرها المها .. عشرين سنة يمكن .. عفرا كبر حارب .. و نورة أصغر منها بسنة .. و أصغر من نورة بسنة دانة .. خلاف هند 14 سنة يمكن .. و آآآ .. نايف طبعا .. و بعدين مزنوووه .. هاي 11 الحين .. بس ...
ابتسم أحمد بفضول ..
- حلوات ..؟!
رفعت روضة حاجبها باستنكار ..
- أحمد ..!!!!
نظر لهزاع و هو يهز كتفيه ..
- أعوذ بالله شعندج .. أتخبر بس ..
رد عنها هزّاع بحنق ..
- بنات عمّك يا الهرم هب من الشارع ..
لوح أحمد بسخط لهما ..
- الله و الجمال لي بتوصفونه .. آخرتاا بيّن هنيه و بنشوفهن .. صعبة يعني ..
ابتسمت روضة بثقة ..
- لا استريح حتى لو ين ما بتشوفهن ..
- شوه شفّافات ..؟؟
- هه هه هه .. بايخة .. لا يتغشن ..
فتح هزاع عينيه بقوة ..
- يتغشن من منوه ..؟!
استرخت روضة في مقعدها تجيبه ..
- من العرب كلهم .. من عيال خالتهن لي أقرب منكم و رابين وياهم .. من غيث لي هو ريل ختهن و يالس وياهن في البيت .. حتى من الدريول ..!!
صمتا لبرهة قبل أن يقول أحمد بشيء من الضيق ...
- و انتن ليش ما تتغشن مسودات الويوه .. مشرعات الشيفة للياي و الغادي .. امفف عليكن .. ما تعرفن الغشوة الا في السوق .. يا حيّهن كانهن بيّن بنات حمد و بيغيرنكن ..
أقبلت الخادمتين يحملن القهوة و توابعها و يصفنها على الطاولة العريضة في منتصف الجلسة و هبت روضة نحوها تصب القهوة و تناول كل منهما فنجانا و هي ترد ..
- و ليش نتغيّر .. ليش هن لي ما بيتغيّرن ..؟؟ و بعدين نحن نتحجب عندكم .. و الشعر ما يظهر ..
ارتشف هزّاع القهوة قبل أن يقول بسخرية غاضبة ..
- و كشّة عوشة ..؟
نظرت له بعتب ..
- عوشة ما تظهر شعرها الا عندكم .. لنكم أصغر منها .. و بعدين تعد كل عيال عمومتاا خوانها ..
فتح أحمد أحد أوعية الطعام و هو يجيب ببساطة ..
- بس نحن هب خوانها .. و ما ايوز تظهر كشتاا ..- و التقط قطعة من الكروسان ليقضمها و يقول - نتروع نحن من هالمناظر .. ماااامييي ..!
نهرته روضة بضيق ..
- أحمد .. بس خلاص .. ما يخصك في البنية .. ابوها و راضي ..
دحرج هزاع فنجانه الفارغ على الطاولة أمامه و عينه تتأمل دورانه بإمعان قبل أن يقول بنبرة غريبة ..
- ما بيضيعها إلا دلع أبوها ..

* * * * *

تلك الطفلة بملابسها الثقيلة ومعطفها ذو ياقة من الفرو احتضنت رقبتها .. تخطو بصعوبة خلف الكرة التي تدحرجت على الأرض و أعينهن تتبعها .. و كأنما يجدن في مراقبتها نوع من الهرب .. هرب مما ..؟!
لا يعلمن .. لكلٍّ منهن سبب تؤجل فيه السرد أو الاستماع .. قبل أن تدير أكبرهن عينيها لملامح الثانية الجميلة و تبتسم لوجهها الشارد بحب ..
- و المها ليش يايبتنها ..؟ تبينها تسمع لي عندج ..؟
التفتت الأخرى للمها .. قبل أن تقول بهدوء ..
- المها الحين أحسن عن قبل .. تعرفين انها من زمان تحاول تقرا الشفايف .. الحين ترد زين عليها .. وتطلع صوت ..
لم تختف ابتسامتها و هي تقول ..
- و الله ..
هزت حور رأسها و هي تعاود النظر للطفلة ..
- جربي ..
مدت وديمة أناملها تلامس كتف المها برقة التي التفتت لها بسرعة .. قبل أن تتحدث وديمة و هي تقابلها بلا صوت ..
لتمد المها يدها بسرعة لعنقها و عيناها تتركزان على شفتي وديمة باهتمام .. ثم تتحسس رقبتها بعناية و هي تقول بلكنتها المتقطعه ..
- أخباا .. طيبااه .. اهمد .. لله ..
ضحكت حور من نظرة وديمة المستحسنة و هي تقول ..
- انزين ليش رمستي بدون صوت ..؟ هي كذيه و الا كذيه ما بتسمع .. أهم شي حركة الشفايف ..
وضعت وديمة يدها على خدها و هي تجيبها ..
- المها ذكيّة .. و مثقفة .. أحسها نابغة و أحسن عنّا لو غيرها خذ الاعاقة عذر و ما تحرك خطوة .. بس هاي هي .. تتعلم اروحها و تقرا .. ما شا الله عليها .. لازم تدخل مدرسة ..دخليها مدرسة العين لتأهيل ذوي الاحتياجات .. أحسهم بيطورون قدراتاا في الفهم ..و الله ليتخبلون لو يدرون انها تقرا الشفايف ..
نظرت حور للمها بابتسامة و هي تقول ..
- تعرفين أصلا قراءة الشفايف بلا كلمات منتشرة عند بعض الصم .. بس هالحالة تكون نادرة باللي ولدو بهالاعاقة .. لي صابهم الصمم بعد سنوات من حياتهم يساعدهم تذكر الكلمات على هالشي ..هي قرت الفكرة في كتاب و كانت معتمدة على الحركات و الصريخ .. و من يومها و أنا أحاول و دانة و نورة بعد ما قصرن ..عفاري ما طاعت تقول أونه أحس انيه ألعب عليها ..
ضحكت وديمة بخفة ..
- حليلها عفاري ..
- المشكلة هالثتنين المخبل لعوزنا بهالحركة .. ما اتشوفينهن يوم يتعلمن أونه عسب انشفر امبيناا ..! مرات و اللـ .....
قطعت عبارتها حين أمسكت وديمة بيدها .. التفتت لها بتساؤل .. لتصطدم عيناها بتلك النظر الغريبة و أختها بالرضاعة تسألها بهدوء زعزعها ..
- حور بلاج ..؟! شوه السالفة .. هب معقولة نيلس الصبح كله نرمس عن هالخرابيط ..؟ أنا من ييت قلت بخليها اروحها ترمس .. بس الظاهر انج تبين لي ينشدج ..!
عادت حور تنظر لمريم و هي تركض مجددا بتعثر خلف الكرة .. بدا صوتها ضائعا .. وفراغ تضخم في رئتها و هي تقول بضعف ..
- مادري يا وديمة .. أحسنيه ضايعة .. أبا أرمس حد .. ابا حد يفهمنيه .. و يعلمنيه .. أبا مشورة شخص أكبر منيه ..
تنهدت ببؤس ..
- و الله انيه معاد أعرف عمريه .. كيف أشرح لج ..؟ أستنكر حركاتيه و تصرفاتيه .., حتى احساسيه .. أخالف عمريه و لي أحس به .. و الحين أنا مضغوطة .. ورايه لي أهم منيه عسب أفكر فيه .. خوانيه .. أنا مسؤولة عنهم .. لازم أفكر فيهم ..
لم تفهم وديمة شيئا مما قالت حور .. رغم ذلك أنصتت لتلك الكلمات الحائرة التي تتفوه بها بشيء من الاستسلام .. نظرة لوجهها الصافي و عينيها الضائعتين أعلمتها بأن تلك الشابة اتّبعت خطواتٍ ليست لها .. لتجد نفسها فجأة في منأى عن ذاتها .. لا تعرف للعودة سبيلا ..!
- مادري لو أميه عذيجة خبرتج ..؟ عميه سلطان و مايد و عبيد كلهم يدرون .. عقب ما تربي أمايا نحن بننتقل للبيت العود .. بنسير لبيت – صمتت لحظة قبل أن تقول بثقل – لبيت يدي ..
هزت وديمة رأسها بتفهم ..
- هيه قالت ليه أمي ..
ابتسمت حور بشيء من السخرية و هي تقول ..
- شفتي كيف ..؟ كلهم يدرون الا خوانيه ..! ما حد منهم يدري غير المها .. ما يدرون انه عقب أقل من شهر بنودر هالبيت .. و الفريق .. و ييرانا و بنسير لهذاك البيت .. بنيلس ويا عرب ما نعرفهم ..! مادري كيف بنعيش وياهم ..بيتحكمون فينا و الا كيف ..ما أعرف طبع هاليد .. ما قد شفته فحياتي كلها ..
استنكرت وديمة الأمر و هي تقول ..
- ليش ما خبرتيهم ..؟
نظرت لها حور بضعف ..
- مادري ..؟! أبا أأجل الموضوع قدر الامكان .. أحسهم بيتحمسون للروحة .. مابا آخر أيامنا هنيه نقظيها في الحشرة شوه بنسوي ومنوه بنشوف .. و كيف بتكون حياتنا .. المشكلة ان الوقت ضاق .. و لازم يعرفون ..
نظرت وديمة لحور للحظات صامتة .. قبل أنتقول بشك ..
- بس هالشي لي تبين ترمسين عنه ..؟
نظرت لها حور .. قبل أن تخفض رأسها .. تشعر بعيني المها و وديمة معلقة بها .. و هي تقول بخفوت ..
- لا ..
سحبت نفسا عميقا ترتب أفكارها للحظة قبل أن تزفر بقوة ..
- غيث ..
- ريلج ..؟!
- هيه ..هالشي لي مقعد عليه الأمور .. تعرفين انيه ما وافقت عليه الا غصب .. و انيه ما كنت أباه .. كنت أكرهه و أكره طاريه .. ما أرمس عنه مول .. ما أبا أفكر فيه .. أتخيل انيه حره و باكر بيي نصيبي و بوافق .. و أتزوج .. و أعيش شرا بنات هالعالم.. بعدين ..
أمسكت جبينها بعدم فهم ..
- بعدين توفى أبوية .. وعرفته و عرفت شينه .. و كرهته أكثر وكرهت أهله .. بغيت أنفصل عنه .. بس عقب ما خوانه ظربوا سلوم .. و يا هو ييلس ويالنا في البيت .. شوه أقولج .. ما أعرف شوه يانيه .. حسيت انيه أباه ييلس .. مع انيه أكرهه .. أباه يتم ويانا .. أبا عدنا ريال في البيت .. بس يا وديمة هالريال كان غير .. يعني .. مادري ..
- بعدج تكرهينه ..؟
- مادري ..! يعني .. شوفي .. هي مشاعري تغيرت .. بس لي يضايقنيه .. يوم أشوفه و الا ارمسه .. يوم يتصل بي و الا يلمسنيه .. وديمة ..انتي عودة .. و تزوجتي .. مادري اذا تحسين باللي أقوله .. أحس انيه أرد ياهل قدّامه .. أستخف .. و أضعف .. غصبن عنيه .. قوتيه .. و شخصيتيه كلها تروح .. بس ايينيه احساس انيه لازم أكون خايفة و ضعيفة .. محتايه أحس انه هو هنيه عسب يحمينيه .. و يكون موجود عشانيه .. تدرين حتى حركاتيه .. مادري كيف تظهر ..؟!!!!
شعرت وديمة بكلمات حور مفككة .. و أنها تتكلم بلا ترتيب .. و هي تتابع ..
- يربكنيه .. ماعرف أرمس عداله و لا أتحرك .. أحس بعمريه غبية .. مادري وديمة ..
نظرت لها باستغاثة و هي تقول أخيرا ..
- أحس انيه حبيته ..!
حالما تفوهت حور بتلك الكلمة .. ابتسمت وديمة بتسامح و هي تعتصر يدها .. و تقول بهدوء ..
- و ليش خايفة ..؟! ما تبين تحبينه ..
احمر وجه حور فورا .. و هي تبرر ..
- لا هو ريلي .. يعني .. بس قولي ليه وديمة .. أنا حبيته ..؟!
نظرت لها وديمة بامعان مطولا قبل أن تقول ..
- انتي أدرى ..!
أراحت حور رأسها بضياع و هي تقول بنبرة كسيرة ..
- أنا ما أدري .. ابا حد يفهم الموضوع و يشرح ليه ..
- انزين بتسمعينيه..؟
استنجدت حور بها ..
- هيه ..
كانت كرة مريم قد تدحرجت حتى قدم أمها التي قذفت الكرة نحو ابنتها بابتسامة و هي تقول بنبرة عميقة ..
- كم عمرج ..؟ 23 .. 24 .. ؟؟ من عرفتي من الرياييل غير أبوج و خوانيه لي هم خوانج .. و أبوية و نايف ..؟ و لا حد .. طول عمرج المسؤولة ..على خوانج و أمج .. تتحملينهم .. حتى لو المها موجودة .. احيانا الأعباء النفسية تغدي أخس عن الجسدية .. فجأة السند لي وياج و لي كان يساعدج في معابلتهم .. يغيب .. تفقدين أبوج .. أهم ركيزة فحياتج .. و الريال الوحيد لي يعني لج مفهوم الأمان .. حور .. أبوج يوم توفى كبر الفراغ لي انتي تحسين به .. انحرمتي حتى من انج تحلمين بشريك حياتج .. لنج غصبن عنج انحطيتي في قالب أبوج لي صنعه .. أبوج كان يباج تتزوجينه .. و انتي انقدتي ببساطة .. عندج فراغ كان موجود في حياتج .. يالسة في البيت .. لا شغله و لامشغله .. غير انج تعابلين خوانج كل يوم .. نفس الروتين .. نفس الحركة الرتيبة.. أكيد حسيتي بالملل ..
أنكرت حور بصدق ..
- لا و الله ..
ابتسمت وديمة وهي تومئ برأسها ..
- حتى لو ما حسيتي .. عقلج الباطن يرفض هالشي لي انتي عايشة فيه .. يمكن لج رغبات و حاجات تتجاهلينها .. فراغ .. فراغ .. فراغ .. أستغرب انج ما انفجرتي .. و مثل ما قلت .. أبوج توفى الله يرحمه .. و لقيتي عمرج مسؤولة من البيت .. و أخوانج .. و يكبر الفراغ .. و تدوسين على نفسج .. و تدفنين روحج .. و فجأة ..
نظرت لها و هي تردف بواقعية ..
- يظهر غيث فحياتج ..! خبرينيه شوه تحسينه وياج ..
أخفضت رأسها بخجل .. عند ذكره فقط ..
حين تقفز صورته لذهنها .. تلك الابتسامة الملتوية .. و عينيها اللامعتين .. ثقل المشاعر في صوته يهزها ..
حين تناوش شفتيها ابتسامة حالمة .. و تصارع الأنفاس بعضها .. و تختلج نبضاتها ..
حين يدغدغها ذاك الشعور الغريب .. و فكرة واحدة على بالها .. أن هناك من يهتم لأمرها ..
الشوق .. و دفء الحنين .. رعشة تعتريها .. حين يتدفق صوته .. أو تراه ..
احتباس أنفاسها كلما اقترب منها ..
كانت تلك هي مشاعرها لوحداه .. ماذا عن مشاعره ..؟! أتكفي اللهفة ..؟ الولــه ..؟ أيغنيها زخم المشاعر في عينيه الدافئتين عن أي اعتراف قد يرسم خطوطا عريضة لصدق إحساسه ..؟!
تلمست في جيبها تبحث عن هاتفها لتخرجه و تناوله وديمة التي راحت تقلب ما يحوي بصمت للحظات .. قبل أن ترفع عينها لحور التي همست أخيرا ،،
- غير .. وايد غير .. ماا .. ما قد حد عاملنيه انيه ..
تنهدت ..
- وديمة .. يتصلبيه .. و يسولف ليه .. و مسجات .. حنون .. و طيب .. و ....
غطت وجهها بكفيها في حرج ..
- يعني .. و آآآ .. يمدحنيه .. و رمسة ..
- يغازلج ..؟
صاحت حور بحرج ..
- وديماااااااااااااااااااااه ..
ضحكت وديمة بخفة ..
- هذا لي أطريه .. فهمتينيه .. غيث سد كل فراغ كان فروحج .. انتي تبين .. و تبين .. و هو كان مستعد يعطي .. !
سحبت نفسا عميقا .. قبل أن تقول برفق و هي ترى الضياع يتعاظم على وجهها ..
- حور .. حور .. حور .. حبيبتي انتي .. اسمعينيه .. و افهمينيه .. احيانا نحن نربع ورا رغبات الناس لي نحبهم .. نعابلهن و ننشغل ابهم حتى عن عمارنا .. لكن كل ما يخلى الواحد ويا عمره يلقى انه نسي شي مهم .. هو ذاته ..! انزين .. الله خلقنا نحن الحريم عاطفيّات .. نحن الخوات و البنات .. و الأمهات .. معطاءات و كل وحدة عندها الحنان و المشاعر .. يوم ما تلقى المجال اللي بيشبع عطاءها .. و يبادلها بالمثل .. تحس بنقص في ذاتها .. فراغ عاطفي .. فجوة في نفس أي وحدة تبا تبذل إحساسها و ما تلقى حد يستاهل ..! بعضهن تربع للحرام .. للغلط .. يدورن أي وسيلة يشبعن فيها هالحاجة .. بس ليش الله عطانا الحلال و الحرام .. ليش رزقنا عقول تميّز الصح و الغلط .. اذا كل واحد قام يربع ورا أهواءه و رغباته .. بنغدي شرا البهايم .. حواري .. فراغ عاطفي .. كان ياكلج من داخل .. و غيث ظهر في حياتج و انتي صدق محتايه لحد .. لريال .. لشخص يكسر الروتين .. و يحسسج انج مرغوبة .. يعني حتى لو راعي الدكان هاييك الايام عطف عليج شوي .. كان قلتي حبيته ..!
اتسعت عينا حور بصدمة .. شيء من الفراغ اتسعت به حدقة عينها السوداء و هي تقول مازحة بوهن ..
- هب لهالدرجة ..!!
هزت وديمة رأسها ..
- لهالدرجة و أكثر .. الحين بالله عليج .. فكري شوي في الرمسة لي قلتها .. لا تستعيلين .. ظنتج صدق تحبينه .. و الا عندج شك واحد ان هذا حب ..؟ خبرينيه ..؟
ضغطت حور على جانبي رأسها .. و هي تقول بتعب أوجع قلب أختها .. و أثر بالمها الصامتة ..
- ما أدري .. و الله ما أدري .. وديمة أنا ضايعة .. دلّينيه ..
كان صوت وديمة الآن قويا و هي تضع عينها في عين حور ..
- هذا ريلج الحين .. هب عيب انج تهتمين فيه أو تحبينه .. أو تتعلقين به .. بس ..حواري .. لا تخلطين الأمور و فجأة تكتشفين انج غلطتي .. ميّزي إحساسج .. فرّقي بين الاندفاع عسب تسدين الفراغ و بين الحب .. انتي ما تعرفين الحب .. محد أصلا يعرف الحب .. بقولج شي ..
- كيف محد يعرف الحب ..؟
قطعت حديثها و ضحكت بحلاوة من نظرة حور المتعلقة بها و هي تحاول استدراك ما تقول ..
- بسم الله .. بيظهرن عيونج ..!! شوفي أنا أقول محد يعرف الحب .. لنه كل انسان أصلا عنده مفهوم خاص به .. يعني الحب .. فيه عرب تعتمد على الأشكال و الحركات و ع الرغبات و تسمي غرايزها الحب .. هالشي غلط ..! غلط .. فنظرنا و مفهومنا .. بس هو ايتم الحب عندهم .. رغم انه عقب كذا سنة .. يوم يملون الشكل .. أو رغباتهم .. بيروح الحب .. و فيه عرب تشوف الحب حاجاتها الروحيّة الناقصة .. لي يمكن أي حد يسدّها .. يندفعون ورا أي شخص أيّا كان بس عسب يعوضون هالشي .. وأنا قلت لج قبل شوي .. هالشي لي انتي تتحرينه حب .. أنا أقول إن الحب شي سامي يا حور .. يوم بتحبين شخص .. بتبدينه على عمرج .. لازم تكون فيه موازنه .. احترام .. تفاهم .. لازم يكون فيه عقلانيه .. و سلام .. في نفس الوقت يكون هو نفسه مشاعرنا المينونة .. و لهفتنا .. و اندفاعنا .. آمممم .. يقولون الحب أعمى ..! أنا أقول العرب عميان .. و كل واحد ما يعرف وين الحب ..
زفرت حور بضياع ..
- وديمة و الله .. أقولج و الله .. ما فهمت كلمة وحدة من لي تقولين ..!!!!!!
- ههههههههه أعرف ان رمستيه خبصة بس ركزي ويايه شوي .. لي أنا متأكدة منه انج تستغلين غيث الحين ..!
اتسعت عينا حور بصدمة و هي تصيح مشيرة لنفسها ..
- أنااااااااا .....!!!!!!
أومأت وديمة مجيبة ..
- هيه انتي .. تستغلين وجوده في حياتج و قربه منج عسب تشبعين حايتج للاهتمام .. و للحب .. و للعاطفة ..
رفضت حور ذلك ..
- لا وديمة .. و الله لا .. انا أحس ..
قاطعتها تلك ..
- لحظة حور .. أنا ما اتهمج .. هالشي من داخلج و انتي ما تحسين به .. حلو انج تتقربين من ريلج .. و تتعرفين عليه و تحبينه .. بس لا تخلطين الأمور .. الانجذاب .. الاعجاب .. الحاية .. شي .. و الحب شي ثاني ..
ثم ابتسمتها ..
- انتي خايفة .. و مستعيلة .. و مرتبكة .. و ضايعة .. تبين تحبينه .. و فنفس الوقت ما تبين .. لا تدفعين مشاعرج .. لا تغصبين .. و لا تضغطين على عمرج .. بالهداوة حور .. كل شي بيي تدريجيا .. خلي الايام تبين لج بالهون كل شي ..
نظرت لها حور بضعف ..
- انزين شوه أسوي .. ينقلب شعوري .. و ردات فعلي عنده ..!! أضيع و الله ما أعرف حتى بشوه أرمس .. أحسنيه في دوامة كل شي ايينيه بسرعة ..
- عامليه مثل نايف ..
قالتها وديمة ببساطة ..
- نايف ..؟
- هيه .. تخيليه نايف .. كل كلمة يقولها .. حاولي تاخذينها كأنها من نايف من مايد .. من أي حد .. و ردي عليه ببساطة .. افصلي عقلج عن فوادج .. حبي بفكرج قبل عقلج .. بس عسب تفهمين انتي وين واقفة .. و لوين سايره .. حور ما أباج تندمين .. فكري في كل شي .. و رتبي أولوياتج .. و أي شي فخاطرج بس سويليه تيلفون .. تلقينيه عندج ..
هزت حور رأسها بامتنان ..
الحقيقة أن كلمات وديمة لم تزدها إلا حيرة ..
تشعر بأنها غارقة في بحر .. لا تعرف الاتجاهات .. و لا السباحة ..
تتخبط .. تتخبط .. تتخبط ..
يجرفها التيار إلى المجهول ..
تبا ..
كل ما تريده هو أن تفهم نفسا ..
هل تطلب الكثير ..؟!

* * * * *

شيء قاسٍ لامس ركبتها بشيء من القوة من أسفل الطاولة لتنظر إليه بضيق .. قبل أن تنفرج شفتيها عن ابتسامه ماكرة و هي تلتقط الشيكولاته المغلفة التي مدّتها نوف من تحت الطاولة و هي تنظر للمعلمة بتركيز بريء .. همست نوف بعقلانية ..
- عسب يرتفع الجلوكوز و ترومين تركزين ..
ضحكت دانة بخفة و هي تدس قطعة منها في فمها بسرعة و تمضغها ببطء ..لا تزال أعينهن مشدوهة للمعلمة التي راحت تعرض شرح القصيدة مطولا بلا توقف ..التفتت نحو إحدى زميلاتها في الفصل و هي تمضغ قطعة أخرى و تلتقط ممحاتها فترميها نحوها بقوة حين استدارت المعلمة للسبورة .. و هي تهمس منادية لتلك التي راحت تتلفت بضيق ..
- بست .. big ben .. هنيه ..
نظرت لها الفتاة متساءلة .. فراحت دانة تشير للمعصمها بحركة سؤال .. فتنظر تلك لساعتها ثم ترفع رأسها مفكرة قبل أن تقول بهمس ..
- 17 دقيقة ..
تنهدت دانة باحباط و هي تلتفت لنوف بهمس ..
- أففف .. عدها 17 .. الله يصبرنا ..
- ياااااااا بت يا داااااانيااااااا ..
انتفضت دانة و هي تنظر للمعلمة التي نهرتا ..
- دانة معلمة ..
- انتي مش حتبطلي كلام و الا ايه ..؟ كونّا نئول ايه ؟؟
هبت دانة واقفة و نوف تضع رأسها على الطاولة و تهمس لها ..
- عن أبو تمااام .. أبو تماام .. القصيدة من البائية ..
قالت دانة بثقة ..
- كنا نتكلم عن ابو تمام و البائية ..
- و حياة أمك ..؟ طب أومي ألقي الست الأبيات الأولى .. بإلقاااااء .. سمعاااني ..؟ عاوزة القاااء ..
نظرت دانة لوجوه الفتيات بابتسامة خبيثة ..
- ان شا الله معلمة ..
ثم رفعت الكتاب و هي تعدل من وقفتها .. قبل أن تستهل بصوت عالٍ فيه نبرة درامية مصطنعة تثير الغيظ ..
- السيف أصدق أنباءً من الكتب .. في حدّه الحد بين الجد واللعب ،،
ما إن أنهت البيت حتى تعالت أصوات الفتيات في كلمة موحدة ..
- لعب ،،
تابعت دانة و هي تلوح بيدها في حركات تمثيلية .. و المعلمة تعقد ذراعيها متأملة هذه المهزلة ..
- بيض الصفائح لا سود الصحائف في .. متونهن جلاء الشك والريب
- ريب ..
- والعلم في شهب الأرماح لامعةً .. بين الخميسين لا في السبعة الشهب
- شهب ..
- بااااااااااااس .. خلص .. ايه الهزار البايخ ده .. ايه الفوضى ..
توقفت دانة و ابتدأن الفتيات في الإثناء عليها ..
- صح لسانج .. صح لسانج ..
حكت دانة أنفها و هي تقول ..
- صح البدن .. معلمة .. لازم يردون ورايه يوم ألقي .. عدنا عيب لو محد يرد ورا الشاعر و هو متعني يقصد .. عاداتنا و تقاليدنا ..
- بت يا دانيا ..
- دانة معلمة ..
- أي زفت كولو واحد ..
- معلمة لا تغلطين ..
- لا و الله .. ما تيجي يا حببتي توأفي مكاني و تعلميني الصح و الغلط .. انا الهزار دا مش عقبني خااالص فاهمين يعني ايه .. دي أول مرة فحياتي أخش فصل لعلمي زي كدا .. ايه الأرف و الهباب داا .. عاوزين تهزروو ..؟ نبآ حلوين و نديكم خمس دآيء بداية كول حصة .. هزّروا و هيصو زي منتو عاوزين .. بس الدرس .. درس .. و بعدين ايه المنازر دي .. آنا مش عجباني حكاية أكل البيت .. لازم نتفاهم مع الادارة .. انتو طالبات علم .. جيّات كل يوم المدرسة تعملوا ايه ..؟؟
- نوقف طابور ..
- لا و اللهِ ..؟؟ ما قتشي فبالي تسدئي .. ايه الدماغ دي ..!!!! أنا بتكلم جد .. عاوزين شويّة همّة .. سامعين .. أولوا وراية .. شوية همّة
رددن البنات معا ..
- شوية همّة ..
تنهدت المعلمة ..
- برافوو .. نرجع للدرس ..
رددن وراءها ..
- برافوو .. نرجع للدرس ..
- بس خلاص ..
عدن يقلن معا ..
- بس خلاص ..
جالت المعلمة بنظرها في الفصل ..
- محنا أولنا نبطل الهزار ..
- محنا أولنا نبطل الهزار ..
صاحت المعلمة بشيء من الغضب ..
- تانيا تانوي يا زززززفت ..
صحن وراءها بحماس مضاعف فضج الفصل بأصواتهن ..
- تانيا تانوي يا زززززفت ..
وجهها المحمر ينذر بالشر و هي تلتقط كتبها .. و أوراقها و تقول بصوت غاضب ..
- يومكم إسود يا تنيا تانوي .. و الله حربيكم ..
- يومكم إسود يا تنيا تانوي .. و الله حربيكم ..
تترك الفصل و تصفق الباب بقوة .. و دانة تضع يدها على رأسها .. حين ضحكت نوف و هي تقول ممازحة ..
- نهارك منيل يا بت يا دانيا .. دي مش حتعديها على خير ..
- جب لااا .. يميييه .. شكلها بتسرح الادارة و بتشرشحنيه .. و اللييييييل .. خوفيه يطلبون ولي أمري ...!!!
نهضن من أماكنهن نحو الباب ليخرجن من الفصل و نوف تقول ببساطة ..
- يا بنت الحلال .. هاتي حور ما بتقول شي ..
- انتي صاحية .. و الله تسلخ جلدي .. بتكفخنيه و تسوينيه كباب .. ما ترحم حور في الدراسة .. كل شي عندها و لا الالتزام .. شكليه بييب طرزان لو نادوا ولي أمري ..
- طرزان من ..؟
- ولي أمري اليديد .. ريل حور أختي .. آور كازن ..
- أوووونه ..؟ حور معرسة ..
- من سنة و نص مالك عليها .. وين عايشة انتي ..
- فبيتنا ما خبرتينيه يا السبالة ..كنت أفكر أخطبها ..
نظرت لها دانة بشك ..
- مادريت ان عندج ميول منحرفة ..
- سبالة وحدة .. قصديه لخوية ..
- انزين ما استوا شي .. ياها نصيبها .. و عدنيه عندج ..
ثم ابتسمت ابتسامة كبيرة مازحة ..
- ما أنفع ..
ضحكت نوف بقوة ..
- انقلعي زين .. شوه تبين به .. كبر أبوج ..
صفقت دانة بيدها بحسرة ..
- هاتييييييه .. لو كبر يدي .. - ثم رفرفت بأهدابها بخجل مصطنع - أبا أعيش الحنان ..
- هههههههههههههههه .. حنان قالت .. كان ما بيصبحج بشوته و يمسيج بطراق ..!! هاييلا ما يعرفون الحنان .. و لا الرومنسية ..
- و انتي صادقة .. بييلس يصفعج و يلعن خيرج .. اونه كنت أمزح وياج .. الله يستر .. نوووووووووووفاااااه .. هاااااي الوكيلة ايمان .. يا ويليه .. اباا أشرد ..
و استدارت بنية الهرب قبل ان يوقفها الصوت الصارم الحاد ..
- دانة حمد ..
ارتد الصوت عبر جدران الممر .. و وصل لدانة التي قالت ببؤس كم يساق لمصقلة ..
- I'm dead duck ..!!!

* * * * *

- عنبوه .. ربيعات نحن من امتى ..؟ دوم متوالفات .. بلاج غادية فار دوم شاردة ..
ردت على ثرثرتها التي لا تنقطع و راحت تصلها عبر الهاتف .. ببرود محتقر ..
- محد غيرج الفار .. انا هب فاضية لسخافتج .. اتصلي خلاف ..
ثم أغلقت الهاتف باشمئزاز ترفع عينها لمن تجلس أمامها ..
- أفففف .. لوعتبيه .. غثثثثثة ..
مالت تلك للامام و هي تقول بصوتها الغليظ .. و الشر يلمع في عينيها ..
- أداويها حبي ..؟
أفزعت شيخة لمعة الدناءة في عيني حمدة و هي تتخيل هدى تلقى نفس مصير راية ..
هه .. راية ؟؟!! ما الذي جرى لها يا ترى .. لم ترى بعد تلك الحادثة في الجامعة قط ..!
- لا ما يحتاي .. هالاشكال أباها للحاية .. تخلص أموريه ..
- و ليش تخلينها للحاية و أنا موجود .. لي تبينه أنا حاضر له ..
زفرت شيخة بهدوء .. تشعر بهذه الطريقة تستعجلها ..
- حمدان بليز .. ما حب هالاسلوب ..
- ع راحتج يا القلب .. و لا تزعلين .. ما قلتي ليه .. بتيين ويانا باكر ..؟
حكت شيخة الأرض بحذائها الرياضي الثقيل ..
- مبزرة ..؟
- هيه مستأجرين شاليه هناك .. بنسوي بارتي ع قدنا .. بتيين حبووو ..؟
تنهدت شيخة و هي تحك طرف فكها .. وجه حمدة أو حمدان كما أصبحت تناديها و تعاملها من شهرين ينبئها بأنها ستجتاز حدودا حمراء قد وضعتها لتفصل علاقتها مع هذا .. و تعلمها أن كل ما في الامر هو الصداقة .. لا مكان للحب هنا . ليست مستعدة لتكرار تجربة راية ..
كأنما قرأت حمدة أفكارها .. أرخت صوتها الخشن تستعطفها ..
- شيخاني .. من شوه خايفة ..؟ كل لي بنسويه .. بنتعشى هناك .. سوالف .. و ضحك .. نستانس شويه .. و نرقص .. خلاف كل وحدة ترد بيتها .. هب مطلوب منج شي .. شيخااااني .. لا تعقدينهاا .. دوم تردينيه .. يا الله عاد ..
نظرت شيخة لها بتردد .. تحارب رغباتها بعضها البعض .. نعم .. لا .. نعم .. لا ..
ما الذي قد يحدث هناك..؟ لما هذا الخوف .. كم هي سخيفة ..!
- آآآممم .. أوكيه .. تم .. بس ما نطول ..
أشار حمدان أو حمد .. أيا منهما .. إلى أنفه و الصوت يعود لحشرجته الرجوليه ..
- على خشمي ..
.
.
على المحك هي الآن ..
متيقنة ..
ستؤول عاجلا إلى السقوط ،،

* * * * *




>>

.: المــاس :.
18-01-2008, 01:50 AM
تتمة





تلك الأغنية التي يترنم بها النسيم ،،
تتراقص على أنغامها وريقات .. باهتة .. جافة ..
بإيقاع متوجع ..على مسرح الغروب ..
حيث نحرت الشمس ضحية غزو الليل ..
لتنزف متوجعة ..
ذاويـــــــــة ..
على حدود السماء ..
و رغم صخب الأغنية التي ترنم بها النسيم ..
و تراقصت عليها وريقات يابسة ..
إلا أن ملحمة الغروب تكتسحنا صمتا ..
لذلك تفجر الشجن فينا .. تشدنا ..
نتلذذ بذاك النزف و نحن نشهد رحيل النور ..
لتبدأ الظلمات التي سندس فيها تفاصيل أوجاعنا الخفيّة ..
.
.
.
.
.
- نهيان .. باكر ميعاد عندها موعد الساعة 2 الظهر ..
قالتها خولة تذكره و هم الثلاثة مجتمعين على طاولة العشاء .. قبل ان تقتطع ميعاد خبزة و تغمسها في الاناء أمامها و هي تقول بهدوء ..
- لا غيث يقول بيمرنيه باكر .. لا تتعبل نهيان ..
عيناه تعلقت بوجه الكبيرة منهن حين ذُكِرَ اسمه .. رعشة يدها .. و لمعة اللهفة في عينيها اوجعه .. لا يريد لشقيقته مثل هذا الألم الذي تعايشه الآن .. ابتسامة رقيقة ارتسمت على شفته و هو يناظر أخته الصغرى .. رغم أنها تجاوزت السادسة و العشرين من عمرها . إلا أنها لا تزال تلك الطفلة الصغيرة التي ألقيت في عهدته و هو مراهق .. قال بهدوء ..
- أنا ما أتعبل .. مابا أسمع هالرمسة مرة ثانية ..
ابتسمت له ميعاد بحلاوة قبل ان تلتفت لخولة و ابتسامتها تختفي ..
- خولة ما فيه داعي تسيرين وياي باكر .. غيث بيسد ..
لعنت نفسها مائة مرة و هي ترى عيني أختها المتسعة بذهول .. و قد تحجرت دمعة فيها فور تفوهها بتلك الكلمات .. عضت ميعاد شفتها السفلى بقوة .. لم تكن تريد أن تأمرها .. او أن يخرج صوتها بهذه النبرة الصارمة .. استدركت تقول ..
- خولة .. يـ ..
قاطعتها خولة .. و هي تضع الخبزة التي بيدها جانبا بصوتٍ مبحوح ..
- على راحتج حبيبي .. الحمد الله .. شبعت ..
تم تركت الطاولة متوجهه لليمين حيث تقع غرفتها ..
أخفضت ميعاد رأسها باحراج .. شعرت بانها قامت بجرح أختها بشكل ما .. لم تتعمد قولها بهذه النبرة .. و لكنها تشعر بان عليها أن تحميها من نفسها .. لا تريد أن تتعذب أختها بالانغماس في حب غيث أكثر .. سيحطم قلبها .. تعلم ذلك جيدا .. فرغم كل ذاك الحنان المتدفق الذي يغدق به عليها .. الا أنها متأكدة بأنه لا يحمل في روحه ما قد يمنحه لها ..
قالت بصوتٍ معتذر لنهيان الذي لم يشأ أن يشعرها بالذنب فلم يتكلم ..
- ما كان قصديه انيه ارمسها كذيه .. بس من خـ ...
قاطعها نهيان مهدئا ..
- لا تستهمين حبيبتي .. تعرفينها هي حساسه شوي .. و بعدين كل ما مر الوقت تخاف من طلاقها .. هي لي وافقت و اختارت هالشي مقتنعة محد جبرها ..
قالت ميعاد بصوت حزين ..
- حتى و لو .. ما حب خولة تزعل منيه .. هاي أمي هب ختيه ..
حرّكت كرسيّها ذو العجلات مبتعدة عن الطاولة ..
- بسير أشوفها ..
دفعت كرسيها نحو حجرة خولة دون أن تنتظر اجابة منه.. طرقت الباب بخفة تنتظر اجابة فلم يصلها الرد .. ثم دفعت الباب بهدوء للداخل ..
وجدت خولة تسجد على سجّادتها مصلّية و هي توليها ظهرها .. تقدمت بالكرسي إلى الداخل .. ثم حركت الباب ليرتد قليلا ..
ظلت ساكنة في مكانها حتى أنهت خولة صلاتها فطوت سجادتها و استدارت لميعاد بابتسامة عذبة ..
- شوه هالزيارة الشيوخية ..
شعرت ميعاد بغصّة تخنقها .. و هي ترد ابتسامة أختها بأخرى متألمة .. ثم مدت يدها للأمام تدعوها للإمساك بها ..
- زيارة للي يستاهلون بس ..
اقتربت خولة و جرّت كرسي طاولة الزينة خاصتها لتجلس قرب ميعاد و هي تحتضن كفّها الممدودة بحب ..
- فديتج و الله ..
شعرت ميعاد بدمعة تتمرد على مقلتها لتلمع بوضوح في أفق عينها و هي تقول بصوت مرتجف ..
- خولة .. أنا آسفة .. ما كان قصدي أرمس كذيه ..
عقدت خولة جبينها منكرة جرحا الجلّي ..
- على شوه حبيبتي ..
قالت ميعاد بصوت كسير ..
- أكرهج يوم تمثلين انج قوية ..
ارتجفت شفتي خولة بسرعة .. ثم سحبت نفسا عميقا تمنع آهه من الانفلات حين اعتصر الألم قلبها بقوة .. شعرت بدمعتها الخائنة تفضحها و هي تنحدر على وجنتها بحرارة ..
لتخفض رأسها بانكسار .. و ميعاد تقول بحرقة ..
- ليتني ما انولدت عسب لا تعرفين غيث و لا تحبينه و لا تاخذينه .. ليتني مت يوم يابتني أمي عسب لا تتعذبين بسبتيه ..
أشارت لها خولة و صوتها المبحوح يتحشرج في وجع مستنكر ..
- ميعاااااااااد ..!
أغرقت عيناها الواسعتين بالدموع ..
وجهها المستدير بملامحه الجميلة .. و أنوثته المفعمة غلّف بالحزن المفجع .. و هي تضع كفها على قلبها ..
- هذا نصيبيه .. انتي ما يخصج .. الله كاتب ليه كل هذا .. و أنا ما اعترضت .. الحمد الله انيه عرفته .. و انيه خذته .. ع الأقل يكون ليه لحظات مسروقة أيلس وياه بلا حاجز .. و أحس انه حلالي .. و أنا حلاله .. و الله .. و الله اللي خلقنيه انيه ما ندمت يوم واحد على انيه حبيته .. حياتي كلها فاضية .. مالها طعم .. الا من عرفته .. عرفت أحب .. و أشتاق .. عرفت أزعل .. و عرفت أبكي .. و عرفت كيف اموت مليون مرّة لنيه أدري ان كل يوم يخطف .. يقربنيه من فراقه .. لا تتلومين .. و لا تحطين السبة على عمرج .. انا لي بغيت .. و أنا لي خذيت ..
ثم تهدج صوتها بكبرياء مهشّمة و هي ترفع رأسها بابتسامة مريرة ..
- أحبه .. و هب نادمة .. ليته يحس فينيه بس ..
.
.
أسند ظهره على جدار الممر بألم ..
تمنى لو أن ذاك لم يخبر غيث عن ميعاد قط ..
تمنى لو أنه لم يتجاوز عتبات هذا البيت ..
و تمنى لو أنه لم يلتقيهم .. و لم يخترق قلب خولة الكبير ..
لم يرد يوما أن ينصت لهذا الألم في صوتها ..
كان الأمر أشبه بنصل يمزّق نياط قلبه بوحشيّة ..
كيف له أن يكابر آلام أقرب الناس إليه ..
أختيه ..؟!

* * * * *

- يااا الثوووووووور .. فررر كشرتك خااااري .. عدنيه غسلت موتريه أمس ..
لم يبالي هزّاع بصرخة أحمد المنفعله .. و ألقى بكوب القهوة الورقي الفارغ عن قدميه و أحمد يوقف السيارة في الموقف الأرض للمركز التجاري اللذان يقصدانه ..
- فكناا يا ريال .. يوم تيي البيت خل شيخة تشلها الكشرة ..
رفع أحمد رأسه ..
- شمعنى شيخة ..؟
ضحك هزّاع و هو يرد بسخرية ..
- لن أذنيها هب مخرمة ..
اتسعت عينا أحمد ..
- حوووه يا سبال .. ما يخصك في ختيه .. انا أسبها عادي .. بس انته بييك بكس يخشع ظروسك ..
ثم قال بنبرة متفاخرة ..
- بعدين البنية أذنيها نخرمة .. بس أنا كنت أمزح ،،
راح هزّاع يعدل من وضع الغترة في المرآة العلوية التي أمامه ..
- صدق و الله ..؟ اسمع الحين انته انزل .. و أنا أول ما اشوفه ياك .. برقبه شوي .. خلاف بتدخل ..
ابتسم أحمد ..
- تصدق يوم قال أباك في موضوع و لا تخبر هزاع بغيت أموت من الضحك .. حسيته ياهل ..
قال هزاع بحقد ..
- لا هب ياهل .. هذا حيّة .. من تحت لتحت .. أكيد يبا منك شي ..
- عسب كذيه أنا أقول خل التيلفون مفتوح امبينا يوم يرمس و يقول شوه عنده .. تعال تدخل و الا بتصرف وياه بروحي ..
- شورك ..؟
- هيه ..
- خلاص غايته .. حوِّل ..
ترجلا من السيارة ليتوجّها نحو مقهى معيّن في الطابق الأول من مركز التسوق الكبير .. اتخذ أحمد طاولة واضحة ليجلس عليها .. فيما قبع هزاع في زاوية المقهى مديرا ظهره للمدخل .. لحظات مطولة قبل أن يهمس أحمد في السماعة المثبتة في أذنه ..
- هاذوه توه حادر الكوفي ..
ثم لوح للرجل الذي دلف المقهى للتو ..
- شوماااخر ،،
التفت مصبح نحو أحمد .. ليتقدم منه بابتسامة صفراء .. لم يكلف أحمد نفسه عناء الوقوف ليسلّم عليه .. فقط أشار للمقعد المقابل ..
- حييه بو شهاب ..
رد أحمد ببرود و هو يسترخي في مقعده ..
- يحييه ..
- شحالك ..
فرك أحمد لحيته الحليقة .. و هو يرد ..
- بخير .. علومك ..
- طيبة .. حي شوفك ..
- يحييك .. - ثم تثاءب بطريقة فظة - اقول مصبح اختصر .. انا ريال ورايه دوام باكر ..
ابتسم مصبح بطريقة لم ترحه ..
- كانها نغزة ..
- لا نغزة و لا شياته .. و الا ساحبنيه أنصاف الليالي تسولف ليه ..
نظر مصبح لساعته التي لم تتجوز الثامنة بعد ..
- أنصاف الليالي و العرب ما قد صلوا العشا ..؟
- لي هو .. انا أشرب حليب و أرقد بدري .. عندك خلاف ..؟
- لا ..
- خلصنا ..
تنهد مصبح .. قبل ان يقول بصراحة ..
- انا ما بلف و أدور عليك .. بس أنا شفت استعراضك في الصيف في تل الساد .. و الصراحة ريّال مثلك ذهب .. و يوم انك في تيم كنجز و لا تسابق .. حاطينك احتياطي .. و ولد عمك هو لي عليكم .. انا قلت أرمسك .. نباك تحول ما تهاب .. بنخليك أساسي في التيم تتبادل ويا بو غديّر .. شوه قلت ..؟
ابتسم أحمد بهدوء حين سُحب الكرسي المجاور لمصبح و جلس عليه هزّاع و هو يسأل أحمد ..
- ها بو شهاب شرايك ..
كاد أحمد يحك لحيته و هو يقول بصوت ثقيل مثير للغيض ..
- رايي انه حمار .. دار عليك و ما رام لك .. و يدور عليّه ..
ضحك هزّاع و وجه مصبح يحتقن من صدمة وجود هزّاع و تلك الاهانة التي ألقاها أحمد للتو ..
- خيبة .. حمار ..! شوه بيفهمه الحين ..؟!
- احترم نفسك ..
قالها مصبح بوجهٍ منفعل .. توقف هزّاع عن الضحك ..
- ان شا الله أميه ..

ثم عاد ليضحك مرة أخرى هو و أحمد معا .. قبل أن يلتفت لمصبح بقسوة ..
- اعرف انيه لا أنا و لا أحمد ندانيك .. و لا نداني تيمك الخايس .. لو مرّة ثانية تقرب صوب حد منّا .. بنخليك تحرم طاري السباق .. تسمع ..
لم يجبه مصبح .. فقط أمعن النظر لوجهه بحقد جلي ثم دفع الطاولة و تركهم دون كلمة .. ضحك أحمد ..
- حرام و الله شكله زعل ..
لوح هزّاع بيده ..
- ياكل تبن .. شوه تشرب ..
- موكا .. يبالنا نتحوط عقبها .. نكحل العين بشوفة هالغراشيب ..
و أشار بابتسامة للفتاة الجالسة على الطاولة القريبة منهما ..
ليضحك هزّاع ..
- وين سيف عنك يعطيك محاضرة معتبرة .. رمضان عقب يومين يا الهرم .. غض النظر ..

* * * * *

دلف البيت بتعب و هو يخلع غترته .. ليجد أمه تجلس وحيدة في الصالة .. اقترب منها بحب .. ليسلم بصوته المرهق ..
- السلاااام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
لمعت عينا أمه و هو ينحني ليقبل رأسها بحنان ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا فديتك .. مرحبا .. ايلس يا الحبيب ..
ألقى بجسده المنهك على الأريكة .. و وجهه السموح بلحيته الوقورة ينبض بالرحمة ..
- الله يرحبج على فضله .. شعنه يالسة اروحج يا الغالية ..
مدت يديها بحسرة ..
- و منوه تباه ييلس ويايه .. ابوك هب فاضي .. و حارب حاجزينه في الكليّة .. أنا مادري شوه يبا خوك بالطيران .. لو درس ويا خوانه في الجامعة هب أبرك .. و هزّاع الهرم ما يعرف الا الهياته .. و انت الله يخليك من الصبح لليل في دوامك ..
التقط كفها ليطبع قبله عميقة و هو يقول باعتذار ..
- مقصرين فديتج .. مقصرين .. سامحينا ..
- بالحل .. يا الحبيب .. الله يحفظك و يوفقك .. الله يخليك .. يعل ربيه يعوضك بالولد الصالح .. الله لا يهينك ..
ثم ابتسمت له بحب ..
- باكر بتيي روضة و بتملى عليّه البيت و بتيلس وياي ..
أخفض رأسه بخجل ..
بدا هذا الحلم قريبا .. يتخلل أصابعه ..
أ يتحقق يا ترى ..؟!
إلهي تمم فرحتي بخير بركتك يا كريم ،،

* * * * *

- آآآآآه متى بتخرج من الثنوية .. و اييبوليه بوكس فيه بدلااااااات .. و عباياااااات .. و جواااااتي .. و شنااااااط .. و موباااايل .. و أفتك من الذل لعفاري ..
قالتها نورة بصوت عالٍ و صوتها يصدح في الصالة ليصل لعفرا التي أطلت برأسها من غرفتهن ..
-أنا أذلج ..؟ متى ذليتج ..؟ كل ما قلتي أبا البس شي .. عطيتج ..
التفتت نورة لدانة ..
- كأنها سوت عمرها طيبة ..! - ثم التفتت لعفرا - انزين خلينيه ألبس عباتج لي فيها تطريز ذهبي ..
لوت عفرا شفتيها باشمئزاز ..
- مع ان التطاريز في العبي هب عايبتنيه .. بس لا .. صدق ما عندج ذوق ..! حد يلبس ذهبي مع كحلي في المدرسة ..!
قالتها و هي تقلب أزرار الهاتف .. و دانة تقول بتحدي ..
- انزين نورة كذيه طبعها عنقاشي .. عطيها العباة ..
رفعت عفرا عينها ببرود ..
- ماابااا ..
- مالت ..
- ع ويهج ..
نظرت نورة لدانة ..
- كنها خقت بنت الجامعة ..؟!
رفعت دانة حاجبها ..
- شكلها و الله .. أقول رفيق .. هزا تلفون في كيمراا ..؟
خرجت حور من غرفة امها هي و المها للصالة .. و عفرا ترد ..
- كيمرتين هب وحدة ..
جلست حور و المها و الأولى تقول ..
- عفرا عندج خدمة المرئي ..
- هيه ربيعتيه ظبطتليه اياها ..
- عنديه كيمرتين انا بعد .. بس ما استوت ليه ..
مدت عفرا الهاتف لهن ..
- بنات شوفن .. هذا مبنى العين مول لي في الجامعة ..
التففن حول الهاتف ينظرن .. و نورة تقول باعجاب ..
- حلووو تصويره ..
- 5 ميجا بكسل .. أقولكن .. تيمعن .. تيمعن ..
و هبت واقفة تلتقط مخدة ثقيلة عالية ..
- يلسن قريب من بعض .. صورة للذكرى ..
سألت دانة بحماس و حور تشرح للمها ماذا سيفعلن ..
- بتصورينا ..
- لا بضبطها وضع مؤقت اتوماتيكي .. يالله ..
عقدت نورة جبينها ..
- حوووه شوه يضمن لنا انج ما بتفضحيناا في البلوتوث ..؟
تجاهلتها عفرا ..
- قالو لج نورة ..
- لا أخت نورة عسب كذيه ينخاف منج .. عرق النذالة دساس فيكن يا بنات حمد..
ثبتت عفرا الهاتف و هي تقول ..
- يا الله مستعدات ..
لقت دانة شفتاها في حركة سريعة و نورة تمسح على غرتها .. قبل أن تضغط عفرا على زر التصوير ثم تقفز إلى جوارهن بابتسامة .. ثانيتين فقط قبل أن يسطع الفلاش بقوة ..
صفقت المها بحماس و عفرا تقفز مجددا لتلتقط الهاتف و تنظر للصورة و قد تحلقن حولها .. تذمرت نورة ..
- يوم قدنيه ببتسم .. طالعي عيوني كيف ..
ضحكت دانة ..
- فديتنيه .. طالعة حلوة .. و مهاوي .. عسل يا ناس ..
عقدت حور جبينها ..
- ليش ثميه مبطل شكليه أهبل ..؟؟!!
ضحكت نورة بأريحية ..
- من يومج هبلة .. شكلج يوعانه ..
نظرت لها حور بحقد و عفرا تدس هاتفها في جيبها ..
- جب محد أهبل غيرج .. انتي و عيونج الوارمة .. تقولين حد نافخنها بكس ..
صفقت دانة ضاحكة ..
- عاشت حور تعرف تسب ..
ردت المعنية و هي تنظر شزرا
- غصبن عنج .. يا الله .. يا الله .. آنسة دندن .. و آنسة نورة .. لي عليها الكوي تخلص الكوي قبل العشا .. و لي عندها الخم .. تبدا فيه الحين .. نص ساعة و العشا زاهب ..
رفعت دانة أنفها في الهواء ..
- لو سمحتي الشيخة .. لا تقولين دندن .. من اليوم ورايح تعلمي تقولين .. دانة علمي ..
ضحكت نورة بسخرية ..
- دانة علمي ..؟!
- قوم أدبي ما يرمسون .. - ثم لمعت أسنانها من خلف ابتسامتها الكبيرة و هي تقول بفخر - طلاب العلمي نوابغ .. يساهمون في الرفع من شأن العلم و الدولة .. و بعدين للعلم أنا حالة خاصة .. لو ما تدرن .. ترانيه السبب في زيادة عدد طلاب علمي في هالسنة ..
عقدت حور ذراعيها باستهزاء ..
- ليش ان شا الله ..؟؟؟؟؟؟!!!!!
هزت دانة كتفيها ..
- الشلة يوم درت انيه بدخل علمي كلهم دخلوا علمي ..
قالت حور بعدم تصديق ..
- على هندي حبيبتي ..
قالت دانة بصدق ..
- و الله سجلن علمي عسب نتم رباعة ترى نوف داخلة ويايه ..
اتسعت عينا حور بدهشة ..
- سجلن علمي بس عسب ايتمن وياكن ..؟؟!! صدق ما عندهن سالفة .. العرب تفكر بالمستقبل و التخصصات .. و انتن في ربيعاتكن و سوالفهن .. نفرض انكن تضاربتن .. ؟
ضحكت نورة ببساطة ..
- ثالث تحول أدبي .. الحياة ايزي حور ..
- لا ليزي و لا بابي سناك .. اسمعي انتي وياها .. ليكون حد منكن حادرة القسم لي ما تباه بس عسب ربيعااتاا ..
نفخت دانة صدرها ..
- أنا بنتك يا حمد .. أخت حور .. هب نحن لي نحول عشان حد .. العرب تحول عشاننا .. بعدين لا تغيرين السالفة .. قلتي نورة - و عادت تبتسم بفرح - و دانة علمي .. عفاري شوه تسوي ..؟
أجابتها عفرا و هي تقف على قدميها بهدوء ..
- انا خلصت الغسيل العصر يا كسلانه .. و الحين بسير لفطوم .. بوديلها البدلة الصفرا و الشيلة لي تباها قبل العشا و برد بسرعة .. اوكيه ..؟
و نظرت لحور مستفهمة .. فقالت الأخيرة ..
- خبري أمايا أول ..
دون سابق انذار قفزت دانة لعفرا ..
- بسير ويااااج ..
نهرتها حور ..
- ما يحتاي .. تدله الدرب .. سيري شوفي شغلج .. يوم بتتعشين بتقولين عسر هضم و ما أدري شوه .. خلصينا .. المخمة قدها في الحوش ترقبج ..
مطت دانة شفتها في ضيق ..
- عنلاتهاا .. صدق انها لصقة هالمخمة .. دوم أروغها ..
ضحكت نورة ..
- وفيّة حليلها .. تحبج ..
- حبتج القرادة انتي وياها .. ما لقيتي الا المخمة تحبنيه ..
مسكت حور جانبي رأسها بوهن ..
- أفففف .. دااااااانااااااااه .. دخيل أهلج .. ارحميناا .. تايم أوت .. وقفي هذرة .. خمي الحوش .. و تعالي سولفي الين باكر ..
عقدت دانة جبينها ..
- كأنها تروغ دانة علمي ..
أيدتها نورة ..
- هيه و الله .. عفدي عليها دانة علمي ..
هزت دانة رأسها رفضا ..
- لا .. لا .. دانة علمي تحترم لي أكبر عنها .. و تعلن الانسحاب حين يصبحون الكبار غير قادرين سوى على تحطيم قلوب الآخرين ..
ثم رفعت أنفها بطريقة تمثيلية مبالغ بها ..
- أواااه يا قليبي .. كم ستتحمل من هذه العيشة البغضاء ..
بحثت حور عن شيء حولها لتقذفه على دانة ..
- تحمدي ربج يا السبالة .. شوه عيشة بغضاء .. الحمد الله نحن في نعمة ..
- نعمة و الا زاخر هه هه هه .. يستاهل الحمد .. يا الله .. عطيتكن ويه .. وضيعتن وقتي .. انا أشوف ان خم الحوش فيه فائدة تأملية روحانية كبيرة ..
حكت نورة شعرها ساخرة ..
- فائدة روحانية تأملية .. من وين يبتيها ..؟!
ابتسمت دانة ..
- مدري يختي طلعت وياي كذيه .. بس لا تستغربين بتشوفين أكثر من دانة علمي ..
- خيبة .. شوه بيسكتها هالخقاقة ..؟!
هتفت دانة بعفرا التي خرجت تلف شال الصلاة الكبير عليها و هي تمسك بيدها الأخرى كيسا كبيرا ..
- عفاري أوصلج ..؟؟
رفضت عفرا بحزم ..
- لا شكرا ..
أمرأت حور عفرا ..
- لا تتأخرين ..
- إن شا الله ..
خرجت عفرا متجهة لبيت جيرانهم .. تحسست دانة جيبها تتأكد من وجود الورقة .. قبل أن تنهض من مكانها ..
- حلفت .. حلفت .. و لا وحدة تنش .. بظهر أروحيه ..
لوّحت نورة بيدها ..
- فارقي .. - ثم نهضت هي الأخرى - أنا بخلص الكوي .. ما فيّه عليه عقب العشا ..
توجهت دانة لأقصى الحوش و هي تلتقط المكنسة .. و تكنس ابتداءا من الطرف الأقصى .. عيناها لا تفارقان باب الصالة .. و هي ترى المها و حور ينهضن متوجهات للمطبخ .. تنتظر لدقيقتين حتى تتأكد من خلو الطريق .. شعرت بنبضات قلبها تتسارع بجنون .. قبل أن تترك المكنسة مسندة على جدار البيت .. و تركض نحو الباب الفاصل بين الحوش و الممر المؤدي للمجلس .. أ هو هنا يا ترى ..؟ تمنت من قلبها أن يكون كذلك .. لن تجد فرصة أفضل من هذه .. بعد دقائق سيؤذن لصلاة العشاء .. عندها سيخرج هو للمسجد و سيبحثن إخوتها عنها لصلاة الجماعة .. وضعت يدها على صدرها تخنق خافقها المرتاع .. تجاوزت الباب و هي تضع الغطاء جيدا على وجهها .. اقتربت من باب المجلس .. فردتي الحذاء الكبير موجودتين .. من حسن حظّها .. في العادة لا يكون متواجدا هنا في هذا الوقت .. لكنها تأكدت من وجوده بعد صلاة المغرب من نايف ..
يدها المرتجفة تقرع الباب بتوتر .. صمت .. قبل أن يداهمها صوته الرجولي العميق من الداخل ..
- اقــرب ،،
انتفضت .. و هي تهمس ..
- يمااااه .. شوه أسوي ..؟!
قرعت الباب مرة أخرى ..
لا إجابة ..!
مدت يدها لتقرعه بقوة أكبر .. قبل أن يفتح باب المجلس بقوة لتجده واقفا بطوله الفارع أمامها .. علامات التعجب ترتسم في عينيه .. و هو يقول بهدوء ..
- مرحبا ..
ارتجفت و هي تفرك يديها .. و تقول باضطراب ..
- السلام عليكم .. شحالك غيث ..؟؟
- و عليكم السلام .. بخير و سهالة .. شحالج .. من ..؟ نورة ..؟
أربعة أشهر و لم يميّزهن بعد .. لا بأس كثيرون يخلطون بينها و بين شقيقتها الأقرب ..
- الحمد الله ..لا أنا دانة ..
استند بكتفه على حافة الباب .. كان يشرف عليها بشكل مخيف ..
- هلا دانة ..
مسحت كفيّها المتعرقتين رغم الجو اللطيف و هي تسحب نفسا عميقا ..
- آآآ .. آحم .. اسمع غيث .. أنت الحين وليّنا صح ..؟
رفع حاجبه ..
- وليّكم ..؟!
حركت يديها بسرعة ..
- وليّ أمرنا يعني ..
التوت شفتيه بابتسامة غريبة ..
- هيه ..
دست يدها الصغيرة في جيبها تتناول الورقة ..
- انزين دامك ولينا .. استلم ..
و مدت الورقة له بجرأة أكبر .. نظر للورقة المطوية بعناية لبرهة قبل أن ينقل عينيه لوجهها المخفي خلف الغطاء ..
- شوه هاي ..؟
- ورقة ..
- أشوفها ورقة .. شوه فيها ..
- قنبلة هيروشيما .. شوه فيها بعد .. رمسة مكتوبة ..
ابتسم ببرود .. تبدو هذه الفتاة شجاعة .. أكثر جرأة من شقيقتها الكبرى .. تناول الورقة من الطرف الممدود .. و فردها ببساطة .. ثم راح يمرر عينيه عليها و هو يقرأها .. لحظات و حاجبه يرتفع بسخرية و هو يومئ برأسه قائلا بإدراك ..
- استدعاء ولي أمر .. !
رفعت دانة رأسها ..
- هيه .. يبونك تيي ..
- قالو لج يبونيه ..
- قالو ولي أمري .. الحين انته ولي أمري .. لا اطولها و هي قصيرة .. انا علمي ورايه دراسة .. اسمع .. باكر ع الساعة تسع تكون في الادارة و الا ما بيخلونيه أدخل الصف .. و ياليت تتكتم ع الموضوع .. يعني حور ما فيه داعي انها تعرف .. انت ما تعرفها .. بتدفنيه عند باب الادارة ..
يستمع لها و هي تلقي الأوامر دون أن تذوي ابتسامته الساخرة .. قطعا .. لم يلتقي مثل هذه الفتاة ..!
- لا و الله أخت دانة .. حلفي بس .. مسودة الويه و طالبين ولي أمرج و تتأمرين ..
فجأة انقلبت سحنته و هو يقول بصوت أفزعها ..
- اسمعي يا بنت .. أقسم بالله لو مرة ثانية تييبين ورقة شرات هاي البيت ما تلومين الا عمرج .. مدخلينكن المدارس تتعلمن هب تسودن ويوهنا ..
وضعت يدها على صدرها برعب ..
- بسم الله شياك ..!!
توعدها ببرود أثقل عليها .. فتمنت لو أنها تحملت صراخ حور على صرامة هذا الرجل ..
- سمعتينيه يا دانة .. لو حور بتدفنج عند الادارة .. انا بلعن خيرج في البيت .. و مدرسة انسي .. يوم انكن متبطرات و المدارس ما تبنها .. شوه حادنكن ع العبالة .. قرن في بيوتكن و انفعن أهلكن أخيرلكن ..
اتسعت عينا دانة و هي تهمس ..
- خيبه .. انا شوه حادنيه ع الشدة .. لو عاطيتنها حور هب أخيرليه .. ناوي يكفخنيه طرزان ..!!
رفع حاجبه و هو يلقي الورقة عليها ..
- شعندج تتحرطمين ..
زمت شفتيها بضيق ..
- سلامتك ولي أمري ..
- أي مدرسة انتي ..؟
- مدرسة ****** ،،
لوح بيدها باحتقار ..
- عرفتها ..
و لماذا هذه النبرة .. ؟؟! وقفت لثانية دون أن ترد عليه قبل أن تدس الورقة في جيبها أخيرا و تحذّره ..
- انزين لا تبطي .. 9 بالضبط تكون هناك ..
ثم ألقت نظرة أخيرة قبل أن تقول بأمر و هي تستدير و تتوجه نحو الحوش ..
- و لو سمحت .. تعال كاشخ لا تفشلنيه .. أنا معروفة في المدرسة ..
ما إن أنهت كلماتها حتى اختفت خلف الباب ..
ظلت عينيه معلقتين بالباب الذي اختفت منه للتو مطولا .. قبل أن ينفجر بالضحك بقوة ..
لم يستطع منع نفسه من نوبة الضحك التي اجتاحته .. كان يخنق رغبة غريبة في الضحك مذ ناولته الورقة .. و ارتدادها الخائف حين صرخ عليها ..
مسح وجهه بكفّه و هو يسيطر على ضحكاته .. قبل أن يعود فيهتز بهدوء و الابتسامة لا تفارق شفتيه ..
- دوم الضحكة ..
تجمد لبرهة مكانه قبل أن يرفع يده عن وجهه .. عرف صاحبة الصوت قبل أن يطالعه وجهها الصافي .. كانت تنظر له بهدوء شديد .. ابتسامته تلك انقلبت فورا بعناية لابتسامة حب يتقنها .. و هو يترك عتبت الباب نحوها هامسا ..
- وياج ..
اقترب من حور التي لم تبارح مكانها في منتصف الممر .. وجهها الجامد لا يفصح عن شيء .. هل علمت بان أختها قد تلقت إستدعاءً ..؟!
دنا منها بهدوء .. فلم يعد يفصل بينهما شيء و هو يحني رأسها و يسلم عليه .. بدت ثابتة .. و هي تسلم عليه بنفس الهدوء .. عينيه الدافئتين تنطق شوقا عرف كيف يرسمه لها .. و هو يلتقط كفّها الصغيرة في راحته الواسعة ..
- شحالج ..
.
.
( تخيليه نايف )
( تخيليه نايف )
( تخيليه نايف )
( تخيليه نايف )
كان صوتها يخترق ذهنها و هي تحاول تنفيذ هذه المهمة العسيرة .. مظهره و هو يضحك كاد يقتلها و قلبها يتوقف للحظات ..
بدا مختلفا .. أصغر سنا .. بلا تلك العقد في جبينه .. منطلقا ..!
كيف للمسة كهذه أن تحرق جلدها ..؟ كيف لكلمة لها أن تلقى ملايين المرات على مسامعها أن تزلزل كيانها فلا تغدو لها إجابة سوى اختلاج أنفاسها الخجلى ..؟
مئات المرات تبتلع ريقها .. لتجلي صوتها الذي يبدو أنها أضاعته ..
تخنق أنفاسها الملهوفة .. لا تريد أن يدرك شيئا من غباءها ..
قرعات قلبها المجنونة تكاد تهشم أضلعها .. حسنا حور .. ابقي هادئة .. ليس سوى ( نايف ) يمسك بيدك الآن .. يسألكِ عن حالك ،،
استعيدي رباطة جأشكِ .. ليس الأمر بالمستحيل ..
أطلقت نفسا قصيرا و هي تسدد نظرها لجبينه كي لا يبدو انها تخشى النظر إليه .. تحاول أن تشتت ذهنها بتخيّل صورة أحد إخوتها و صوتها الهادئ يجيبه ..
- بخير ربي يسلمك .. شحالك ..
نظرة خاطفة مختلفة برقت في عينيه آزرت شيئا من البرود داخلها و صوته يضطرب لبرهة قبل أن تغلفه الحرارة مجددا ليدير اصبعه في كفّها بنعومة عينه لا تفارق نظرتها الجامدة .. و كتفيها المتصلبين ..
- فنعمة يوم شفتج .. وين انتي .. من اسبوع عنج ..
أحنى رأسه لأذنها شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجنتها حرارة .. و راح قلبها يضج بقوة .. و قدميها ترتجفان .. حين همس بصوت أجش ..
- اشتقتلج ..
سحبت نفسا عميقا .. مقاومة رغبة عارمة في إغماض عينيها و التراجع بعيدا عن متناول التشتت الذي يتركها في دوامته .. وجهه ظل موجها للأمام .. و أهدابها ترفض الخضوع للانطباق .. و هي تطبق فكّها بقوة قائلة بشيء من البرود لم تكن تريده أن يبدو جليّا هكذا ..كي لا يثير فضوله ..
- اشتاقت لك العافية ..
ثم رفعت بصرها إليه .. عينيها اللتان تتركزان على وجهه لم تكن تمعن النظر فيه .. و هي تقول بعمليّة ..
- بتتعشى هنيه ؟؟
.
.
شيء ما لم يرق له هنا .. ألا تبدو زوجته باردة هذا المساء ..
لماذا هذا الجمود .. ؟ رغم كل هذا نحر ابتسامة ساخرة على شفير الشفاه .. موقن بأنه سيذيب هذه الجليد في ثوانٍ ..
مد أصابعه الطويلة يلامس خدها الناعم .. و صوته المثقل بالشوق يداعب أذنها ..
- حوري .. بلاج ..؟
كانت دهشته حقيقية و هي تعقد جبينها بضيق .. و كأنما لا تطيق لمسته و هي تجيب باختصار ..
- سلامتك .. ما رديت .. بتتعشى هنيه ..؟
عقد جبينه هو الآخر و هو يقول بجديّة ..
- حور .. شفيج ..؟
رفعت عينها ببرود و هي تواجه .. و تعيد ما قالت ..
- قلت لك سلامتك .. بتتعشى هنيه و الا لا .. رد بسرعة .. بسير أعابل العشا ..
ما الخطب ..؟ ما الذي دهاها ..؟
رفع حاجبه ببرود ..
- لهالدرجة يهمج العشا ..؟
واجهته بنفس النبرة ..
- هيه .. هب انتو لي بتاكلونه ..
كاد يمد يده ليشد شعرها .. هل يخيّل اليه .. ام أنها تتعمد نبرو التحدي المبطنة .. استفزّه وجهها الهادئ .. كم رغب في إشعالها لهبا .. ليعلمها فقط كيف لها أن تواجه حرارة ما يغدق عليها من احساس ..
مد كفّه الكبيرة يمسك بجانب وجهها و هو يقول باختصار ..
- عليكم بالعافية .. انا بتعشى عند ابويه سيف ..هزت كتفها و هي تقول ببساطو ..
- برايك ..
ثم استدارت لتترك المكان وسط ذهوله .. قبل أن يتفوه بكلمة أخرى ..!
أ هذه حور ..؟ لا بالطبع .. ليست هي ..
هذه نسخة آلية .. لم يواجهها حتى في لحظات عدائها السابقة ..!
ضيّق عينيه بتفكير .. ما الذي تهدف اليه بهذا الاسلوب الجاف ..؟!
أ يعقل أن تكـ ...
لا .. بالطبع كلاّ .. أنّا لها أن تعلم ..
تلك الطفلة السخيفة .. لا بد أنها تعمد للعبة جديدة .. سيضطر لكبح جماحها مجددا ..!
.
.
كانت تقف بجانب الباب و هي تغمض عينيها بشدّة تحاول السيطرة على أنفاسها التي أطلقتها .. ما الذي دهاها لتعامله بهذا الجمود المريب ..؟ ليست هذه طريقتها مع أخوانها .. و لكن ..
كيف .. كيف لها أن تعامل هذا الرجل .. كأخوانها ..
يستحيل ذلك ..
انه .. مختلف ..
كل ما أدركته ان قلبها لم يهدأ حتى بعد ايضاحات وديمة .. لا زالت حفقاتها المجنونة تتردد في صدرها بصوت عالٍ حتى تكاد تصمّ اذنيها ..
- لملت ذكرى لقاء الأمس بالهدب و رحت أحضرها في الخافق التعب
أيدي تلوح من غيب و تغمرني بالدفء و الضوء بالأقمار بالشهب
ما للعصافبر تدنو ثم تسألني أهملت شعرك راحت عقدة القصب
رفوفها بريق في تلفتها تثير بي نحوها بعضا من العتب
حيرى أنا يا أنا و العين شاردة أبكي و أضحك في سري بلا سبب
كان هذا صوت دانة التي أسندت كوعها لرأس المكنسة في الزاوية و عيناها تتأملان حور .. صوتها النشاز يردد الأغنية باستمتاع و ابتسامة خبيثة لا تفارق شفتيها .. قبل أن تقول حور بغل .. و هي تزيح يدها عن صدرها ..
- لي يسمعج تغنين لفيروز .. بيقول عانس .. طافت الاربعين ..
لم تبالي بها دانة و هي تكمل دندنتها .. و تبدأ في الكنس برتابة .. صوتها يصل لحور التي تحرك تهرب من عينيها الثاقبتين ..
- أهواه من قال إني ما ابتسمت له دنا فعانقني شوق إلى الهرب
نسيت من يده أن أسترد يدي طال السلام و طالت رفت الهدب
حيرى أنا يا أنا أنهد متعبة خلف الستائر في إعياء مرتقب
أهوى الهوى يا هلا إن كان زائرنا يا عطر خيم على الشباك و انسكب
.
.
زفرت حور بضيق و هي تشعر بخفة في صدرها و طنين يتردد في أنها ..
سيلزمها الكثير لتفصل وهمها عن إحساس حقيقي قد يخالجها ..
الكثير من الوقت ..
الكثير من التفكير ..
و الكثير من الأنفاس التي قد تخنقها ..!
.
.
.
.
.
.
.
.
شكرتها فاطمة بحرارة ..
- ما قصرتي عفاري عبلت عليج .. لو قلتي ليه كان تلاقينا في السكـة ..
ابتسمت عفرا لها كن يقفن عن باب الصالة الداخلي .. بعد أن رفضت الدخول لعجلتها و هي ترد ..
- لا عبلتي و لا شي .. يا الله أنا أبطيت .. تبين شي ..
- سلامتج حبيبتي .. ردي السلام على البنات ..
استدارت عفرا حين رأتها تتحرك معها ..
- و الله ما تظهرين ... بسير اروحيه ..
- ع راحتج .. تصبحين ع خير ..
- و انتي من هله ..
استدارت عفرا و وضعت الغطاء على وجهها و هي تعبر الممر المؤدي إلى المجلس و الباب الخارجي .. كان تصميم بيتهم يقارب بيت أم سالم .. و لكن مساحة بيت بو نايف أكبر .. فهؤلاء لا يملكون حوشا .. مجرد فسحة ضيقة عند الجدار الذي يصل بينهما .. ما ان وصلت الممر حتى اصطدمت بذاك الجسد الطويل الذي كان يسده .. أرادت التراجع قبل أن ينتبه لها الرجل .. لكن سرعان ما التفت لها و هو يقول بصوته الثقيل ..
- هلا و الله ..
تعرفته عفرا فورا .. سالم الحقير ..!! ذاك الذي كان ينتهك حرمة جيرتهم لوقت طويل قبل أن يضع أبناء عمّها حدا لفجوره ..
توقفت في مكانها حين رأت أن لا فائدة من التراجع .. سيعود خلفها .. أوليس بيتهم ..؟
قالت بصوت بارد ..
- لو سمحت شوي أبا أخطف ..
رفع رأسه و هو يقول بنبرة مستهزئة ..
- انزين خطفي .. حد قابظنج ..
قالت بارتباك .. و هي تشعر بخطواته تتقدم نحوها ..
- خوز شوي .. ما تشوف انك ساد المكان ..
استند على الجدار مفسحا فرجة صغيرة للعبور .. عرفت عفرا أنه يمكن أن تتجاوزه دون الاصطدام به .. تحركت فورا لتعبر .. ما ان اقتربت منه حتى مد يده ليلمس ذراعها بوقاحه .. كان يعلم أنها احدى بنات حمد الذي اعتاد على مطاردتهن .. لا يمكن أن ينسى أجسادهن الذي اعتاد مراقبتها ..
و لا يمكن أن ينسى فعلة أقرباءهن الأوغاد .. شعر بالتشفي و هو يسمعها تشهق بقوة و تلتصق بالجدار قبل أن تقول بصوت مختنق ..
- شل ايدك يا حيوان ..
ابتسم دون أن يبالي بكلمتها .. و اقترب منها مانعا اياها من العبور مجددا ..
- ليش تسبين ..؟ قبل شوي كان خليتج تروحين بيتكم .. الحين .. لازم تعتذرين ..
رفعت رأسها و هي تقول باحتقار عميق ..
- تخسي أعتذر لك يا الكلب .. ها لي قاصر بعد .. خوز أخير لك .. و الا و الله أخبر أمك ..
شخر بسخرية أثارت اشمئزازها .. و هو يقول ..
- خوفتيني حبيبتي ..
دنا منها و هو يقول بخفوت ..
- ها لي رمتي عليه ..؟ ما شوفج مستقوية يوم عيال عمج هب هنيه يا الــ....
و تفوه بكلمة بذيئة جعلتها تشهق بصدمة قبل أن تقول بقسوة ..
- محد غيرك يا الحثالة .. و عيال عميه يسوونك و بيربونك .. و بيعلمونك مستواك ..
كان يشعر بالغيظ من ذكرها للأمر فقط .. شيء من الحقد عاد يتفجر داخله ..
قالت باحتقار ..
- خوز من طريقي يا الوصخ .. لو ما لحَّسوك عيال عميه القاع باكر ما كون بنت أبـ ..
قبل أن تتم عبارتها أطبقت يده الكبيرة على فمها تكتم أنفاسها و يده الأخرى تمسك بخصرها و هو يقترب من باب المجلس الذي لم يكن يبعد سوى خطوات ..راحت تنفلت منه و تجذب نفسها بقوة و هو يدفعها .. قدماها تتشبث بالأرض تأبى التقدم و هو يجذبها بوحشيّة .. كان كالمجنون و أنفاسها تتحشرج مكتومة .. حين فتح باب المجلس ذو النور المطفأ .. و ألقاها في الداخل قبل أن يوصده .. يقف بينها و بين الباب .. و قد سقط غطاء وجهها و هي تستعيد أنفاسها بجنون قبل أن تجري نحو الباب بقوة لتدفعه عن طريقها تنشد الخروج .. لم يكن الظلام يساعدها و هو يمسكها بقوة ليطرحها أرضا مجددا فلا تتوقف صرخاتها .. ثم تهب واقفة لتندفع نحو الباب مجددا فيمسكها من طرف ثوبها و يضمها بذراعيه بقوة محاولا كتم صوتها ..
تركل .. و تخدش .. و تلكم باستماتة .. و هي تصيح به ..
- ظهرنيييييييييييييييه يا الكللللللللللب .. وخرررررررر .. ظهرنييييييييييييييييييه ..
كانت تريد أن يصل صراخها لأحد ما .. لابد أن يساعد ضيق هذه البيوت على سماع الصوت .. و لكن الحقير ألجمها بلكمة على فكها طرحتها أرضا مجددا شعرت بلزوجة دافئة تتدفق من شفتاها و أنفها .. لم تبالي نهضت بجنون و الدموع تغشى بصرها ترا خياله في الظلام يدنو منها ..
عليها الهرب ..
عليها أن تجد سبيلا لذلك .. دفعته مجددا .. و كاد يسقط قبل ان يجذبها من شعرها .. و يلقيها أرضا ثم يلقي بثقل جسده عليها .. راحت تدفعه بيدها تحرك جسدها .. تحاول التزحزح .. عقلها يعمل بجنون .. و هي تخدش وجهه و تعظّه تحاول توجيه الضربات لظهره الثقيل .. و لوجهه ..
أنفاسه تلفح وجهها لتثير الغثيان في نفسها .. و هو يشتم بقسوة ..
- بس يا حيوااااانه ..
كل محاولاتها باءت بالفشل .. و هي تحاول منعه مما ينوي .. علمت أن لا طاقة لها أمامه قوته الرجولية و جسده الضخم الذي راح يضغط عليها .. لذلك بكت بقوة و هي تتوسله ..
- أرجوووووك .. لاااااااا .. الله يخلييييييييييك .. و الله آسفة .. و الله آسفة .. دخيييييييييييييييييلك .. أحب ريووووووولك لاااااااااااااااا ..
كانت تنشج و هي تتحرك فيما يحاول هو تثبيتها بقوة .. شهقاتها .. المتقطعة لم تؤثر فيه ..
- الله يخليييييك .. حرااااااااام عليييييييك .. لااااااااا .. ودرنيه .. يا ويييييييييلك من الله .. أحب ايدك .. لااااااااااااااا ..
بكت بشدة و راحت تصيح الآن تستنجد بصراخ .. حين أدركت أن توسلاتها لن توقفه ..
- ماااااااااااااااااااااااارييييييييييييييييييييد .. ودرنيييييييييييييييييه يا الكللللللللللللللللللللللللللب .. لاااااااااااااااا .. الله يلعنك لااااااااااا ..
وضع يده الثقيلة على فمها يخنق كلماتها .. شهقاتها .. صيحاتها ..
راح يخنق كل شيء جميل ..
يمزق كل ما في حياتها بفعلته الشنعاء و عينيها الواسعتين لا تتوقف عن البكاء ..
يهتك كل حلم .. كل أمل ..
يحرق كل ذرّة براءة في روحها ..
تلك التفاصيل الصغيرة التي تسكننا في مراهقتنا .. خيالاتنا التافهة .. اللذيذة .. التي تراودنا ..
داس عليها بقدمه القذرة بلا مبالاة ..
كل شيء .. كل شيء .. أحرقه .. و لم تطفئه دموعها .. و لم توقفه ضرباتها اليائسة ..
أنى لإنسان أن يفقد تفاصيل عمرٍ في برهة ..؟!
ماضٍ .. و حاضر ..
و كل ما هو آتٍ .. لم يعد سوى سواد لطّخ حياتها .. و هي تُنتَهك هنا بلا حيلة .. تحت وطأة هذا الدنيء ..
صرخاتها تخنق .. و أحلامها توأد ..
علمت في تلك اللحظات و هي تكابد ذاك اليأس الذي راح ينخر عظامها .. و الوهن الذي دب فيها ..
أن حياتها توقفت هنا ..
و أنه لا طرقات قد تخطوها بعد هذه ..
لا طرقات ..
سوى ما نشر فيها شوكٌ سيدمي أثرها .. و قلبها ..
و روح لم يتبقى منها سوى حطام .. !

* * * * *






:cry:

اصیل المهاجر
18-01-2008, 01:57 AM
انتظر ال...

أمواج
18-01-2008, 11:37 AM
مرحبا أختي الماس ..

يعطيج العافيه على التكمله ..

كنت متابعه من بعيد واليوم من الفجر على القصه ماقدرت أنتظر ..

ومع نهاية البارت خالجني احساس بالحزن أو بالشفقه لحال عفرا ..

.: المــاس :.
18-01-2008, 07:31 PM
انتظر ال...

حياك اخوي :)

.: المــاس :.
18-01-2008, 07:34 PM
مرحبا أختي الماس ..

يعطيج العافيه على التكمله ..

كنت متابعه من بعيد واليوم من الفجر على القصه ماقدرت أنتظر ..

ومع نهاية البارت خالجني احساس بالحزن أو بالشفقه لحال عفرا ..

شفتي شلون .. تقطع قلبي ع المسكينه :(

وشي ما توقعت حدوثه ابداً ابداً .. والله يستر من الجاي ..

منوره فديتج ..

الشقردي
19-01-2008, 11:39 PM
شيء مب متوقع

الله يستر من الجاي

what ever
23-01-2008, 01:17 AM
بل والله انصدمت من اللي سواه هالسالم النذل في عفرا !!!

ننتظر التكمله ..

.: المــاس :.
26-01-2008, 08:33 PM
الخطـــــــــــــــوة الثانيـــــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }


[ خطوات أسمع صوت شيء تهشم تحتها ..! ]









- القهوة ما بتخليك ترقد ..
قالها مايد لأبوه بهدوء .. لكن سلطان لم يعبأ به ارتشف فنجانه باستمتاع قبل أن يمده لأم مايد مرة أخرى لتملأه الأخيرة ببساطة .. و هي تتابع حديثها لسلطان الذي استرخى على المتكأ و جلس بجانبه عبيد الذي تعلقت عيناه بجهاز الحاسوب المتنقل .. و ذهنه مشغول بما تقول أمه ،،
- يوم الخميس إن شا الله .. هو ولد غاية بنت محمد ..
ابتسم عبيد بهدوء و هو يقول لأمه بلطف ..
- اماااه فديتج الريال ينسبونه لأبوه هب لأمه ..
عقدت الأم جبينها و هي تنظر له من خلف البرقع بعينٍ ناقدة ..
- بلاها الأم ..؟ ما تبون تنسبون لها ..؟ لو هب بنت عرب ما خذها الريال و ياب عيال .. و ربتهم .. عدها هي لي تربي الرياييل و الا الابو شدراه .. لاهي يراكض يمين و يسار .. و الحريم يتعبل به و بعياله .. يحملن و يربن .. و يربن و يكبرن .. و أحين ما تبون تنسبون الا لبوكم .. شوه سوا ابوكم ..
اعتدل سلطان في جلسته و هو يقول مستنكرا ..
- أنا راعي معدِّية .. شوه سويت ؟؟! ما سويت شي ..! انتي لي اشتغلتي و يبتي .. انتي لي عيشتي عيال و كسيتيهم .. انتي لي دخلتيهم المدارس!!!!!.. اسميه صادق لي قال الحريم ما فيهن يماله .. امررررة انتن لو الواحد يركض ركيض لرضاكن و يراعيكن ليل و نهار .. ما بين في عينكن ..
لوحت أم مايد بيدها منكرة ذلك ..
- يبت ربيتين و حاسبتنا فيهن .. أول الواحد ما يسوي شي الا و حرمته تعاونه .. تحيد يا سلطان يوم عدنا في الغريبة و انت كل شهر مشرّق و مغرّب .. عيالك امنوه لي أكلهم و شرّبهم .. محد لهم الا أنا .. عيل يوم بيقولون مايد و الا عبيد .. شعنه بن سلطان .. لو ع الفلوس و العيشة أخير يغيرون .. المفروض يقال لهم عيال عذيجة ..
ضحك مايد و هو يلتفت لعبيد الذي يتابع النقاش بابتسامة ..
- يا خوك فتحت لهم باب ما بيصخّون ..
ضحك عبيد و هو يعيد عينه للجهاز ..
- تخيّل يزقرونيه في الجامعة عند الشباب .. عبيد عذيجة .. هههههههه .. قسم بالله فضيحة ..
- عبوووود يااا مسود الويه ..
كانت تلك كلمة أمه التي ألجمته و هو يلتفت لها و يشد نفسه ..
- يااااااااااا لبيييييييييييييييييه يا أم عبيد بن عذيجة .. يا شيختهم و تاج روسهم .. امررة باكر بحول الجنسية يغيرون اسميه في لايواز و يخلونه عبيد بن عذيجه ..
لوحت بيدها غاضبة ..
- لا تيلس تقردنيه .. هب عايبنك اسميه .. و فضيحة ..
أشر عبيد لنفسه منكرا ..
- أفاا .. منوه قال ..؟ أنا ..؟ منوه لي ما يعرف و لا عنده ذوق ما يبا يسمي عذيجة .. أسميييه ما يعرف من الزين شي .. عذيجة .. عذيجة يعني لي متفردة بالزين و الوصوف عن العرب يميع ،،
حرّك سلطان فنجان القهوة و هو يترنم قائلا ..
- عذيجة لو تدريـن مابـي مـن العـوق .. ولــو تعلمـيـن ابـحـالـة المستـهـامـي
يوم الخلـي نايـم وخالـي مـن الشـوق .. جـفـنـي عـلـيـه الـنــوم آزم حــرامــي
الدّمـع كالمـرزاب يدفـق مـن الـمـوق .. جـنّـي رضـيــعٍ فـــي بـدايــة فـطـامـي
أو كـالأسـيـر الـلّــي مـقـيّـد مــوثــوق .. او كالغريـج اللـي وسـط مـوج طامـي *
ضحك مايد بقوة ..
- ابويه فديت خشمك .. القصيدة ما تقول عذيجة لو تدرين مابي من العوق .. تقول فيها يا شوق لو تدرين ما بي من العوق ..
عقد أبوه جبينه ..
- شدرّاك ..
- أحيدك لول تقول يا شوق .. كيف غدت عذيجة الحين ..؟ هاي هب قصيدة الحصباة ..؟ هي .. انا متأكد .. حافظنها .. الحين قدام أمايا بتغير القصيدة .. أمااه شفيه يطرب لطاري شوق .. نحن ما نسمي شوق .. طاعي من وين لافي عليها هالشوق .. كاد ربج تكون من هاللبنانيات و الا ........
نهره سلطان و عينه على زوجته التي بدا أنها تنفث لهبا من الغضب ..
- مايد يا الهرم .. لا تخرب بيني و بين أمك يا صبي ..
رفعت عذيجة حاجبها و هي تنتزع فنجان القهوة بقوة من يد زوجها .. و تقول بنقمة ..
- شعنه تسكت الصبي .. خله يقول .. و الا متروع ..
- متروع من شوه يا حرمة .. أنا ما أتروع الا من ربي لي خلقنيه ..
- الله يعلم ..
- هيه الله يعلم .. بعد شوه .. بدسها شوق لو يبتاا .. بروغ المستأجرين و بحطها في الكراج .. و الا شعنه الكراج .. بحطها في حجرة وديمة بنتج .. عمتاا و أولى بها ..
ضربت عذيجة صدرها بحسرة ..
- وااا لعقتيه يا سلطاااان كانك صااادق .. - ثم نظرت له بشراسة - انته شيبة مخرف .. محد منهن تباك لا شوق و لا عوق ..
- عوذ بالله من العوق .. منوه لي قال شيبه .. عدنيه سباب .. و بييبها شوق و بتشوفين ..
ضحك مايد و عبيد و الأخير يقول ..
- أمييييه لا تصدقينه يباج تعصبين ..
لوحت أمه بيدها غاضبة و هي تتذمر بكلمات و أبوهم لا يلقي بالا لها .. يرتشف قهوته باستمتاع ..
هذه الجلسة الهادئة .. التي لا تخلو من مناوشاتٍ عدّة .. لها لذّة مختلفة .. لا يضاهيها شيء مطلقا ..

* * * * *

نظرة أخيرة على المرآة المعلقة لجدار مغسلة الحمام الخاص بالمجلس الذي يسكنه .. رنت على باله صورة مرآة غرفته الضخمة .. ابتسم بسخرية .. حجم جناحه هناك قد يفوق مساحة هذا البيت كلّه .. عدّل - غترته - الحمراء على رأسه و تأكد من استواء - العقال - ثم ألقى نظرة على ساعته ..
الثامنة و النصف ..
عليه الذهاب الآن .. تحرك متجها نحو الباب الخارجي .. بخطواته الواسعة .. و ذهنه يستعيد وجهها المتصلب ..
و صوتها الجاف .. ما الأمر .. أ تتدلل كما تفعل النساء ..؟ هه .. فلتفعل ما تريد .. لا يهمه .. كل ما يبغيه أن تكون اكثر من راضيّة حتى يحصل عليها .. الغريب هو ذاك الضيق الذي يكتنف صدره مذ لمس جفاءها في تلك اللحظات .. شعور بالاستياء جعله راغبا في الدخول و جرّها للخارج كي يسألها سبب هذا البرود الكريه ..
خرج من الباب و هو يضغط على زر فتح الأبواب الأوتاماتيكي من بعيد لتومض أنوار السيارة معلنة الاستجابة .. خطوتين و هو يدنو من سيارته قبل أن يتجمد في مكانه ..
الضجّة المعتادة لهذه الحارة الضيقة ببيوتها المتقاربة .. أبواق السيارات و أصوات حركتها القادمة من الشارع العام القريب .. صرخات الاطفال من شتى الأماكن .. و أنفاس الليل الخريفي الذي راح يدحرج أمامه وريقاتٍ يابسة تساقطت من شجرة عجوز .. انحنت بتعب أمام البيت المجاور ..
كل هذا .. لم يمنع ذاك الصوت من التسلل لأذنه .. أرهف السمع أكثر .. و عيناه تتحركان بسرعة في الشارع أمامه .. شعور بارد سرى على طول ظهره الذي تصلّب في وقفته .. وقشعريره تدفقت في جسده ..
صوت ونين خافت امتزج ببكاء ضعيف كان يصله بوضوح .. استدار حول نفسه ليلقي نظرة إلى الخلف ..
فورا سقطت نظرته على الزقاق الداكن .. و ظلال جسد تكوم فيه .. ضيّق عينيه ..
ماذا ..؟ حيوان ..؟ يستحيل ذلك .. سمكنه أن يميز خطوط ذاك الجسد البشري .. لبرهة أبت قدماه التقدم .. لا يدري لما منعه شعور ما من اكتشاف من يختفي في الزقاق .. نحى تلك الرغبة التافهة جانبا .. و هو يتقدم ببطء نحو مصدر الونين ..
كان الزقاق أمامه ضيّقا للغاية .. يفصل بيتين متجاورين و يصل بين هذه الحارة و الحارة الأخرى .. أضواء البيوت الخافتة تلقي ظلالا من الضوء عليه ..
هاهو يدنو الآن يقترب من فوهة الزقاق .. و عيناه تضيقان في محاولة تبيّن هذا المخلوق المكون .. ما ان أصبحت تفصله بينهم خطوات .. حتى اتسعت عيناه بصدمة .. كانت شابة تجلس بطريقة ملتوية غريبة و هي تضم نفسها بقوة .. تشعث شعرها الطويل حول جسدها الذي راح يرتجف بشدّة .. و صوت أنينها أصبح مسموعا حين اقترب .. اقشعر بدنه لنواحها الغريب .. بدت متوجعة .. أو ممزقة لا يدري ..
شعر بقدماه تتصلب على بعد ألم منها .. كأنها تئن و هي تصرّ على أسنانها ..
فخرج بكائها مفجعا .. الغريب أن الثوب بدا له مألوفا .. و هذا الطول الذي تبين رغم وضعية القعود المخيفة التي اتخذتها في التواء .. يعقد جبينه محاولا تعرفها ..
لكن وجهها كان يختفي تحت ستار شعرها المبعثر الثقيل ..
هناك شكٌّ أخافه .. ماذا لو كانت هذه إحداهن ..! قد أمضى أشهرا هنا .. خالطهن بما يكفي لتعرفهن في أي مكان ..
هل يعقل ..؟ لا .. لا يمكـ ...
حاجبيه معقودين و صوته بدا متشككا و هو يسأل من مكانه الذي وقف فيه ..
- نــــــــورة ..؟
انتفض جسد الشابة بقوة .. و كأنما لم تشعر بدنوه الا للتو .. لترفع رأسها نحوه و تطلق عويلا قبض قلبه بقوة ..
اتسعت عيناه و هو يرى تلك الظلال الداكنة التي انسكبت على وجهها ..
هذا الوجه حتما لإحداهن .. لا يمكن أن تكون أكثر شبها من زوجته ..
وجد يده تنتزع - الغترة - بقوة من على رأسه دون أن يبالي بالعقال الذي سقط أرضا .. يفردها في حركة واحدة ليلقيها على رأسها و وجهها .. لا زال عوزيلها العالي يشق الهواء ..
لحظات فقط و سيجتمع أهالي هذه الحارة ليروا هذا المنظر.. لن ينتظر حتى يحدث هذا .. تأكد من تغطيتها و هو يجثو نحوها ..
- نورة ..؟ نورة .. نشي .. خلينا نحدر البيت ..
لكنها لم تفعل .. كل ما فعلته هو أن تعوي بأعلى صوتها و تتلوي بقوة تحت ناظريه حتى كادت الغترة أن تسقط عنها ..تصيح بكلماتٍ مبعثرة غير مفهومة و هي تهوي بيدها في كل اتجاه و كأنما تريد النيل منه .. تلتقط حفنة من التراب لترميها في وجهه القريب ..
- يااااااا الكلللللللللب .. حيواااااااااااااااااااااان .. لاااااااااااااااااااا ياااااااااا كلللللللللللللللب .. لاااااااااااااااا تلمسنييييييي .. لاااااااا دخيييييييلك .. حرااااااااااااااااام ..
أعمت عيناه التربة .. كما أعمت ذهنه الصرخات .. لم يستطع التفكير بأي سبب قد يدفع ابنة عمه للجلوس بلا غطاء و البكاء بهذا الشكل المفزع في الزقاق .. سمع أصواتا تأتي من - حوش - البيت المجاور .. و علم أنها لحظات فقط قبل أن يتجمهر الناس حولهما .. لم يعد أمامه سوى جرها بقوة .. و لكنها كانت عنيفة .. تلتصق بالأرض رافضة الحراك .. قبل أن يلتقطها و يرفعها بين ذراعيه في حركة سريعة .. ليقطع الزقاق و يدلف باب البيت القريب .. و يغلقه خلفه بركله من قدمه .. سارع يقطع الممر الفاصل بين المجلس و الحوش ..
تتلوى بين ذراعيه بعنف .. قبضتها ترتطم بصدره و وجهه قبل أن يتجاوز الباب ينزلها أرضا ..
هذه الفتاة ليست في وعيها ..!!
أشاح بوجهه عنها .. صرخاتها و عويلها المتتالي تلك الكلمات المبعثرة التي بلا معنى .. لم يفهم شيء ..تقدم نحو باب الصالة ليقف على بعد خطوات قبل أن ليهتف مناديا بقلق ..
- حووووووووور ..
الحقيقة أن قلبه كان يخفق بعنف .. و شعور بالاستياء يجتاحه .. و هو ينتظر ظهورها .. صرخات أختها تأتي من خلفه و هي تجثو على الأرض .. لحظيتن مرت دون ظهورها .. لحظتين أفقدته صبره ليصرخ بغضب ..
- حوووووووووور ..
و على آخر صرخته خرجت مندفعة من الباب .. و هي ترفع غطاءها على شعرها بخوف .. لم تتفوه بكلمة و عيناها تصطدمان بجسده العريض الواقف أمام باب الصالة مباشرة .. قبل أن تسأله عن الخطب كشف صمته عن ذاك الصوت المريع ...
.
.
للبرهة فقط ظنت أنها تتوهم الصوت و عينيها تتسعان بغباء محاولة ربط الصوت مع أي شيء قد يصدر عنه .. هذا قبل أن يتنحى بجسده العريض جانبا .. كاشفا عن تلك الملقاة أرضا على وجهها .. و نحيبها المكتوم لا ينقطع .. تيبست في مكانها لبرهة و هي تتأمل الثوب المعروف لعفرا .. و قد غطت شعرها و وجهها بغترة حمراء .. و بدت أطراف شعرها الطويل تتناثر حولها .. وضعت يدها على فمها .. قبل أن تجري نحوها دون أن تبالي بضخامة غيث الذي دفعته جانبا بفزع .. قبل أن تبلغها .. و هي تصيح ..
- عفرااا .. عفرااا .. بسم الله عليج .. عفرااا .. بلاااااج
قلبها الجزع راح يخفق بجنون .. عفرا تتشبث بها و وتيرة بكاءها تزداد بجنون .. راحت الدموع تملأمقلتها .. و هي تلتفت لغيث صارخة ..
- شفيهاااا ..؟؟؟!!! شوه سويييت بها ..؟؟!
اتسعت عيناه بصدمة .. قبل أن يصر على أسنانه بقوة و هو يكبح غيضه ..
- ما سويت بها شي .. لقيتهاا بلا شيلة تصيح في السكة ..
تدلى فك حور المذهولة .. و غيث يتجاوزها خارجا من الحوش متوجها للمجلس .. ليترك لها مجالا كي تتصرف مع أختها و بكاءها المجنون ..!
في اللحظة التي خرج غيث فيها من الحوش .. انتزعت حور الغترة و أبعدتها عن وجه عفرا .. قبل أن تطلق صرخة قصيرة مذعورة ..
- نووووووورااااااااااااااااه .. داااااااااااااااااااااااانة ..
كان الدم يغطي وجه عفرا .. فمها .. أنفها .. لونه الأحمر القاني اختلط بدموعها الغزيرة و صوت بكاءها المخيف تردد في أذن حور التي كانت تضمها بقوة حين تشبثت بها عفرا و هي تبكي بصوت عالي ..
- الكلللللللب .. الكلللللللللب .. ليييييييييييييييييش .. يا حيوااااااااااااااااااااان ..
خرجت نورة و دانة معا و الخوف جلي على وجوههن .. نورة تضع يدها على صدرها ..
- بسم الله بلاج انتي و ريلج تصارخون ..؟
صاحت بها حور و دموعها تبلل خدها على منظر أختها المفجع ..
- ذلفي هاتي ماي بسرعااااااااااااااااه ..
تقدمت نورة للأمام مأخوذة بما ترى و وجهها يسود بصدمة ..
- عــ .. عفاار..ي ..
صاحت حور بقوة ..
- هااااااااااتي مااااااااااااااااي ..
أخرجتها حور من صدمتها لتستدير راكضة للمطبخ .. دانة المتجمدة و يدها تشد على صدرها بفزع .. قبل أن تتعثر بخطواتها للأمام .. و تمسك بيد عفرا ..
- عفرا .. حبيبي .. عفاري .. شوه بلاهاا حور .. شوه استوى عليها ..
انهمرت دموع حور و صوت بكاء عفرا يخف وتيرته بيأس مرير و الأولى تهمس بخوف ..
- ماا دري .. ماا دري ..! يا ربييي .. عفاري .. بس حبيبتي ..
وضعت دانة يدها على فمها و هي تقول بألم محاولة منع نفسها عن البكاء ..
- حوووور .. في ويهها دم .. يمكن طاحت ..؟
ضمتها حور أكثر و هي تسمعها تئن بشيء ما ..
- مادري .. - ثم صاحت بقوة - نوووووراااااااااه ..
مع صرختها خرجت نورة تحمل كوبا كبيرا به ماء لتدنو به من حور التي تحاول جاهدة تهدئة عفرا .. عفرا التي تدفن وجهها الملطخ بالدماء في صدر حور التي كانت تهزّها بصبرو عبراتها لا تتوقف ..
- بس فديتج .. بس .. عفاري .. تعوذي من ابليس .. بسم الله .. شوه استوا عليج ..؟!
و أبعدتها قليلا تلتقط كوب الماء لتدنيه من شفتها .. لكن عفرالم تشرب الماء .. كانت تنشج بصوت يائس غريب مع ظهور مزنة و هند اللتان وقفن بباب الصالة و نايف الذي اندفع من الداخل نحوهن .. عفرا تخفي وجهها في صدر حور ..و صوت متقطع مفزع يصدر عنها و هي تقول بنوح ..
- أ .. أأنااا .. أصااارخ .. و انتوو ما تسمعووووني .. ليييييييش .. ما سمعتووووني .. آآآآآآآآآآه ..
.
.
كانت تشعر بيدي حور تضمها بشدة الآن .. و ألم رهيب راح يعتصر رأسها .. و روحها .. تريد أن تبكي حتى تموت ..
حتى تفنى .. لقد كُسِرَ كل شيء .. كل شيء ..
اليأس ينتشر في دمها و هي تشعر بأن صوتها يخمد .. و أطرافها ترتخي .. رأسها يسند بثقل على صدر أختها .. و كلماتها الذي يفترض بان تهدئها .. تذبحها ..
كيف لهم أن يتحلّقوا حولها هكذا و قد نحر شرفها للتو .. بعثرت أنوثتها .. كل ما قد يحمله المستقبل من لونٍ وردّي استحال لظلمة أفزعتها .. وبرد ارتعشت له أوصالها .. الآن .. و هي تبكي هنا بلا حيله ..
تسقط أوجاعها دمعا بمرارة و يأس .. بدت أيامها القادمة خاوية .. و بلا معنى ..
كل شيء ذهب أدراج الرياح ..
لا حيلة بيدها سوى أن تبكي نفسها .. و كل أسود قادم في أيامها ..
شعرت بحرقة في جوفها .. أطلقتها بنواح ممزق .. و هي ترتخي ..
إذا ما لم يكن هذا هو الموت ..؟! فكيف بالأمر إذا ..؟!
.
.
.
ليه تضميني لصدرك ..؟
ليه بس لوثتي طهرك ..؟
شلّي ايدك عن كياني ..
ودي لوحدي أعاني ..
بعد هالليلة خلاص ..
ماني من يرفع الراس ..
ماني من به شد ظهرك ..
أنا طفلة ..
انسرق لون البراءة من دمي ..
و عافت الضحكات رسمة مبسمي ..
دمعي ينحدر ألماس ..
أصيح بعالي الأنفاس ..
دنسني حقير الساس ..
.
.
منهو انتي ..؟
روح تسكِّت ونتي بصوت هادي ..
خارج المأساة تسكن ..
شايفة هالوضع عادي ..!


وين كنتي ..؟!
حين داسو على حلمي بالقدم ..
هدموه .. و بعثروه .. و احرقوا كل اللي باقي ..
بلا ندم ..
على حالي ..
يوم أنا بحرقة أنادي ..


ما عرفتي ..؟
انكسر فيني أمل ..
وطّوا راسي في الرمل ..
معاد ينشي الروح مني ..
غير حسرة استبدت في فوادي ..
و عين يسكنها سهادي ..
بعثرت أحلامي غلطة ..
و شتتني .. ضيعتني ..
كل ذرة من شموخي ..
أصبحت تسكن في وادي ..!


ما سمعتي ..؟
بعضهم قالوا علي إني نكرة ..!!
إني وصخة ..
إني ما أسوى حتى نظرة ..!
و سدت الحلق عبرة ..
الكل لي أصبح معادي ..
و أنا تذبحني حسرة ..
وينهم يومي أنادي ..؟
ليه ما فزعوا لي مرّة ..؟
يوم لطخ طيب ذكري بالسوادي ..؟


ما فهمتي ..؟
شلّي ايدك عن كياني ..
ودي لوحدي أعاني ..
ودي أنسى هاللي صار ..
أبا أتخذ هذا القرار ..
و أحققه بكل بعنادي ..
ودي أرحل عن زماني ..
بحمل على ظهري عار ..
و في دمعتي حرقة و نار ..
و إذا فعلي هو أناني ..
ما يهم ..
أبا أنتفض من هالدمار ..
أجمع حطام حلمي
و الأماني ..
و أبني بيت ..
أسكن بوسطه لحالي ..
حتى لو لونه رمادي ..
خلوا حزني يغدي دار ..
موجعي شبك النوافذ .. و الألم أصبح جدار ..
مدمعي شربة شفاهي .. و الجرح لي باب جار ..
خلو مأساتي الوسادة ..
و حلمي الميت مهادي ..
.
.
ليه تضميني لصدرك ..؟
ليه بس لوثتي طهرك ..؟
شلّي ايدك عن كياني ..
ودي لوحدي أعاني ..
بعد هالليلة خلاص ..
ماني من يرفع الراس ..
ماني من به شد ظهرك ..
أنا طفلة ..
انسرق لون البراءة من دمي ..
و عافت الضحكات رسمة مبسمي ..
دمعي ينحدر ألماس ..
أصيح بعالي الأنفاس ..
دنسني حقير الساس ..**

* * * * *

- هالصريخ من بيت بو نايف ..؟
قالتها أمها و هي تتكئ بتعب على مخدتها الثقيلة .. حين رأت جبين ابنتها بنعقد في قلق قبل أن تجيب بتوتر ..
- هيه و الله .. هذا صوت حور .. بلاهن ..؟
همست أمها بتعب ..
- تزاقر على خواتاا .. يمكن بعيدة عنهن ..
لم تجبها فاطمة و جبينها لا يزال معقودا .. قبل أن تنهض من مكانها بسرعة و هي تستأذن أمها ..
- أنا بفر حصا ع دريشة مطبخهم أشوف شوه السالفة ..
لوحت أمها بيدها ..
- سيري وايقي في الميلس اول شوفي خوج راقد هناك.. الهرم من ظهر أمس ما شفناه .. مادري متى بينصلح حاله ..
لوحت فاطمة بيدها يائسة ..
- ما بينصلح حاله هالتعبان .. الله يكفينا شرّه بس و بلاويه ..
ثم تركت غرفة امها متوجهة للمجلس الذي يقع عند الباب الخارجي مباشرة ..
فكرت بانه لا داعي لهذا القلق الذي راح يكتنف صدرها على حور .. بدايةً كانت صيحة رجل مفزعة تنادي باسمها .. ثم صوتها تصيح بأخواتها و كانها تستغيث ..!
رأت نافذة المجلس المظلمة .. لا بد أنه هنا عديم النفع ..!
دفعت الباب بقوة لا مبالية .. و أضاءت الأنوار .. أول شيء ادركته أن جهاز التكييف لا يعمل .. أدارت عينها في المجلس الصغير .. بسرعة .. خالٍ ..
لكن ..
عادت تنظر لذاك الشيء الملقى أرضا .. لتتسع عيناها بشدّة .. دنت منه ببطء .. لتمد يدها و تلتقطه من الأرض ..
كان غطاء الصلاة الخاص بعفرا مرميا هنا .. نظر حولها مجددا .. قبل أن تصطدم عيناها مجددا بقطع مشبك كبير انكسر الى نصفين ..
تقف مكانها و هي تنقل النظر بين الغطاء و المشبك ..
لا شيء .. لا شيء أبدا قد يخطر لها و يفسر وجودها هنا ..! ما الذي قـ ....
التفتت بقوة حين شعرت بحركة عند الباب .. تقبضت يداها على الغطاء بقوة حين رأته يقف أمامها .. و قد بدا الاضطراب على وجهه لبرهة .. لم تستوعب ما الذي يفعله أخاها هنا ..
- سالم ..؟
لم يرد عليها .. ضيّق عيناه على ما تمسك بيدها قبل ان يرفعها لوجهها الحذر و هي تقول ..
- متى ييت ..؟
توترت شفتيه قبل أن يقول بقسوة ..
- تونيه .. شوه تسوين في الميلس ..؟
رفعت حاجبها بهدوء و ترد ..
- أدور عليك ..
أشاح بوجهه عنها و هو يقول ..
- ذلفي سوي قهوة بييني ريال الحين ..
لم تتحرك من مكانها .. هناك وميض في ذهنها راح يدور ببطء .. لا تعرف لما تريد الوقوف هنا حتى توضح أمر ما ..
ما هو ..؟!
لا علم لها ..! فقط .. ماذا يفعل غطاء عفرا و مشبكها المكسور في مجلسهم يا ترى ..؟!
لما هذا التعبير الذي كسا وجه أخيها للمرة الأولى تراه .. شيء يشبه الارتباك ..؟!
- انتي بتتحركين و الا شوه ..؟؟؟؟
ضرخ بها فجأة لتنتفض في مكانها بذعر .. قبل أن تندفع بسرعة .. تتجاوزه لتتوجه خلف البيت مباشرة ..
.
.
وضعت الغطاء و المشبك جانبا .. و التقطت بعض الحجارة لترميها على نافذة مطبخهم ..
مرة ..
مرتين ..
راحت ترمي الحجارة واحدة تلو الأخرى دون فائدة ..
لا أحد يجيب ..
حين يأست تركت الحصى الأخيرة تسقط من يدها التي ارتفعت لتضغط على قلبها بقوة ..
ضيق مقيت اعتصر قلبها و عيناها تتأملان الغطاء مجددا ..
ما الذي حدث يا ترى ..؟!

* * * * *

في اللحظة التي أوقف سيارته في الباحة الأمامية العملاقة للمنزل الكبير بجانب جمع السيارات الغفير .. علم أنهم في انتظاره .. الجميع هنا .. و تأخر هو عن تأخيره المعتاد .. هاتفيه المتحركين لا يكفّان عن الرنين .. و هو جالس بتصلب في مقعده .. قبضته تعتصر المقود المكسود بالجلد الدافئ .. و هو يسحب أنفاسا عميقة متعاقبة ..
منظرها .. بكاءها .. و تلك الكلمات المبعثرة .. تعاد مرارا في ذهنه ..
انكسارها ذاك و بكاءها .. أعاده لما يعيشه حين تغفو الشمس .. و يسدل الليل أجفانه .. حين ينأى كل واحد ممن حوله بعيدا .. ليجد نفسه وحيدا ..
يغالب كل ما يغزو ظلمات ذاته .. و مرقده .. أغمض عينيه بهدوء و هو يعيد رأسه للخلف ..
صور متقطعه .. بلا ألوان .. تغشى ناظريه ..
صيحات مفزعة .. و ضجّة ... و إحساس يألفه .. ذاك الهواء الذي لا يصل لرئتيه ..
راح يعب الهواء بقوة .. و ضيق غريب يكتسح صدره .. لطالما انتشله من سواد تلك الرؤى إختناق ..!
عاد هاتفه يهتز بجنون مرّة أخرى .. ألقى نظرة غير عابئة به .. قبل أن يستوقه الرقم الذي تألق على شاشته ..
هذا هو الشخص الوحيد الذي لن يتجاهله ..
أبدا ..
التقط الهاتف يرد عليه بحركة سريعة ..
- مرحبا ..
صوته القوي الهادئ يتدفق من سماعة لأذنيه .. يسري في عروقه ممتزجا باحساس مريح بالأمان و الطمأنينة رغم كلماته المختصرة ..
- وين انته ..؟
أغمض عينيه و هو يزفر مطولا قبل أن يرد بهدوء ..
- عند الباب ..
صمت ساد لبرهة قبل أن يأتي الصوت أكثر خشونة بقلق ..
- رب ما شر ..
ابتسامة غريبة اعتلت شفتيه .. للحظة شعر بأنه عاد طفلا في كنف ذاك الكبير .. يفزعه .. و يقلق عليه ..
- و لا شر .. الحين حادر ..
أنهى المكالمة دون أي كلمة أخرى .. و دون أي مجال للعودة إلى تخبط الأفكار .. فتح باب سيارته يترجل منها .. ما ان أغلقها .. حتى رفع حاجبه ببرود عندما وقعت عيناه على السيارة التي دلفت البوابة الكبيرة للتو ..
يبدو أنه ليس الوحيد المتاخر هنا ..!
انتظر أن يركنها في مكان قريب قبل أن يترجل راكبها .. و يتوقف أمام الباب لبرهة .. يصفق باب السيارة و يغلقها .. ثم يتوجه نحو غيث يخطوات واسعة ..
- السلام عليكم ..
رد غيث بصوتٍ ثلجي ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. تو الناس ..
سلّم عليه بحرارة قبل أن يقول ..
- من المغرب و أنا هنيه رديت البيت أييب أوراق و أيي .. شحالك ..
تنهد غيث و هو يرخي عضلاته المشدودة .. لا يدري لما تمنى أن يكون حامد متخلفا كعادته .. ليستمتع بتأديبه فيفرغ شيئا من هذه الطاقة السلبية التي راحت تتوزع في أطرافه ..
- الحمد الله .. انته شحالك .. علوم الدوام ..
تقدما يمشيان سويا باتجاه المجالس التي تقع منفصله عن المنزل الرئيسي .. و حامد يلعب بمفاتيح سيارته مجيبا بهدوء ..
- يسرك الحال ،، كل شي طيب .. شهرين و بيردون فهد للادارة التنفيذية ..
عقد غيث جبينه و هو يقول باحتقار عميق ..
- ما يستاهل يرد .. لو منهم خليته مفرور في المخازن الين ما يموت ..
هز حامد كتفيه بلا مبالاة ..
- عميه أحمد ما بيطيع يخليه اهناك .. و لو انه وقف وياك يوم بغا يضيّع الهرم المناقصة ربك ستر .. المهم يوم بيرد .. أرد الدائرة القانونية .. و الا أتم في التنفيذ ..؟؟!
تنهد غيث ..و الضيق ذاك لا يتزحزح ثقله عن صدره ..
- أباك تيي عنديه .. بس فنفس الوقت أبا العين على فهد لا يتدخل شرا المرة لي طافت و يخرب عليّه .. ما عليه .. عقب شهرين .. يصير خير ..
كانا قد بلغا المجالس .. راح حامد يمرر يده على غترته متأكدا من وضعها .. تنهد غيث و هو يتذكر غترته التي تركها على عفرا و ارتدى غيرها ..
قطع ممر قصير يتفرق لمجموعة من الحمامات و يقود طريق آخر منه لأربعة مجالس ضخمة .. اقتربا من أدناها بصمت .. دلفا من باب المجلس الذي فتح على اتساعه لتجتاحهم موجة من الأصوات الرجولية الغليظة و الاحاديث المتفرّقة .. ليسلم غيث بصوتٍ جهوري استدارت له رؤوس الحاضري ن..
- السلام عليكم و الرحمه ..
كان المجلس مكتظا بالرجال .. فالعشاء الذي يعدّه جدّه بمناسبة انتهائهم من مشروع ما لم يتذكره ذهنه المزدحم ما هيته ..
الأصوات الغفيرة التي ردّت السلام و راحت ترحب به زادت من صداعه و عينه تتعلق لثانية بعين جدّه الذي نظر له مباشرة من صدر المجلس بعين ثاقبة و كأنما يريد اختراق غياهب روحه ليستشف الشيء الذي زعزع ثباته و لو قليلا ..
تحرك غيث بهدوء يسلّم على الحضور واحدا تلو الآخر .. فيما تجاوز حامد من رآهم و توجه للذين لم يلتقيهم بعد ..
معضم هؤلاء لا يعرفهم رغم التقاءه بهم في عدّة مناسبات .. يسلم عليهم واحدا تلو الآخر .. وجوه متتالية عدة لم يستوقفه أيٌّ منها .. سوى .......
الصوت الأثير الذي تسلل لأذنه و هو يسلم بعمى على ذاك الرجل ..
- حييّه بو سيف ..
انتصبت عينا غيث عليه و هو يبتسم بدهشة ..
- و به حي .. مرحب ..
و سلّم عليه بحرارة ..
- قلت ما بتيي ..؟؟!!
ردّ نهيان ابتسامته بهدوء ..
- تعشيت ويا الأهل و ترخصت منهم .. يسلمون عليك ..
شد غيث على يده ..
- الله يسلمك و يسلمهم .. سلّمت على بويه سيف ..؟!
هز نهيان رأسه ..
- هو لي قرب بيه .. يتخبر عنهم ..
كلمات مختصرة قبل أن يفلته غيث و يواصل الدوران على الموجودين .. ما أن بلغ فهد الذي توسط بو غيث و سيف .. حتى شد على كفّه و هو يسلم .. شعر بأنه على وشك أن يسحقها .. و نظرة فهد الباردة تخفي حقدا دفينا ..
لا يرتاح له .. و لا يحبه ..
أفلته .. ليسلم على البقية .. و لم تخفى عليه نظرة سيف المستاءة و هو يتأملهما .. لطالما سعى سيف جاهدا للاصلاح بينهما .. لكن يستحيل ذلك .. كيف له أن يدفعهما لتقبل أحدهما الآخر .. أو ايثار السلام ...؟!
احتضنت يد جده كفّه القوية يده و هو يشد عليها .. شعر بوخزة في صدره .. شعر بامتنان عميق و نظرة جده المتفحصة تمسح تعابيره ببطء ،،
قلق عليه ،،
دوما سيعود ذاك الطفل الذي كبر في كفنه .. و الذي زرع في داخله كل مبادئه .. قيمه .. سيعه الحثيث لرزقه ..
الرجل الوحيد الذي ارتشف من راحتيه معاني القوة ..و القسوة و الجفاء ..
هذا الكبير هو الذي ربّاه .. و ضمّه تحت جانحه .. أعاد له الأمان حين ضيّعه في غفلة عن الآخرين ..
بعدها تعلم أن يدرج كل طيف لمشاعرٍ واهية في طيّات نفسه .. خفيّة عن أي يدٍ قد تمد لتقتلعها من جذورها ..
أي لين قد يؤدي لدهسه تحت الأقدام ،، أدرك أن لا أمان له .. عليه أن لا يري الآخرين أنه قابل للكسر ..
.
.
هذه المشاعر المتضاربة ..
دفق من الأحاسيس المضطربة .. الغابرة ..
التي يستيقظ كل صباح فيدثرها في نفسه .. يجد فرجا كي ينفس عنها ..
هذا الضيق الذي يكتنف صدره ..
ما الذي دفع بزخم كل هذا للمقدمة ..؟!
بكاء تلك الشابة ..؟! انكسارها أمام عينيه ..
لوعتها التي لمسها في عويلها .. نبش فزع عايشه ذات عمر ..؟!
هز رأسه لجدّه بابتسامة واثقة .. و هو يغلّف أحاسيس عينيه ببرود ..
ليس عليه أن ينثر كل غباءه هنا .. حين يختلي بنفسه سيجد تفسيرا لكل هذا ..
كل ما في الأمر أنه شعر بحاجة ماسة تحثّه على رؤية جدته ..
يريد أن يرفل لثانية في عطاء تلك الأم ..
يعلم أنه سيجد الاستقرار بعدها في تلك الليلة ..

* * * * *

كان يقف أمامه مباشرة .. يعلم أن أبناء هذا الرجل يهابونه .. يطيعونه .. و لا يمكن لأحدهم أن يخرج عن أمره ..
فعلها أحدهم ذات يوم .. و نفي لمرابع الهجران .. حتى رحل ..
وجهه القوي .. نظراته الثاقبة .. تلك الحيوية التي تتدفق من عينيه لا يتمتع بها من هم يصغرونه جيلا .. رغم ذلك لم يرهبه ذلك .. كلن يهاب جده و يحترمه .. و لكن حين تكون ممسكا بحقٍّ بين يديك .. تريد ايضاحه .. لا شيء أبدا قد يجبرك على التراجع .. لذلك لم يكن ينتظر سوى سؤال جده الصارم و هو يقول ..
- رب ما شر يا بو هناد .. شوه الموضوع لي تبانيه فيه ؟؟
ثم رفع عينه للساعة المعلقة على الجدار .. عقاربها تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل .. كان العشاء قد انتهى .. و ذهب المدعوون منذ ما يقارب الساعتين فلم يتبقى سوى أفراد العائلة منهم من مضى لبيته و منهم من دخل لرؤية أم علي و وجد هو فرصة للحديث مع جده جانبا ..
أزاح سيف غترته عن رأسه و هو هو يحك لحيته بيده الأخرى قبل أن يقول بهدوءه المريح ..
- و لا شر يا بويه .. أبا أرمسك في شي .. و أنبهك عليه ..
استرخى الجد و عيناه تتأملان هيئة سيف المسالمة ..
- لي هو ..؟
سحب نفسا عميقا قبل أن ينظر لجده و يقول بصوت وقور ..
- ما تلاحظ يا بويه انك تبد غيث على عيالك و على باقي عيال عيالك ..؟
صمت ساد المكان لأنفاس .. و سيف ينظر لجدّه الذي راح يرد نظرته بقوة لم تزعزع ثبات ذاك .. قبل ان يرفع الجد حاجبه ببرود ..
- غيثر أنا لي مربنه .. عادنه ولديه هب ولد ولديه .. و غيث أكبركم .. و عونيه ..
هز سيف رأسه بثبات دون أن يتراجع ..
- كل هذا على العين و الراس .. لكن اتم مفرق امبينا .. تبد غيث علينا .. و تميزه .. و هالشي ما ايوز بارك الله فيك ..
لم يرف للجد جفن و هو يعقد ذراعيه ..و يقول ببرود ..
- شوه لي ما ايوز ..؟
قال سيف بقوة ..
- ما يوز تفرق بين عيالك ..الرسول عليه الصلاة و السلام نهى عن هالشي .. واحد من صحابة الرسول هو النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول : تصدق علي أبي ببعض ماله . فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أفعلت بولدك هذا كلهم ؟ ) قال : لا . قال ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) . فرجع أبي . فرد تلك الصدقة ***..!!
عقد جبينه و هو ينحني للأمام و يمد راحتيه و كأنما يفرد الفكرة أمامه و صوته لا زال هادئا ..
- و انته يا بويه الله يهديك .. تفرق امبينا و معطي غيث الخيط و المخيط ،، التمييز لي انته تسويه و محاباة غيث من بدنا ما تسوي الا البغظ .. الشيطان بيدخل بيننا و نحن نشوفك تخصه عنا ..! الشيطان لي دخل بين يوسف و أخوانه .. و فرق امبينهم .. يوم ربي يقص قصتهم في كتابه العزيز .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،، بسم الله الرحمن الرحيم : ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عُصبةٌ إن أبانا لفي ضلال مبين )****
تنهد بسماحة ..
- يا بويه بارك الله فيك .. لي تسويه هب زين .. اعدل .. اعدل .. لا تعطي حد و تقصر عن حد .. الشيطان و الحقد بينفرنا من بعض .. الغيرة و الحسد بتدخل بينناا ..
ثم صمت ..
لحظات مرّت ثقيلة .. و تعابير الجد المتجمدة لا تفصح عن شيء .. لا يدري لما راود سيف شعور بانه نطح جدار ..
شرعان ما تأكد من ذلك حين تلفظ جدّه برده البارد ..
- بس هذا لي عندك ..؟!
راحت الخيبة تجرفه بعيدا قبل أن يسمع رأي جده .. على يقين بأن كلماته لم تجد صدى ..
- الدين نصيحة .. بغيت أنصحك .. لا تكون سبب بيناا ..
- لا تعلمني الدين يا ولد ..
زمجر جده بتلك الكلمات و عيناه تلمعان بقسوة .. قبل أن يردف بقوة ..
- تبانيه أعطيك لي اعطيه غيث ..؟ ودّر الشرطة و اشتغل ويا هلك ..
لماذا فسّر نصيحته على أنها مطالبة .. قال سيف بعتب هادئ ..
- يزاك الله خير يا بوي .. لو بغيت شي أدريبك ما تقصر .. و أنا ما أرمس عن عمريه .. انت تدري شوه قصدي ..
رفع الجد حاجبه .. و أذن صمّاء يلقيها لسيف ..
- لااا ما أعرف قصدك .. عندك شي قوله .. لا تيلس تلف و تدور .. غيث لي فيكم كلكم .. ريّال و راص ع عمره .. يستاهل لي ييه يوم انه يسعى لخيرنا .. محد منكم سوى لي يسويه .. انته شارد الشرطة .. و المعثرين حامد و فهد ما منهم خير .. يهّال ما منهم خير .. يوم انكم بتسوون لي يسويه غيث و بتشقون للحلال شراته .. بنبدكم عليه .. لا تيي تعلمنيه و تأمرنيه شوه أسوي و منوه أعطي .. الحلال .. حلالي .. و أعطيه لي ابا .. كان حد منكم عنده غير هالرمسة يقولها ..
- ياا بويـ ...
- سيف ..! عندك غير هالسالفة ..؟
- اسمـ ..
- عندك غيرها ارمس .. ما عندك غيرها توكل على الله .. الساعة طافت الوحدة .. و أنا برقد .. أنا سارح من غبشة باكر ..
هب سيف من مكانه .. و هز رأسه بأسى .. توقع ان يلقى كلامه صدى على الأقل .. لكن .....
لكنه لن ييأس .. سيظلّ خلف جدّه حتى يترك هذه التفرقة التي لم تسبب سوى أحقاد بين أبناءه ..
لذلك دنى منه باحترام لينحني على رأسه و يقبله ..
ثم يقول بهدوء ..
- الله يهديك ..!

* * * * *

لحظات مرّت و هي تناظر شاشة الهاتف أمامها .. اسمه يتألق عليها بغطرسة ..
كحضوره .. رغم تلك الوداعة التي تألفها ..
كالقوة التي تنبثق منه لترغمها على أن تكون دوما ضعيفة أمامه ..
شعرت برغبة قوية في تجاهله .. لكنه واصل الرنين باصرار .. حتى خشيت أن تستيقظ أختها على صوته .. رفعته بسرعة .. و هي ترد .. تلصق السماعة بأذنها .. ليتدفق صوته العميق إليها ..
- شوه راقدة ..؟!
أغمضت عيناها .. رغم كل ذاك الخوف الذي يسكنها في هذه اللحظة .. القلق ..
و الألم على حال هذه الحبيبة التي تستلقي هنا بهدوء ملائكي بعد تلك العاصفة التي أفجعتهم ..!
استطاع بكلمتين فقط أن يلقي بها في دوامة من الاضطراب ..
لا يبدأ بالسلام .. و لا السؤال عن الحال ..
لا تسمع الـ ألو المعتادة من كل الناس ..
هكذا هو .. يقتحم سكونها .. ليضيّعها في مداره ..
حيث يكون محورا .. هو فقط .. و لا أحد آخر ..
لماذا يخترق الناس أحاسيسنا رغما عنا ..؟ لما لا تكون ملكا لنا فقط ما نريد أن نشعر به ..
ما يخصّنا ..
و ننفي من لا نريد إلى تلك الأراضي الباردة التي لا يسكنها سوى المهملون من مشاعرنا المتمردة ..
لكنهم يفعلونها .. ينبشون كل ما هو غير مفهوم .. كل ما نطمسه في أنفسنا خوفا منه ..
عندما لا ندرك معنى له ..
تبا لهم .. كم هم متطفلون ..
- حور ..؟
سحبت نفسا عميقا تحتجزه في صدرها .. قبل أن تجيبه بصوت مختنق ..
- هممم ..؟
صوته أتى خافتا الآن ..
- راقدة ..؟
أنَّى لها ذلك ..؟
أصبحت الأمور تتخبط داخلها الآن .. كل شيء يزدحم في ذهنها .. كل شيء و لا شيء ..
لا تعرف ما الذي عليه أن تفكر فيه أولا .. لا تعرف ما الذي يحدث لها ..
أين هي .. و من هي ..
ما هي هذه الطرقات التي تسلكها ..؟!
إلى أين تقودها ..؟!
البداية .. النهاية .. أصبح كل شيء مختلط عليها ..
تريد لحظة واحدة من السكون فقط ..
لترى أي مطاف قد بلغت قدماها دون وعي ..!
راقدة ..؟!
أين هو النوم .. لم تعرفه الليلة أجفانها ..!
زفرت ذاك النفس الحبيس و قد حمّلته أوزار همّها الذي لا تعرف له سببا محددا ..
- لا ..
- تعالي ..
كان هذا أمرا .. لم يطلب منها .. بل يقودها بكلماته .. بحثت عن برودها .. تتسلح به مجددا ..
تذكري .. نايف .. مايد .. عبيد .. غيث .. كلهم سواسية ..
تخيّلت مايد يقول هذه الكلمة .. هه .. لا .. مايد لا يفعلها بهذا التسلّط ..
كلمة واحدة وجدتها تنفلت من شفتيها بهدوء ..
- انزين ..
و أنهت المكالمة ..!
أسندت رأسها بيدها .. عيناها تتأملان وجه اختها الغارقة في النوم .. جانب وجهها الأيسر تلوّن بلونٍ أزرق خفيف زحف على جانب أنفها أيضا ..
ستصبح هذه الكدمة داكنة بشكل سيء في الصباح ،، هذا غير طرف شفتها المشقوق الذي تورم ..
استعادت سردها الباكية لتلك الحكاية المتخبطة .. لم تفهم من التفاصيل شيئا غير هذيانٍ غريب عن كلبٍ لحق بها في طريق عودتها من بيت أم سالم ..
أجبرها على تغيير طريقها لتعلق في شجرة قد نبتت في الزقاق .. و تقع على وجهها ..
لا تعلم أين ذهب الكلب .. أين غطاء رأسها .. كل ما شعرت به هو قدوم غيث الذي أخافها ..
ثم وصول حور ..
هل لكلب أن يثير كل هذا الفزع في نفسها ..؟ ذاك البكاء المجنون و تلك الصرخات ..
رغم تأكيد نايف على الكلب الذي لابد أن يكون ملكا لخالد الساكن في أقصى الشارع .. و أنه دائم الهرب ..
لا .. لا تعلم .. كلما استعادت منظر أختها و نشيجها الممزق ذاك ..
لقد ظنت لحظتها أنها تلفظ إحساسها الأخير ..!
ربما كانت عفرا أضعف نفسا مما اعتقدت .. بامكان كلب يلاحقها طريدة أن يثير الفزع في نفشها هي ..
هل عضّها ..؟ لا ..
كل ما في الأمر أنه لاحقها بقوة .. و أفزعها ..
شعرت بشفقة هائلة نحو اختها .. لم ترها قط بهذه الصورة الضعيفة ..
بلى ..
حدث ذلك .. حين فقدن والدهن ..
كان تسكب دموعها مرارة على رحيله ..
الحق أن وجعها الليلة بدا مخيفا و كأنما تودعه مرة أخرى ..!
التقطت خصلة من شعرها الناعم .. هذا الشعر الذي أورثته إياهن أمهن جميعا ..
لم يكنّ بالجمال الذي قد يدير رؤوس احد .. لا أحد منهن قد تتميز بملامح أنثوية جميلة كالمها ..
و لكن يعلمن أن الشعر المميز لأمهن أصبح تاجا لكل واحدة ..
مررت راحتها مرتين على شعر عفرا ..
بدت ضعيفة .. و منهكة .. بكت حتى نامت .. رفضت تناول العشاء ..
.
.
قبلة رقيقة لامست بها جبينها بحب ..
لا أريد أن يمسك سوء أختي ..






>>

.: المــاس :.
26-01-2008, 08:36 PM
تتمة




.
.
.
.
.
.
في اللحظة التي أطلت برأسها من الباب الذي يفصل الحوش بممر المجلس وقعت عيناها عليه .. يجلس بإزاره و الفانلة القطنية البيضاء .. على عتبة المجلس .. هناك .. حيث ابتدت للمواجع حكاية ..
شعر بوجودها .. دون أن يرفع رأسه الذي يتأمل الأرض بهدوء .. فرد يديه التي كان يعقدها أمامه .. و هو يربت إلى جانبه آمرا بهدوء ..
- تعالي ..
تقدمت منه بخطوات بطيئة .. لم يرفع رأسه نحوها .. بدا شاردا رغم وجودها .. جلست حيث أشار لها .. لا يفصل بينهما سوى انشين ..
و عالم ..
الكثير من السكون تخبّط هنا .. و هي تحني رأسها بوقار .. تخنق كل خقة بلا معنى .. و كل احساس يشتتها .. تفصل خفّة فؤادها عن عقلها الذي راح يركّز بقوة ..
يجلس بجانبها .. تشعر بدفء جسده الكبير يصلها في برودة هذا الليل ..
كل منهما منشغل بشيء ما ..
الاعتياد الذي لمسته في جلوسها قربه ..
وجهها المكشوف .. و شعرها المنزلق من تحت غطاءها المتراجع .. حلال لمسة قد يمد أنامله تلك ليحصل عليها ..
كل هذا .. لا شيء ..
هذا الرجل رغم إحسااسها القوي به .. رغم انجاذبها نحوه .. رغم لهفتها لكل ما قد يروي احساسها منه ..
مجرد غريب ..!
لا تعرف عنه شيئا ..
غير ألوان صورة باهتة هزيلة .. رسمتها بأحاديث أخته عنه ..
ماضيه .. حاضره .. من هو .. و بما يفكر ..
ما الذي يشعر به ..
و ما الذي يخالجه حين يلتقيها ..
إستفهامات مجنونة تدور .. و تدور .. و تدور ..
ستصيبها حتما بالجنون ..
أراحت وجهها بين كفيها غير مبالية به .. نست وجوده لبرهة و هي تزفر بحيرة ..
ليتها تعرف عنه أكثر من مجرد اسم .. و عقد يربطهما ..
.
.
كان صوته دافئا .. قريبا للغاية .. و هي تشعر بظل رأسه يقع على وجهها ..
- بلاج ..؟
رفعت عينها نحوه .. كان وجهه دانيا .. ترى حدّة ملامحه خشنة الوسامة .. خطوط فكه القاسية .. و عينه اللامعتين تتأملها عن قرب ..
لحيته المهذبة .. و حاجبيه المعقودين ..
أشاحت بوجهها بعيدا عن مرآه .. همست بصدق فاتر ..
- ما أدري ..!
صمت لبرهة قبل أن يسألها باهتمام ..
- عفرا وين ..؟
- راقدة ..
عقد جبينه باستياء بالغ ..
- شوه استوا بها ..؟ شوه لي وداها السكة بلا وقاه ..؟ ليش كانت تصيح ..؟
موضوع آمن .. رغم حساسيته .. تذكرت غترته التي احتفظت بها لتعيدها لاحقا .. رأى أختها بدون غطاء .. جلبها إلى داخل البيت .. كيف انقادت له عفرا يا ترى ..؟!
- سارت تودي سامان لبنت ييرانا .. و هي رادة لحقها كلب ولد عنتر .. ما تعرفه .. راعي البيت الازرق لي في أول الفريق .. عفدت في غافة في السكة لي ورا سكتنا .. و طاحت و هي تربع .. بس ..
- بس ..؟!
قالها بطريقة غريبة و هو يرفع حاجبه متأملا جانب وجهها الذي راحت تصرفه للأمام .. متجاهلة النظر اليه
.. ما خطبها ..؟! لما بدت له بعيدة ..!
الحكاية التي سردها للتو لم تكن مقنعة حتى و هي تؤكد ذلك بتصلب ..
- هيه ها لي صار ..
كان متشككا ..
- متاكدة ..؟!
أومأت برأسها مجيبة .. صمت لبرهة .. و عيناه لا تفارقانها .. كانت تعقد جبينها بشيء من الضيق .. و عيناها تصيقان بهدوء .. تزم شفتيها .. و هي تحك نقشا في ثوبها بأناملها .. كانت متوترة ..
تخفي اضطرابها بقوة .. و كأنما لا تريد له أن يمس أي فوضى يعيثها في إحساسها .. لا يدري لما يجد متعة كبيرة في تشتيتها ..؟! في استفزاز مشاعرها و بعثرتها .. ؟! يريد أن يرى لمعانها الغائم .. و رعشة أهدابها .. حين يضيّعها في ما لا تعرف ..
شعرها المضموم تحت الغطاء لم يسيطر على غرتها الطويلة التي احتضنت وجهها بنعومة .. مد أصابعه بصمت يلتقطها .. قبل أن يدنيها من وجهها .. ليشمّها ببطء ..
لا يغفل عن اختلاج انفاسها ..!
.
.
خفق قلبها بقوة غريبة .. و هي تشعر بالهواء يتسرب من حولها ..يدها المرتجفة تنتزع غرتها من بين أصابعه لتدسها بسرعة وراء أذنها .. جذبت طرف - الشيلة - من مؤخرة قمة رأسها .. لتدسلها على شعرها كلّه .. لم تكد تفعل حتى التفت أصابعه المحكمة على رسغها تمنعها من ذلك .. تصلب أوصالها .. و هي تشعر بلمسته تحرق جلدها الرقيق .. و يدها تتوقف في الهواء فوق رأسها .. لم تحاول جذب يدها حتى .. انتظرته أن يتركها لكنه لم يفعل .. أنزل كفها الصغيرة ليحتضنها بين يديه الكبيرتين ..
مرت لحظات طويلة تكافح انتزاع يدها من يديه .. و قد هبط عليهن الصمت ثقيلا ..
تشعر بنظراته الثاقبة تخترق عظام وجهها الذي انتكس ببطء .. هذا الهدوء الذي راحت تعدّ فيه أنفاسها و أنفاسه يستفزّها .. هل شعر بشيء غريب ..؟!
حتما ..
سحبت نفسا عميقا لتتنهد بصوتٍ مسموع حين شعرت بانها محتاجة الصدار أي ضجة قد تقطع هذا السكون الكريه .. لما لا ينطق بشيء ما ..؟!
تذكرت بأنه طلب منها المجيء .. لذلك قالت بتوتر .. و يدها تنكمش بين قبضتيه .. فيما يمنعها من جرّها ..
- آحم .. شوه كنت تبا ..؟
لم يبدو أن أفكاره قد توّهته .. فقد أجابها بهدوء دون تردد ..
- أبا أشوف شعندج ..
- ما فهمت ..؟!
قالتها و هي تنظر اليه .. وجه الخالي من أي تعبير حيّرها .. لم ترى حتى انعكاس الدفء الذي اعتادته ..
- الليلة حسيتج هب طبيعية .. و كانج متضايقة و الا زعلانه .. هب حور لي أعرفها .. حتى الحين ..
رفع حاجبه متسائلا ..
- شفيج ..؟
ألجمها سؤاله المباشر .. لتشيح بوجهها بعيدا ..
- ما فينيه شي ..
- حور ..
كان غير مصدقا لما قالت .. جذبت يدها بهدوء .. و أفلتها دون كلمة .. قبل أن تقول بخفوت ..
- اسمع .. أحس انيه مندفعة شوي .. و أبا أخف الدوس .. الين أفهم كل شي ..
عقد جبينه .. كلامها مبهم .. لا تدري لمنا تفوهت بذلك .. لكن عليها حقّا أن تضعه في الصورة .. ألا تستغله ..؟!
ألم تشر وديمة أنها تستخدمه وسيلة لسد الثغرة العاطفية في روحها ..؟!
ضمّت ركبتيها تسند ذقنها عليها .. شعرت بان حجمها ضئيلا مقارنة بجسده الطويل .. ترددت لبرهة قبل أن تبلع ريقها ..
- يعني .. نحن ما تلاقينا الا من ست شهور .. و أحس انه .. انه .. يعني مادري .. بس انا ابا أفهم مشاعريه أبا أعرف بشوه أحس صوبك .. أول مرة .... أحس انـ ...
احمر وجهها و هي تنظر إلى كل شي إلا عينيه ..
- أحس انيه .. مرغوبة .. و انه حد يهتم فينيه .. انته ريّال .. و أكبر منيه .. عارف الدنيا و خابرها زين .. بس أنا .. أنا ..
تنهدت بضعف ..
- أحس انيه ضايعة .. و خايفة ..!
هبطت راحته الكبيرة على رأسها ..
- خايفة منيه ..؟
لم تنكر ..
- خايفة من كل شي ..
رفعت رأسها بغصّة ..
- من انته ..؟! انا ما أعرفك ..!! ما أعرف شي عنك غير اسمك .. لا شخصيتك .. و لا اسلوبك .. احساسك .. شوه لي يضحكك .. و متى تزعل .. ليش خطبتني ..؟! - و توقفت بحيرة هنا - و لا شي .. كيف تبانيه أعيش وياك و أنا أحسك غريب عني .. انت تشتتنيه .. و ما أفهم عمريه .. و لا بشوه أحس صوبك ..
أردفت بتعاسة و هي تنظر له بلوم ..
- غير هذا .. لا تنسى انه اليوم و الا باكر أمايا بتربي .. و بنودر بيت أبوية .. و بننتقل عندكم ..
لم يرد .. فقالت معترفة ..
- ما أنكر انيه يوم فكرت في الموضوع شفته في مصلحتنا .. نكون قريب من هلنا و عينهم و قلوبهم علينا .. بس انته ما تعرف .. أنا ما رمت أخبر غير أمايا و المها عن الموضوع .. مادري شوه أقول لخوانيه ..
تهكمت بوجع ..
- اسمعوا .. يوم بتربي أمايا بنشل قشارنا و بنسير قدا هل أبوية .. عرب ما نعرف منهم حد .. و ما يعرفوناا .. ما نعرف طباعهم .. و لا حياتهم .. ما نعرف غير انهم طردوا ابوناا ..
رفعت عيناها نحوه تسحب نفسا عميقا ..
- ليش طردوا أبوية ..؟!
تصلّب فكّه في صمت .. و هي تعيد السؤال بنبرة متوسلة ..
- أعرف انك تدري ليش .. خبرنيه ..
رد بجمود .. علّها ..
- ما أعرف ..
هزت كتفيها بسخرية ..
- هه .. لو انته ما تعرف .. منوه لي يعرف ..؟! أعماميه ما شفنا حد منهم شبّر بيتنا .. لا قبل موت أبوية .. و لا عقبه ..
برر بهدوء ..
- أمج في العدة .. و ما بغوا يحرجونها و الا يضايقونها الين ما تظهر منها لبيت أبوية سيف ..
عقدت يديها بحزن ..
- أستغرب منهم .. ما يحسون بشي صوب أبويه ..؟! ما زعلوا عليه يوم مات ..؟
عضت شفتها السفلى بقوة .. قبل ان تقول بهمس مخنوق و هي تشير لعتبة الباب التي يجلسان عليها ..
- تعرف انه مات هنيه ..؟! عند هالباب .. ! رقد و لا نش عقبها ..
.
.
نظر أسفله بصدمة .. تأمل الأرض و شعور غريب بالذنب يجتاحه .. و كأنما لهذا المكان قدسية مختلفة ..
دنس حرمة رحيل ذاك الرجل .. حين راح يمارس خداعه على ابنته فوق المكان الذي شهد آخر لحظاته ..!
كلماتها المتقطعة .. المبعثرة ..
للمرة الأولى تكشف عن جانب من روحها .. للمرة الأولى يراها بهذه الجرأة .. تطيح بالكلمات بمرارة ..
تنفث أوجاعها الصامتة ..
علم أنها تريد أن تنبش كل ما في داخله ليرضيها ما ستعرفه ..
تجهله الآن .. و تجهل ما جعله بهذه الصورة ..
فيما يكاد يقلبها هي بين يديه كتابا مفتوحا .. تعابيرها تفضح كل ما يخالجها ..
كان صوته عميقا و هو يسألها بهدوء ..
- يعني البرود و التطنيش بيخليج تفهمينيه ..؟
رفع عينه حين شعر بها تنهض من مكانها .. وقفت أمامه و هي تلملم أطراف روحها التي نشرتها للتو أمامه .. و هي ترفع رأسها في مواجهته ..
ذاك البرود الذي أثاره .. و رغبته في استرضاءها .. منحتها ثقة غريبة ..
أعادتها لجلد كانت تعرفه .. لتقول بقوة ..
- المشكلة انك انته ما فهمتنيه .. تصبح على خير ..
قالتها و راحت تحث الخطى بسرعة نحو باب الحوش و كأنما تخشى أن يوقفها ..
و لكنه لم ينوي ذلك أبدا ..
ثقل غريب هبط على نفسه ..
و هو يراقبها تمضي ..
لم يرد أن يتبعها و لا أن يوقفها ..
.
.
أبت كلماته المرهقة أن تجادل إحساسها ..
لقد ضيّع شيئا من ثباته في زخم إحساس هذه الليلة ..!
.
.
.
.
.
.
- عفرا ..؟!!
انتفضت في مكانها بقوة .. قبل أن ترفع عينيها الحمراوين في اتجاه شقيقتها .. كانت تقف بباب الصالة .. لا زالت ترتدي ملابسها و غطاء الرأس .. و عينيها المستفهمتين تنشدها إجابة على سؤالها الذي سرعان ما ترجم بكلمات .. و هي تدنو منها بحنان ..
- وين سايرة حبيبتي ..؟!
شعرت بعزائمها تنفلت .. و شتات القوى الخائرة التي جاهدت للملمتها تتبعثر مجددا .. و الدموع تندفع في عينيها .. تقاتل كي تبدو قوية بما فيه الكفاية و صوتها المختنق يجيب بخفوت ..
- أبا أسير أتسبح ..
مدت حور يدها تمسح على شعر اختها .. بدت محطمة .. بشكل مفجع .. أوجعتها نظرتها المتألمة ..
كل هذا لمواجهتها كلب ..؟! شيء في تلك الحكاية بدا لها غير منطقي لا تعلم لما ..!!
- حبيبتي تسبحي باكر .. ارقدي الحين انتي تعبانة ..
شدت شفتيها بقوة و هي تشعر بأنها ستنفجر بالبكاء حالا .. أرادت دفع حور بعيدا عنها .. شعرت بعينيها المتخاذلتين تغرقان بالدمع المر .. و هي تهمس بصوت متقطع ..
- ماا .. أنا .. ماا صليـ .. صليت العشاا .. أبا أتسبح .. و أصلي ..
وضعت حور أناملها على شفتيها ..
- انزين أسوي لج حليب و الا عيشة .. انتي ما تعشيتي ..
هزت رأسها رفضا .. و دمعة حارة تتجاوز حدود الهدب لتسقط على وجهها المحمر المحتقن ألما .. و هي تهمس بصوت أبح بفعل البكاء ..
- ماباا عشا .. بصلي بس ..
هزت حور رأسها موافقة و هي تقترب منها .. لفت ذراعيها حول جسد عفرا الطويلة تحتضنها بحنان .. لتبث شعور بالأمان في نفس أختها المهشمة .. راحت العبرات تتدفق تباعا و حور تدنو منها لتطبع قبلة عميقة في صدغها و هي تهمس بقوة ..
- خلاص فديتج .. انا برقبج هنيه ..
.
.
ليت حدود الكون تنتهي هنا ..
في هذا السلام .. و هذا الأمان .. هنا البداية .. النهاية ..
المستقبل .. و الحاضر .. كل شي .. و لا شيء غير ذلك ..
لا ألم .. و روح تحترق ..
لم يبقى سوى رماد سكن جوفها البائس ..
حق في الحياة سلب منها في هذه الليلة
و قد حكم على الأمل .. الحلم .. بإعدام بطيء تحت وطأة كل ما سيقبل عليها ..
.
.
أشاحت عفرا بوجهها .. و هي تقاوم رغبة في دفعها عنها .. لم ترد لأنفاس أختها المحبة .. الطاهرة .. أن تختلط ببقايا لهاث ذاك القذر ..
شعرت بقدميها الثقيلتين تكادا تتهاويان .. و النواح أصبح دانيا .. مجرد لمسة أخرى من أناملها العطوف .. و ستنهار من علوّها ..
لترتطم بالأرض حيث هي كرامتها الآن .. و ستتبعثر شظايا لا تُجمع ،،
جرّت جسدها جرّا دون أن ترد على حور التي وقفت تطالعها بأسى .. لتدلف حمامهم الضيّق و توصد الباب خلفها ..
أمنية وحيدة سكنتها في تلك الثانية التي تلت صوت تكة الباب المغلق ..
أرادت أن تختفي هنا إلى الأبد ..
أن يوصد هذا الباب بينها و بين العالم لا يفتح ..
أن يفقدوها .. يضيّعوها ..
أن لا يجدوها .. و أن ينسوها ..
ستمضي ما تبقى من لوعة تنتظرها هنا ..
أسندت رأسها على باب الحمام الخشبي .. دمع حار راح يغرق وجنتيها ..
يحرقها .. و أنفاسها تلفح الباب حين راح صدرها يعلو و يهبط بتشنج ..
.
.
كيف لثقل الدموع أن يحني رؤوسنا ..
حين نبكي لوعةً على ما مضى .. ما لن يعود ..
حين نعجز عن التظاهر بأننا أقوياء .. و أننا سننسى و نعوَّض ..
حين لا نرى الألم سوى قدرا سيكتب لنا ما تبقى من عمر ..!
.
.
بكامل ثيابها تحت الماء الساخن الذي تدفق من الدش على رأسها ،،
ينفث الماء أنفاسه بخارا .. و كأنما يزفر .. من حرِّ ما تحمل تلك الشابة في قلبها .. تجلس على ركبتيها ..
يديها تعتصران صدر قميص البيجاما .. الماء يسكب على جسدها .. تشعر بسخونتهتخترق ملابسها ..
ترتطم بخدها لتخالط ملوحة الدمع الذي لا يتوقف ..
و شهقاتها المكتومة التي أخذت تنفلت من شفتيها المضمومتين بمرارة .. تهزها ..
رأسها ينحني ..
لم تبالي لما يقال عن البكاء في الحمام .. تريد لدموعها أن تطهّر روحها من فعلة ذاك النجس ..
تشعر بونينها يخرج من غياهب روحها المحترقة .. من بين أشلائها الممزقة ..
صوت عويل منخفض طويل خرج من بين أنفاسها ..
لقد قتلت الليلة ..
لما عليهم أن يراعوها .. فليخرجوا و يشيّعوا روحها ..
ليعلنوا الحداد على كل طهارة زهقت بين يديه ..
صاحت بهم .. و استنجدت .. لم يسمعها أحد ..
أين فاطمة .. أين الجيران .. أين إخوتها ..
أين كانوا حين انتكست أيامها .. أحلامها .. وكل شيء جميل ،،
حين أدار الفرح ظهره معلنا الرحيل ..
عندما قبّلت الطهارة جبينها معتذرة ..و هي تنتهك ..
و مضت للأبد ..
.
.
الماء يغسلها .. يسري ببطء ليبللها .. و يغرقها ..
ليته يصل للروح .. ليغسل اليأس .. و الوجع .. ليغسل شقاءها ..
رفعت رأسها للسناء .. عيناها قد أسدلت أهدابها .. حين راحت دموعها تتدفق من أجفانها المطبقة ..
قطرات تهوي من الأعلى .. ترتطم بوجهها ..و هي تنشج باكية ..
تبكي ..
تجهش بالموت هنا لوحدها ..
لا يعلم بذاك الفراغ الرهيب الذي خلّفه رماد إحساسها ..
لا يعلم أحد بموتها البطيء هنا ..
لا أحد .. لا أحد سواه ..
لذلك راح صوتها ينشج متوسلا و هي تصرخ بقوة ..
كلمتين ارتدت في جوفها لتترنم الأضلع متوسلة بها ..
حين غدت مرارة العبرات تتسلل بهدوء لفمها المفتوح بونين متصل ،،
.
.
- ياااا رب ... يااا رب ..

* * * * *

- آحم .. آآآ .. اسمع غيث .. أبا أقولك ياخي .. تراهن طلبن ولي أمري أمس عسب سالفة ما تستاهل .. يعني الصف كله كان يتطنز على المعلمة .. بس مادري بلاها هاي ما تطيقني ..؟! عسب كذيه اختارتني و حطت السالفة عليه ..
قالتها دانة و هي تفرك يديها بشيء من التوتر لغيث الذي استرخى على أريكة و بجانبه - دلة - قهوة ،، و يده تمسك بفنجان منها ،، كان مرتاحا للغاية .. لباسه الأنيق الفخم .. ثوبه ذو القماش القاسي الذي أظهر عرض منكبيه .. و غترته المناشة .. نظرة متهكمة لا تخفى عليها و هو يجيل بصره في المكان .. للحظة بدا أنه في غير مكانه .. أو أنه مالك المكان و لا يرضيه ما يرى ..!!
رفع حاجبه بسخرية ..
- صدق و الله ..؟
ردت دانة بسرعة و هي تلوح بيدها ..
- هيه و الله .. بس أبا انبهك لشي .. الحين البنية يوم اييبن ولي أمرها .. ايخر لولي و التالي .. يظهر كل سجلّها المدرسي .. من ربيعتاا في الروضة لي نشعت شعرها .. الين كرتون العصير لي فرته امس .. يعني لو ثقّلن في الشكاوي و ظرب الامثال .. لا تصدق .. مرات يبالغن .. و مرات ......
قطعت كلامها حين قال بقسوة ..
- أقسم بالله انكن هب ويه حشمة و لا ويه دراسة .. المفروض يحطولكن تربية خاصة هنيه .. الحمارة لي ما تبا تدرس اشعنه كل يوم داقة بالويه و ياية المدرسة .. قرّن في بيوتكن ..
- انزين ليش تسب ..؟
رفع حاجبه مستنكرا .. تأخذ الأمور ببساطة شديدة ..! أردفت بهدوء و هي تتحرك بحرية في مكتب المدرسة ..
- أنا أحب المدرسة .. و نسبتيه ما تقل عن خمس و ثمانين .. كل سنة يكرمونيه .. و هذا أول استدعاء أييبه .. يعني لا تتحرا انيه راعية سوابق .. لا حشاا ..
ثم قالت بصوت هادئ لم يخلو من نبرة حزن ..
- ابويه الله يرحمه لو اييب استدعاء كان قصبنيه قصاب .. و سواني كباب .. عيل .. شوه تتحرا ... نحن بنات حمد كلنا متفوقات .. ولد عمك يايب في الثمانين .. و عفاري يايبة تسعة و تسعين .. لا تستهين بنا ..
ثم هزت كتفيها بصراحة ..
- و بعدين نحن نحب المندرسة .. لنها المكان الوحيد لي نسير له غير البيت .. أول كنا نسير بيت خالوه .. نظهر وياهم .. عميه سلطان و أبوية يرتبون طلعة و نظهر رباعة .. بس .. الحين .. آممم .. حتى بيت خلوه ما نسير له ..
ثرثرتها تلك بدت مشاكاة بالنسبة إليه ..
شعر بالأسف على حالهم .. لا يمر يوم واحد دون أن تخرجن أخواته من البيت ..
تخيّل أنت يظل مقيّدا في البيت لمدة أسبوع فقط ..!!
رفع عينه لها و هو يقول بجفاء ..
- هيه و تيين المدرسة و تخورينها سوالف و لعب .. و تنسين الدراسة ..
- لاااا .. سلاااامتك .. استريح مستر غيث .. انا كل شي و لا دراستي .. أنا دانة علمي ما تعرفني .. خبرتك ..؟ أنا فعلمي ..
نظر لها بشك فقالت بثقة ..
- و الله فعلمي .. يوم أقولك لا تستهين بنا .. بعدين شوه فيها السوالف و اللعب .. المدرسة مجتمع كااامل .. نفس الجنس و نفس العمر .. أفكار متشابهة و اهتماماتنا نفسها .. يعني بنسوي حزب و بننقلب ع نظام الحكم .. شرايك ..
أعاد ظهره للخلف ببرود ..
- خلي عنج الخرابيط .. ما بتنفعج هذرة البنات .. ما بتنفعج الا الشهادة .. أقسم بالله لو تييبين استدعاء ثاني يا دانة .. و الله ما اييج طيب ..
ارتخت كتوفها بيأس ..
- عنبوه .. انتوه امررررة ما تبون الواحد الا ياكل الكتب أكااال .. لا يمين و لا يسار .. يابوك هلاي عفرا .. أنا ماروم .. بعدين حس فيناا شوية .. أنا قلت غيث سكن عدنا بيعبرنا .. بيظهرناا..و بنشوف العالم ..و انته ما علييييييك الا من عمرك .. حادر .. و ظاهر .. ياخي نحن نعيش حالة كبت .. لااا تلومنيه لو فرغتها في المدرسة .. فديتنيه ع الأقل أظهر .. أشوف الكائنات البشرية .. شوه تقول عن حور و المها و أمايا .. هاي أكثر عن سبع شهور خطفن و هن ما شبّرن البيت .. أقول ولد عمّي .. تيك كير .. يمكن تتخبل حور ختيه قبل لا تاخذها .. أمس تقول انه فزاع خطف عليها و تقهوت هي وياه ..!! تخيّل فزاع ايي بيتنا .. أخخخ خسارة .. راحت عليّه ..
نهرها بصرامة رغم يقينه بكذبها ..
- دانة ..
ضحكت بخفة ..
- لا تخاف .. و لا تغار .. شكلها كانت تتخيل .. تصير مرات الشخص المكبوت يهلوس .. أن درسته في الأحياء .. لا تنسى انيه علمي .. شوف عاد .. وحدة كاتينها .. ما تشوف حد .. ما تعرف حد .. اذا ما تخبّلت أنا بنت مايكل جاكسون .. بس تدري ..!! ما تلاحظ انها تخيّلت فزاع و ما تخيّلتك ..؟
ضحكت و هي تردف بخبث ..
- انا أقول تلاحق على عمرك و اقظي على أوهامها ..
زفر غيث بقوة .. و شعر برأسه يضج .. كانت كلمات دانة تصيبه بالصداع .. تحشره في زاوية لتجبره على النظرإلى الأمور من خلالها .. و هذا ما جعله يشعر بالضيق الشديد ..
استعاد وجه حور المستاء .. برودها .. و جفاءها الذي لم يلمسه سوى البارحة ..
ما سببه يا ترى ..؟!
هل ما تقوله دانة صحيح ..؟ الوقت الذي مر عليها و هي محتجزة داخل البيت .. المسؤوليات التي وقعت على عاتقها منذ وفاة أبيها ..
اقتحامه حياتها .. و تلاعبه بها ..
أغمض عينيه لبرهة .. يستعيد صورة وجهها الصافي ..
و كلمات الأمس تتردد داخله بايقاع كريه ،،
كيف لها أن تقوى حمل كل هذا ..؟؟!
.
.
تعقد ذراعيها و إحساس بالسكينة يهبط في صدرها ..
عيناها تمعنان النظر في جبينه المعقود من خلف الغطاء .. لا يهمها حقا ان ظنّها ثرثارة أو طويلة اللسان ..
تعمدت أن تنغزه بهذه الكلمات ..
جسده الطويل ينضح سلطة ترهب من حوله .. تحكمه في نفسه ..
قوته التي لا تخفى على أحد ..
كل ذلك بدا لها شيئا يفوق قدرات أختها الكبيرة ..
تلك الأم الثانية لهم ..
كلما وقع ناظرها على هذا الرجل خشيت على أختها منه .. لا تدري لما ..؟!
بدا واضحا أن حور بطبيعتها العادية .. و شكلها البسيط .. و رتابة هدوءها لن يلائماه ..
شعرت بالشفقة عليها .. ستحتاج للكثير لترقى إلى مستواهم .. كيف لحور أن تعيش بينهم ..
لما لا تتزوج و تظل معهم كما هم الآن ..
ماذا لو تعرضت للأذية من قبله أو من قبل أحد من أهله ..
ربما لن تستطيع حور صد الألم بقوتها السابقة ..
ما يحيّرها هو تمنعها السابق .. كراهيتها لهم ..
تذكرت ابن عمّها الذي قامت حور بطرده مرارا .. شتمها لهذا الزوج الذي يبدو أنها خضعت لوجوده في حياتها بسرعة قياسية ..
أذهلتها ..!
أيكون راغبا بحور كما هي ..؟ يحبها .. كما هي .. يريدها كما هي ..؟!
تكره أن تتمرد على ذاتها و تنسلخ عنها لمجرد ارضاءه ..!
واثقة بأنه يفوق حور من كل النواحي .. في خبرته .. في مستواه ..
خرجت الكلمات منها دون أن تدرك ..
- كم عمرك ..؟
وضع فنجان القهوة جانبا .. و هو يجيب دون تردد ..
- ثنين و ثلاثين ..
عقدت جبينها باستياء ..
يكبرها بسنوات ..!
- أنا بسير أشوف الشيخة شعنه ما يت الين الحين .. انا علمي .. و تضيع عليه الحصص ..

* * * * *

أطفأت نار الموقد وقد بدأ الشاي بالغليان ممتزجا بالورق و الحليب .. حين تناهى لها صوت الحصي التي تصطدم بنافذة المطبخ ..!
غريب ..!!
خرجت للباحة الخلفية الضيقة .. لتصيح بصوت مرتفع ..
- منوووه ..؟
أتاها صوت فاطمة ترد عليها ..
- حوووور أناااا فااااطمة .. تعالي للفتحة ..
تحركت حور بسرعة نحو الفتحة التي تقع في الجدار المشترك بينهم .. لتجد فاطمة في انتظارها ..
- شوه ما داومتي ..؟؟؟
زمت فاطمة شفتيها ..
- لااا راح عليه الباص .. و ما لقيت سلّوم عسب يودينيه ..
لوحت حور لها ..
- لو دريت كان طرشت الدريول عليج عقب ما ودّا البنات ..
- يا بنت الحلال .. خلينا ناخذ اجازة و لو يوم .. تعالي يا السبالات ..
- محد غيرج .. عدها سبالات هب الا وحدة ..
- انتي و خواتج البارحة كسرت دريشة مطبخكم و محد رد عليّه ..!!!!
- عقب العشا .. مادري شعندكن تصارخن .. صوتج واصل بيتنا ..
استعادت حور تلك الأحداث بضبابية .. صراخ غيث و صراخها .. رعب أخواتها ..
- آآآممم .. ماشي .. البارحة لقينا عفاري ختيه في السكة تصيح ارّوحها ..
اتسعت عينا فاطمة بذعر ..
- متى ..؟
- يوم ودت لج البدلة .. و هي رادة تقول لحقها كلب خلّود بن عنتر .. و عفدت في الغافة لي في السكة ..
بدت تعابير فاطمة غير مفهومة و وجهها يسود ببطء .. تقطع صوته باختناق ..
- و .. شوه .. اسـ .. استوى .. عليها ..؟
هزت حور كتفيها تقول بأسى ..
- ماشي .. ياغير طاحت ع ويها و هي تربع .. و تورم خدّها .. و ثمها انتفخ شوي .. ما سارت الجامعة اليوم ..
كانت فاطمة متيبسة بشكل غريب و عيناها تجحظان بقوة ..
- فاطمة ..؟!
انتفضت فاطمة ..
- هاا ..؟
- حووه .. مساعة أرمسج ..؟ ما سمعتينيه ..
هزت فاطمة رأسها بطريقة حائرة و هي تتلعثم ..
- لااا .. سمعت .. أنا بييكن .. حد عندكم ..
- محد غريب .. تعالي ..
ابتعدت فاطمة عن الفتحة دون كلمة أخرى .. راحت تهرول بتعثّر نحو المجلس ..
فتحت الباب على اتساعه .. ليتدفق نور النهار فيملأالمجلس المظلم راسمها ظلا طويلا لها ..
عيناها تقع على المكان الذي وجدت فيه غطاء رأسها ..
راحت قدماها ترتجفان بقوة .. و هي تغمض عينيها .. لتبعد صورة أخيها المضطربة عن ذهنها ..
ركضت للداخل مجددا تلتقط عطاء رأسها .. تردد .. هل تأخذ غطاء عفرا ..؟!
تركته خلفها .. و هي تحث الخطى للخارج .. قلبها يخفق بعنف ..
و شيء من الغثيان راح يتسرب لحلقها ..
أ يكون ..؟
لا ..!
تسحب أنفاسا عميقة و هي تقف أمام باب بيت بو نايف المفتوح .. قبل أن تدلف بسرعة ..
التقت حور و المها و أمها يجلسن في الحوش و قد وضعت أمامهن القهوة .. و توابعها ..خلعت حذائها ببطء قبل أن تطأ الفراش الذي يجلسن عليه بقدمها .. سلّمت و هي تغتصب ابتسامة مرتبكة ..
- السلام عليكم ..
لا تدري لما شعرت بأن حور و المها .. قد يكتشفن ما يدور في ذهنها ..
لذلك اختصرت الحديث معهن قبل أن تقف لتصيح حور و المها معا باعتراض و الاولى تقول ..
- حووووه .. وين بها ..؟
أشاحت بوجهها تمازحهن .. و الضيق يتعاظم في صدرها ..
- بسير أشوف عفاري عقب ماراثون البارحة .. - ثم صاحت تعترض - و الله ما اتنشين .. بسير لها اروحيه .. بسولف وياها شوي .. و ارد ..
أومأت حور برأسها موافقة .. و فاطمة تتحرك بعجل للداخل ..
.
.
حركت حور فنجان الشاي الذي تصاعد منه البخار ..
شعرت براحة حين طلبت فاطمة رؤية عفرا أولا ..
تعرف فاطمة كيف تجرّدها .. و ليست مستعدة كي تنثر ما في داخلها الآن ..!
شعرت بضربة على ركبتها ..
رفعت عينها لترى المها تمد لها بأحد كتبها .. نظرت لها مستفهمة فأشارت المها للصفحة الأولى منه ..
التقطت حور الكتاب الذي علّق على الصفحة قلم رصاص .. و راحت تقرأ ما كتب .. قبل أن تتنهد ..
كانت الكلمات واضحة للغاية بخط المها الذي يشبه خط طفل لا يزال يتعلّم الكتابة ببطء ..
(( ما الأمر حور ..؟ أراك مهمومة أختي ..))
لم تكتب و لن تكتب الا بالفصحى .. اللغة التي تتمكن منها .. لقراءتها .. أما العامية فلن تستطيع سوى تكسيرها ..
أمسكت حور القلم لتكتب تحت كلمات أختها ..
(( الحياة معقدة عزيزتي ،، أصبحت أدور في حلقة مغلقة و لم أعد أعرف نفسي ..))
مدت الكتاب للمها .. التي مررت عيناها على الكتاب قبل أن تمسك القلم مجددا ..
(( ربما ليست الحياة بذاك التعقيد الذي نراه .. ؟؟ قد تضيق نظرتنا للحياة فقط ..؟! ))
سحبت حور نفسا عميقا قبل ان ترد عليها ..
(( ربما .. اشعر بضيق شديد لا أعرف سببه ..!))
(( قد يكون سببه ما حدث لعفرا .. لا تقلقي .. اختك قوية بما يكفي ))
(( لا أعتقد هذا .. لكن يخالجني شعور بالقلق هذه الأيام .. أشعر بأننا على شفير حفرة ما ..))
ابتسمت المها بادراك .. و هي تكتب بخطها المتعرج ..
(( فهمتكِ حور .. الأمر هو دنو موعد ولادة أمي .. و رحيلنا .. أيوترك الأمر.. أعني أنك لم تخبري إخوتي بالأمر بعد ..؟! ))
راحت حور تخط أشكالا على الكتاب و المها تنتظر الاجابة بصبر .. قبل أن تكتب حور أخيرا ،،
(( تقريبا .. ))
كتبت المها شيئا قبل أن تلقي الكتاب لها ،، فتحت حور الكتاب لتجدها كتبت جملة قاطعة صغيرة ،،
.
.
(( ستفرج حور .. ثقي بذلك ))
.
.
.
.
بلغت باب حجرة البنات و توقفت عندها ..
لم يتملكها التردد حتى هذه اللحظة .. حين رفعت يدها لتدير مقبض الباب .. شعرت بتشنج يسري في أصابعها .. و أفكارها ..
راح الشال الملقي .. و المشبك المكسور يلوحان أمام ناظريها ..
وجه أخيها المضطرب على باب المجلس ..
.
.
رباه .. رباه ..
أرجوك يا الهي .. فلتكن مجرد شكوك فارغة .. شدت بأصابعها تدير المقبض و هي تدخل بهدوء شديد ..
نظرت فورا لفراش عفرا الذي تبين وجدها تحت اللحاف .. جسدها المستلقي مدثّر بثقل البطانية ..
استدارت لتغلق الباب خلفها في اللحظة التي أبعدت عفرا اللحاف عن رأسها لترى القادم .. ما إن وقعت عيناها على فاطمة حتى انقلبت سحنتها و انكمشت تعابيرها ..
راحت تشد على شفتها المتورمة و عيناها تمتلآن بالدموع .. ارتجف قلب فاطمة بفزع لرؤيتها بهذا الشكل ..
كدمة زرقاء جليّة على خدّها و هي تضم طرف البطانية بقوة لصدرها ..
تجمدت قدماها .. لم تستطع الحراك ..
راحت تربط الخيوط بتشويش .. نسيت أن تسلّم .. ان تدنو منها لتداعبها ببعض النكات ..
لتمازحها .. و تضحك معها ..
لم تجد في روحها ذرة من القوة للادعاء بأنها لا تشك بشيء ..
راح السؤال الذي يدور في ذهنها كالدوامة .. و دموع عفرا الصامتة تغرق وجهها ..
ينبلج من بين شفتيها .. بلا استفهام ..
ارتجف صوتها و هي تقول بخفوت .. يفصل بينها و بين عفرا .. خطوات ..
- شيلتج .. أناا لقيتاا .. في ميلسنا .. حتى شباصتج .. كانت مكسورة ..!
ليست الشباصة فقط ..
روح تلك الشابة المنزوية أمامها .. لم يعد منها سوى شظايا ..
أغمضت عيناها بشدّة ..
بتوسل .. برجاء ..
قولي بأنك أنت من ألقاها هناك .. قولي أنك اختبئتِ و نسيتها .. إكذبي عليّ ..
و لكن شهقة وحيدة مزّقت سمعها .. و هي تخترق السكون ..لتفتح فاطمة عيناها بصدمة ..
شعرت بشيء كالنصل يشق أوصالها .. يستعر في جوفها ..
و هي تدنو من عفرا بخطوات ميّتة .. ما إن قابلها وجهها .. تلك الكدمة .. و ذاك الشق في شفتها ..
سقط عليها اليقين .. يذبحها ببطء .. و هي تقول بهمس مختنق ..
- أخوي .. الكلب ..؟!
كان سؤالا .. و إيماءة عفرا المعذبة .. الباكية بصمت ..
هي طعنة .. لا إجابة .. و فاطمة ترفع كفيّها بصدمة لتغطي فمها ..
حين راحت الدموع تراق على وجنتيها بلا توقف ..
و صوتها المكتوم يردد بجنون ..
- ياااا ربييييه .. ياااا ربيييييه .. لييييش .. لييييش ..
راحت عفرا ترتجف كالورقة و هي تبكي .. و تضم رأسها لصدرها .. أصوات بكاءهن يختلط .. عفرا تنشج بصوت ممزق و فاطمة تشعر بالموت يسري في أطرافها حين امتزجت شهقات عفرا بكلماتها الباكية ..
- مسكنيه و أنا ظاهرة .. ظربنيه ع ويهي .. فاااااااااااطمة أخوووج اعتدى علييييه .. وين كنتي .. زاقرت عليج .. صارخت .. محد سمعنيه .. محد رد عليّه و لا فزعليه ..
راحت فاطمة تنشج بقوة ..
- الله يلعنه .. الله يلعنه ..
عفرا تنتفض بين يديها .. هناك من يعلم بما فعل ذاك الحقير غيرها ..
- شوووه أسوي .. شووووه أسوي .. مارمت أخبر حد .. فاااطمة .. أناا خايفة .. خاااااايفة يا فاطمة ..
أبعدتها فاطم عن صدرها .. و هي تواجه وجهها المنكمش .. دون أن يتوقف بكاءها ..
- خلاص .. لا تصيحين ..لا تصيحين ..
و راحت تمسح وجهها بجنون لتوقف دموعها .. دون فائدة ..
- يمكن حور تطب فجأة و تشك في السالفة .. لا تخافين حبيبتي .. لا تخافين .. ان شا الله بنحل السالفة قبل لا حد يدري بها .. عفرا لا تخبرين حد .. مهمن كان .. و لا حد .. خلينيه أشوف الموضوع أول و أفكر بشي ..
و عضت على شفتها بلوعة تمنع نفسها من الانفجار مجددا بالبكاء .. حين راحت عفرا تنشج و هي تهمس ..
- يا ربي ارحمنيه .. ليتني أموووت .. يااا الله .. مادري شوه أسوي ..
ثم أمسكت بيد فاطمة ..
- دخيلج .. دخيلج .. لا تخبرين حور .. و لاحد .. دخيلج فاطمة .. و لا تبطين عليه .. لو حد يدري باللي صار .. مادري شوه بيسوون ..
غطت فاطمة وجهها بكفيّها .. تشعر بأن الأنفاس لا تسع رئتها ..
تخبرهم ..؟ بما ..؟
بفعلة أخيها الشنعاء ..!
سيقتلونه دون شك .. حين عاكسهن في الطريق صدموا سيارته .. و ظربوه حت أدخل المستشفى ..
و الآن ..
حين انتهك حرمة الجيرة ..
حين مزّق أسمى حميمية قد تولد بينهم ..
شعرت بالغثيان يتصاعد لفمها ..
ما فعله أخوها كان أكبر من أي صدمة قد تتلقاها في حياتها ..
شيء أعجزها عن التفكير .. غلطة أحرقت أحاسيسها نحوه ..
.
.
لماذا أخي ..؟
لم يعد هناك فرق بينك و بين البغال ..!
عليك اللعنة ..
لماذا هشّمت ما تبقى من إحترام لك في داخلي ..؟!

* * * * *

كان الليل قد هبط ،،
بثقل أنفاس أولئك الموجوعين ..
.
.
.
.
.
.
التفتت للجالسة إلى جوارها و هي تؤكد ما نبهت إليه قبلا ..
- حمدان تردنيه الساعة عشر لازم أرد البيت ..
ردّت حمدة المشغولة بقيادة السيارة بصوت خشن و هي تلوي شفتها ..
- خلاص قلتيها عشر مرات ... لا تخافين .. تسع و نص بردج بيتنا .. مع انيه ما أظهر من اللمات الا عقب ثنعش .. بس عشان خاطرج بردج بيتنا .. عسب يشلج دريولج من هناك .. غيره قلبوو ..؟
انحنت شيخة لتثني بنطالها ..
- سلامتك .. السيارة كانها يديدة ..؟
هزت حمدة كتفيها ..
- ابوي شارنها ليه السنة لي طافت يوم نجحت الكورس الثاني ..
ضحكت شيخة بخشونة ..
- خيييييبة .. شكله يائس من نجاحك .. مالومه معمر انته هناك ..
ضحكت حمدة بفظاظة ..
- خلينا الشطارة لج ..
ثم راحت تستدير بالسيارة حول البحيرة التي توقفت حولها بعض السيارات ..
- شيخاني .. تبينا نطلع فوق قبل لا نسير الشاليه ..؟
هزّت شيخو رأسها بلا قاطعة ..
- لا .. نسير الشاليه سيدة .. أبا أيلس شوي ويا البنات قبل لا أرد البيت ..
زفرت حمدة بضيق ..
- ع راحتج ..
- بسالك كيف حجزتوا الشاليه .. لي اعرفه انه هب كل من هب و دب يحجز .. و هويات و حشرة ..
هزّت حمدة كتفيها ..
- محمد ولد خاليه هو حاجزنه ..
- و عادي ..
- هيه عيل ..؟ قلتله لمة بنات و ابوية يدري .. بس نباه يحجز الشاليه ..
نظرت شيخة لها بطرف عينها حين بدأن يتجاوزن بعض الأكواخ البيضاء .. إلى الشوارع الضيقة الفاصلة بالداخل ..
كانت تظن أنها في حريّة و بلا رقابة .. ماذا تقول عن هذه الفتاة ..؟!
انها تتخبط بلا هدى .. لا قيود تردعها البتة .. و لا يسأل عنها أحد ..؟!
توقفت السيارة فجأة لتنظر شيخة عبر زجاج النافذة .. كانت حمدة أو حمدان قد أوقفت سيارتها أمام أحد الأكواخ المضاءة ..
ثم أطفأت محرك السيارة قبل أن تقول بصوتها الاجش ..
- وصلنا قلبي .. حولي ..
و فتحت سيارتها لتترجل بقفزة واحدة دون أن تعدل من وضع شيلتها التي انطرحت بسكون على كتفيها العريضين ..
حتى هيئتها لم تبدو لها كهيئة فتاة أبدا ..
تنضح أنفاسها حرارة تخيفها ..!
فتحت شيخة الباب أيضا .. لتنزل .. و نسائم الهواء الباردة تحرك أطراف عباءتها المفتوحة .. فتكشف عن بنطالها الخشن .. تقدمت بهدوء تتبع حمدة التي راحت تترنم بأغنية أجنبية وصوتها الغليظ يتردد في المكان الخالي .. قبل أن تستدير و هي تمشي للوراء و تغلق سيارتها عن بعد .. توقفت أمام الباب تنتظر وصول شيخة التي ما ان بلغتها حتى راحت الاولى تطبّل بقوة و ايقاع غريب على الباب .. و تقول بصوتها الرجولي المفخّم ..
- هوووووووووود ..
لحظات قبل ان يتردد في الممر المؤدي للباب قرعات كعب واضحة .. ثم يفتح الباب على اتساعه لتطلّ منه شابة اتضحت ملامح وجهها الناعم على الضوء القادم من الخارج .. جسدها النحيل يكتسي بكنزة ملوّنة بلا أكمام و تنورة تصل لركبيتيها و كعبٍ عالٍ و قد تناثر شعرها المجعد حول وجهها و هي تصيح بحبور ..
- حموووووووودي ،،
أحنت حمدة رأسها تقبل خد الفتاة التي رفعته لها .. و هي تلف ذراعها حول خصرها بحميمية ..
- أسووووومه يا حبي ..
عقدت شيخة جبينها دون أن تتكلم .. و هي ترى حمدة تلامس خد الفتاة و تقول ..
- ريحتج حلوة ..
ظربت الفتاة كتف حمدة و هي تقول بعتب ..
- ريحتيه دوم حلوة ..
ثم التفتت لشيخة بفضول ..
- أووبس .. منوه ..؟؟
ابتسمت حمدة بفخر غريب ..
- هاي شيخة .. خويتيه ..
عقدت أسماء جبينها بحيرة ..
- كيف يعني خويتك ..؟
- يعني فرند .. خلي الهذرة .. و حدري .. لو حد يخطف بركن عند الباب انتي و هالعصاقيل ..
دلفن معا .. و شيخة تلتزم الصمت .. هذه المرة الأولى التي تحضر فيها اجتماعا مشابها .. تتبع حمدان بهدوء .. ما ان بلغن الصالة .. حتى صرخن جميع الفتيات الحاضرات بحماس شديد ..
و حمدة تصفق بيدها في استرجال ..
- وووووووووووو .. ووووووووووووووووووووو ..
ثم توقفت فجأة عن الصفق و هي تشيح بوجهها و تشتم بلفظة بذيئة بهمس ..
- هاي شوه يابها ..؟!
نظرت بتوعد لأسماء التي دست رأسها بين شيخة و حمدة ..
- مريامي عازمتنها .. شوه أسوي .. ؟ اروغها ..؟
نظرت شيخة للفتاة المعنية بهدوء .. شابة بعمرها تقريبا .. ترتدي فستانا حريريا أحمر منسدلا على جسدها الممتلئ بنعومة .. عينان واسعتان .. و أنف دقيق .. و فم تشدّق بابتسامة غريبة .. و عيناها لا تفارق حمدة .. التفتت شيخة لحمدة التي يبدو على وجهها الاستياء الشديد ..
- حوووه حمدان .. وتس أب ..؟
همست حمدة بحقد ..
- الكلبة أم الأحمر كانت حبيبتي .. و ودرتها ..
- اهاا .. انزين و ليش زعلان ..؟
- ماباا أشوفها .. بس ما علينا منها .. هاي اول مرة تيين شيوختي .. تعالي بعرفج ع البنات ..
ثم ابتسمت بمرح خشن .. للحظات وجدت شيخة نفسها تتنقل من واحدة لأخرى .. جميعهن يرتدين ملابس لا تناسب اجتماعا عادية .. بل حفلا لتوزيع جوائز ..!
شعرت بان أنظارا مسلطة عليها .. حين التفتت لم تكن مخطئة .. صاحبة الاحمر .. تنظر لها بحقد غير طبيعي .. رفعت شيخة حاجبها بتحدٍ بارد .. و هي تلتقي نظرتها الكريهة .. قبل أن تلتقط كوبا من العصير ..
الجميع يتبادل الاحاديث الصاخبة و الضحكات العالية .. راق لها الجو نوعا ما .. و ضحكت كثيرا بدا أن الجميع يعرفون بعضهم جيدا .. و بعد ساعة من وصولهن وصل العشاء .. تناولوه بشهيّة .. و شيخة لا تتوقف عن الضحك .. كانت الأجواء ممتعة .. و الوقت يمر بسرعة .. بدأن يختلطن ببعض .. و ينقسمن لمجموعات قبل ان يدرن جهاز التسجيل و يرقصن للحظات .. وجودت شيخة نفسها تجلس بجوار أسماء .. نفس الفتاة التي استقبلتها الليلة ..
ابتسمت لها الفتاة بلطف و هي تسألها ..
- شوووه عيبتج اللمة ..؟
أومأت شيخة بابتسامة و هي تسترخي في مقعدها ..
- هيه .. وايد .. حبيتكم ..
ضحكت أسماء ..
- حتى نحن حبيناج .. حمودي ما اييب الا ناس كوووول وياه ..
رفعت شيخة حاجبها بشك و هي تتذكر نظرات صاحبة الاحمر التي اختفت من المكان ..
- ما ظنتيه ..
ربتت أسماء على كتفها مطمئنة ..
- قصدج عنودي ..؟ ما عليج منها .. هاي موتها و حمدان .. ما تبا الا هو ..
رفعت شيخة حاجبها ..
- قلعتاا .. و انا شوه يخصنيه ..؟!
- تغاري لنج خويته ..
- قلتيها خويته هب حبيبته .. و بعدين عنودج هاي مـ ..
قطعتعبارتها و الاسم يلمع في ذهنها فجأة .. العنود .. تلك الفتاة التي تكلّمت عنها هدى ذات يوم ..!
أ يعقل ..؟
عقدت جبينها و هي تضع كوب العصير الذي بيدها جانبا .. نظرت لساعتها .. كانت قد تجاوزت التاسعة مساءً دون أن تشعر ..
هبت من مكانها و توجهت للبحث عن حمدة التي لا ترى لها أثرا الآن .. لم تكن في المطبخ .. و لا في حديقة الكوخ ..
فكّرت بالبحث في الغرف التي توقعتها مغلقة ..
لم يكن هذا المكان يحتوي سوى على ثلاثة غرف .. كانت الأولى مظلمة و خالية .. و توجهت للثانية .. و صخب أغانٍ اجنبية و صفقات البنات العالية تصلها من الصالة القريبة .. و هي تدير مقبض باب الغرفة الثانية و تدفعه ..
نعومة لون الحرير الأحمر برقت في عينيها التان اتسعتا بصدمة حين سقطت على المنظر المثال أمامها .. و قدماها تتجمدان على الأرض ..
قبل ان يداهمها شعور قوي بالدوار .. لتتراجع إلى الخلف صافقة الباب خلفها ..
سرعان ما شعرت بالغثيان يتصاعد لفمها لتندفع نحو المطبخ القريب فتفرغ ما في جوفها دفعة واحدة ..
عودة المشهد لذهنها مرات متكررة .. دفعها للتقيء مرارا ..
شعرت بشعر جسدها قد وقف من هول ما رأت .. كانت ترتجف بقوة .. و هي ترش الماء على وجهها ..
الدموع تحرق عينيها .. لم تعد ترى شيئا ..
عليها أن تخرج من هذا المكان ..
حالا .. و فورا ..
- شيخاني .. حبوو ..
تصلب ظهرها حين أتاها الصوت من الخلف .. قبل أن ترش وجهها بالماء البارد للمرة الأخيرة .. و تلتفت لحمدة التي وقفت باضطراب و قد تشعث شعرها ..
نظرت لها شخة باشمئزاز و احتقار شديد .. رؤيتها دفعت الغثيان للتصاعد مجددا في داخلها .. و هي تهمس بتقزز ..
- ردينيه بيتي .. يا قذرة ..

* * * * *

- و شوربة .. كريم كراميل ..كستر .. شوه بعد .. ذكرنيه لو ناسية شي ..!
قالتها حور لنورة التي راحت تدون الطلبات في ورقة .. و قد جلسن هند و مزنة إلى جانبها بفضول .. يتابعن الأسماء التي تتالت في القائمة ..
رفعت دانة رأسها عن كتابها التي كانت مستغرفة في حلّه ..
- حوووور ماشي قشطة ..
- نورة كتبي قشطة ..
ثم التفتت لعفرا التي جلست بجوار أمها التي راحت ترغمها قصرا على التهام العشاء .. و قد بدا عليها نفس ذاك التعبير الكسير .. و الدموع المتجمعة في مقلتها ..
- عفاري فديتج .. ما تبين تسيرين ويانا ..؟
رفضت بصمت و الغصة تمنعها من ابتلاع اللقمة التي تجبرها على التهامها .. و همست بصوت منخفض ..
- نورة و دانة يسدن .. أنا بيلس ويا أمايا .. غيري جو شوي ..
تنهدت حور بيأس ..
- انزين ما تبين شي معيّن ..؟
مسحت عفرا دمعة انزلقت على خدّها و هي تحاول أن تبدو طبيعية أمامهم ..
- كثروا مكسّرات .. نبا نسوي ساقو .. و بقلاوة ..
ابتسمت لها حور بحنان ..
- من عيوني حبيبتي ..
حولّت عفرا نظرها لمزنة التي كانت تنظر لها بحذر و خوف .. شيء من الريبة كانت ترتسم على وجه أختها كل ما وجّهت النظر إليها ..
التفتت حور هي الأخرى لمزنة .. لترى ذاك التعبير الغريب على وجهها ..
- مزووون خيييييييبة .. بلااااج ..
نظرت لها مزنة بذعر قبل ان تقترب منها ..
- حور .. عفرا كلبونية ..؟؟
عقدت حور حاجبيها و هي تغضن أنفها ..
- شووه ..؟ كلبية ..؟
نظرت مزنة لعفربخوف .. قبل أن تهمس ..
- لاااا .. كلبونية ..؟
- كلوبنية ..؟ كيف يعني ..
كانت نورة تقوم بحركات غريبة و العيون ترتكز على مزنة التي تجاهلت نورة و هي تقول بخفوت ..
- عظها الكلب .. و تتحول في الليل كلب وحشي و بتاكلنا ..؟
ضحكت دانة بصوتِ عالٍ .. و عفرا تعقد جبينها و هي تنظر لأختها باهتمام ..
دلف نايف للغرفة ليستلقي على الأرض و يضع رأسه في حجر أمه التي انشغلت هي الأخرى بدس لقمة في فم عفرا المطبق تقريبا ..!
لم يشعر بالعيون المعلقة على مزنة و حور تقول باستنكار ..
- كلب وحشي ..؟!!!!!!!!!
هزت مزنة رأسها و عيناها لا تفارقان وجه عفرا المحتقن .. قالت حور بغضب ..
- منوه لي قال هالرمسة ..؟
نظرت مزنة مباشرة لنورة التي صفقت جبينها لتقول ببراءة ..
- نورة قالت ليه ..
شهقت نورة تنكر بشدة .. و هي تشير لنفسها ..
- أناااااااا ..؟؟!!!! يا الكذوووووب ..!!
قالت مزنة بدفاع ..
- أنا ما أكذب .. انتي أمس قبل لا نرقد قلتيلنا لي ترمس و ما ترقد بتييها عفرا يوم تتحول كلب وحشي لنها كلبونية ..!!
واصلت نورة الانكار بحماس ..
- يا الكذااابة .. انا ما شفتج أمس أصلا ..
- قلتيها .. حووور انشدي هنوده ..
نظرت حور لهند التي هزت رأسها بهدوء و هي تواجه نورة بصراحة ..
- قلتيها ..
قالت نورة بقسوة ..
- اشدراج انتي .. كنتي راقدة ..
ردت هند ببرود ..
- كنت مغمضة و أدعي ..
تنهدت نورة قبل أن تقول لمزنة بغل .. و دانة لا تكف عن الضحك ..
- ما عليه بمسكج ارواحنا .. و أنا لي بستوي كلب وحشي .. ان ما نتفت ريشج .. ماكون نوري بنت حمد ..
ثم التفتت لعفرا بلهجة اعتذار ..
- آحم عفاري .. و الله ما كان قصدي شي .. بس كنت أخوفهن .. صدعنا أمس .. كله يرمسن عن السالفة ..
هزت عفرا رأسها بصمت قبل أن تنتكس أنظارها ..
شعرت نورة بالذنب يجتاحها و نايف يقول ..
- متى بنسير الجمعية نييب سامان رمضان ..؟؟
لم تسمع اجابة حور الجافة و هي تهب من مكانها لتدنو من عفرا .. جثت على ركبتها قربها .. و هي تقول بحب ..
- عفاري .. و الله ما كان قصدي .. كنت أمزح .. لا تزعلين .. فديت خشمج الأحمر ..
هزت عفرا رأسها تغتصب ابتسامة ميتة .. قبل أن تقول نورة بتفكير و هي تمزح ..
- تصدقين لو تنفخين براطمج بوتكس بيطلع شكلج طرررر ..
تدخل نايف مشاكسا ..
- تقص عليج لا تصدقين .. لو تشوفين برطومج ما تقولين غير تاير موتر مبنشر ..
نظرت له نورة بحدة ..
- اشدراك انته في الجمال .. سير يا بوية العب ويا حمود ..
قالت دانة من أقصى المجلس تساند نورة ..
- عفاري ما يبالها شي فديتاا .. حلو من ربيه خلقة .. ما تشوفينها تشابهنيه ..؟! الشعر سيل ليل منحدر ،، و الخشم سلّة سيف .. و البشرة .. آآآمم .. شوه يقولون .. إشطة ..؟؟
ضحكت نورة و هي تغمز لها ..
- إشطااا يااابااا ..
غنت دانة بصوتها الحاد ..
- إيشطاااااا ..
راحت دانة تطبل على حقيبتها المدرسية مصدرة صوتا مكتوما .. و نورة تغني مازحة ..
- أنا ممكن أبيع جتتي .. كوولوو الا نااقاات حتتي .. و اللي يعلي صوووتوووو .. يبآآ ناوي على موووتووو .. إشطااا يا باا ..
- ههههههههههههه .. حلوة ناقات حتتي ..
ابتسمت نورة حين رأت ابتسامة خفيفة تناوش وجه عفرا التعيس ..
- لعيون ناقتنا بس ..

* * * * *


* للشاعرة الإماراتية القديرة الحصباه ..
** لا تضميني / من بوح قلمي ،،
*** الراوي: النعمان بن بشير - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم: 1623
**** سورة يوسف / الآية 8

what ever
26-01-2008, 10:14 PM
مسكينه عفرا ..

مايندرى شلون فاطمه بتتصرف ..

يسلمووو الماس على الفصل ..

وبانتظار الفصل القادم ..

أمواج
27-01-2008, 01:37 AM
بارت محزن جدا جدا ..

لكن يبقى السؤال اشلون بتتصرف فاطمه ؟؟

واشلون بتكون نظرتها لاخوها ؟؟

وحور وطريقتها الجديده غريبه شوي ويا زوجها ..

يعطيج العافيه أختي الماس على التتمه وفي انتظار البارت القادم ..

الشقردي
27-01-2008, 03:42 AM
مصارحة حور لغيث امر مهم


وعفرا انكارها ليس في صالحها

.: المــاس :.
16-02-2008, 11:51 AM
الخطـــــــــــــــوة الثالثـــــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }



[ خطوات تتراقص ألما ..! ]






مدت فنجان القهوة بابتسامة و هي تقول بفخر ..
- طبخ ايديّه ..
نظر لها أخوها بشك ممازح و هو يلتقط الفنجان ..
- ما ظنتيه وين بتلحقين تسوين هالخرابيط كلها ..!!
رفعت حور حاجبها ..
- انزين انته مدحت المشخول يا الدب ..! و الباقي البنات سونه ويايه ..
نظر مايد لها بابتسامة ..
- انزين سويه كل يوم و طرشيه بيتنا ..
استرخى عبيد و هو يلوح رافضا فنجان القهوة الذي مدته حور له ..
- ما ينعطى ويه ..!
وافقته حور و هي تبتسم بارتياح لهذه الجلسة المريحة .. كانوا قد استحلوا الحوش طوال فترة المغرب .. صلّى الإثنان المغرب في المسجد القريب مع نايف قبل أن يعودوا ليتناولوا الفطور و تعقبها القهوة .. انشغلن البنات في التنظيف و لكن حور لم تمد يد العون بل استغلّت هذه الدعوة البسيطة و تواجد إخوتها هنا بلا دخيل بينهم ..
شيء داخلها سخر من تلك الفكرة ..
من تقصد بالدخيل ..؟
زوجها ربما ..؟!
هه .. تستمتع هذه الأيام كثيرا بلعبة التجاهل و البرود .. شيء يرضي نزعة أنثوية عطشة في داخلها ..
تريد أن يسعى خلفها لاهثا ..
لكن سرعان ما تسرب الاحباط لنفسها .. ليس غيث الذي يجري لاهثا خلف أحد .. تلك الغطرسة التي لا تتنحى عن أنفه المتعالي .. يستحيل أن تنحني أمام تجاهلها هي ..!
عادت لها ذكرى أول يومٍ في الأسبوع حين صادفها عند الباب الخارجي و هي تهم بالتوجه للجمعية لاستيفاء أغراض البيت و ما ينقصه ..
كان قادما من الخارج مستعجلا .. ليصادف نورة و نايف و دانة في الخارج ..
تجاهل توجههم للسيارة الواقفة في الخارج .. حين رآها قادمة من الحوش تحمل غطاء وجهها و حقيبة يدها الصغيرة ..
وقف بهدوء يسند كتفه العريض على جدار البيت و هو يضع يديه بلا مبالاة في جيبي معطفه الشتوي .. رنت فكرة سخيفة في بالها تريد أن تلهيها عن مشاعرها الغامضة التي راحت تتلوى بين أضلعها .. تأملت معطفه مفكرة بان عليها أن تشتري معاطف شتوية لإخوتها بما أن برودة الجو اشتدت الآن ..!
لازال يقف أمامها دون كلمة .. عيناه الثاقبتين تراقبان تقدمها بصمت .. أعليها أن تمر دون النظر إليه ..؟!
فكرت بالمرور بجانبه و تجاهله .. و لكنها وجدت الأمر سخيفا .. سيبدو جليا بانها تتعمد تجنبه .. لذلك توقفت أمامه باضطراب و صوتها يرتعش ..
- السلام عليكم ..
راحت تمرر يدها على الغطاء القطني بشيء من الوتر .. و عيناه تتمهلان عليها صعودا و نزولا .. و هو يرد بصوت بطيء ..
- و عليكم السلام و الرحمه ..
ذاك الضيق من نظرته المتمعنة تضخم في صدرها حين أخرج يده الكبيرة يمدها لها ..
لم تفهم ..! أتصافحه ..؟!
مدت يدها الباردة لتضيع في دفء يده و هو يعتصر كفّها الصغيرة و يشد عليها بقوة .. رفعت عينها نحوه حين سأل بصوت بدا لا مباليا ..
- وين بها ..؟!
- بنسير الجمعية نتقظى للبيت ..
- أي جمعية ..؟
تنهدت بصبر ..
- كارفور ..
- منوه لي بيوديكم ..؟؟
صرت على أسنانها بضيق .. ما هذا ؟ استجواب ..!
- دريولكم ..
رفع حاجبه بتسلط ..
- آآهاا .. و من منوه ترخصتي ..؟
عقدت جبينها دون أن تدرك مغزى سؤاله ..
- من أمايا ..
اشتدت يده على كفّها يعتصرها و هو يسأل بفتور ..
- ليش إن شا الله .. متزوجة أمج انتي ..؟
- شوه ..؟
قال بصوت بارد منخفض و هو يميل برأسه نحوها ..
- مرة ثانية يوم بتسيرين مكان تترخصين منيه .. و أنا أوقلج تسيرين و الا لا .. و الا شايفتنيه يدار قدامج ..
فتحت فمها لتعترض حين ترك يدها بهدوء .. و استدار ليتركها .. تقدمت خلفه بخطوة ..
- لا هب يدار .. بس انته ما كنت موجود .. و أنا .. ما .. أنا .. ..
صرت على أسنانها .. لما عليها أن تبرر له ..؟ و لما هذه اللهجة الجليدية التي يوجهها إليه ..
لكنه توقف أمامها ليلتفت نحوها بهدوء ..
- انتي شوه ..؟!
انفلتت الكلمات منها بصراحة و هي تهز كتفها ..
- ما تعودت اترخص من حد غير أمي و أبوي ..
اشتد فكه و عيناه تلمعان بشيء لم تفهمه قبل أن يقول بصوت قوي ..
- لا .. تعودي عيل .. لنه عقب اليوم ما بتشبرين برا البيت دون ما قولج ..
نظرت له .. لما تشعر بأنه عدوانيٌ بشكل ما ..؟! هل معاملتها هي من أثرت به بهذا الشكل ..؟ أم أن تلك الليلة قد فجّرت موقفا قديما بينهما ..؟!
تكاد تلمح طيفا لقسوة ذاك الرجل الذي كان حين تعرفت عليه للمرة الأولى ..
نظرت له بطرف عينها و هي تقول بصراحة ..
- انزين ليش معصب ..؟
اتسعت عيناه لبرهة .. و قد بدا أنها فاجئته بسؤالها .. قبل ان يحني رأسه ببرود ..
- يمكن أبا أفهم احساسي أنا بعد ..
و دلف المجلس تاركا ايها تتميز غيظا .. تعلم انه يسخر منها ..
كان هذا ردا غير مباشر يفيدها بأن ما يفعله ردا على ما تمارسه نحوه من تجاهل ..
زمت شفتيها بغيظ .. الحقيقة أنها لا تفهم هذا الرجل بتاتا ..
يمكنه أن يرقى بها قمّة الجنون لتجد نفسها فجأة في الحضيض ..
ينثر أحاسيسها .. يبعثرها أرضا بإهمال .. ليعود و يجمعها بتمهل بين راحتيه ..
أحيانا تجد جزءا من ذاتها ينفصل عنها .. ليراقبها و هي تقف قربه .. كيف تتصرف بغباء .. و تنقاد بسهولة ..
تنهدت بهدوء .. ما ينتظرها هي المهمة العسيرة التي ستقوم بها الليلة ..
قررت استغلال اقامة خالتها في هذه الأيام عندهم لتكون بقرب أختها في حالة داهمها المخاض ..
لتصارح إخوتها بقرار انتقالهم ..
هذه الأيام حين أصبحت في منأى عن تلك المشاعر المدمرة .. ذاك البرود الذي تتخذه قناعا و درعا لها ..
راح يبث فيها شيئا من شجاعتها القديمة ..
أخت ترى الأمور أكثر وضوحا ..
هناك الكثير مما هو بحاجة لكفاح .. و مقاتلة ..
تتجاهله في غمرة ضياعها الأخرق ذاك ..
ما الذي دهاها .. أصبحت متقلبة .. متقلبة ..
تدور حول نفسها .. بلا توقف ..!
.
.
- لاااا حالتج مستعصية و الله ..!!
انتفضت حين انتشلها صوت مايد الذي صاح قرب أذنها بقوة ..
- بسم الله روعتنيه ..!!
عقد جبينه و هو يبادل عبيد المبتسم نظرة ساخرة ..
- روعتج ؟؟ مساعة يالس أزاقر عليج و انتي عمج أصمخ .. خيبة .. فشوه تفكرين ..؟!
ابتلعت ريقها باحراج و هي تقول ..
- ماشي معين و الله ..
ضحك عبيد ..
- ماشي معيّن ..؟ أنا قلت هاي تخطط لجريمة .. تبطلين عيونج .. و تصغرينها .. و تمطين بوزج ايمين و يسار ..
التقطت فنجان مايد الخالي ..
- جريمة في منوه ..! محد قابل للقتل هنيه للأسف ..
لوح لها مايد بسرعة ..
- حور لا تصبين ..
- تقهوا يا ريال ..
- بنسري يا بنت الحلال ورانا أشغال و ترتيب .. الحين انتوا صارقين أمنا .. و وديمة ما منها خير .. مادري لشوه يالسة عدنا أونها تعاون .. يا تعابل بنتاا .. و الا ميوده التيلفون و سوالف ويا المعزب ..
ابتسمت حور له ..
- تحملوا .. أنا أقول أميه ناوية عليها هاليومين .. الله يصبركم ..
راح عبيد يرتب غترته و هو يعتدل في جلسته ..
- ع كيفها هو تنوي و الا لا .. الله ينسم كربها .. و يقومها لكم بالسلامة .. عاد أقولكم لو بنية من الحين محيرنها ..
هزت حور رأسها ..
- لا .. لا .. ما تباك بنتنا .. ما يتكبر الا و انته شيبة .. بلا ظروس ترابع وراها و هي عذرا .. هيييييييييه يا عبيد ..
ثم التفتت لعبيد و هي تتذكر شيئا ما ..
- تعالوا ليش ما تيلسون .. باكر السبت .. عطلة ..
أشار عبيد لمايد ..
- لا و الله أخوج مداوم ..
اتسعت عيناها و هي تنظر لمايد ..
- افااا ..!! صدق و الله ..؟!
أومأ مايد برأسه موافقا ..
- ليش زين ..؟!
- كذيه هل الصيانة و التشغيل ما عندهم الا اجازة في الاسبوع .. الا لو انتي بتسويلنا واسطة دامج حرم راعي الشركة ..
عقدت حور جبينها في ضيق و هي تنظر لمايد بنظرة معاتبة .. لا تدري لما شعرت بأنه يقلل من نفسه أو يفصل مستواه عن مستواها ..
- كان سويت واسطة و اشتغلت وياك .. تعال شوه تسوي في الصيانة و انته هب مهندس ..
- أمشي أموري يا بنت الحلال .. عاطينيه وظيفة مدنية .. مراجعات و مادري شوه من خرابيطه .. المهم .. نشي ازقري أماية بنسلم عليها قبل لا نسري ..
ابتسمت حور لهما بحب و هي تقول بنبرة حزينة ..
- هاي أول مرة تطولون عدنا من توفى أبوية الله يرحمه ..
ابتسم عبيد ممازحا ..
- كسرتي خاطريه بيي كل يوم ..
ضحكت و هي تنهض لاستدعاء أمها ..
- حياك الله ..
خرجت بعد لحظات مع عذيجة التي راحت تودع أبناءها بحرارة و توصيهم كأنما ستسافر على مكان ما .. و يستمعون هم بطاعة قبل أن يتبادلون رأسها بالتقبيل و يتركوها وسط دعواتها الخالصة .. تقدمت حور معهم لتوصلهم إلى الباب الخارجي ..و عبيد يقول بكسل ،،
- فديت أمايا .. الله الله فيها حور .. و الله لو نلقى فيها شمخ واحد .. بنردها و بنشل أمكم بدالها ..
ضحكت حور ..
- حلف و الله ..
- عيل .. نعطيكم أميه يديدة بقراطيسها .. و تخربونها ..
هزت حور رأسها و هم يجتازون الباب الفاصل بين الحوش و ممر المجلس ..
- بقراطيسها أونه .. عيوز منتهية برقعها مصدي من العهد الأغبر .. و بقراطيسها ..!!
رفع عبيد حاجبه حين ضربها مايد بخفة ..
- لا تسبين ..
ليقول عبيد بمكر ..
- و الله أخبرها ..
ربتت حور مكان الضربة و هي تضيق عينيها ..
- يا الفتان ..
هز عبيد كتفيه ..
- فتان .. فتان .. المهم أخرب بينكن ..
فتحت فمها لترد قبل أن تتجمد مكانها و عيناها تتعلقان بالذي دخل للتو بخطوات واسعة متوجها مباشرة للمجلس قبل ان يتوقف فجأة حين شعر بوجودهم ليلتفت بهدوء نحوهم ..
زمت حور شفتيها و مايد و عبيد ينظران إليه قبل أن يتقدم نحوهم بصوته العميق ..
- السلام عليكم ..
سلّم على مايد و عبيد بهدوء .. قبل أن يسلّط نظرة ضيقة على حور .. وجهه المشدود و هو يبادلهما السؤال عن الحال اوحى لحور أنه متضايق بشكل ما ..!
- يا الله نترخص ..
قالها مايد بابتسامة صغيرة .. تكاد حور ترى لمعان التوتر في عينيه .. و غيث يرد ببرود ..
- وين ..؟ رامسين ..
- مرة ثانية يا بو علي ،، نحن من المغرب هنيه ..
متأكدة بأنه غاضب الآن .. رغم نعومة لهجته و هو يقول ..
- عيل طافتنيه اليمعة .. ما عليه .. اليايات أكثر ..
أيلمسان التهكم في صوته كما تفعل .. ؟!
كلمات توديعية قصيرة قبل أن تسلّم عليهما حور بحرارة تحت أنفه .. قسوة نظرته تخترق بشرتها .. دون أن تلتفت إليه .. و هي تقول برقة ...
- تحملوا بعماركم .. و سلموا ع عميه سلطان ..
و ضربت مايد بخفة .. و هي تنظر له شزرا ..
- و اتصلوبيه ..
ضحك عبيد و هو يتقدم نحو الباب الخارجي ..
- بنتصل بج دام أميه رهينة عندكم ..
ضمت كتفيها لصدرها و هي تقول ..
- الله يحفظكم ..ما ان اختفى خلف الباب .. حتى تجمدت كفيّها .. لثانيتين شعر برغبة تدفعها للاستدارة فورا و التوجه للداخل .. و لكنه هنا ..!
يقف على بعد خطوتين فقط .. و نظراته الجامدة تلتصق بجانب وجهها المتيبس ..
أنزلت يديها بهدوء و هي تبتلع جرعة هواء ..و تحبسها .. قبل أن تلتفت له بهدوء ..
- مرحبا ..!
اصطدمت عيناها بعيناه لتعلق نظراتها برهة في ضيق حدود ذاك الغموض .. تخبط قلبها الأخرق كعادته .. و صوته البارد يرد تحيتها ..
- من متى و هم هنيه ..؟
تدلى فكها ببلاهة دون أن تفهم ..
- هاا ..؟
صر على أسنانه بنفاذ صبر ..
- من متى و عيال خالتج هنيه ..؟
- عبيد و مايد ..؟ من قبل المغرب بنص ساعة .. ليش ..؟
.
.

سحب نفسا عميقا محاولا بصبر ان يهدئ نفسه و هو يكتم غيظه بقوة .. ماذا .. هل هي غبية .. ام أنها تتعمد التظاهر بعدم الفهم ..؟!
عيناها المتسعتين بدتا صادقتين و هي تسأل ليجيبها بقوة .. و صوته يحتد دون أن يستطيع السيطرة عليه ..
- مرة ثانية ما يشبر البيت ريّال و أنا هب موجود ..
الحقيقة أنه يريد أن يشدها من غرتها التي تدلت على جبينها .. و هي تنظر إليه بذهول ..
- اشوه ..؟ هاييلا هب غرب ..؟! مايد و عبيد خوانيه قبل لا يكونون عيال خالتيه .. و متعودين عليهم اييون البيت متى ما يبون ..
شد قبضته .. كلمة واحدة من هذا النوع فقط .. و سيقتلع عينيها .. تتبجح بهم أمامه كما كانت تفعل منذ لحظات و هي تكلمهم و تضحك معهم ببساطة ..
و تخرج شعرها الغبية ..!
أكثر ما يثير غيظه هو ذاك الشعور المحرق الذي راح يتأجج في صدره ..
أراد خنق إحساس ملتهب غريب .. و رغبة حمقاء .. راودته حين رؤيتها تقف وسطهم .. تحثه على التقدم لدفنهم في مكانهم ..
سحب نفسا عميقا .. متلبسا بروده المعتاد و هو يقول بصوته الآمر ..
- هذا يوم أبوج في البيت و سامح لكن بهالشي .. الحين لا .. يوم حد منهم بيي يتصلبيه و يترخص .. ما يحدرون داخل البيت .. أشوفج ماخذه الامور حيا الله .. فهمتي و الا لا .. اذا حد ناوي ايي .. يتصلبيه قبل ..
ثم انخفض صوته بلهجة خطيرة حين رآها تزم شفتيها و عيناها ترتفعان بعناد ..
- سمعتينيه يا حور .. لا تخلينيه أسوي شي ما يرضينيه و لا يرضيج ..
أخفضت عيناها لعينيه .. و هي تقول بلهجة غريبة ..
- الظاهر انه وايد أشياء ما ترضيك هالايام .. أنا هب مستعدة أروح لخوانيه و أقولهم استأذنوا من ريليه قبل لا تحدرون بيت خالتكم ..!
انشراح غريب انبسط بين في جوفه و هو يسمعها تقول بصوتها المبحوح - ريليه - .. نزعة تملكيه أرضتها بلفظها ذاك .. و هو يقول بصوتٍ قوي ..
- لا تقوليلهم .. انا بتصرف ..
جحظت عيناها ..
- بتروغ خوانيه ..؟؟!!
التوت شفتيه و هو يميل رأسه نحوها ..
- بسوي لي بسويه .. شعندج ..؟
فتحت فاهها بانفعال .. و أطبقته مجددا و أنفاسها تتهدج .. على يقين هو بانها تتأثر من قربه ..
لكن عينيها الحائرتين سرعان ما استقرت على وجهه و كلمتين تنفلت من شفتيه لتهزّ أعماقه ..
- غيث شفيك ..؟
خفق قلبه بشدّة .. و ذاك الشعور المجهول يداهمه مجددا ..!
ما خطبه ..؟!
ما الذي يدفعه لمناكشتها .. أ لأنه لا ستهوي هذه الواجهة الباردة التي تخفي خلفها احساسها به ..؟!
أم أنه مغتاظ لأنها تغلّبت على تأثيره ..
ما الذي يثير حنقه و يجعله لا يريد سوى تصيّد الأخطاء منها ..؟!
يريد أن يغضب منها .. أن يدفعها للانفعال .. لتجاوز تلك الحدود السخيفة التي راحت ترسمها بتجنبه ..؟!
جل ما يريده الىن هو أن يدنو منها أكثر ..
ليصيخ السمع متأملا ..
لأنفاسها التي لن تكذب ..
لصدق ستتهدج به لتبوح همسا ما يخالج قلبها الصغير ..
يريد أن ينصت لتراتيل قلبها العنيد .. ما الذي تحويه حقا في داخلها ..
لما أقلقه أن تكتشف أن مشاعرها مجرد اندفاع احمق خلف الرجل الوحيد الذي عرفته ..؟!
راحت عيناه تجرّدانها و هي تستقر على نافذة روحها ..
تلك العينين الغائمتين اللتان استحلتهما علامة استفهام بحجم احساسه المتخبط الذي لم يعد يكترث لتفسيره ..
قد لا يعجبه ما يجد ..
كل ما يجزم به أنه يريد أن يثق بأنه لن ياتي يوم تصارحه مجددا برغبته في الانفصال ..
ما الذي سيفعله حينها ..؟
سيجبرها ..؟!
حتما سيفعل إن لم يكن له الخيار ..
كان صوته أكثر هدوءا .. لا يفضح تلك العاصفة الهوجاء التي راحت تهدم ركائز ثباته في داخله ..
- و انتي تشوفينها حلوة فحقي هالحركات .. تظهرين و لاكنه ريال وراج تترخصين منه .. و تييبين خوانج فبيت أنا راعيه الحين .. و أنا الريال فيه .. لا عبرتينيه ولا عطيتينيه خبر .. شوه هب ريال قدامج .. و الا هب مازر عينج ..؟
تلذذ بتلك النظرة المتراجعة في عينيها .. هذه الكلمات انتقاها بعناية .. ليس عليه سوى الاستدارة و تركها الآن .. لتحترق ذنبا حتى تعود للاعتذار .. للدنو من روحه ..
سيستدرجها ..
كلمة أخيرة ألقاها قبل أن يرحل ..
- كم رقم عفرا ..؟؟
كان فاهها لا زال مفتوحا بضياع .. ثقته راحت تتماسك مجددا .. و هي تنظر له بعدم فهم .. الحقيقة بانه بارع في بعثرة هذه الطفلة ..!
- رقم عفرا ..؟!
قال ذلك مكررا طلبه .. لتنظر له بذهول ..
- عفرا ختيه ..؟
- هيه .. عندكم عفرا غيرها ..؟!
- لا .. بس .. آآ .. شوه تبابها عفرا ..؟
رفع حاجبه و كأنما يقلل من قيمة سؤالها ..
- أباها بسالفة .. كم رقمها ..؟
قالت بعناد و قد بدت كراهيتها إعطاءه الرقم جليّة ..
- عفرا تعبانة هالايام ..؟
هذا هو المقصد ..
لا تزال - تعبانة - ..
و لا زال الشك متأصلا داخله .. نفس الشك الذي كان متأكدا بأنه يسكن قلب الواقفة أمامه و تتجاهله بقوة ..
- انزين ..؟ شوه بلعب كورة وياها ..؟ ابا أرمسها أنا .. عطينيه الرقم يا الله ..
زمت شفتيها بتلك الطريقة مجددا .. خنق ابتسامة متهكمة و هي تردد الرقم على مسامعه بضيق ..
سجّل الرقم في هاتفه بسرعة .. قبل أن يستدير بصمت و توجه للمجلس تاركا اياها خلفه .. ليدلف إلى ملجأه منذ أشهر و يصفق الباب بخلفه ..
.
.
لم تشعر باللحظات الطويلة التي قضتها و هي تقف مكانها تنظر للباب المغلق .. و هي تعتصر طرف غطائها بقسوة .. حتى أصبح رذاذ السماء يتهافت برقة على وجهها ..
ببرد منعش ..
ماذا يريد من عفرا ..؟!
ثم ماذا يقصد بكلماته الأخيرة ..؟ أيعني أنها تقلل من قيمته .. ؟
شعرت بشيء من الاحباط .. و الذنب .. نفخت بضيق و هي تنظر لباب المجلس ،،
((و انتي تشوفينها حلوة فحقي هالحركات .. تظهرين و لاكنه ريال وراج تترخصين منه .. و تييبين خوانج فبيت أنا راعيه الحين .. و أنا الريال فيه .. لا عبرتينيه ولا عطيتينيه خبر .. شوه هب ريال قدامج .. و الا هب مازر عينج ..؟ ))
ماذا يريد منها ..؟ أن تغير حياتها لمجرد اقتحامه اياها ..؟
قالها بنبرة غريبة جعلتها تشعر بأنها مخطئة ..!
قدماها تثقلان .. و الرذاذ يروي وجهها الصافي بشح .. قبل أن تدير ظهرها لباب المجلس ..
و تخنق رغبة في الذهاب لقرعه ..
تريد أن تواجه عينيه مرة أخرى .. لتعلم إن كان غاضبا ..؟!
.
.
.
.
.
.
- مطر .. مطر ..
قالتها مزنة و هي تصفق بيدها بحماس .. بعد ان اشتد المطر .. و خالتها عذيجة التي انهمكت في تدليك قدمي أختها المتعبة تقول ..
- يا الله يا رب .. زيده ..
قالت دانة بتذمر ..
- الحين ما بنسير المسيد نصلي التراويح و الا شوه ..؟
نظرت نورة لساعتها و هي تقول ..
- عدها نص ساعة قبل صلاة العشا .. يمكن يوقف المطر ..
- و لو ما وقف ..؟!
نظرت نورة لحور التي بدت شاردة تماما و هي تضيق عينيها متأملة أرضيّة الصالة بسجادها المهترئ ..
- بنصلي في البيت .. حووووووووووووور ..!!
التفت لها حور بضيق ..
- نعم .. ما تعرفين تزاقرين بصوت واطي .. صميتي اذنيه ..
رفعت نورة حاجبها تنظر لحور ..
- شدرانيه بج مساعة نرمسج و انتي هب ويانا .. رمستي وديمة عن كنادير العيد ..؟
هزت حور رأسها بضجر ..
- كم مرة تخبرتينيه .. قالت تشرت الرقع و ودت المقاسات الخيّاط .. غيرها ..؟
- سلامتج ..
و ارتفعت عيونهن لباب الغرفة الذي فتح لتطل منه عفرا بوجه شاحب .. و عينان تحتضنهما دوائر داكنة .. لتقول بصوتٍ ضعيف مهزوز حين رأت العيون تتوجه اليها ..
- وين نايف ..؟
نظرت لها حور بألم و هي تجيب بابتسامة حانية ..
- عند حمود يذاكر وياه ..
يؤلمها منظر أختها المتوجع هذا .. لا تعرف سببا للتعاسة التي تكسحوجهها ..
تبكي بسرعة .. و طوال الوقت .. تهمل دراستها بعض الشيء .. كل ما تفعله هو الاستلقاء في فراشها و الاختباء تحت اللحاف ..
سحبت حور نفسا و هي تسألها ،،
- تبين شي حبيبتي ..
تراجعت قليلا خلف باب الغرفة و هي تجيب بهمس ..
- أباه يقول لغيث يشغّل الوايرليس .. عنديه بروجيكت أبا اخلصه قبل الصلاة ..
أخرجت حور هاتفها مشجعة و هي تقول ..
- انا بتصلبه الحين .. سيري خلصي ..
هزت رأسها بانكسار قبل أن تدلف و تغلق الباب دون كلمة ..
تنهدت حور بقوة .. لتسمع تنهيدتها بوضوح .. قبل أن تنقل بصرها بين الموجودين ..
كان الوجوم هو ملامح هذه الوجوه ..
مزنة هي الوحيدة التي لا تزال تراقب قطرات المطر التي ترتطم بزجاج النافذة .. هند و نورة و دانة تعلّقت أعينهن بباب الحجرة .. أمها تعقد جبينها بصمت .. و عذيجة تهز رأسها بأسى و هي تكرر تلك الجملة التي تقولها مذ رأت حالة عفرا الغريبة ..
- البنية هب طبيعية .. حرما ينها فيها عين و الا طار فيها شي ..! بعضهم لي يطيحون يتلبسونهم .. و عفرا ربع وراها كلب اسود .. لازم نودي البنيه لمطوع ..
أدارت دانة عينها فيهم بحذر ..
- أمس الساعة ثنتين الفير سمعتاا تصيح ..!
هزت نورة رأسها موافقة و صوتها يقول بحزن خافت ..
- دوم تصيح .. أمس تخبرتاا كان تبا شي و خرّت دمعتاا .. حتى العيشة ما تاكلها شرا الأوادم .. خالوه يمكن صدق فيها عين ..!! عفاري شاطرة .. و عاقلة .. يمكن حد حسدها ..!!!
لم يرد احد بعد كلماتها .. صمت قبيح ساد في المكان ..
و كلٌّ يغرق في فكرة ..!
قبل ان تسمع حور صوتا مألوفا من بعيد .. شيء يشبه الانذار بجرس .. لتلفت لنورة بسرعة ..
- نورة .. راعي الغاز ..! اربعي وقفيه .. بسرررررعة ..
تمطت نورة و هي تقول بكسل ..
- خلي مزنة تزقره ..
- مزنة صغيرة و تخاف .. بسرعة يا الهبلا .. بيسري ..!
وقفت نورة بملل ..
- افففففف منكن كم اسطوانة ..؟
هبت حور لتخرج المال لصاحب لموزع الغاز ..
-ثنتين ..
خرجت نورة مسرعة و هي ترفع غطاءها تتقي المطر .. و حور تخرج هاتفها .. لتختار اسم غيث .. ثم تتصل به ..
صوت الخط المتقطع يعلن اشتباك الخط .. لحظات مطولة دون رد ..!
عاودت الاتصال مرتين و ثلاث ..
و في الرابعة كانت تصر أسنانها بغيظ ..
يتعمد تجاهل مكالمتها اذا ..!
همست بحقد و هي تفتح صفحة كتابة رسالة نصية قصيرة ..
- الهرم ،،
راحت تصف الكلمات تباعا .. و هي تضغط على أزرار الهاتف بقوة كادت أن تحطمه ..

* * * * *

- خلها على ربك يا ريّال .. أبو لحية شكله ناويها علينا هالمرة .. ما يبانا نسير مكان ..
قالها هزّاع بهمس يائس و عيناه على شقيقه الأكبر الذي يمسك بالمصحف الشريف و بدا غارقا بين آيات الذكر الحكيم ..
كانوا يجلسون بعد إفطار ثالث يوم من الشهر الكريم في بيت بو سيف الذي دلف للداخل .. فيما استلقى حارب على الجلسة الأرضية و عيناه على التلفاز الذي كتم صوته بطلب من سيف .. ربت أحمد على بطنه بشبع و هو يقول ..
- المطوع شالنه هوا .. مستعيل ع رزقه .. يتحرا عمره بيملك أول ما تربي حرمة عميه .. عدهم بيضيفون العرب و بييبونهم بيت يدي .. خلاف بيرتبون أمور الملكة .. ما عليك منه .. انته شاور عميه .. قردنه شوي .. و بيطيع ..
و ابتسم بتفاؤل ..
- إذا غيث ما قال شي .. و وافق .. شوه بيقول سيف ..؟؟
- ياخي سيف يأثر على أبوية وايد .. لو يقول يمين .. قال يمين .. و لو قال يسار قال يسار ..! الحين أنا قلتله أبا أروح ويا الشباب ثاني يوم في العيد لقطر احتشر عليّه .. و خشعنيه .. يقول نحن فاضين و نضيع وقتنا في يمعات الشباب .. كنه الا يبانا نخاوي الحريم ..؟!!
- ما عليك منه .. حاول مع عمي .. و لو ما طاع .. بنشوف غيث ..
عقد هزّاع حاجبه باستياء ..
- الله يعين لو صدق ما بيخلونا نسير ..! السلعاوي بيسابق بداليه ..!
نفخ أحمد صدره ..
- جب لااا .. السلعاوي أحول ما يعرف السكان من القير .. لو ما بتسير أنا بسير و بسابق ..
نظر له هزاع بغل ..
- يا النذل لو ما بسير بتيلس ويايه في البلاد .. و الله ما تشبر .. هيه هاللي قاصر بعد .. أتم اروحيه و انته ترتغد هناك .. اقصرها الرمسة .. بلايه ما شي سباق تسمع ..
- يا خوك .. لو رديت الشور لك ارمس .. انته ما بتدريبيه الا قدنيه هناك اتصلبك .. ألوو .. هزاع .. هنا قطر .. هههههههههه .. و انته ايلس هنيه .. عابل الخيمة .. و زهاب العروس .. و رتب العشا .. و لو تبا تحظر رويض يوم بتتحنى خبرنيه بسويلك واسطة .. هههههههههههههههه ..
لكمة هزاع بقوة ..
- انطب يا الهرم .. و الله لسير .. بتشوف .. و بو لحية مقدور عليه ..
غمز له أحمد ..
- بنشووووف ،، - ثم التفت لحارب - أقول يا الحبيب .. شوه تطالع انته بلا صوت ..؟؟ نش نش .. بنسير نتحوط شوي ..
رفع حارب يده يسأل من بعيد ..
- نتحوط وين ..؟
- بنسير المول ..
- في هالمطر ..؟!
رفع احمد حاجبه ..
- أي مطر ..؟! القطرتين لي صبن الظهر !! .. نش يا الله .. بتخاوينا و الا لا ..
رفض حارب ..
- يا خوك طول الاسبوع حاجزينيه في الكلية .. أبا أشوف الوالدة و أيلس وياها .. بيروح بو سلطان وياك ..
مط أحمد شفتيه .. و هو ينظر لهزاع الذي يقلب ما في هاتفه ..
- مليت منه خوك .. حشى هب ريال لصقة .. أربع و عشرين ساعة على ظهريه .. حتى و أنا راقد يظهرليه في الحلم .. مع انيه أقرا المعوذات .. !!
لكزه هزاع بقوة بكوعه ..
- شوه شيطان شايفنيه يا الثور .. تحمد ربك .. غيرك يموت و هب محصل نظرة منيه ..
- عداااال عاد .. يا الله .. سريناا ..
قالها و هو ينهض .. قبل أن يرفع سيف رأسه لهما منبها و هو يغلق القرآن بلطف ..
- صلاة التراويح يا شباب .. لا تلهيكم الهياته ..
هز أحمد رأسه باحترام ..
- ان شا الله يا فضيلة الشيخ .. دعواتك بس ..
هز سيف رأسه بهدوء ..
- الله يهديك ..
تنهد أحمد من قلبه ..
- آمين ..
تحرك الاثنان يتركان المكان ..
رفع سيف عينه للتلفاز الذي تعلقت به عينا حارب .. و هو يسأل بهدوء ..
- شوه تطالع ..؟
التفت له حارب بسرعة ..
- خلصت ..؟ بظهر الصوت ..
عقد سيف جبينه و صوت التلفاز يصدح في المجلس بصوتٍ عالٍ .. كانت الشاشة تعرض نقاشا حادا لرجل ملتحٍ بثوبٍ قصير مع آخر صورته و هو يشحن سلاخا اوتوماتيكيا .. قبل أن يتقدم من حارب و يكتم صوت التلفاز .. اعترض حارب ..
- بلاك ياخي ..
- شوه عايبنك المسلسل ..؟!
- ظهر الصوت ياخي ..
المسلسلات من هالنوع ثوب مقلوب ..
عقد حارب جبينه ..
- ثوب مقلوب ..؟!!
جلس سيف قربه و هو يفتح نقاشا متعمدا ..
- هيه .. خبرنيه أول .. شرايك في هالمسلسلات ..
رفع حارب عينه بملل ..
- آممم .. مادري و الله .. ما تابعهن وايد .. بس أحسها مسلسلات طيبة .. تعرض قضية و تناقشها .. و الا شرايك ..؟ يعني يا بو هناد الحين العالم ماله شغل و لا شاغل الا الارهاب .. تعرف انه أول شي يعلمونا اياه في الطيران اجراءات الامن في الطايرة اذا انخطفت ..؟! العالم كله متروع من الارهاب ..!
مسح سيف على لحيته بابتسامة ..
- و المسلسلات تعالج هالقضية ..؟!
- يعني تعرضها .. و تشرح أسباب حدوثها .. يمكن تساعد الغير في تجنب التورط في هالخربطان .. هب كل العرب عندهم خلفية دينية تخليهم ايميزون الصح عن الغلط ..!
- و الخلفية الدينية بتكونها لهم المسلسلات هاي ..؟
ضحك حارب بهدوء ..
- بو هناد بلاك ..؟ هاي مسلسلات العرب كلها تشوفها .. هوب شرط انه كل من ايشوفها يتأثر ابها .. و الا شرايك ..؟
- راييه ان هالمسلسلات خبيثة ..
الآن يضج حارب بالضحك ..
- مرة ثوب مقلوب .. و الحين خبيثة .. حاااقد يا ريال ..!
هز سيف رأسه .. بهدوء ..
- و ليش ما أحقد ..؟ عايبتنك مسلسلات من هالنوع .. انته لك راي و أنا لي راي .. و غيري له راي .. كلن يشوف الموضوع من زاوية .. أصحاب هالنوع من المسلسلات خلّوا الارهاب تجارة ..!!!! كل واحد يستلم موضوع الارهاب و يبهرجه و يحوله قصة درامية .. عسب يستوي مسلسل فنان يعرضونه على الناس ..
تنهد و هو يقول ..
- تعال بس بنشدك .. شوه الارهاب ..؟
رفع حارب يديه في وجه أخيه مستسلما ..
- لا اتخبرنيه ..
- ليش ..؟ قول ..؟
قال حارب بحذر ..
- الارهاب أفعال المتطرفين دينيا .. هاييلا المتشددين في الدين يذبحون خلق الله أونهم كفّار ..
رفع سيف يده ..
- بس خلاص .. هاللي ظهرته من المسلسلات .. انا ما يهمنيه لو يبون يعرضون الارهاب و الا لا .. أصلا موضوعه متفرع و الواحد يضيع فيه من أحكام و فتاوى و غيره .. هالمسلسلات لي من هالنوع بس تشويه للاسلام .. انطباع واحد تعطيه كل متابع لها .. كل لحية طويلة و عمامة .. كل ناصح بامر الله .. مجرد متطرف خبيث يسعى لاستدراج العالم عسب يستخدمهم في مهماته الانتحاريه .. يصور اهل الدين مجرد جماعات و عصابات مالها شغل و لا شاغل غير المذابح لحاية في نفس يعقوب و العذر يعقونه على الدين .. هاييلا تديّنوا و من زود حبهم للدين تطرفوا و غدوا ارهابيين ..
فرد يديه بهدوء ..
- وين الغلط ..؟؟ الدين .. الوسيلة لي استعمل بها ..؟ و الا الأشخاص لي ما فهموا مغزاه ..؟!!!!! يمكن فيه ناس كذيه .. و متأكد من هالشي .. بس لحظة .. شوه الغاية من هالنوعية ..؟؟ مهاجمة هالجماعات .. و الا نصحها ..؟!! أنا ماشوفها الا استفزاز .. دفع للعنف ..
قال بقهر ..
- أنا ما يحرنيه و يعل فواديه غير شي واحد .. يوم انك تستخدم دينك تجارة .. تشويهه في لي شرا هالمسلسلات .. ما شفت شي منهن عرض ببساطة ان الدين الحنيف تسامح .. و مودة و احترام للديانات الأخرى .. كل لي اشوفه عرب مطولين اللحى و سفّاحين .. هاييلا ينشرون الفكر الغربي .. ليش صارت سنّة الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام علامة و دأكبر دليل على الارهاب .. تقصير الثوب .. صار ترهيب ..
لوح بيده بغضب و حارب يستمع بهدوء دون مقاطعة ..
- هاييلا بهالمسلسلات الغبية .. يبعدون الناس عن الاسلام .. يخوفونهم من التقرب الى الله .. لن التدين و التشدد تطرف و اجرام .. لو شخص غير مسلم آمن باللي تحويه هالمسلسلات .. شوه الشي لي يمكن يأثر فيه غير ابعاده عن الدين و كرهه أكثر و أكثر ..! أنا ملتزم و لله الحمد .. ما فكرت أنحر بشكارتنا لنها مسيحية .. بس هم ما يحبون يعكسون الا السواد عقب ما يضخمونه ..!
رد حارب بهدوء .. و هو يتثاءب ..
- يا بو هناد .. لا تنكر انهم يعرضون قضية .. و يبون يحلونها ..
- يحلونها كيف ..؟ و هم يصورون للعالم ان الاسلام سبب ..! ان المتطرفين ما انحرفوا الا بسبب معتقدات دينية اسلامية ..؟! و اذا كانوا المتطرفين ياخذون الدين حجة ..؟ ليش نحن ما عدنا سالفة .. ما نروم نعكس صورة اسلامنا الحقيقية ..
لوح حارب بهدوء ..
- سيف يا خوية .. كانك تحمست شوي ..؟
صر سيف عل أسنانه و هو يهب من مكانه لغلق التلفاز ..
- الغيرة على الدين هب عيب .. و هالخرابيط لي ما وراها فايدة خلها عنك .. سير اقرا لك سورة تنفعك ..

* * * * *

* * * * *

قبلتها بحرارة و هي تقربها نحو الأريكة و تقول بشوق ..
- تولهت عليج يا السبالة .. عنبوه صدق ربيعة جامعة .. ما تذكرين حد عقب الكورس ..!!
رفعت راوية حاجبها و هي ضع حقيبة يدها جانبا ..
- انا لي ما أذكر حد ..! و الا عرب من يوم قربت ملكتهم حتى سماعة التيلفون ما يرفعونها ..!
ضحكت روضة بخجل و هي تردف ..
- و الله انشغلت بالخرابيط .. ما عليه .. خبرينيه .. شحالج .. شخبارج .. و شوه مسوية في الجامعة .. هههههههههه ناوية تعمرين و الا خريجة هالكورس ..؟
- بخير فديتج .. كل شي يسرج .. هههههههههههههههه .. لا خلاص مليت .. الجامعة بلاج هب شي .. بتخرج ان شا الله .. انتي شحالج .. ما قدمتي أوراقج في مكان ..؟
- بخير يعلج الخير .. شوه أشتغل ..؟؟!! لا يختي .. مشغولة بسوالف الملكة الحين .. يوم تترب أموريه بشوف شوه أبا بالضبط ..بنت عميه عوشة توظفت ..!
ابتسمت راوية باهتمام ..
- الطويلة الغاوية ..
- ههههههههههههههه هيه هي ..
- وين ؟؟
- في إماراتي للإعلام .. فرعهم لي في العين ..
عقدت راوية جبينها ..
- و عادي عندكم ..؟ أحيده مختلط ..
هزت روضة كتفيها بخفة ..
- و الله ما قد جربنا شي عسب يكون عادي و الا لا .. هاي أول وحدة من بناتنا تتوظف .. بنات خاليه متوظفات في وزارة .. يعني عادي ظنتيه .. و بعدين الشباب أكيد ما دروا بالسالفة و الا شفتي كلن يدلوا بدلوه ..
اومأت راوية برأسها ..
- انا أقول أكيد بعارضون .. لنه شي شباب هناك ..
- و لو ..؟! لو هي بتحشم عمرها ما بييها شي ..
لم تجبها راوية و هي ترتد إلى الوراء بحركة سريعة و تدير رأسها لترد الغطاء الثقيل على وجهها .. و هي تهمس بإحراج ..
- رووووضووووه .. ياا السبااااالة .. قلتي محد في البيت ..!!
التفتت روضة بدهشة للخلف .. قبل أن تذهل بحق.. لم تعرف هل تضحك على الموقف بصوتٍ عالٍ .. ام تنبه صديقتها .. أم ماذا .. كل ما شعرت به هو الضيق الشديد الذي اغتصبت ابتسامة متوترة رغم اكتنافه صدرها و هي تقول بهدوء ..
- راوية .. هاي شيخة ختيه ..
قالتها و هي تلتفت لشيخة التي وصلت نهاية الدرج الكبير .. ترتدي بنطالا خشنا .. و فانلة وسيعة .. شعرها المقصوص الذي يصل لآخر رقبتها احتضن وجهها بفوضوية ..
نظرة غريبة علت ملامحها و هي تقف بجمود و راوية تزيح الغطاء عن وجهها بإحراج ..
هبت راوية واقفة و هي تنتظر شيخة التي تقدمت ببرود لتسلم ..
- السلام عليكم .. حيّا الله راوية ،،
- و عليكم السلام و الرحمه ،، الله يحييج و يبقيج ..
سلّمت عليها بجفاء .. و صوتها الخشن يرد ،،
- شحالج ..
بدت راوية مرتبكة مما فعلت منذ قليل .. شعرت بأنها أحرجت شيخة أو جرحتها بشكل ما ..! رغم أن وجه تلك كان باردا .. جامدا .. لا يفصح عما قد يخالجها ..!
- بخير و سهالة .. شحالج شيخة .. ربج بخير ..
قالت باختصار ..
- الحمد الله .. انا بسير الميلس الداخلي ..
و تركتهن ببساطة .. جلست راوية مرة أخرى و عيناها تتعلقان بروضة في اعتذار ..
- و الله ما كان قصديه .. كانها زعلت ..؟!
لوحت روضة رغم شعورها بالضيق لما حدث للتو و لكنها كرهت أن تضايق ضيفتها لتقول بهدوء ..
- ما عليج منها .. دوم زامة بخشمها .. علومج بعد ..
.
.
.
.
لم يفلح ابهاميها اللذان راحت تضغط بهما على عينيها بقوة في ايقاف تلك الدموع التي راحت تخز جفنيها ..
و هي تطبق شفتيها بقوة .. تحتبس نفسا تريده أن يهدئ تلك الحرقة التي راحت تذيب فؤادها ..
لا زال ذاك الحدث القريب يثير تقززها .. و قرفها .. تلك الصورة لا تزاح عن عينيها .. و أخرى قديمة تقاربها ..
راحت تنبثق من العدم لتعيّرها ..
لا أحد يعلم كم هي فزعة ..
و كم هي خائفة ..
لا يدرون كم هي مرعوبة من تلك الصورة ..
أ سيقبل يوما لتصبح مسخا كما تلك الفتاة ..!!!
.
.
أما من يدٍ تنتشلها من هذه الحيرة ..
لا تريد سوى ذرة من امانٍ ..
لا تكترث إن كان كاذب ..!
انها خائفة ،، و لا تدري مما ..!

* * * * *

تقفان في زاوية الحوش ذو السور العالي الخاص بقسم النساء في المسجد ..
و تضم طرف الشيلة لشفتيها و عينيها المغروقتان بالدموع تفضح الكثير .. أنفاسها ترتجف بلوعة .. و هي تهمس بإحساس قاتل ..
- متى ..؟ متى يا فاطمة .. أنا ما أرقد في الليل .. و الله ما تغفى عينيه ..! بمووووت .. تعرفين شوه يعني بموت .. مادري شوه أسوي ..!
عضت فاطمة شفتيها تخنق عبرتين كادتا تنزلقان على وجنتها ..
عليك اللعنة يا أخي .. لماذا أزهقت روحها ..!
- يوم بيرد .. هو من يوم .. صار اللي صار .. سار الشارقة عند واحد من ربعه .. و ما شفته .. يتصل .. بس الموضوع ما يتحمل حد يقوله في التيلفون .. صبري شوي .. و لا تخافين ..
كانت تكذب ..! تخدع عفرا بألم ..
ماذا تقول لها ..!!
تحدثت إلى ذاك الحثالة المسمى بأخي و أنكر الموضوع رغم ثقته بأنني على يقين بكذبه ..
ترددت صرخات أخيها الثائرة و هو يهاجمها ..
- قوليلها الخايسة الـ ..... تروح تشوف مع منوه فالتة و لا تفر بلاها علينا ..
فيما ترد هي باحتقار ..
- لا تتبلى ع البنية .. هاي أشرف من ويهك .. ليش ..؟؟؟؟ ليش يا سالم .. انا لقيت شيلتاا و شباصتاا في ميلسنا .. حرام عليك ..
ليدفعها هو بقوته ..
- ان شا لله تلقينها هي بكبرها مفرورة عدنا .. هاي وصخة مادري لافة ع منوه و مسودة ويها و ياية تعق خياسها ع العرب .. فالتة ما وراها ريّال شوه بيظهر منها .. قوليلها تسير تحاول ويا ربيعها كان بيستر عليها ..
-بس .. بسس يا كذااااااااااب .. يا حثااااااااااااالة .. الله يلعنك .. تسود ويوهنا و تنكر بعد .. لااازم تصلح غلطتك .. سالم .. لي سويته فيه خراب بيوت .. لو حد يدري بيذبحونها و يذبحونك ..
- قلتيها .. بيذبحونها .. يعني هي الخايسة لي مسودة الويه .. لا تسوينها مظلومة .. و ليش يذبحونيه ..؟ أتحدى واحد منهم بس ايي و يرمسنيه .. و الله لفضحها .. خلي العرب كلها تعرف سواد بنات حمد بن سيف ..
- يا كذااااب .. يا حيواان .. الين متى بتنكر ..!!! خاف ربك .. حتى فرمضان .. انته تقص على نموه ..؟ عليه و الا ع عمرك .. أنا و انته نعرف انك حقير و انته لي غلط ع المسكينة .. لا .. لا .. سالم .. يكفي لي سويته .. لا تزيدها .. استر عليها .. و صلح لي خربته ..
لم تكن الإجابة على كلماتها سوى يده الغليظة تهوي على شعرها لتقتلعه بقوة و هو يصيح بها .. و يده تهزها بلا رحمة ..
- تكذبينيه يا كلبة .. خربنج اللوث .. و الله لو يخبرنيه الطير في السما انج شبرتي بيتهم يا فطوم .. لدفنج عند بابهم .. تسمعين ..
لم تكن صرخاتها و محاولاتها اليائسة للانفلات رادعا حقيقي له ..!
كان كالوحش الهائج .. لم تعلم اذا كان يهاجمها أو يهاجم ما تعلم ..
يهاجم خوفه مما هو قادم .. او تبعات فعلته الشنيعة ..
و هي تراه يتركها و قد أسقطت يدها .. علمت أنه لا يمكنها مساعدة عفرا دونه ..
و نزعة كريهة راحت تستبد بها حينها .. تريد أن يحلَّ الموضوع بهدوء .. دون أن يتعرض أيٌّ منهما للأذى ..
فرغم كل شيء .. هو اخوها .. و تعلم أن في افشاء مثل هذا الخبر دق لناقوس النهاية بالنسبة اليه ..
لن يكفيهم أن يشبروا من دمه ..
.
.
- أنا بخبر حور ..!!
قالتها بصوت مرتعش و هي تضم جسدها بردا .. و دمعة أصبحت لا تفارق وجهها ..لتتصلب أوصال فاطمة بذعر و عيناها تتسعان .. فيما يتهدج صوت عفرا ..
- لازم أخبرها .. هي بتفهم السالفة و بتساعدنا ..
هزت فاطمة رأسها رفضا و هي تقول بشحوب ..
- لا .. لا تخبرينها ..
أصبحت عفرا تبكي بضعفٍ الآن و هي تجيب ..
- أبا حد يعرف من هليه .. ع الأقل يدرون بالمشكلة .. انتي تتحرينهم صدّقوا سالفة الكلب ..؟!! ما شفتي حور و لا خواتيه كيف يطالعنيه .. يدرووون .. يدرون انيه أكذب ..
بدت على شفير الانهيار ..
- أكيد يدرون باللي استواا .. أبا أخبر حور .. انا ما يخصنيه .. كل شي صار غصبن عنيه..
شعرت فاطمة بانها على وشك الانفجار بالبكاء .. ما الذي ستفعله حور في حالة علمها بالأمر ..؟!
تقطع علاقتها بهم .. تتهجم على اخاها ..؟!
تخبر زوجها و أهلها بالأمر ..
إلى أي حد يمكن للأمور أن تسوء يا ترى .. !
أوليس بالإمكان حل هذه المعضلة بهدوء ..؟!
شعرت بأنها دنيئة .. و قذرة ..
بأنها تشارك أخاها فعلته و هي تقول بصوت مهتز ..
- لا .. لا تخبرينها .. دخيلج عفاري .. عطينيه وقت بحل الموضوع .. بقنع سالم يصلح غلطته ..
ضمّت عفرا حاجب الصلاة و السجادة لصدرها ..
- كيف ..!!! كيف بيصلحهاا .. آآآآه يا رب ارحمنيه ..
أمسكت فاطمة يدها ترجوها ..
- صدقينيه بتتعقد السالفة لو حد درابها غيرنا .. هب لازم الكل يعرف انج ... انه .. يعني صار لي صار .. عفرا .. بس وقت دخيلج ..
دفنت عفرا وجهها في السجادة ببؤس .. ما لا تعلمه فاطمة انها لن تجرؤ على البوح بما حدث لحور ..
لا تدري لما ..!
لكنها لا تستطيع .. تشعر بأن شيئا ما انكسر بداخلها .. لا تريد لأختها أن تنكسر أيضا ..
على يقينٍ بانها ترتكب خطأً بالكتمان .. و لكن أنى لها أن تجد في نفسها قوة لتسر لأحد بما حدث ..
الأمر يفوقها كثيرا .. يقتلها ببطء ..
تشعر باللهيب يسري في داخلها مجددا ..
قبل أن ينخمد كل ما في داخلها ..
أحيانا نجد اليأس ينخر أرواحنا ،،
يتآكل الامل فيها .. و يصدأ التفاؤل ..
كل لونٍ يفقد بريقه ..
ليحيل القنوط أيامنا إلى لوحة كريهة مجردة ..
خاوية ..
لا خطوط فيها .. و لا ألوان ..
لا وجوه تحتويها ..
حتى نقاء الخلفية لا انعكاس له ..
سواد يكسوها .. يغشى أبصارنا ..
لنقاد بعمى .. عبيدا لذاك الاحساس المنهزم ..
نقدم على كل ما قد يخالف ذواتنا ..
فنقتلع جذور الحياة بقبضاتنا المقهورة من ذواتنا ..
لنترك هياكلنا مهجورة ..
خاوية ..
عرضة لتهشم بائس ..
تنتظره بفروغ أمل ..
لا شيء قد يزهق الإحساس.. يقتل ببطء كاليأس ..
شيء يجثم على أنفاس الأيام ..
لينشب أظافر الاستسلام فيها ..
فيمتص كل ما تحويه ..
أحلامنا .. آمالنا .. حتى قوانا القديمة ..
كل شيء يصبح أدراج النسيان ..
اليأس ليس سوى مدية تمعن في تقطيع أوصال الأمل ..
أمل .. أمل .. أمل ..
أين هو منها الآن .. تعلم أنها تساق على وجهها الآن خلف ما تحمله الأقدار لها ..
الكثير .. الكثير من الوجع يعتصر قلبها الآن ..
و هي تعلم بأنه لا يدري عن فظاعة ما تشعر به سوى ربّها ..
لذلك رفعت رأسها للسماء الملبدة بالغيوم الرمادية ..
و قطرة تريقها المقلة .. حمّلتها كل ما تقوى على ذرفه و هي تهمس بتوسل بدا كناقوس النهاية ..
- ارحمنيه يا رب .. ارحمنيه ..
و كأنما يُرَدُّ على مشاكاتها .. ارتدت أصداء الإقامة تملأ السمّاء ..
تحثها على التلبية ..
على أن تجثو .. تتوسل ..
أن ترجو ..
ربا ستكون له في السجود أقرب ،،
إلها أدفأ قلبها الأذان بذكره ..
( الله اكبر الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح. قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله )
.
.
لا زال هناك قبس يضيء فتات ما تبقى من روحها ..
هناك ربٌّ ينظر إليها .. و لما بين يديها ..
ليس عليها سوى التوجه إليه بالدعاء ..
إنه لا يخيب رجاء عبدٍ أبدا ..

* * * * *



<<

.: المــاس :.
16-02-2008, 11:53 AM
تتمــــــــــة ،،






يجلسن على عتبة الباب .. يشاركهن نايف الجلوس بعد أن استدعته بنفسها .. عيناها لا تنظر إليهم .. و الفضول حفر على وجوههم جميعا فيما عدا المها التي راحت تراقب شرود أختها الكبرى بهدوء .. و هي تتأمل الحوش المبتل بعد توقف المطر ..
راحت نسائم رطبة تدخل الصالة عبر الباب المفتوح .. لتتغلغل بينهم .. انتفضت حور و هي تضم نفسها أكثر ..
مزنة تتثاءب بملل ..
- حور .. بسرعاااه .. نوداااانة ..
نظرت حور لها و هي تبتلع ريقها بعصبية ..
- لحظة .. ليش مستعيلة ..؟ الساعة عدها تسع و نص ..
رفعت دانة حاجبها و هي تقول بحذر ..
- حور .. البنات يرقدن تسع ..
نظرت لها حور بعدم فهم .. قبل أن تقول بصوت خافت ..
- هيه صح .. أمايا عذيجة وينها ..؟
ردت نورة بسرعة ..
- فحجرة أمايا يالسات اهناك .. حور يا الله عاد .. شوه مستوي .. ليش يمعتينا .. ليكون حصلتي الكنز ..؟ و الا ظهر لبوية ورث مادري من وين ..
رفعت حور حاجبها ..
- لا تستهبلين .. الموضوع جدي ..
سحبت نفسا عميقا حين قال نايف بضجر ..
- انزين ارمسي .. حتى انا نودان ..
نفخت بقوة .. قبل أن تنظر لهم واحدا تلو الىخر و هي تقول ببطء ..
- اسمعونيه زين .. الرمسة لي بقولها لازم اتعرفونها .. و تفهمونها .. مابا حد منكم يقاطعنيه .. لي عنده شي يبا يقوله يرقبنيه الين أخلص رمستيه .. خلاف يخبرنا باللي عنده .. واللـ ..
قال نايف باهتمام ..
- و لي يبا يقول شي مهم و ما يروم يصبر ..؟
نظرت له حور بغل ..
- شوه عايلنك .. بييك الدور و بتهذر لين اتطيح ظروسك ..
- انزين كلتيناا ..
- المهم .. نحن هنيه في البيت اروحنا .. محد عدنا ..
قالت مزنة بسرعة ..
- عدنا غيث ..
تأففت حور ..
- انا شوه قلت ..
مطت مزنة شفتها ..
- آسفة ..
- لا حول و لا قوة الا بالله .. أقول يالسين بروحنا .. عقب عين ابوية .. البيت فاضي .. مابه ريّال .. و لا تقولون غيث .. غيث عنده أهل و يبا يعيش وياهم ..
- شفت بيتج حور ..
تدلى فكها و قد نست تحذيره كي لا يقاطعها .. نظرت له ببلاهة ..
- هاا ..؟ قال نايف بصوت من يعرف شيئا لا تعرفه ..
- شفت بيتج يبنونه الحين فبيت أبويه سيف .. في الحوش .. صغير بس حلوو .. عدهم ما خلصوووه ..
اتسعت عينا دانة و هي تستفهم ..
- حور بتعيشين اهناك ..؟ امنوه بيتم ويانا ..؟!
هزت حور رأسها بصبر حين شعرت بذهنها يتشتت ..
- آحم .. اسمعوا .. هب أنا اروحيه بعيش اهناك .. نحن كلنا يوم تربي امايا بنشل قشارنا و بننتقل البيت العود ..
.
.
.
بعد تلك الكلمتين ..
جثم الصمت على أنفاسهم .. أعينٌ تتسع .. و أخرى يكسوها الجهل ..راح طنين السكون يصمّ أذني حور ..
فعلتها ..
قالتها ببساطة .. و ها هي قد ألجمت كلماتهم ..
لم يعد في جعبة أحدهم ما قد يرد به ..
راحت عيناها تمسح وجوههم .. واحدا تلو الآخر ..
المها أكثر من هادئة .. هل قرأت ما تلفظت به حور للتو ..؟ أم أنها تلتزم الصمت الذي تعايشه دوما ..
نورة و دانة بدتا مشدوهتين و هن ينتظر من حور أن تنفجر ضاحكة لتخبرهن أن الأمر مجرد مزحة ..
نايف مسترخي بشكلٍ غريب .. أ كان يعلم بالأمر ..؟!
هند هادئة كعادتها .. و عفرا ترتعش شفتيها بقوة .. بدت على شفير البكاء .. حين سألت مزنة بعينين متسعتين ..
- البيت العود ..؟! أي بيت ..؟
بلعت حور ريقها بحذر و هي تفكر بأنها اختارت اللفظة التي يستخدمها هو .. - البيت العود - ..!
- بيت يدنا .. أبو أبوية ..
اتسعت دانة و هي تهمس بانبهار ..
- لي سرناه يوم بغت يدتيه تشوفج ..؟
أومأت حور برأسها موافقة .. عادوا للصمت ..
كان هذا غريبا للغاية .. توقعت أي ردة فعل أخرى إلا سكونهم المريب هذا .. فرحة بالمقر الجديد .. اعتراض .. أسئلة ..
لكن هذا الهدوء بدا غير طبيعيا .. حت و نايف يقول بثقة ..
- أنا كنت أدري .. يوم راوانيه غيث البيت قلتله نبا حور اتم عدنا .. قال انه بييبنا كلنا هنيه يوم تربي أميه ..!
ابتلعت حور احساسها بالضيق .. و هي تشعر الىن بخطر علاقة نايف بغيث .. قد يبوح له أحيانا بما تود هي اخفاءه ..
و كانما أرضاها هذا السكون و خشيت انفعالا آخر لا يمكنها مجابهته .. امرت الصغار بحزم ..
- خلاص .. هذا لي بغيت أقوله .. احين الساعة تسع و نص .. مزنة و هنوده سيرن ارقدن فحجرة أمايا .. و لا تأذن أمي عذيجة .. نايف ماشي دوام باكر ..؟ يا الله حبيبي .. عسب تنش ع السحور .. هب تسوي شرات البارحة ... انا وديت سحور غيث الميلس ..!
قالت هند بهدوء ..
- بيتنا هذا شوه بيستويبه ..؟
نظرت لها حور بهدوء ..
- ماشي .. بيتم على حاله .. بس بنبنده ..
- متى بنسير ..؟
- قلت يوم تربي أميه .. بيستوي خير .. الحين سيرن ارقدن ..
نهضن هند و مزنة .. و الأخيرة بدأت تثرثر بحماس عن البيت الكبير الذي لم تره بعد و الذي سيسكنونه ..
نظرت حور مجددا لإخوتها .. قبل ان تسقط عينها على عفرا .. التي راحت يدها تعتصر الشيلة بهدوء .. و دمع صافي يبلل اهدابها المطرقة ..
شيء كالشوك انغرس في روح حور حين رأت احداها تنزلق على جانب وجهها بصمت .. لتمد يدها و تلتقط كف أختها .. و تعتصرها ..
- بلاج عفاري ..؟ زعلانه لنّا بنودر البيت ..
هزت رأسها رفضا و هي تعض شفتيها .. و وجهها يحتقن بألم .. لتسألها نورة برفق اعتادوا استخدامه معها هذه الأيام ..
- شي يعورج ..؟
همس مرتجف تقاطرت معه أوجاعها رذاذا يبلل خديّها ..
- لااا ..
وضعت حور يدها على وجنتها تمسحها مهدئة ..
- بلاج حبيبتي .. خبرينيه .. تبينا انتم هنيه ..
لا تريد ..
تريد الابتعاد .. الهرب عن هذا المكان .. ما يقتلها هو أنها مؤمنة بأن فاطمة عاجزة كما هي .. فقط تماطل اليأس ..
و تستدرج فنة من الرماد تتوهم أنها تفاؤل بان الأمور حتما ستكون بخير ..!
تهدجت أحرف و هي تتلفظ بها .. تشعر بالكلمات مؤلمة حين تتفوه بها .. مثقلة .. تخنقها قبل الخروج ..
- لااا .. ماحب هالمكان ..
تدلى فك دانة بذهول و نورة تضع أصابعها على شفتها .. فيما تضم حور أختها بعمق .. المها تهب من مكانها واقفة على هذا المشهد .. لا تفهم ما يدور كل ما تعرفه هو أن عفرا في نوبة من تلك الأحزان المبهمة .. التي تحيلها حطاما أجوف .. لا بريق للحياة في مقلتيها ..
شيء يثير ذعرها ..!
ما الذي دهاها ..؟ أ حور تلفق عذرا لاخفاء مصاب عنهم ..
شيء استغفلهم ليخطف روح عفرا القوية .. المنطلقة .. فيخلف وراءه كومة من احساسٍ هش ..
و الآن ماذا ..؟! ألا تبدو الأمور متخبطة للجميع كما تراها هي ..؟
أم أن الصمت الذي يتقمصها يجعلها تجلس في الخلف يهدوء .. عينيها تلتقطان ذاك الفتات الذي يتبعثر يمنة و يسرة ..
صغائر الأمور التي لا يراها أحد في غمرة اندفاعهم ..
اقتربت من الجدار البعيد للحوش لتلامسه براحتها .. باردا ..
كان المطر قد غسله ليبدو لونه مختلفا ..
تكاد أن تسمعها .. صوت أنينها يناشدها أن تبقى ..
يسألها أن لا تُهجر .. لأنهم إن تركوها هنا .. ستهمل و ستنسى ..
تلصق جبينها بجدار الطين الرطب ،،
بللته دموع السماء ..
يهجة ، أو وجعا .. لا يهم ..
تستنشقها بلهفة ،،
رائحة الحنين تعبق في أنفها ..
تتغلغل في روحها ..
.
.
رباه ..!
لا أريد أن تبكيني هذه الجدران يوما إن رحلت ..!

* * * * *

في اليوم التالي ،،،
.
.
.
يمشيان معا متوجهين لمقهى الجامعة ،، و أحمد يربت على المعطف البني الذي يرتديه هزّاع ..
- فنان هالكوت و الله ،، حتى لونه عجيب .. أحب البني ..
تظاهر هزّاع بانه مستعد لخلعه ..
- ياك و الله ..
تظاهر أحمد هو الآخر بالرفض المؤدب ..
- لا .. لا .. حلفت .. حلفت ...
- هههههههههههههههه .. لي يسمعك بيقول صدق مسكين .. ما يعرف انك نذل ما ترد شي ..
- ما يرد الكريم الا اللئيم .. و يوم انك هب قد العطية لا تعطي .. يا خي تركي وينه ..؟ ما داوم يوم الخميس و لا شفته أمس في ميلس فلاح ..؟!
- يوم الاربعاء في الليل سافر الرياض يقول عرس ولد عمه و بيحضر .. و امس السبت رد .. مداوم اليوم يرقبنا في الكوفي ..
- و العثرة .. راد من السعودية عيل .. الله يعيناا عليه اليوم ..! تعالي الكوفي ليش ..؟ يعذبنا بالخيالات و نحن صايمين ..!!
قالها و هم يدنون من المقهى قبل ان يستوقفهما مجموعة من الشباب ليسلموا عليهم بسرعة و يتبادلوا بعض الأحاديث الخفيفة الممزوجة بشيء من المزح المحبب ..
- بو سلطان قالوا السلعاوي بيسابق بدالك فقطر ..؟
ضحك هزّاع لمن قال هذه العبارة و هو يجيب بغرور ..
- و منوه لي قال ..؟ عيوز فريقكم .. ؟ أنا بسابق فقطر خذها منيه و غير هذا رمسة حريم ..
و لوح بيده و هو يبتعد مع أحمد الذي قال بابتسامة ..
- يا خوفيه تغدي رمستك رمسة حريم لو ما طاع سيف ..
ضحك هزاع و هو يدفع باب المقهى ليدلف ..
- لا الحين فيها قبايل .. لو ما طاع سيف بشرد ..
فتحا الباب على اتساعه .. بعض الانظار الفضولية تتوجه للداخلين و هزاع و احمد يجيلان بصرهما في المكان .. قبل ان يشير هزاع للشاب الطويل .. حنطي البشرة .. الذي راح يفتل شاربه المرتب بشرود و هو يقول بانتصار ..
- قلتلك مداوم اليوم ..
توجها نحوه .. قبل أن يبلغا الطاولة و يصفقها أحمد بيده في قوة لتصدر صوتا مزعجا فيقفز الشاب بارتياع و هو يضع يده على عقاله و يصيح بعد أن أعاد يده للوراء بطريقة توحي بانه على استعداد لضرب أحدهم ..!
- أخووو صااالح ..!!
ثم وقع نظره على هزاع و أحمد الذان انفجرا بالضحك .. قبل أن يعدل من عقاله بغل و هو يقول لأحمد ..
- داري انه ماحد راعي ذالحركات الا انت يا الدلخ ..
تقدم احمد يسترضيه و قد رأى ان تركي في فزعته قد جذب انظار من في المكان دون أن يتوقف عن موجة الضحك ..
- ههههههههههههههههههههههه .. و انته دومك سرحان ..
و اقترب منه أحمد يبغي السلام و تركي يشيح بوجهه بحقد ..
- ضف وجهك .. منت بوجه سلام ..
أمسك احمد رأسه بقوة ليقبله على رأسه ..
- لا و الله ما يستوي .. لازم سلام يا بو مسفر .. ياي من السفر ..
- زين انك داري اني جاي من السفر .. و عقلي وراي .. جاي تفجعني .. جعلك الماحي .. و انت يا هزيع .. وش عندك فاتح فمك و تضحك كذا .. كنك عنزة شايفة تيس مجبي ..
ضحك أحمد و هزاع يلكم تركي بقوة قبل أن يسلم عليه ..
- عنزة حرمتك ..
اجاب تركي بنبرة متحسرة ..
- عنزة و الا نعجة .. وينهي ..؟
- شوه عايلنك .. لاحق ع الهم ..
- و الله ما الهم الا في ذالوجيه القشرا لي أشوفها كل يوم في الجامعة .. لوني متزوج ذيك المزيونة اللي اتصبح بوجهها السمح .. ماهيب ذالوجيه عافانا الله كن حد معقد عليها ..
ضحك أحمد و هو يقول ..
- لااا .. هاي حالتك يوم ترد من السعودية .. كاره حياتك .. و تسب خلق الله ..
ثم أضاف و عينه تقع على أحدهم ..
- أقول بو سلطان .. عليك بالريال .. سنّعه .. و عدل المود .. انا بسير أشوف واحد وراد ..
و هب واقفا و صوت تركي الخشن يلحقه بضيق ..
- زين المود .. جعل بطنك الدود ..
ثم التفت لهزّاع و هي يزفر ..
- ياخي ينعن أبوها حاله ..
قال هزاع بصرامة ..
- استغفر ربك يا صبي .. ما ايوز اللعن ..و بعدين انته صايم !!
مسح تركي على وجهه بصبر و هو يقول بصوتٍ بائس ..
- أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم .. شسوي .. انا كلما رحت هناك .. أحس بالموت اذاني مفارق ..
ابتسم له هزاع بقوة مواسيا ..
- اصبر ياخوك .. ما بقى الا سنة و نص .. و بتشل الشهادة و ترد لهلك ..
هز تركي رأسه ..
- و أنا وش اللي يصبرني سنة و نص .. أقول يا هزاع .. خذها درس حياة مني و أنا خوك .. اللقافة شينة .. لعاد تزيغ عينك شمال و يمين و ديارك تسدك ..
ضحك هزاع ..
- الله لا يحدنيه ع الشين ..! ان ربك راد ان شا الله انيه هب مفارق لبلاد الا لحاية شديدة .. و الا الدار مالنا غنى عنها ..
- هيييييييه .. هذا الكلام اللي يجيب العلّة .. كنك تحرني يا هزيع .. اقول انا شفت لك السلعاوي و قال انه بيسابق بدالك .. هو صادق ..؟
- لااا خراط ما عليك منه .. ما قلتليه .. بتسير ويانا قطر ثاني يوم في العيد ..
- اسمعوا ذا وش يقول .. أقول انقلع انا شبعان من ذالوجيه الشينة .. ابا أروح .. و اكحل عيني بشوفة هلي .. و الا تريدني أروح معاك و أوقف مع الجمهور .. و انت تهجول .. ما غير أرفع اصبعين و أصيحلك .. حبتين ..
- عيل شوه ..؟ بلاك متنح اليوم ؟؟!
فجأة أرجع تركي رأسه للخلف و هو يضج بالضحك من الكلمة تلك ..
- متنح ..؟!!! أجل جاي هنا غصب .. و مخلي أهلي و ديرتي وراي .. و ما تبيني أتنح .. انا زين مني ماسك عقلي .. ما تدري اني كل ما روحت من هناك .. خليت شي مني وراي .. تكفا و أنا خوك .. الغريب ميت ..
- مالك الا الصبر يا خوي .. الرياييل ما يعيزها صبر .. و بعدين حتيت شنبك و انته تبرمه .. خل الشعرتين الباقيات مكانهن ..
ابتسم تركي بسماحة ..
- هزاع يا خوي .. اسمحلنا .. تعرفني اذا جيت من هناك .. كيف الدود يكون ..
- هههههههه المود .. بالحل .. و لا ترضى على أحمد .. خشعه اشوي قبل ..
- ابشر بسعدك .. استغفر الله .. بطل صيامنا و نحن نسب ..
- بطل صيامك و انته تسب .. أنا و لله الحمد ما سبيت ..
- استمعت للاثم و بتشاركني الذنب ..
- استغفر الله .. اني صائم ..
- أقول من هذا اللي جاي مع احمد ..؟!
التفت هزاع للخلف ليدقق النظر في الشاب الذي قدم مع احمد ..
ذاك الوجه المألوف لم يستغرق منه الكثير ليبحث عنه في الذاكرة .. لذلك قال بسرعة ..
- هذا يطولي بعمرك واحد من عربنا .. تروم تقول نسيبنا .. عمي حمد الله يرحمه مناسبهم ..
- وش اسمه ..؟
همس هزاع مع اقترابهم ..
- عبيد بن سلطان ..
اجتاحهم صوت الاثنين يسلمان ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
هب تركي و هزاع معا يردان السلام و الأخير يقول بحبور ..
- ارررحب ..
سلّم عليه بشيء من الاحترام و أحمد يغمز لهزّاع بشيء لم يفهمه ..!
ما الذي دفعه لاحضار عبيد اليهم ..؟!

* * * * *

- خير ..؟
قالتها ببرود شديد .. و ملامحها تلتوي باشمئزاز .. فيما تحركت الاخرى بتوتر في مكانها ..
- الخير بويهج .. بعدج زعلانه ..؟!
لم تتغير النبرة الجليدية ..
- من شوه ..؟!
حركت حمدة يدها في الهواء ..
- من لي استوا في الشاليه ..!
تغضن أنف شيخة قرفا و هن يقفن في ذاك المنعزل بعد أن طلبت منها حمد الحديث على انفراد لتقول بقوة..
- و لج عين ترمسين يا الوصخة .. اسمعي .. انا يوم خاويتج .. مادريت انج راعية هالحركات .. لكن خياسج بين .. و ظهر ..
ثم عدّلت من وضع حقيبتها و هي تقول بصرامة ..
- اسمعي .. انتي فطريق .. و أنا فطريق .. ما يشرفنيه أعرف وحدة شراتج ..
انتصبت قامة حمدة العريضة في تلك الوقفة الرجولية المتعمدة و هي تقول بغلظة ..
- ايييييييييييييييه انتيي .. ع شوه رافعة خشمج .. تراج الا شراتيه .. لا تيلسين توسين ليه فيها شريف مكة ..
صرت شيخة أسنانها بتقزز ..
- تخسين .. يا اللوث ..
رفعت حمدة حاجباه بخشونه ..
- اشوف ظهر لج لسان ..
- هيه .. شوه بتسوين ..
- ما بسوي شي حبي .. بس بقرصج قرصة صغيرة توعيج .. شرات ما وعت راية ..
رفعت شيخة حاجبها و هي تحرك رأسها جانبا باتسامة مستهزئة ..
- لا و الله ..!! تهددينيه .. خوفتينيه تصدقين عاد ..
ثم استقامت ملامحها في نظرة شرسة ..
- اييييييييييه .. ياماما .. انا شيخة بنت علي بن سيف .. لو تلمسين شعره من شعريه .. أيرج من كشتج هاي في مراكز الشرطة .. و لو هلج هب شوية انا هليه فوق لولي و التالي .. لو شي واحد ايي قداي قسم بالله ما تشوفين خير يا حمدوه .. لا انتي و لا لي يابوج يا الخايسة .. خوزي ..
و دفعتها بخشونة جانبا لتتركها خلفها تنفخ قهرا ..
كانت شيخة تسرع بالابتعاد مديرة لحمدة ظهرها ..
.
.
لم ترى لمعان الحقد العميق في عينيها و هي تهس بجنون ..
- بنشوف يا بنت علي بن سيف .. ان ما ربيتج .. ماكون حمدان ..!

* * * * *

تقطع الردهة الأمامية باستعجال و هي تحاول جاهدة لف الغطاء حول رأسها ،،
تأخرت عليهن .. كان قد اتفقت معهن أن تكون هناك في الثانية ظهرا .. و لكن الوقت المبكر كان مشكلة بالنسبة لأمها التي وجدت احراجا في ذهاب ابنتها الى هناك بسرعة ..
لكنها لم تبالي .. علاقتها بهن أصبحت أكثر متانة من ان تجد مانعا في القدوم في أي وقت ..
مدت يدها لتفتح الباب الأمامي بسرعة متقدمة خطوة للأمام .. قبل أن تشهق بقوة حين تراجع ذاك الرجل بسرعة للخلف تفاديا للاصطدام .. قبل أن يخفض عينيه أرضا ..
خفق قلبها بقوة لمرآه هنا .. و راح الدم يهدر في أذنيها بجنون ..
ها هو أمامها .. لا يفصلها عنه سوى خطوات ..
لم تره منذ مدة طويلة بدت لها كالدهر .. أخفضت بصرها بخجل .. و راح قلبها يتراقص بجنون ..
حين قال بصوته العميق ..
- السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،،
حرارة لفحت وجنتيها .. و هي تعض شفتها .. و تستعيد اندفاعها قبل قليل ..!
- و عليكم السلام و الرحمه ،، مرحبا الساع ..
زحفت ابتسامة صغير على شفتيه .. و شيء بقوة الاحساس يتلوى بين أضلعه ..!
- المرحب لاهان شحالج روضه ...
- بخير وسهاله يسرك الحال ...شحالك ربك بخير..
-بخير ربي يعافيج ...
ظلت واقفة عند الباب .. فيما ينتظر هو منها أن تتحرك .. حين رأى أنها لا تنوي ذلك سأل بابتسامة بسيطة ..
- شوه ظاهره ؟؟؟
بدت غارقة و هي تقول ..
- هااا ..؟
- آحم سايرة مكان ..؟!
احمر وجهها فورا و هي تدرك موقفها الغبي قبل أنتتنحى حانبا بارتباك ..
- هيه والله بسير بيت عمي حمد ،،
رفع حاجبيه بدهشه و عينه لا تفارق الأرض ..
- بيت عميه حمد ..؟!
- هيه .. عازمينيه ع الفطور .. آآ .. اقرب سيف .. حياك ..
شعور دافء راح يتدفق عبر الوريد .. و هو يسألها ..
- عمتيه داخل ..؟
- هيه ..
هز رأسه بهدوء ..
- خلاص عيل ما باخرج ..
تحركت بهدوء تاركة اياه واقفة في مكانه ..
قبل أن يرفع عينه متأملا المكان الذي بارحته منذ لحظات ..
.
.
لم يدري لما شعر بفرحة صافية تخالجه ..
و هو يستشف من حديثها علاقة ما تربطها ببيت عمه ..

* * * * *

انطلق أزيز جهاز الاتصال الداخلي يخترق المكان .. ليتدفق بعده صوت بطي يقول له باحترام ..
- مايد سلطان موجود طال عمرك .. أخليه يتفضل ..
توقف غيث عن الكتابة السريعة .. ليضغط على الزر و يجيبه بتجهم ..
- هيه ..
ثم يعود للكتابة التي بين يديه ..
ثانيتين قبل ان يسمع صوت انفتاح الباب .. ثم تقدم الخطوات الى مكتبه .. لم يرفع عينه و لم يقف لاستقبال القادم .. انتظره حتى دنا من مكتبه ليأتيه صوت مايد يسلّم باحترام ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
واصل غيث الكتابة دون اكتراث و هو يرد ..
- و عليكم السلام ..
ثم صمت ليغرق قليلا في أوراقه .. متعمدا جعل مايد ينتظر قبل أن يرفع رأسه و يرمي القلم على سطح المكتب .. لتراجع في كرسيه الوثير و عيناه تتأملان مايد .. ببطء ..
صعودا و نزولا .. بدا التوتر على وجه مايد من هذا الاستقبال الجاف و هو يسأل باضطراب ..
- طلبتنيه ..؟
حك غيث لحيته و هو يومئ ببطء قبل أن ينحن للأمام مستندا على المكتب و هو يقول ..
- هيه ..
- خير ان شا الله ..
تصلبت ملامح غيث بجمود .. و هو يقول بصوتٍ جليدي ..
- الخير بويهك.. أبا أنبهك المرة الياية يوم بتحدر البيوت تنبه أهلها ..
بدا على مايد أنه لم يفهم شيئا و غيث يقول بجفاء ..
- بيت حمد بن سيف أنا راعيه الحين .. و أنا ريال البيت .. المرة الياية يوم بتحدر بيتيه تترخص منيه .. انته و الا خوك .. و الا تشوف انها حلوة تحدرون بيتيه و أنا ما أدري ..
اسودت ملامح مايد بشكل مبهم و هو يقول بصدمة ..
- تبانيه أترخصك منك يوم بحدر بيت خالتيه ..
أومأ غيث بهدوء ..
- و يوم بتيلس مع حرمتيه ..
اتسعت عيناه بصدمة أكبر ..
- حور ..؟!
شفته العليا ترتفع بابتسامة ساخرة ..
- كم عنديه حرمة ..؟
- أترخص منك يوم بسلم على ختيه ..؟!
- اختك ع قولتك .. بنت عميه و حرمتيه .. انا أقربلها منك .. و انت أخو رضاعة بس .. الرمسة لي أبا أقولها قظيتها .. توكل على الله شوف شغلك ..
بدا وجه مايد محتقنا ..
على وشك الانفجار .. و غيث يلتقط قلمه مجددا متجاهلا وقوفه عند رأسه ..
شعر بانه على وشك القفز عليه ليحطم وجه المتعجرف هذا ..
.
.
لكن كلماته ألجمت ..
و يديه مقيدتين بحاجة ..!

* * * * *

رفعت روضة يدها في الهواء بشيء من اليأس و العجينة اللزجة تتساقط من بين أصابعها و هي تتذمر بصوتها الرقيق ..
- ما طاعت تستوي ليه .. طاعي كيف تتقطع ..!
نظرت لها نورة الأقرب و هي تكتم ضحكة ..
- انزين انتي ما حركتيها بالقوو ..
أجابت روضة ببؤس ..
- و الله أحس أصابعي اتكسرن .. حراااام .. علمونيه غير الدونات ..
ثم تلفتت حولها في المطبخ الضيق .. حين قسمن الفتيات المهام عليهن و رحن يغرقن في العمل وسط الأحاديث الصاخبة .. نظرت لهند و دانة اللتان وقفن عند الطاولة القريبة لتقول بحماس ..
- خلن دانة تسوي الدوانات .. حتى اسمها قريب منها .. و أنا بلف الفطاير ويا هند ..
نظرت لحور بتوسل .. قبل أن تقول الاخيرة بحزم ..
- لااا .. انتي لي قلت انج تبين تتعلمين الطبخ .. اللف هب طبخ .. تعلمي تعينين قبل .. خلاف لفي و اقلي و الا سوي لي تبينه ..
ارتخت كتفي روضة .. لم تكن تعلم أن المهمة بهذه الصعوبة ..
- انزين صعب .. و الله صعب ..
ثم نظرت لعفرا التي راحت تقلب الشوربة بهدوء ..
- انا بطالع القدور .. و عفرا تسويها ..
رفضت حور ..
- لأ .. الدونات عليج .. انتي تكفلتي بها ..
قالت بانهزامية ..
- خلاص بسير بييب من ستار بكس الحين ..
قالت دانة بانتصار ..
- نحن ما نتعامل ويا اليهود ..
- و العثرة .. يوم انهم دروبج تتعاملين وياهم و الا لا .. شوه بتسوي هالخمس ربيه ..!
قالت نورة بسرعة ..
- بيحطونها على خمس غيرها .. و خمس .. و خمس .. الين تغدي مليون .. و بييبون كلاشنات يذبحون بها المسلمين .. و خمستج وحدة من طلقاتاا ..
- انزين شوه اسويبكن .. انتن هب طايعات . أنا فحياتيه ما قد سلقت بيضة .. تبنيه فجأة أسوي دونات ..!!
قالت حور بهدوء ..
- و الله قلت بساعدج .. و كبرتي راسج و ما طعتي .. دبري عمرج أشوف ..
- خلاص توبة .. تعالي علمينيه .. هنبوه ثركن مذلة يا بنات حمد .. ما ترحمن ..
ضحكت دانة ..
- الحين الدونات مذلة .. عيل مزنوه بشكارتنا تعرف تعين و تسوي خبز رقاق اروحها و ما تخلي التاوه تحرق ايدها .. أفااا .. افااا يا بنت علي ..!! مزنوه .. المقلوعة الفتانة .. قليلة الخير أخير عنج ..
نظرت لها حور بغضب ..
- يعلج تفدينها .. لا تسبين و انتي صايمة ..
- استغفر الله ..
نظرت حور لروضة بصرامة ..
- رويض لا تحاولين .. بتسوينها الدونات .. بتسوينها .. انتي و ويهج عاد .. تراهن أميه عذيجة و أميه وديمة بيفطرن ويانا ..
عادت تنظر روضة للعجينة التي بدت تنتظرها ببؤس ..
- أنا منوه لي نقد عليّه و قاليه أتعلم الطبخ ..؟!!
سألت نورة حور ..
- حور ريلج بيفطر هنيه ..
عقدت حور جبينها تركز في ما بين يديها و احمرار طفيف يزحف على خديها ..
- لا .. شوه هالسؤال الغبي .. دومه يفطر فبيت هله ..
- قلت بعد لو كان بيفطر هنيه .. بنسوي له كروسان محشو بفلفل أخضر .. يفحمه ..
رفعت حور حاجبها و هي تقول بغل ..
- ليش ان شا الله ..؟
- مادريتي شوه سوى البارحة ..
عقدت حور جبينها باستفهام و بدأ الجميع ينصت .. و نورة تقول بحقد ..
- يوم سرت بوقف راعي الغاز .. لقيته بعيد و شوي و بيظهر من الفريق .. و صفرت له ..
شهقت حور و عفرا معا و دانة تقول بذهول ..
- عنلاتج يا السبالة ..!
قالت نورة باحراج ..
- كنت مندسة ورا الباب محد شافنيه ..!
صرت حور أسنانها بضيق ..
- حتى و لو .. ليش تصفرين ..؟!
- آحم .. زين خلاص .. لا تسوين لنا فيها .. تراه ريلج ما قصر .. مادريت انه في الميلس .. و أنا متغشية أرقب الهندي .. الا هو ظاهر يبا يشوف منوه لي يصفر .. روعنيه حور ..!!!! كذيه ظهر فجأة و أنا أتحرى الميلس فاضي ...
عقدت عفرا جبينها و هي تسأل بهدوء ..
- و شوه سويتي ..
احمر وجه نورة و هي تتشاغل بالسلطة بين يديها ..
- ربعت أونيه بشرد .. يوم قربت من الباب اتخرطفت ..! و طحت في المطر .. و ضحك عليه الهرم ..
انفجرن بالضحك .. و ضج المكان بأصواتهن .. و روضة تقول ..
- هههههههههههههههه .. خيييييبة .. كل هاي روعة .. مسويلكن رعب في البيت .. ههههههههههه .. خسارة طافنيه ..
نظرت لها نورة لحقد ..
- طافج ..! أسميج ما تبعدين من خوج .. تم مبطل ثمه و يضحك .. كانه اول مرة يشوف وحدة تتخرطف و تطيح قدامة ..
و قالت تواسي نفسها ..
- كل العرب تطيح ..! بس أخوج نذل .. تم يضحك .. حتى سلمتي ما قال ..!!
.
.
.
كن قد انتهين من صلاة المغرب و وضعن الفطور بعد اللانتهاء من الشوربة .. ليجتمع الجميع حولها و عذيجة تقول بابتسامة ..
- وديمة توها متصلتنبيه .. محترة ليش نحن نفطر ارباعة و هي تفطر اروحها ..
سألتها حوربفضول ..
- عمي سلطان و الشباب وين ..؟
- معزومين ..
ضحكت نورة و هي تفتح وعاء الطعام الذي أمامها ..
- عوينها .. ان وحدو ماروم آكل اروحيه .. لو أموت من اليوع .. تنسد نفسيه ..
نظرت لها دانة شزرا ..
- انتي ..!! حرام عليج .. و الله ينج ما تخلين أخضر و لا يابس اذا انتي يوعانة و ما عليج من حد ..
- شدراج انتي ..
- دوم لاصقة فيج ..
- عسب كذيه ما تنسد نفسيه .. ما عطيتينيه فرصة أعبر عن شعوريه .. و آكل اروحيه ..
- من الخوف عليج .. أخاف تخمين الصحن .. يقولون الحديد الزجاج ضار بالمعدة ..
نهرتهن حور ..
- بس يا بنات ..!!
قبل أن تقول مزنة ..
- حور صبيليه عصير ..
صبت لها حور قبل أن تناولها الكأس و نورة تنظر لها بخبث ..
- يقولون لي يشرب العصير و الا الماي ويا العيشة تنتفخ كرشته الين تنفجر ..
اتعست عينا مزنة بشك .. و حور تنظر لنورة موبخة ..
- تكذب عليج حبيبتي .. اشربي العصير ..
لكن مزنة راحت تنظر للعصير بريبة .. و عذيجة تقول لروضة بحنان ..
- بلاج ما تاكلين يعلنيه هب بلاج ..؟؟!
ابتسمت روضة بخجل ..
- آكل خالوه ..
لكنها لا تريد الأكل ..
تريد التنعم بهذا الاحساس الدافء الذي يغزو قلبها و هي تجلس بينهم على الأرض ..
يحتوونها بينهم و كأنها فردٌ منهم .. هذه المناوشات .. و هذه الأحاديث و الابتسامات ..
جعلتها تشعر بمتعة حقيقية ..
شعرت بانها لا تستطيع ازاحة تلك الابتسامة الغبية التي ارتسمت على وجهها بقوة .. و الجميع مستغرق في تبادل الاحاديث ..
رفعت نورة احدى قطع - الدونات - الهزيلة المحترقة و هي تقول بمزاح تكتم به ضحكة ..
- هاي دونات مسويه ريجيم و مكسوّه بشكولاته الهشّة اللذيذة ..
التقطتها دناة من بين يديها و هي تضحك بخفة ..
- ليش حاسه كذيه ..؟!! رويض مفاهيمج الرياضية غلط ..
احمر وجه روضة و هي تصر على اسنانها ..
- سبالااات .. احين لازم تستعرضن مهاراتي ..؟!
ضحكت حور .. و هي تأخذ قطعة محترقة منها .. لتقتطع منها جزءا و تمضغه بصبر ..
- لا روضة فيه أمل .. ع الأقل ما نسيتي الشكر و الملح ..
أخذت المها واحدة أخرى بابتسامة مشجعة لروضة قبل أن تغمسها قي طبق من لبعسل و تقضمها بصبر .. ثم ترفع ابهامها مستحسنة .. بتقول روضة ببؤس ..
- قصن على هندي .. ادري انها متفحمة و محترقة .. بس يزاتكن .. حد قال لكن تخلنيه أتعلم الدونات .. لو مسويه عيش أبيض كان بدّعت فيه ..
ضحكت عفرا هذه المرة بهدوء ..
- الله يعلم ..
- هيه .. لا تستهينن بيه .. انا عنديه مهارات أخفيها خوفا من العين ..
دققت نورة النظر للقطعة السوداء في بيدها ..
- لا تخافين هاي ظاربة عاكس مضادة للعين ..!!

* * * * *

عيناها تتعلقان بالرجل الذي احتضن كف ابنته باحساس لم تفسره .. إذا كان للحنان أن يمتزج بغطرسة ..فها هو يتألق في عينيه ..
تلك العينين الثاقبتين .. تسكنها نظرته الحادة .. أهدابه الثقيلة راحت تضفي ظلا ناعما يعاكس القسوة التي يسلطها عبر عينيه ..
أنفه المستقيم بدا كمنقار صقر .. و فمه الذي أحاطت به خطوط التجاعيد العميقة لا زال مشدودا بتكبر ..
لو أنها لا تدرك الحقيقة لأقسمت بانه من أنجبه .. من أورثه تلك الملامح المنحوته الاكثر شبابا ..
من خلّف فيه نفس القوة الطاغية .. نفس تلك العجرفة ..
رغم ان هذا العجوز بدا أكثر لينا بعد أن مر به دهر ،، أفتر شيئا من همّته ..
تساءلت في داخلها عن سبب هذا الهدوء الذي تلمسه مؤخرا فيه ..
هذا الرجل كان يزأر كالأسد .. يلقي الأوامر كما لو كان الجميع عبيده .. لا يحني أنفه المتعالي ..
يبث هيبة .. و رهبة في قلب كل من يعرفه ..!
ما الذي يجعله ملتزما هدوءه المتكبر ؟! أ لرحيل ابنه علاقة بالأمر ..؟!
صوت طرقات على الباب الأمامي تنتشلها من أفكارها .. ليقطع الرجل الجالس أمامها حديثه مع ابنته و حاجبه ينعقد بتساؤل صارم ..
قالت بهدوء .. و عينيها من خلف - البرقع - تتجنبان النظر اليه .. نفس النظرة .. شيء يخترق فؤادها لينتفض ولها ..
متى ستراه ..؟!
تحركت بهدوء نحو الباب الأمامي تقطع المسافة بنعومة خطواتها .. قبل أن تنحني لتنظر عبر ثقب العين السحرية .. برهة فقط .. قبل أن ينتصب جسدها بسرعة و هي تضع كفّها على صدرها لتهدئ من نبضات قلبها المجنونة ..
راحت انفاسها تتسارع لتطل عبر الثقب من جديد .. تتأمل وجهه البعيد و قد بدا متململا ..
عضت شفتها السفلية بلهفة و هي تكتم ضحكة فرحة .. للتو كانت تتمنى حضوره ..
و كأنما استجاب الرب لتلك الأمنية الصغيرة ليمنحها شيئا من البهجة ،،
تأكدت من وضع برقعها و الغطاء على رأسها .. و هي تفتح الباب .. شوقها يسبق الأنفاس ..
عيناها تتعلقان على وجهه المطرق .. قبل أن يميل به ليرفعه ببطء ..
- السلام عليكم ،،
صوتها بدا متهدجا .. متعرجا .. لا يقوى ثقل تلك المشاعر التي راحت تنفلت ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. مرحبا الساع ..
- الله يرحب بج ع فضله ..
تنحت جانبا بابتسامة لم تتضح من خلف برقعها و هي تقول بنعومة ..
- اقرب ،،
تقدم للأمام بجسده العريض ..
- قريب .. ابوية سيف هنيه ..؟؟
علمت أنها اما خمن ذلك من البرقع أو من السيارة المتوقفة في الخارج .. راح قلبها يرتعش بقوة آلمتها و هو يعبر أمامها .. لا يفصلها عنه شيء ..
- آآ .. هيه ..
مر من أمامها لتغلق الباب و تتحرك خلفه عيناها تتعلقان بظهره العريض .. قبل أن يتوقف فجأة في الممر الضيق و يلتفت نحوها لتجد نفسها ترتطم بصدره .. فتتراجع بسرعة مرتبكة حتى كادت تتعثر .. لكن قبضته تلتف على ذراعها باحكام كي تثبتها ..
شعرت بإحراج رهيب حين لم يعد يفصل بينهما سوى القليل .. يده المحكمة تمنعها من الحراك .. و صوته الرجولي العميق يصلها بهدوء ..
- شحالج خولة ..
راحت تجمع أفكارها بجنون و هي تشعر بقلبها على وشك أن يثب من صدرها ..
توقف من أجل هذا فقط ..؟!
ارتعش صوتها .. و نظراتها تضيع في عينيه قبل أن تخفض اهدابها الطويلة بخجل جلي ..
- بخير ربيه يسلمك ،، انته شحالك ..؟
أفلت ذراعها من يده و هو يقول باختصار ..
- الحمدالله ،،
و استدار مجددا ليتوجه نحو المجلس الداخلي الذي تدفق منه ذاك الصوت العميق .. بلغ الباب المفتوح ليطرقه منبها ..
ليلتفت الاثنان له بهدوء .. ابتسامة كبيرة تشق وجه ميعاد و هي تراه مستبشرة .. و نظرة قوية من جده ترتكز عليه و هو يسلّم بهدوء ..
- السلام عليكم ..
رد الاثنان معا و خولة تظهر خلف غيث الذي ترحك ليسلّم على جده باحترام .. التفت لميعاد بابتسامة حانية أخرى قبل أن ينحني ليطبع قبلة على رأسها كما اعتاد .. و هي تمد كفها لتحتضن يده .. قبل أن يجلس في الأريكة المجاورة بهدوء .. و جسده الكبير يسترخي عليها بثقل .. التقطت خولة دلة القهوة و فنجانا لتصب له بعضا منها .. ليتناوله و هو يسألها ..
- نهيان وينه ..؟
أجابته بخفوت و عيناها تنخفضان متجنبة النظر اليه .. لا زال قلبها يتراقص من قربه قبل قليل ..
- مواعد ريّال ..
التفت غيث لجده و هو يقول بهدوء ..
- أمس وين كنت ..؟ ما شفتك فبيت عمي سعيد ..؟ و انته لي قايل ليه انكم بتفطرون اهناك ..
رفض الجد الفنجان الذي مدته خولة و هو يجيب بوقار ..
- فطرنا في العزبة ..
- حد ياكم ..؟!
- لااا .. يا غير سرنالها العصر .. زادتنا بكرة ..
ابتسم غيث لجده بحماس ..
- صدق و الله .. على من ..؟
- ع الغزيّل ،،
حك غيث لحيته متذكرا ،،
- هي من لي ضربتوهن بالمتعب ..؟
أومأ الجد موافقا ليبتسم غيث مجددا ..
- لا بد انها مزيونة .. ابوها الموت ..
بادله الجد ابتسامة فخر و هو يقول بثقة ..
- لا تخبر .. و الغزيّل هب هينه ..
- هيييييييه .. الفحول الباكسانية اتييب فحول طيبة .. يا غير ما تييب مجاهيم .. زين انك ظربتهن بالمتعب ..
أعاد الجد راسه للوراء .. و هو يقول ..
- بن عوفان يقول انه اييب فحول باكستانيه كبار .. و يظرب ابهن المجاهيم .. ثم اتييب مجاهيم كبااار .. مزايين .. و مكحلة .. ما قد شفته .. يا غير سعيد يقول انه صادق ..
انبثق من جانبه صوتٌ ناعم مقاطعا ..
- شحالك غيث ..
ابتسم غيث لها ..
- بخير يعلنيه فداج ..
ضحكت ميعاد بشيء من الخجل ..
- أشوفك ما شا الله .. نسيتنا .. مجاهيم و مادري شوه ..
مد يده يقرص خدها كالطفلة رغم سنواتها الست و عشرون .. و هو يضحك بخفة و يشير لجده الذي راح يراقبها تكلم غيث بابتسامة هادئة ..
- ما عاش من ينساج .. ما تعرفين أبوج يوم حد يرمس عن عزبته ..
ابتسمت بشيء من الخجل لوالدها ..
- بتخبرنيه ..!
التفت لخولة .. ليجدها جالسة في الطرف البعيد من الغرفة .. عينيها الواسعتين ذات اللون البني الفاتح .. سلّطت بنظرة مؤلمة على ميعاد من خلف البرقع الذي بدت جميلة به بشكل مميز ..
لا يدري لما خالجه شعور بأنها وحيدة .. أو منبوذة في جلستهم هذه ..
رفع صوته يقول آمرا ..
- خوله ..
التفتت له بسرعة قبل أن يتدفق صوتها الناعم ..
- لبيه ..
ربت على الاريكة جانبه ..
- لبيتي حايه .. تعالي ..
بدا الارتباك واضحا عليها .. و ميعاد تلتفت لها بنظرة دهشة تحاول جاهدة اخفاءها ..
يعلم أن جده يكبح تجهمه .. و وجهه يتصلب .. فيما هبت خولة من مكانها بنعومة .. لتتقدم نحوه ..
شعرت بان قدميها ستتحولان لهلام قبل أن تبلغه ..
التفت إليها .. و ناداها باسمها .. ينشدها أن تجلس بقربه ..
جلست بهدوء إلى جانبه .. و هو يضع ذراعه على ظهر الأريكة خلفها .. تشعر بدفء جسده يلفحها ..
و رائحة عطره المميزة تخترق انفها ..
.
.
لن يعلم قط كم يعني لها أن تجلس قربه فقط ..!
.
.
.
.
يكتنف الضيق صدره و هو يرى تلك المرأة تجلس بجانب غيث .. رغم يقينه بطبيعة العلاقة بينهما ..
إلا أنه يكره أن يخالجه القلق من أن يجد ذاك تحديا مثيرا له ..!
لا يريد من هذه المرأة أن تقترب منه .. تلك الانوثة الطاغية .. هل ستخترق إرادته ..؟!
أم أن غيث منيع امامها ..
لا يريد أن يتورط حفيده معها .. حين يئين الأوان .. سينفصلان بهدوء ..
و لن يعلم أحد قط بأمر هذا الزواج ..!

* * * * *

what ever
16-02-2008, 01:12 PM
اخيرا عرفنا سر علاقة غيث بميعاد ..
طلعت عمته !!..

مسكينه عفرا .. الله يعينها ..
ياترى شلون بتنحل مشكلتها ..

يسلمووو الماس على الجزء ..
وننتظر التكمله بشوووق ..

الشقردي
16-02-2008, 03:50 PM
بإنتظار اعتراف عفرا لحور

الله يستر من الجاي

أمواج
17-02-2008, 06:43 PM
معقوله يكون الشيبه متزوج بالسر ومحد يدري عنه !!!!!!

يعطيج العافيه على الجزء الرائع


وفي انتظار البقيه

.: المــاس :.
19-02-2008, 09:58 PM
الخطـــــــــــــــوة الرابعـــــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }


[ خطوات مرصودة ..! ]



أظافرها المطلية بعناية تربت على سطح المكتب الأملس و عيناها لا تفارقان شاشة جهاز الحاسوب اللامعة ..
تنتظر بفروغ صبر أن تدار الاسطوانة التي وضعتها للتو ..
ربما تكون مدللة .. فارغة الرأس كما يدعون
.. و لكنها بارعة في عملها .. تتقنه بشهادة التدريب التي أخذتها دون أن تحتاج لتدخّل واسطة من والدها ..
رغم هذا لازال أمامها الكثير لتقطعه .. تنهدت بملل .. تعلم أنها ستترك هذا العمل لا محالة بعد شهرين من العبث .. ليست هي من تلتزم بشيء ما ..
تتلهى بهذا العمل عن تجاهل ذاك البعيد .. تأوهت و هي تخبط الطاولة براحة يدها حين تبادرت صورة وجهه في ذهنها .. لا يمكنها أن تنكر ذاك الشوق الذي ينخر روحها ..
لرؤيته .. متلهفة .. تريد نظرة واحدة فقط .. و لكن أين ستجده ..؟ و هو لا يبارح مكانه ذاك مطلقا ..
تبا له .. ألا يعرف التمييز ..؟ يمكنها المراهنة بأيام حياتها القادمة على أنها أفضل بمائة مرة من تلك الزوجة الغبية ..
و سيدرك حتما مدى الفرق بينهما قريبا ..! عليها فقط ان تروي لهفتها له ..
و لكن أين ستجده ..؟ أيــن ..؟!
نفضت كل ذلك عن رأسها الجميل حال رؤيتها المجلد أمامها ينتظر الفتح ،،
المربع الأصفر الصغير يحمل إسما باهتا تحته .. فراحت تلوي شفتيها و هي تقرأه بشيء من السخرية ..
- ( قلم حر ) ..؟! مغبر هذا ..!
استعادت صوت مدير التحرير العجوز و هو يقول بنبرته المتضايقة أن أمامها الكثير لتتعلمه .. و ليس عليها أن تتوقع أن يتم الأخذ بما تكتب حتى تصبح متمرسة .. لذلك عليها أن تتبع نهج كبار المحررين في الجريدة ..
هه و كأنها تحتاج حقا لذلك .. الحقيقة أنها لا تبالي بعملهم العفن .. كل ما تفعله هو اللهو قليلا بدل الجلوس تحت وطأة الملل ..
و حتى يحين الرحيل .. عليها أن تلتزم بقراءة مقالات ذاك الإسم السخيف ..
ماذا كان يا ترى ..؟!
نعم ..
( قلم حر ) ،،

* * * * *
تندس تلك النسائم الباردة بين ثيابه .. تحتك بجسده الدافئ متحديّة ..
تشاغب ذاك الاسترخاء الذي اتخذه و هو يتّكئ على عتبة رحيل ..
تريده أن ينكمش .. أن ينطوي ..
تستميت لهزّه ،، فتعجز ..
فيما لا يزال هو جالسا قي مكانه ..
يحتضن بين أنملتين عقب سيجار ذاوي ..
و قلب ..
قلب تلك الفتاة المتوترة .. التي راحت تقطع الممر الفاصل بين المجلس و - حوش - بيتهم بخطوات متخبّطة ..
كشعورها المرتبك في تلك اللحظات ..
يحتضن قلبها بين أنملتين .. واثق بأنه سيشعله لهفة .. يستنشق دخانه إحساسا ..
فينفثه ببطء .. لينتشر في الهواء ..
فيختفي ..
مخلّفا وراءه .. رماد ما احترق من قلب ..!
لم تكلّمه .. منذ عاد من المستشفى .. و أجبرها على البقاء معه .. حتى أنها أوكلت مهمة السحور لأختها ..
راحت ترتعش و هي تحتضن نفسها .. لا يدري مما ..
برد .. أم خوف ..!
كانت قد رفضت معطفه .. لذلك لم يجد في نفسه رغبة لإرغامها على ارتداءه ..
اكتفى بالجلوس على العتبة .. و نظرته المتكاسلة معلّقة بحركتها تلك ..
تأبى الجلوس .. تأبى الكلام .. تأبى النظر لوجهه ..
يدرك أنها تخفي خوفا بين أضلعها لا تريده أن يشهده ..!
يستمتع بتلك الحركة العصبية .. منتظرا بصبر ..
لن يطول الوقت ..
هناك كلمات تتصاعد في حلقها .. لن تكون سوى خطوات أخرى لتنفجر ..
لذلك قال بصوته الرجولي الآمر ..
- حور ،، تعالي يلسي ..
انتفضت و هي تلتفت إليه .. و كأنما لم تتوقع أن يحدثها .. ربّت إلى جانبه .. فوقفت تنظر للمكان بشيء من الصمت ..
آخر مرة جلست على هذه العتبة .. راحت تهذي باندفاع .. فلم تعد تذكر ما قيل يومها حقّا ..!
أ تقترب ..؟!
قد تُكوى بما يلهب أحاسيسها التي راحت تردمها في هوّةٍ من الروح ..
تعاند أمره صمتا لبرهة قبل أن تنحني قواها .. ليست في مزاج لمناكشته .. و لا لتجاهله .. و لا حتى للنفور منه ..
هناك ما يشغلها الآن ..
شيء يفوقه أهمية بكثير ..!
تقدمت تسوق خطاها نحوه لتجلس بجانبه ،، فيما راح جسده ينفث حرارة بجانبها ..
راح التبغ المحترق تمتزج بأنفاسها الباردة لتخنقها .. فتعقد جبينها بضيق ..
عيناها مسمرتين للأمام .. لا تبارح ما لا ترى مطلقا ..
و روحها تتلوى في الجوف بقلق ..
ماذا حدث يا ترى ..؟ تأخروا كثيرا ..؟! كم مر من الوقت ..؟!
هل رقدن أخواتها حين أمرت بذلك .. أم أنهم غافلوها و النوم .. و لازلن ينتظرن ..؟!
شكرت ربّها بصمت أنهم لم يذهبوا إلا بعد خلود نايف و مزنة و هند للنوم .. لم تكن لتحتمل ضغط الأعصاب و أسئلتهم أيضا ..!
تنهدت بصوت مسموع حين راحت تعب دخان سيجارته بدل الهواء .. لتقول بضيق واضح لم تكترث بإظهاره ..
- ماداني ريحتاا ..!
لم تلتفت إليه .. حتى و هو يلقي السيجارة ببطء و يدهسها بقدمه دون رحمه .. تراجع في جلسته المسترخية يقول بهدوء مستفز ..
- خايفة عليها ..؟
نظرت له شزرا .. و كأنما تعاتبه على هذا السؤال السخيف .. فقابلها بابتسامة متهكمة ..
- ما عليها شر .. يابت ثمان يهّال قبله ..
اتسعت عيناها و هي تشهق بحدّة .. لا تردي لما بدت كلماته منافية للإحساس .. فقط اجتاحها إحساس بالبرود و هي تنهض من مكانها مجددا .. قبل أن تواجهه بحدة .. و هو يقول بهدوء ..
- ليش وقفتي ..؟!
انتظر إجابة من ملامحها المتجمدة .. علم انه ضايقها بكلماته تلك .. و لكن حدة توترها راحت تثيره بشكل غريب ..
انتقل إحساسها المبعثر له .. و هي تشيح بوجهها لتعود إلى قطع الطريق جيئة و ذهابا ..
و كأنما تفرغ اضطرابها في تلك الخطوات المهزوزة .. و هي تقضم إصبعها بشيء من الخوف ..
هل أخطأ حين أرغمها على البقاء معه ..؟! لا يهم .. كانت تلك نزعة عارضة أراد إرضائها بإرغام زوجته هذه التي تدعي الغضب على الجلوس معه في ذروة ضياعها و خوفها ..
يعلم أنها مسألة وقت فقط .. سرعان ما ستأتي لحظة تلتمس فيها الأمان قربه ..
قدميها اللتان راحتا تذرعان المكان و تلك الاهتزازات المضطربة ..جسدها الذي راحت تضمه بشيء من القلق ..
أعادته حالتها هذه إلى الخلف سنوات ..
كم مر على تلك الذكرى يا ترى ..؟! أربع ..؟ خمس سنوات ..؟!
بدت و كأنها حدثت البارحة ..!
.
.
.
يستطيع الآن رؤية وجه جده الشاحب و هو مستلقٍ على الفراش الأبيض بوهن .. لا يفصله عن عمليّته الخطيرة سوى لحظات التخدير الذي رفضها قبل التحدث إليه ..
طلبه شخصيا و رفض تماما أن يرافقه أحد ..
راحت عينا غيث تتعلقان بوجهه الحبيب .. هذا الرجل هو البرزخ الفاصل بين ضعفه و القوّة ..!
لن يتحمل أبدا فقده ..!
بدا مشغول الفكر رغم أنه على فراش المرض .. و لم تبدو بوادر أي ضعف أمام صحته و هو يبوح له بما يخفي ..
كلمة فقط من كل ما قال ،، كل لدويّها وقع الموت على مسمع غيث ..
رغم أنها ليست سوى ولادة روح جديدة بينهم .. قد تكون هنا منذ سنوات .. لكنّ الستار كشف عنها الآن ..
ليلجمه الذهول .. و هو يبحث عن أثر مزحة ما في وجه ذاك العجوز ..
- بنتك ..!
لم يهتز شيء من جمود ذاك الكبير و هو يتابع في قوة تعمدها كي تستر شيئا من مشاعره التي قد تبدو ضعيفة أمام صدمة حفيده ..
- هيه بنتي ..
تذكر ذاك التشوش البالغ الذي احتضن فكره .. و الأسئلة تتدفق تباعا من فم غيث المنفعل ..
- بنتك من وين ..؟ كم عمرها .. و شسمها ؟؟ وين حاطنها ..؟ أميه نورة تدري ..؟ ليش ما خبرتونا ..؟!
لكن تلويحه صارمة من يد الجد كان تخنق كل هذا و هو يقول بانفعال ..
- أنا ما عنديه وقت .. بس لازم تعرف وايد أشياء مهمة .. عقب ربع ساعة بيحدر دكتور التخدير .. و بيدخلونيه العمليات .. ما أظمن لو عمليّة الصمام بتنجح او لا ..
شحب وجه غيث بشدّة من إحتمال أن تكون النتيجة - لا - .. رغم ذلك تابع الجد يسرد سره باختصار و هو يقول بشيء من الضيق و كأنما يفضّل لو أنه لم يضطر إلى إخباره بشأنها ..
- قبل خمس و عشرين سنة .. أنا عرست بحرمة على أمك نورة .. و محد درا ابها ..
صر غيث أسنانه بغيظ رغما عنه ..
- ما وراها أهل .. و الا شوه ..؟
ضيّق الجد حاجبيه و هو يقول بقسوة ..
- لا وراها .. بس ريلها كان متوفي .. الحرمة لو ما تعرفها كان ماخذنها بن ظافي .. و عندها ولد و بنت .. يوم خذتاا كانوا عيالها صغار .. و عقب ثلاث سنين يابت بنت و توفت عقبها بشهرين .. !
لم يكن هناك حزن قديم و الجد يسرد هذه القصة بإختصار لا مبالي نوعا ما ..!
لو كان لغيث أن يسترخي و يظهر إنفعالا صادقا لضحك ملئ شدقيه على هذا السيناريو الدرامي المتكرر ..
شعر بأنه يشاهد فلما سخيفا مملا .. و أن حواره قد أعيد مرات و مرات في قصص أخرى ..
لماذا إذا لا يشعر الآن برغبة في الضحك ..
إبنة الجد ..! عمته ..؟!
من هي .. كيف شكلها .. أين تعيش ..؟
و ردا على أسئلته الصامتة قال الجد ..
- عقبها يت ختها من مصر .. و ربتهم .. و تميت أصرف عليهم .. و عيال بن ظافي يصرفون على خوانهم .. إلين كبر ولدها العود نهيّان و تخرج من الجامعة .. و خلّصت بنت بن ظافي الثنوية العامة .. سافرت خالتهم و ردت بلادها ..
تدلى فك غيث قبل أن يقول بصوت أبح من صدمة ..
- بلادها ..؟!
تجنب الجد النظر لحفيده و هو يقول بصوت متضايق ..
- هيه تراها كانت مصرية الله يرحمها ..
وقف غيث على قدميه و هو يصيح بذهول ..
- مصريـــة ..!!!!!! تاخذ وحدة على أمايا نورة .. من عرب يمكن نعرفهم و يعرفن حريمهن إنك معرس عليها .. و عندك بنت .. و أمها مصرية ..؟؟!
إسودّ وجه الجد من الغضب و هو يقول بصوت متزن و لكنه مخيف كي لا يؤذي صحته ..
- لا ترفع صوتك يا صبي ..
شد غيث قبضته و وجه أمّه نورة يعاود الظهور أمام عينيه .. بتلك الملامح المحفورة .. العتيقة .. الحبيبة ..
بدفق من الحنان لا يفارق عينيها الدافئتين .. و الجد يقول بنبرة صارمة ..
- بلاها المصرية ..؟ كافرة ..؟ أنا ما غلطت .. خذت وحدة على سنة الله و رسولها .. و ما خفت من أمك يوم خشيتاا .. لكنيه ما بغيت آذيها .. و أزعلها .. و أنا أدري إنها ما بترمس .. بس بتم تتويع ع السالفة .. المصرية لي هب عايبتنك .. أم عمّتك ..
بدا غيث على وشك الإنفجار .. و لكنه يهدئ من غيظه الذي راح يتدفق في عروقه .. و هو يلهث بحرارة ..
- وشوه تبانيه أسويبها بنت المصرية ؟؟!
انفجر الجد يقول بصوته الغليظ ناهرا ..
- غيث ..!
ثم لهث بقوة قبل أن ينحني ليضع راحته على جهة صدره اليسرى بألم فاضح .. فيقفز غيث نحوه بفزع ..
- عيّن خير و لا تعصب الله يهديك .. انته تعبان ..
رفع الجد رأسه مكابرا و هو ينفض يد غيث عنه و يقول بصوت أبح ..
- أنا ما زقرتك أخبرك السالفة عسب تعيّر عمّتك .. أنا يمكن ما أظهر من العمليات اليوم ..
- الله يطول بعمرك .. إن شا الله تنـ ..
قاطعه الجد بلا مبالاة ..
- أنا أبا أخبرك مكان عمتك و كل شي عنها .. لو استوابيه شي .. تكون انته لي تعرف انها بنتيه .. و ترتب أمورها و تييبها عند خوانها الكبار .. هيه تعرفهم واحد واحد .. و تعرفك .. بس محد يعرفها غيري ..!
- شسمها ..؟!
كانت صيغة المجهول التي يشار بها إليها غير مرضية لغيث الذي سرعان ما أتته الإجابة على سؤاله ..
- ميعاد ..
التوى فم غيث بسخرية مريرة من الإسم ..
- و ما لقيت أخير عن هالإسم ..؟؟
بدت نظرة الجد قاسية ..
- أمها الله يرحمها لي سمتها ..
تشدق غيث بنفور و هو يرفع حاجبا متكبرا ..
- أهااا .. عيل ما سمت عيالها الباقين ..!
لم يرد الجد فقط كان ينظر له بغيظ حقيقي .. قبل أن يمسح غيث وجهه بصبر و هو يقول بشيء من الضياع و اليأس الذي إجتاحه ..
- و الحين وينها البنية ..؟ هنيه في العين ..؟
أومأ الجد برأسه موافقا .. قبل أن يضيّق غيث عينيه محاولا تذكر ما قال جده ..
- كم عمرها ..؟
كان الجد أكثر هدوءا الآن ..
- اثنين و عشرين سنة ..
اتسعت عينا غيث بشيء من الإنفعال .. و فكرة تطرأ على باله .. في عمر قريب من عمر عوشة .. و في نفس المدينة تسكن ..؟ هل هناك إحتمال للمصادفة ..
- وين تدرس ..؟!!
قالها بشيء من القلق المفاجئ و هو يتخيّل وجود تلك الإبنة مع أخواته أو ابنة عمّه و إكتشافهن لإسمها بشكل ما..!
لكن إجابة الجد كانت أشبه بقالب ثلج مثقل على قلبه ..
- ما تدرس .. بـ .......
و قاطعته طرقات خفيفة على الباب قبل أن تطلّ ممرضة برأسها مبتسمة ..
- Time's over ..
نظر لها غيث بحيرة .. لا زالت المفاجأة ترتد في داخله بقوّة .. قبل أن يلتفت لجدّه الذي قال بسرعة و عينه على الممرضة التي إنشغلت بتفحص الأجهزة الموصلة بأسلاك معلقة في جسده ..
- أعمامك و أبوك بيوون الحين .. اسمع يا غيث .. فيه شي ما خبرتك اياه .. لازم تعرفه ..
لم يعد قادر على تخيّل مفاجأة لم يفصح عنها جده الآن .. ألا يكفيه إبنة في الخفاء .. لذلك قال بصوت عصبي ..
- أعرف شوه ..؟
قال الجد بهدوء .. و هو يسدد نظرة لما خلف كتف حفيده ..
- ميعاد عندها شلل أطفال ،،
و بدا رنين الإنكسار في صوته جليّا حينها ..!
.
.
.
الآن و عينه تستقر على جسدها المستند بالجدار في ضيق واضح و هي لا تكف عن ضم نفسها إتقاءا للبرد ..
تقطيبة شرود بين حاجبيها توحي بالبعد الذي وصلت إليه أفكارها ..
دفق من الأحاسيس الغريبة عاد ليسري في وريده و عيناه تتمهلان عليها صعودا و نزولا ..
شيء من الهواء البارد إحتقنت به رئتيه الواسعتين ..
ما الذي تفكر فيه يا ترى ..؟ ما الذي يشغلها ..؟ وضع أمها فقط ..؟!
لا يدري لما انتابه فضول عميق ليخترق أحاسيسها اللحظية ..
يريد أن يبلغ شيئا من أعماقها .. تمنى لو كانت حقا دانية منه .. أراد أن يلتمس قربها .. بلا سبب معيّن ..
لذلك عاد يقول بهدوء ..
- تعالي يلسي ..
رفعت عينين مشوشتين إليه و كأنما انتزعها من عمق ما تفكر .. قبل أن تعود للتقطيب و هو تقول بصوت خافت ..
- أنا مرتاحة هنيه ..
ربت بجانبه يحثّها ..
- انا هب مرتاح .. أباج عنديه .. تعالي ..
رمشت بعينيها الواسعتين للحظات .. قبل أن يصرّ بنعومة عكست الشك في عينيها ..
- تعالي ..
عضت شفتها السفلى بشيء من الإضطراب قبل أن تدفع قدميها بتردد و تجلس ببطء إلى جانبه .. كبح إبتسامة ملتوية حين رآها تنظر إليه شزرا .. قبل أن يقول بنبرة منخفضة ..
- عدج زعلانة ..؟
اتسعت عيناها بعدم فهم .. و هي تنظر إليه .. يعلم أنه يحيّرها بهذا السؤال و هو الذي يتجاهلها منذ مدة .. قبل أن تقول بارتباك ..
- آآ .. لا .. هب زعـ .. زعلانة .. أنا .. تحريتك .. انته زعلان ..
و نظرت إليه بحيرة تنتظر منه أن يقول شيئا .. فيما استمر هو بالتحديق في عينيها الواسعتين .. لم تكن جميلة .. يكاد يجزم بأن أخواته يفوقنها أناقة و جمالا .. قد تبدو بالية أمامهن ..
لكن لا أحد منهن لعينيها هذا البريق المختلف ..!
.
.
أربكتها نظرته الغريبة ..
لتبتلع ريقها بصعوبة .. يحاول ذهنها المشتت البحث عمّا كان تنتظر رضاءه لتقوله ..
ثقل وجوده هنا يربكها .. ما الذي كانت تسعى لقوله جاهدة ..؟!
نعم ..!
بشأن ...
شبكت أصابعها بقوة .. و هي تنر لأصابع قدميها .. لو كانت تواصل التحرك على طول الممر ..!
- يعني هب زعلان ..؟
رفع غيث حاجبا مفكرا .. قبل أن يقول بصوت هادئ ..
- لا ..
احتبست الهواء في رئتيها قبل ان تقول بصوت مخنوق ..
- انزين أبا أرمسك .. فـ .. فشي مهم ..
أراح أصابعه الطويلة على فمه و هو يتمتم دون أن يتزحزح ناظره عنها ..
- و شوه هالشي المهم ..؟
صمتت لبرهة .. قبل ان تقول ..
- الحين أول ما تربي أميه بننتقل ..؟
رفع حاجبه ببطء .. و شفتاه تلتويان و كأنما توقع ما تهدف إليه حقا ..
- هيه .. ليش ..؟
- أول ما تربي .. ؟! و الا بنتم فترة خلاف بنسير ..؟
- و شوه الفرق ..؟
ضيقت عينيها .. و هي تقول بخفوت ..
- خبرنيه أول ..
قال بحزم ..
- يوم بتربي أمج يلستكم هنه مالها معنى .. خلاص .. بتنتقلون البيت العود ..
رفعت عيناها نحوه بنظرة غريبة و هي تقول بصوت أبح ..
- انزين نحن نبا نتم هنيه الين ما توفي أميه الأربعين ..!
عقد جبينه و هو على وشك الرفض قبل أن تتوسله ..
- نبا نرتب أمورنا ع راحتنا .. بعدين .. وين ننتقل و أميه توها مربية .. هذا اذا انتو مستعدين انا نطب عليكم فجأة ..!
ابتسم ببرود ..
- لا تخافين .. ماخذين احتياطاتنا .. ما بيضيق البيت ..
أخفضت ناظرها و هي تشعر بأنه سيرفض بشكل ما .. تخيّلت الأمر لو أن لحظة الرحيل تدنو .. لا بد أنه متعجل .. و لا يطيق صبرا للعودة إلى رفاهية بيته التي اعتادها خلاف هذا الجُحر ..!
- غيث ..
انتفض شعور أحمق في صدره .. حين نادت إسمه بتلك النبرة المتوسلة .. قبل أن ترفع عينين مثقلتين بالرجاء نحوه ..
- نبا نتم هنيه الين ما توفي أميه الأربعين .. ما نبا نستعيل .. صبرتوا شهور ما ترومون تصبرون شهر ..؟! و الا انته متضايق من يلستك ويانا ..؟!
بدت كلماتها الأخيرة تخرج من بين شفتيها مكسّرة ،، محملة بشيء من الخيبة ..
أمال برأسه نحو وجهه المنخفض .. فلم يعد يفصل بينهما سوى أنفاس ..
و شيء من الإحساس ..
- أي شي يمكن انيه حسيت به و أنا عندكم إلا الضيقة ..
و التقط كفّها الصغيرة يضغط عليها بشعور مجهول يكتنف صدره من فكرة أن تظن أنه يكره قربهم ..
- يلستكم توسع الصدر ..
نظرت إليه لبرهة فاغرة فاهها .. متخبّطة .. لا تفهم كنه ما يخالجها ..
لا يفتأ هذا الرجل أن يتقلّب ..
كل لحظة بحال .. حتى أصبحت عاجزة عن فهمه .. !
عيناه التي راحت تستقر على وجهها بنظرة متمعنة .. تثقل على جوارحها .. حتى أضحى الفهم عسيرا ..
انتفضت بقوة حين ارتفع رنين الهاتف قاطعا ارتباط عينيهما العميق .. قبل أن تلملم بعثرتها باضطراب و هي تشيح بناظرها عن وجهه ..
تجيب على الهاتف .. ذهنها لا زال غارقا ..!
- آآلووه .. مرحب .. - ثم صاحت - اماااااااااااااااااه عذيييييييجه ..!!
و هبت واقفة من مكانها بفزع .. ليقف هو الآخر و هو يصيخ السمع لها .. و هي تقول بلهفة ..
- ربت ..؟!! شحالهااا .. الحمد الله .. الحمد لك يا رب .. يا الله نحمدك و نشكرك .. بخير ..؟؟ متأكدة .. ربها ما تعبت ..؟! فديتااا .. هيه .. شوه يابت .. لاااا ..؟ صدق و الله ..؟ بيتخبلن البنات .. الله يبارك في حياتج .. فديتج و الله تعبناااج .. ما بتردين البيت و تخلين ودوم تيلس عندها .. يا الله يعلنيه هب بلاج .. إن شا الله .. إن شا الله .. لا عقب ما يسرحون المدارس بييكم .. هاا ..؟
كانت تدور في المكان .. تخطو خطوتين و تعود للخلف ...تتحرك بانفعال .. و هي تلوح بيديها ..
و قد اصطفت أسنانها خلف ابتسامة عريضة .. تضم شفتيها لإخفائها لكن سرعان ما تزحزحها الفرحة بقوة ..
- لا تقوليلها .. بتحشرنا .. يشبهنيه .. و يشبهنيه .. ما ياكم دكتور اليهّال ..؟ باكر العصر .. آهاا .. انزين ..؟ و شوه قالوا .. ماشي فحوصات عليه عقب الولادة ..؟ ما بيّن ..؟ ان شا الله ما فيه الا العافية .. آمين يا رب .. هيه ..! شوه ..؟
ثم ضحكت بصوتٍ عالٍ ..
أعادت رأسها للوراء و هي تصفق رجلها .. و عيناها تضيقان ،،
تردد صوت ضحكتها كرقرقة مياه باردة ..
تمنى لو علم ما الذي قالته لها خالتها او أمها بالرضاعه .. أراد أن تعيد ما قالت مرارا .. و تكرارا ..
شيء كالراحة راح ينفرد على قسمات وجهها البسيطة ،، بريق خالص من الفرحة يلمع في عينيها الصافيتين ..
عضت شفتيها .. و هي لا تزال تبتسم ..
- لا إن شا الله .. هيه رتبتهن .. فديت روحج .. سلمي عليها .. الله لا يخلينا منج يا الغالية .. دعواتج .. الله يحفظج ..
و أغلقت الهاتف ..لتضمه لصدرها .. ابتسامتها لا تفارق شفتيها ..
شيء أحمق دفعه هو الآخر ليبادلها إبتسامتها دون معنى ..
فقط لأنها تبتسم ..!
- بشري ..؟!
قالها و هو يلتقط كفها يحتضنها بين راحتيه .. و عيناه لا تفارقان وجهها الذي كان يشع سعادة و هي تقول بصوت متهدج من ثقل السعادة ..
- يابت ولد ..
و شدت على يده بقوة دون إحساس .. و هي تضحك بخفّة ..
- هههههه ,, عدنا أخو يديد الحين .. ياااااي .. تخيل الياهل الصغيرون ..
شيء يتلوى في معدته .. و هو يخفض ناظره لبرهة .. مشيحا بإحساسه عن مشاعره الغريبة ..
دون أن تهجر إبتسامته الشفاه ..!

* * * * *

عيناها لا تفارقان وجهه المشدوه أمام الأخبار بعد تناوله السحور ،، فيما ينتظر أذان الفجر ..
- من زمان ما شفنا غيث ..؟!
قالتها بحذر و هي تناول زوجها فنجانا من القهوة .. ليلتقطه بهدوء و عينه لا تفارق شاشة التلفاز ..
- مشغول ..
أومأت برأسها و هي تقول بهدوء ..
- لول حتى لو كان مشغول يخطف علينا .. و يذكرنا .. الحين بيخطف شهر من شفناه آخر مرة ..!
بدا زوجها غير مكترث للموضوع و هو يجيب ببساطة ..
- انزين .. قلنا الريّال مشغول .. بلاج عليه ..؟ شي فخاطرج ..؟
شعرت بالضيق و هي تراقب جانب وجهه لتقول ببساطة ..
- لا .. ماشي فخاطريه .. بس غيث اخو عيالي .. و شرا ولديه ..
هز بو غيث رأسه ببرود ..
- هيه ..صح ..
رفعت حاجبها و هي تقول بنبرة غريبة ..
- بلاك اتقولها كانك هب مصدق ..؟ غيث شرا ولديه و لو يبتوه كان ربيته أنا .. مادري امنوه لي عزر يوديه ليدته ..!!!
التفت لزوجته بنبرة صارمة .. لا يدري لما تتعمد نبش شيء ما هنا ..؟!
- محد قال شي يا حرمة ..
همست ام حامد بشيء من الضيق ..
- حسبي الله عليج يا مديّة .. ما سويتي خير في الصبي ..!
وضع بو غيث الفنجان على الطاولة بشيء من العنف و هو يلتفت لزوجته بغضب ..
- انتي بلاج .. أذيتينا بهالطاري .. شوه مستوي بج ..
ارتجفت من نبرة الغضب التي في صوته قبل أن تقول بشيء من الاضطراب ..
- ماشي مستوي بيه .. يا غير أفكر .. يوم بتربي حرمة حمد .. و اتي هي و عيالها بيت عميه .. غيث وين بيسير ..؟
عقد جبينه بعدم فهم ..
- وين بيسير بعد .. بنى له بيت في حوش أبويه ..
قالت بحذر ..
- و البيت عده ما خلّص .. يباله أربعة شهور عسب يخلصونه .. و شهرين تأثثونه .. وين بييلس ولدك الين هاك اليوم ..؟!
ضيّق عينيه و هو يسلّط نظرة متشككة على وجهها ..
- سلامة .. شوه قصدج ..؟
فركت يديها بتوتر و هي تجيب بهدوء ..
- غيث ما بييلس في البيت يوم بييون عيال حمد .. وين بيسير في الست شهور ..؟ ما فكرت فيها .. خله ايي هنيه عدنا .. بنرتب حجرته لولية يوم سوى حامد الحادث ييلس فيها الين ما يخلص بيته ..
رفع بو غيث حاجبه متسائلا ..
- وايد مستهمة ع غيث و وين بييلس ..!
قالت بصوت واثق ..
- قلت لك .. غيث خو عياليه و ولدك .. يعني شرا ولديه .. و من زمان وديه انه ايي و ييلس ويانا هنيه .. يا غير انته و امك ما طعتونيه .. انا أقول لو تييبه البيت الين بيته يخلص .. تسوي خير .. وديه يشوفنيه شرا امه .. و الا يقرب من خوانه أكثر ..
بدت كلماته الأخيرة تتوسله قرب ذاك البعيد .. فأشاح عنها دون إجابة ..
ماذا عليه أن يقول لها ..؟ أو بما يجيبها ..؟!
لن يقطع وعدا لا يثق أنه قد يفي به .. فمنذ دهر لم يسكن بكره هذا البيت إلا حين اضطر لذلك بعد حادثة أخوه منذ سنوات خلت ..
اسبوعين فقط مكث هنا .. كان الأمر كالخدعة فلم يكونوا يرونه خلالها إلا قليلا ..
الآن يقتصر تجاوزه حدود هذا البيت زيارة لرؤية اخواته كلما شدّه الشوق ..
ما الذي عليه أن يشرح إذا كان هو لا يفهم كيف لتلك السنوات ان لا تمحو عن ذاكرته ما قد حدث ..؟!
لا زال ابنه بعيدا .. بعيدا .. ربما انشغل عنه .. أو السكن في البيت الكبير قد غرّبه ..
لكنه الآن روح أخرى .. شخص آخر ..
رجل ..
يرتدي ذاك الغموض .. و يرفع ياقته قسوة .. مخفيا الكثير في طيّاته .. و أسفله ..
أصبح رجلا .. بعيدا عنه ..
.
.
ذاك ماضٍ ليس سوى برزخ بينهما ..
فلا يلتقيان ..!

* * * * *

- أمج ربت ؟؟!
قالتها صديقتها و هي تنظر لها بذهول قبل أن تصر نورة على أسنانها بغيظ و هن يمشين خارجات نحو الساحة مع ابتداء الفرصة المدرسية ..
- ايييييه .. منووه .. قولي ما شا الله ..
رفعت نورة حاجبها ..
- عيني باردة ما صك حد أنا ..
- العين ما تصيب بالعاني .. قولي ما شا الله الحين .. يا الله ..
- افففف .. ما شا الله ..
- تبارك الله ..
ضيّقت منى عينيها ..
- تبارك الله ..
تابعت نورة بتسلية ..
- و لا حول و لا قوة إلا بالله ..
بدا الغل جليا على وجه صديقتها و هي تردد ..
- و لا حول و لا قوة إلا بالله ..
- الله يعطيكم من خيره و يكفيكم شرّه ..
قهقهت منى و هي تضربها ..
- شوه ثوب يديد بتلبسينه .. خبرينيه .. شفتيه ..؟
استمرت نورة في المشي متريّضة .. و هذا ما كانت تفعله أغلب الفتيات في الفرصة الرمضانية القصيرة ..
- لا بنسير كلنا عقب المغرب ..
- كم قلتيليه عمر أختج العودة ..؟
- حور ..؟ 24 تقريبا .. ليش ..؟
رفعت منى حاجبها مجددا ..
- ما شا الله .. و بعدها أمج اتييب عيال ..
ضيّقت نورة عينيها بغيظ ..
- مننننننى .. و الله لو استوا باميه شي .. يا ويلج ..
ضحكت منى ..
- هب صعبة .. ازقرينيه بتفّل ..
ظربتها نورة بقوة ..
- تخسين .. ها لي قاصر بعد ..
تأوهت منى و هي تفرك مكان الظربة ..
- آآآخخ .. اللهم انيه صايمة ..
.
.
- نوووووري ..
التفتت نورة و منى نحو الفتاة التي نادت نورة بصوتٍ عالٍ فتعرفتها بسرعة .. إحدى صديقات دانة المتعددات .. لتصافحها نورة بابتسامة ..
- هلااا و الله .. شحالج لطوف ..
ردت لطيفة بسرعة ..
- بخير الله يعافيج .. نورة .. دانة أختج بتظارب في كلدور المختبرات ..
اتعست عينا نورة بصدمة .
- اشووووه ..؟ بتظارب ..!! بتظارب امنوه ..؟ و ليش ..؟
قالت لطيفة بايجاز و هن يركضن نحو الممر المقصود و يلهثن على عتبات السلم الحجري الملتوي ..
- رناا أم الموبايل لي فتنت عليها دانة .. ميمعة خوياتها .. و ياية تبا تظارب دانة ..
زادت نورة من سرعة ركضها و هي تتخيّل دانة وحيدة أمامهن .. ستظرب بلا رحمة دون شك ..!
صاحت في لطيفة بذعر ..
- محد وياها ..؟؟
قالت لطيفة بلهاث متقطع ..
- الشلة كلها اهناك .. بس .. مادري .. قالت تبا ترمس دانة .. بس شكل نيتها شينة .. نوف قالت ليه أخبرج .. ما فينا ع المشاكل ..
ما أن بلغت نورة الممر المقصود و اقتحمته حتى أفزعها التجمهر في وسطه ..
بدا أن هناك مشادة في منتصف تحلّق الإزدحام و قبل أن تتحرك .. انفجر الوضع فجأة و بدا الجمع يهيج ..
فركضت بأقصى سرعتها لتقتحم الفتيات بقوة ..
راحت تبعدهن عن طريقها بقسوة .. تريد أن تبلغ المنتصف .. حيث اشتبكت الفتاتين بعنف .. و صراخهن و السباب المنطلق .. و تشبثهن الشرس ببعضهن كالقطط .. راحت أيادٍ كثيرة تحاول منعه .. فيما يجذب الجميع كلٌّ من الفتاتين جانبا ..
و لكنهن رحن يتفلتن باستماتة .. و ينقضضن على بعض .. رأت نورة كيف راحت الفتاة الأكبر سنّا و الأضخم جسدا .. تخدش وجه أختها .. و تشد شعرها .. فيما تحاول دانة بلوغها بركلات و هي تلوح بقبضتها محاولة الوصول شعرها ..
و قد انفلت شعر دانة الطويل .. يعد أن سقطت ربطته أرضا ..
هذا قبل أن تقفز نورة بينهن و هي تنشب مخالبها في أي جزء قد يصل لتلك المتنمرة التي راحت تشد شعر دانة للأسفل فتجبرها على الركوع ألما .. فيما دانة تحاول دفعها بعمى ..
انقضت نورة على الفتاة لتجر شعرها بقوة للخلف .. فتفلت الفتاة شعر دانة و تلتفت لنورة .. قبل أن تصفعها بقوة ..
شعرت نورة في غمرة غضبها بسخونة في خدّها ..و عقلها الثائر يتميّز غيظا مع سيل الكلمات و السباب الذي راحت تتلفظ به الفتاة بوقاحة ..
دانة تترنح جانبها قبل أن تجثو أرضا و قد بدا واضحا أنها ليست بخير .. مما فجّر غيظها و هي تحاول الإنقضاض مجددا على الفتاة ..
و في غمرة .. اللطمات .. و الخدش .. و ركل مقيّد بضيق الرداء المدرسي ..
إقتحمت أيادٍ أخرى الإشتباك لتفظه ،،
شعرت بيدٍ لمعلمتين تجذبها و هي لا زالت تحاول جاهدة بلوغ أذى ما من الفتاة التي قيّدت بيد معلمتين أيضا ..
و نورة تصيح بصوتٍ منفعل .. حين تحلّقن صديقات دانة على الأخيرة التي سقطت أرضا ..
- و الله لألعن خيرج لو تيين صوب ختيه مرة ثانية .. المسيها بعد مرة و شوفي شوه بيستويبج .. و الله أعيّفج حليب أمج ..
و راحت تنفض تلك الأيدي التي أمسكت بها متجاهلة كلمات المعلمة المهدّئة ،، و هي تندفع لدانة الجالسة على الأرض تسند رأسها بيدها ..
أمسكت يدها بقوة و هي تقول بخوف .. لا مبالية برعشة يديها .. أو الدم الذي رطّب خدّها .. أو شعرها المتناثر ..
متجاهلة يد ممدودة بغطاء رأسها الذي سقط أرضا أثناء الشجار ..
تنحني نحو دانة و هي تسألها بصوت مذعور ..
- دانة .. ؟؟ دانة ..؟!
رفعت دانة رأسها و قد تشعث شعرها حول وجهها المحمر لتلتقي بنظرة نورة الفزعة ..
كانت تنتفض إثر انسحاب الأدريالين من جسده .. و هي تجلس بوهن .. لكنها تمكنت من رسم إبتسامة ضئيلة على شفتها و بصوتٍ مرتعش ..
- لا تخافين .. انا دانة علمي .. ما شي يظرنيه ..!

* * * * *
تستلقي على ظهرها بهدوء .. و قد تناثرت بعض الأوراق حولها ..
عيناها تتأملان سقف الغرفة بعمق .. فيما ذهنها غارق في كآبة مختلفة ..
وجوه عدّة راحت ملامحها تتراقص أمام عينيها ..
بعضها غابر .. و البعض لم تعاصره إلى في الأيام الماضية .. ابتداءً بإستغلالية حقيرة لن تنساها ما عاشت ..
و انتهاء بأوجه مجنونة .. راحت ملامحها تتمزق أمامها ..
راية .. هدى .. حمدة أو حمدان .. أمها .. روضة ..
لماذا تشعر بهذا الضيق و التململ .. لماذا انبثق خوف من المجهول في روحها ..؟!
مرارة من العدم راحت تنتشر في جوفها .. فيما تتقمص ملابسها الخشنة .. و تستمر غلظة صوتها ..
و تتراقص بقوة على إيقاع الموسيقى الغربية الصاخبة ..
لتدوس بقدميها على كل ما هو جميل في هويّتها ..
جميل ..؟ أما زال للجمال شكل هنا ..؟
أصبحت الكثير من ركائز حياتها مشوّهة .. بالية ..
ماذا تنتظر .. و ما تحويه بين الأضلع ليس سوى خرابة ..!
صورة قذرة .. مقرفة قفزت في ذهنها .. لتغمض عينيها بقوة طاردةً إياها .. و هي تبلع إحساسها بالغثيان ..
أيعقل أن تصل لذلك ..؟! أيعقل أن تصبح مجرد نسخة من حمدان ..؟!
حمدان ..؟
ما زالت لا تعلم ما الذي كانت تصبو للوصول إليه تلك الفتاة المتصابية ..؟!
.
.
(( .. أنا ما أطلب منج شي الحين .. بس أبا اخاويج .. ابا أتعرف عليج و نغدي ربع .. صعبة ..؟ ))
.
.
أتاراها أرادت جرّها لتلك الأوحال التي تنغمس فيها .. أم أنها كانت تبحث عن شيء آخر ..؟
ربما كانت تفتقد الرفقة .. و وجدت أنها خير من يمكن إفساده ..!
لكنها لم تُمنح الفرصة لتنال ذاك الشرف ..! الآن و بعد إبتعادها عنها .. لم تكن تقلقها تلك التهديدات ..
فليس لديها شك بأن حمدان قادرة على إيذائها .. لكنها تعرف كيف ستصد الأذى ..
ما يثير ذعرها بعيد كل البعد عن وعيد تلك ..
شيء من التوجس دفعها لتجيل بنظرها حولها بقلق ..
و سؤال ينهض داخلها ببطء نافضا عنه ركاما من الملل المستمر .. و اللامبالاة ..
تعض شفتها السفلى قلبها بخفق بتوتر بالغ ..
ماذا لو كانت حقيقة في داخلها كحمدة ..؟ ماذا لو كانت منحرفة ..؟
ألم تحب راية ..؟ و تنجذب للكثيرات قبلها و بعدها ..؟
راحت تحك راحة يدها ببنطالها الخشن و هي تقفز من فراشها بذعر ..
نافضة عن ذهنها صور مخيفة لما قد يفعله تدهورها .. راحت تدور في الغرفة بجنون .. قبل أن تندفع للباب و تفتحه ..
خرجت للمر .. لتقف وسطه فجأة بضياع .. عيناها تلتفتان يمنة و يسره ..
قبل أن تشعر بأنها تقف هنا بغباء ..
لذلك توجهت مباشرة نحو السلّم الذي يتوسط المنزل الكبير .. لتهبط للردهة ..
كانت خالية تماما .. صوت من المطبخ أنبأها بأن أمها بدأت بالإشراف على الخدم ليحضّروا الفطور ..
التوت شفتها بسخرية و هي تلقي بجسدها على الأريكة و ترفع قدميها على الطاولة الصغيرة ..
تكاد تجزم بأنه لا أحد يبدأ بتحضير الفطور في الحادية عشر صباحا إلا أمها ..!
التقطت جهاز التحكم عن بعد تقلّب بعض قنوات التلفاز لتتوقف عند محطّة فضائيّة راحت تعرض أغنية تحبّها .. لما تعرض من أجساد تتراقص .. و تتمايل ..
شيء لا يهدف إلا ليرينا أي مدى قد نصل في السعي نحو لتجرّد ..
ليس التجرد عن الملابس فقط ..
بل التجرد عن ديننا .. معتقداتنا .. هويّتنا التي لا تشبه إطلاقا ذاك العري المثير للاشمئزاز ..
يعلمنا لأي مدى قد نتجرد عن إدراكنا في متابعة رخيصة لمثل هذه المشاهدات ..!
رغم أن هذا كله لم يخطر ببالها بل راحت قدمها تهتز بإيقاع رتيب مع الأغنية الصاخبة .. و رأسها يومئ دون توقف ..
سرعان ما التفتت للصوت الذي صاح من خلفها ..
- شيييييخة .. قصري حس هالخياس .. عنبوه حتى و انتي صايمة ..؟
لم تبالي بكلمات أختها التي وقفت خلفها تماما تغلق عبائتها و تلف غطاء شعرها .. بل تشدقت ببرود سائلة ..
- ع وين العزم إن شا الله ..؟
رفعت روضة حاجبها بهدوء ..
- سايرة بتشرى هديّة عنّا كلنا لحرمة عميه حمد .. بتين ويايه ..؟
شخرت شيخة ساخرة و هي تعود للنظر إلى الأغنية .. و قدماها لا تتوقفان .. فيما ضيّقت روضة عيناها و هي تسأل ..
- تعالي بنخطف ع المشغل انشوف فستانج لو يا عالقياس .. شوفيه لو يعيبج و الا بتغيرينه ..؟
لوحت شيخة بيدها لا مبالية و هي تقول دون اهتمام ..
- لو ألبس يونيه ما يهمنيه .. اختاري لي تختارينه ..
مطت روضة شفتيها فيما استرخت شيخة في جلستها قبل أن ترفع الأولى صوتها ليصل لأختها عبر صوت الأغنية ..
- ما بتيين ..؟
أشاحت شيخة بوجهها في ضجر .. لتترك روضة المكان و تخرج ..
ما إن أغلق الباب العملاق خلفها ..
حتى عضّت شيخة شفتها بمرارة .. متجاهله رغبة سخيفة باللحاق بروضة ..
أخفضت رأسها ..لحجرها ..
لماذا هما بعيدتان كل هذا البعد ..؟ لما تسعى لود أولئك الغرباء دون أن تكسبها هي ..؟
روضة ذات القلب الكبير .. ألن تكون أذنا متسامحة لسماع أخطائها ..؟
لكنها بعيدة .. بعيدة للغاية ..
كلهم بعيدون .. و لا يصل لها أحد أبدا ..
و على دمعة حمقاء كادت تنزلق .. خنقتها بغضب و هي ترفع صوت التلفاز على نفس الأغنية .. حتى أصبحت الجدران تهتز لها ..
لم تكترث بصراخ أمها القادم من المطبخ تطلب منها أن تخفض الصوت ..
تبا لهم ..
لا تبالي بهم البتة ..!

* * * * *

حين كانت تستلقي على الفراش الوثير في الجناح الخاص الذي قام زوج ابنتها بحجزه لها .. لم تفارق عيناها وجوههن السعيد .. ملامحهن المستبشرة ..
و جو أسرة أصبحت فجأة غارقة بالابتسامات الصافية .. الصادقة ..
كلّهن شعّت أوجههن حماسا .. حتى عفرا الذي كانت تذبل ببطء في أيامها الأخيرة دون سبب ..
ابنها الذي خرج للتو مع صهرها .. بدا باذخ الفرح ..!
تنقل بصرها بينهن .. و بين اللفافة البيضاء في يد إبنتها الكبرى ،، و وجه أختها الوحيدة ..
ابتسامة غريبة ناوشت شفتيها .. رسمت خطوطا متألمة على وجهها النحيل ،،
إحساس بوحدةٍ غريبة راح يزحف داخلها ،، حين راحت دموع تخز جفنها تنشد الإنزلاق ..
لكنها كبحتها بابتسامة .. و هي تبتلع غصّتها تلك ..
المرة الأولى هذه التي تنجب فيها طفلا و لا يكون قربها ..رحل دون أن يعلم ما الذي أنجبته ..
و من هو ،،
هذا الطفل سيكبر دون أباه ..!
غريب ..!
مرَّةٌ هي فرحة لم تأتِ إلا متأخرة ،،
أبطأت السير للحظة فلم تدركهم ،،
أولئك الذي حين انتصف الطريق بها ..علمت أنهم مضوا إلى البعيد ..
بلا عودة ..
فلن يعيشوها .. و لن تصلهم ..
لن تحفر خطوط البسمة على ملامح تلك الأوجه البعيدة ..
مرّة فرحة أثقلتها الوحــدة ..أقبلت تحمل على عاتقها شيئا من الوجع ..
و اليتم ..!
.
.
وضعت نورة يدها على خدها بابتسامة حلوة لم تخفِ خدوش عراك الصباح الذي تلقّت إثره محاضرة مجنونة صاخبة من حور .. رغم أن الخطأ لم يكن خطأهن و لم تعاقبهن الإدارة بشيء خلاف تلك الفتاة التي أجبرت على توقيع تعهّد .. قالت بحالمية و هي تتنهد ..
- فديته و الله .. يشابهنيه ..!!
ضحكت دانة بسعادة .. و هي تنظر للطفل بين ذراعي حور ..
- اتخسين .. يشابهج أونه .. لا طالعي خشمه .. سبحااااااان الله .. تقولين خشمي .. امرررة هالولد نسخة منيه ..!
عقدت عفرا جبينها تدقق في ملامح الطفل ذو الوجه الاحمر .. تفاصيل وجهه الصغيرة لم تتضح بعد .. لذلك ابتسمت بهدوء ..
- يا ويليه ع خرطكن .. لا يشابهج و لا يشابهها .. أصلا كيف اتميزن ..؟! أنا أقول شكله كوري .. يمكن يايبينه بالغلط ..
ضحكت حور بخفوت و المها تداعب طرف أنفه الصغير بأناملها الرقيقة و نظرة حنونة تسكن مقلتيها ..
- كوري فعينج .. طالعي ثمه .. يرد ع نايف شوي ..!
ضربت مزنة الأرض و هي تتذمر ..
- حور ابا اشله ..!
لكن نورة ظربتها على مؤخرة رأسها بيدها ..
- شوه حلاوة تشلينه .. لا ..
مطت مزنة شفتيها و هند تقول بهدوء و عيناها لا تفارقان الطفل ..
- نبا نشوفه زين .. حور نزليه شوي ..
الكثير من الابتسامات .. دفق من الفرح بهذه الحياة الجديدة ..
هنا من نسيت وجعها العميق .. ستتذكره فيما بعد .. حين تبتعد عن امتداد الأمل الوليد هنا ..
و منهن من نسيت مخاوف تغالبها في روحها .. حتما ستجد الوقت لتعالجها لاحقا ..
همست دانة لنورة بخفوت ..
- ما تبينا نظهر انحاوط في القسم شوي ..؟
ردت نورة بهمس و عيناها على حور المشغولة ..
- خلي مزنووه تلتهي .. بتفتن ..
عقدت دانة جبينها ..
- بيرد غيث .. خلاف ما بنلقى وقت ..
- خلاص أنا برقبج عند الباب أونيه سايرة الحمام .. و انتي لحقيني ..
قالتها و هي تنسل ببطء .. قطعت الممر الضيّق الذي يفصل غرفة المريض عن مجلس الضيوف الصغير في الجناح الخاص .. قبل أن تقف قرب الباب بانتظار دانة التي سرعان ما لحقت بها و هي تحمل حقيبتها .. لتضيّق نورة عينيها ..
- وين تبين بالشنطة ..
ابتسمت دانة قبل ان ترد الغطاء الثقيل على وجهها ..
- لزوم الكشخة ..
حذت نورة حذوها قبل أن يفتحن الباب ببطء شديد و يخرجن بهدوء .. ما إن ارتد الباب خلفهن و وجدن أنفسهن وحيدات في الممر حتى تنهدن براحة ..
لكن مهلا ..
لم يكنّ وحيدات .. في رأس الممر وقفت مجموعة كبيرة من الرجال يسدون الطريق لخارج القسم .. فقالت نورة بقلق ..
- رياييل ..يا الفشلللة ..!!
قالت دانة و هي تحاول تبين الأوجه البعيدة عبر غطاءها ..
- يا ويلنا تخيلي غيث و نايف حد منهم ..
أمعنت نورة النظر دون أن تتبين جسد أخيها الصغير ..
- لا ما ظنتيه .. - ثم شهقت و هي تدير رأسها بعيدا - يطالعونااا .. دانوووه بنحدر .. يا الله ..
قالت دانة بقوة ..
- لااا خليج .. ما عليج منهم نحن فحالنا ..بيسيرون الحين ..
ثم إنفصل أحد الرّجال من المجموعة ليقطع الممر نحوهن .. كان يسير بخطوات واثقة للمكان الذي توقفن فيه .. همست نورة بخوف ..
- الله يغربلج .. ياي قدانا ..!!!
عقدت دانة جبينها و هي تراقب الرجل الذي بدا في العقد الخامس من العمر ،، يدنو منهن بسرعة .. و هي تهمس ..
- لا .. لا ..
بدا وجهه مألوفا للغاية و هو يصل بسهولة و يلقي التحيّة .. مع تراجعهن للخلف ..
- السلام عليكم و الرحمه ..
قالها و هو يصل إليهن بابتسامة .. لم ينتظر إجابة أخرى مع جمودهن و انكماشهن .. قبل أن ينحني نحو نورة ،،
حين بدأ وجهه يقترب من وجهها المختفي خلف الغطاء .. انتابها الذعر المجنون قبل أن تصيح بوجهه و هي تميل جانبا ..
- حووووه وين تبااا ..
و بردّة فعل تلقائيا .. لطمت دانة وجه الرجل الذي انحنى نحو نورة في وقاحة بحقيبة يدها .. و هي تلهث بخوف ممزوج بالغيظ ..
- صاااحي انته ..صدق قلة أدب .. شيبة كبر أبوية .. استح ع ويهك ..
بدا الذهول على وجه الرجل من ردّة الفعل الغير متوقعة إطلاقا .. عندها فقط لاحظن تقدّم غيث من المجموعة التي تقف على رأس الممر .. لتهمس نورة بخوف ..
- يا ويلناا .. غيث ..!!
ظل الرجل ساكنا في مكانه .. دانة تقول بتحدٍ أجوف .. فيما صوتها يرتجف ..
- هذا أخوناا ياي ..
التفت الرجل للخلف نحو غيث الذي بلغهم و الغيظ يلوح على وجهه .. فاندفعت نورة تقول له ..
- مادري بلاه هالريّال .. كان بيوايهنيه من شوي ..! شكله مغلّط ..
كانت خائفة مما قد يعتقد غيث أو يقول .. لكن الأخير صرّ على أسنانه بغضب صريح ..
- هذا عمكن مطر يا المخبّل ..!
التفتن معا نحو الرجل الذي أخذ يضحك بخفّة الآن .. و التسامح جليّ على وجهه و نورة تهمس بخجل ..
- عمنا ..!
.
.
- ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه .. ههههههههههههههههههههه .. ماروم الصراحة .. هههههه .. شفت البنت كيف ظربت عميه مطر ..
كان هزّاع هو الآخر يقهقه بصوتٍ عالٍ ..
- حليله عميه .. حشا هب بنية هوقهوقن ..!هههههههههههههههههههه ،، أسمينيه بتم أضحك على السالفة ..
قال سيف بحزم و عيناه تضيقان على الواقفين في آخر الممر ..
- بس خلاص .. - ثم التفت لأبيه بشيء من الوقار - ما بنسير قداهم الحين ..؟
التفت أبوه إليه متسائلا ..
- ما تبونا نرقب علي و أحمد و ولده ..؟
قال سيف بحزم ..
- لا برايهم بيلحقون عليهم خلاف .. خلونا نسلم و نظهر قبل صلاة العشا ..
تقدموا جميعا مع دخول مطر و غيث و الفتاتين للجناح المقصود ،، فيما يقطع بو سيف و سيف و أحمد و هزّاع الممر نحو الباب ..
ما ان دلفوا حتى وصلتهم الأصوات الآتية من الغرفة في آخر الممر .. فصاح بو سيف منبها ..
- هووود ،،
ليرد غيث عليه بصوته الرجولي العميق ..
- هداا .. اقرب ..
تقدم بو سيف يلحق به البقيه نحو الغرفة المخصصة للمريض متجاهلين المجلس الجانبي ..
- قريب .. السلام عليكم ..
و تتابعت تحيّة الإسلام من مَن دخل خلفه و الرد عليها من الموجودين .. اصطفّن خمس شابات بأغطيتهن في الجدار القريب من السرير الذي جلست عليه أم نايف باحتشام تقف قربها أختها الوحيدة .. و إلى جانبهن فتاتين أصغر سنا .. انزوين بعيدا عن الأنظار ..
فيما جلس على صف الأرائك القصير مطر و أخوه .. و ظل الشبّان واقفين بهدوء ..
عجّت الغرفة للحظات طويلة بالسلام و تبادل الأخبار و المجملات المتحفظة ..
قبل أن ينادي غيث حور ..
- هاتي الياهل ..
تقدّمت حور من بين أخواتها لتلتقط الطفل و تعطيه إياه .. لا تدري لما بثها وجوده هنا شعورا دافئا بالأمان ..
تعرفه على الأقل من بين كل هؤلاء الغرباء ..
حتى الرجلين اللذان سلّمت عليهما للتو .. بيد أنهما عمّها ..!
حمل الطفل بعناية .. متجها نحو الرجلين الجالسين على الأريكة اللذان تبادلاه بالإبتسامة .. و ذكر الله .. قبل أن يأخذه سيف بهدوء و هو يسأل بصوته الهادئ ..
- حد أذن في أذنه ..؟!
قالت أم مايد بهدوء ..
- لا ..
فأداره بحنان يزيح طرف الغطاء عن أذنه اليمنى ليأذن فيها بصوت مسموع ،، فيما صمت الجميع مراقبا قبل أن يدير الطفل فيقيم الصلاة في الأذن الأخرى ..
أعاد الغطاء حول رأسه جيدا و هو يقبّله بحنان ..
- ما شا الله .. الله يحفظه .. شوه بتسمونه ..؟؟
أجاب بو سيف و هو يعود لحمل الطفل مجددا ..
- بنسميه سيف على أبوية ..

* * * * *


>>

.: المــاس :.
19-02-2008, 10:01 PM
تتمة




حين كانت تنشج بقوة ،، و - الشيلة- ترتشف دموعها المنزلقة على وجهها المسن ..
استعاد في ذهنه وجعها يوم فقدها لإبنها ذاك ..
الآن و بعد أن وُلدَت فرحة واعدة .. لم تستطع سوى البكاء ..
لم يعلم حقا .. أكانت متألمة .. أم فرحة ..
ما الذي حقا يسعدها .. ولادة حفيدها الجديد .. أم دنو اليوم الذي سيجمعها بأبناء فقيدها تحت سقف واحد ..
عجز عن فعل شيء سوى إحترام عبراتها .. و الوقوف صمتا أمامها ..
هذه العجوز ..
كبيرة ..
كبيرة للغاية .. في إحساسها .. في حنانها ..
في إنكسارها الموجع الذي لم يجبر حتى الآن ..
و كأن موت ولدها أفقدها معنى الحياة ..!
إنسل بهدوء من بين تبعثرها . يغلق الباب بصوتٍ مكتوم خلفه .. قبل أن يشخص بصره للواقف أمامه مباشرة ..
دنا منه بسرعة يسلم عليه و يقبّل لحيته الحبيبة بإحترام ..قبل أن يستديرا معا و الجد يباغته بغموض ..
- بتتعشى هنيه ..؟
قال غيث بهدوء .. و صورة جدته الباكية لا تفارق مخيّلته .. كم يؤلمه بكاؤها ..
- لا .. بتعشى فبيت ابوية علي .. شحالك يا بويه ..
أومأ العجوز برأسه ..
- بخير الله يعافيك ..
ظل ينظر له مطولا قبل أن يسأل ..
- شحالها حرمة عمك ..؟
أمعن غيث النظر فيه ..
- أم نايف ..؟
بدا التردد لوهلة في عين الرجل قبل ان تقسوا و هو يقول بشيء من الحزم ..
- هيه
- بخير ..
- سميتوا الياهل ..؟
ارتكزت عينا غيث الآن .. تسعى لإلتقاط أي حركة قد تفضح ما يخالج جدّه ..
- سميناه سيف ..
انفرجت شفتي الجد المحاطة بالتجاعيد .. و نظرة ثقيلة مبهمة تلمع في عينيه .. و هو يومئ برأسه ..
- و متى العزيمة ..
أجاب غيث بعملية ..
- يوم الخميس .. عشا الرياييل هنيه .. و الحريم فبيت عميه ..
هز الجد رأسه يستدير تاركا غيث خلفه و هو يقول بغموض ..
- خير إن شا الله ،،

* * * * *

حين أطفئت الأضواء .. و استحالت كلمات أخواتها المعتادة قبل النوم لهسيس أنفاسهن البطيئة ..
ظلّت هي تحدق بعينين يائستين في الفراغ الأسود ..!
كل الأجفان قد أثقلت .. أسدلت أهدابها معلنة لحظة توقف ..
حيث ينتهي كل شي عند الظلام الذي يقبع خلفها ..
عالم داكن .. بلا أوان .. بلا أبعاد .. بلا أوجاع .. و لا أحزان ..
لا صدى لبشاعة الواقع فيه .. لا و لمرارة الأيام ،،
سواد لا يسكنه شيء سوى الأحلام ،،
لم ترى النوم رحمة قط كما أصبحت تراه في آخر أيامها .. لكم تمنت لو تغفو عينها قليلا .. لتترك حمولة تروح تحتها روحها عن حدود الرحيل عن الواقع للحظات ..
لحظات فقط تريد أن تنعم فيها بشيء من السلام ..
الغريب أن روحها أصبحت تزحف ببطء نحو الإستسلام الآن ..!
شيء من التسليم راح يستقر داخلها .. و هي تفتح راحتيها حاملة بينها كل أمنية .. كل حلم .. كل أمل ..
أحالتها المرارة إلى حطام ..
لتقف عند حدود الواقع ناثرة إياها في مهب الأيام ..
لتحملا بعيدا عنها ..
جل ما قد يقتلها هو أن تحتفظ في نفسها شيئا من تلك البقايا التي لم تعد سوى رمادا مستحيلا ..
برود راح يجمد أوصال إحساسها ..
و ألم صامت يكتنف روحها ..
ستدفع قدميها في ما قد لا يؤذيها ..ستمضي لأي مدى ستحملها إليها الأيام ..
و ستبرع فيما لا يتجاوز مأساتها ..
ابتسمت بمرارة ..
و ملوحة الدمع تتدفق في الظلام لفمها .. تكبح شهقتين في صدرها ..
لا زال أمامها دراستها .. ستنجح في الكثير .. ستجد طرقات قد تمجّد خطواتها دون عار تسببه لها ..
قطعا ..
ستدوس في طريقها الكثير ..طموح .. و كينونة ..
و هويّة أنثى ..
الكثير عليها أن تلقيه خلف ظهرها ..
لقد مزّق قذر ما .. مستقبلا بلون الزهر قد ينتظرها ..
فلم تعد الأمومة .. و الزواج .. و الحب .. و انطلاقة حياة امرأة ..
سوى أحلام محرّمة ..
.
.
هي ساعة للنسيان آنت ..
ستهجر تفاهاتٍ لم تعد تليق بها بعد الآن ..
تعرف أين حجمها .. و أين موضعها ..
لن تتطاول إذا ..
ربما يناوشها الأمل أحيانا .. لنكها ستحجم عن وجع السقوط إذا ارتقت ..
هي عفرا ..
تلك الطفلة التي غدت تتوسد الكتمان كل ليلة ..!

* * * * *

كان فجرا سعيدا ..
أ و لا يسمى بالعيد ..؟!
بهجة راحت تعبق في أركان البيت الصغير ،، تحتضنها جدرانه العتيقة ،، و حور تدور بالمبخرة في البيت و ابتسامة واسعة لا تفارق شفتيها ..
رغم الألم و الضيق الذي أمسى عليه الجميع أمس .. بحلول أول عيد بعد موت أبيهم ..
حيث أجهشت مزنة بالبكاء و شاركها البقية الدموع الصامتة .. لن يكون ذاك الوقور الصارم موجودا .. ليتهافتون على تقبيل أنفه الحبيب بعد عودته من صلاة العيد ..
و هو ينقدهم ( العيدية ) بابتسامته الخفيفة ..
لن يحملهم دفعتين بسيّارته الصغيرة نحو بيت خالتهم ليقضوا مساء العيد هناك ..
رغم هذا .. لازال عيدا ..
رحت حور تدير المبخرة في الصالة .. عقارب الساعة تشير للعاشرة .. غيث و نايف لم يعودا بعد من صلاة العيد .. فأدركت أنهما توجها لبيت الجد بالتأكيد ..
نشوة و حماس تثور داخل روحها ..
و رائحة الحنا التي لا تزال عالقة بالبيت من الأمس امتزجت برائحة البخور .. و القهوة ..
ثيابهن الجديدة الملوّنة .. و الكحل الأسود الذي صبغ مآقيهن ..
السجادة النظيفة التي فرشت في الحوش و وضعن عليها الحلوى و القهوة ،، و المأكولات التي تشاركن في اعدادها ..
أخواتها احتشدن في غرفة أمهن لتناول الفطور معها و مع خالتهن التي أصرّت على البقاء مع أختها حتى تتم الأربعين يوما ..
خرجت عفرا من باب المطبخ و هي تحمل وعاء طعامٍ مغطّى جيدا .. ابتسمت بهدوء لحور ..
و لمعانٌ باهت يتحدى ذبولها تألق في عينيها .. و هي تتحرك نحو الحوش ..
راقبتها حور و هي تضع المبخرة على طاولة جهاز التلفاز ..
أصبحت أكثر نحولا الآن .. حتى ثوب العيد بدا واسعا عليها .. لانت نظرتها و عفرا تتساند بإرهاق لتقف على قدميها .. و حور تقول ..
- عفاري فديتج .. سيري تريقي ..
مدت عفرا يدها لتقرص خد أختها الكبرى .. و نبرة الحنان لم تخفى عليها ..
- تريّقت فديتج .. انا و مهاوي ..
- يعل فوقه العافية ..
- الله يعافيج ..
نظرت حور حولها و هي تتنهد ..
- أحس العيد غير هالمرة .. مادري كيف ..؟! هادي شوي صح ..؟
أومأت عفرا برأسها .. و هي تنظر - للفوالة - بشرود ..
- صح ،، غير ..!
- الله يرحمك يا بوية ..
عضت عفرا شفتها السفلى بشيء من الألم ..
- الله يرحمه ..
ارتفع رنين هاتف حور لتخرجه من جيبها ،، و هي ترد بحبور ..
- هلاااا و غلاااا .. مباركن عيدج .. بخير الله يعافيج .. شحالج انتي .. هههههههههههههههه .. شفتي عاد ..
إحمر وجهها فجأة و هي تشيح بناظرها عن عفرا التي ابتسمت و حور تتابع بشيء من الإحراج ..
- سبالة وحدة .. أصلا ما شفته الين الحين ..
ثم شهقت و وجهها يحمر أكثر ..
- لااااااااا يا النذلة .. و الله ما أرمسج .. حرام رويض .. و الله أزعل ,,
ثم تنهدت براحة ..
- هااا ..؟ وين ..؟ منوه ..؟ انزين قربي بهم .. هيه .. في الحوش .. انا بظهر الحين ..
أغلقت الهاتف على عجل و هي تنظر لعفرا ..
- هاي روضة تقول إنها هنيه .. هي و أحمد خوها و هزّاع ولد عمها ..
عقدت عفرا جبينها ..
- امنوه هاييلا ..؟ لي شفناهم في المستشفى ..؟
هزت حور كتفيها ..
- اشدرانيه بعد .. بس عيال عمنا .. أنا ما حيدهم .. المهم ..حدري انتي خبري أميه عذيجة و أميه وديمة .. و قولي للبنات عسب محد منهن تظهر ..
دلفت عفرا و هي تقول ..
- ان شا الله ..
.
.
أجال هزاع و أحمد ناظريهما في جدران البيت قبل ان تقع عينا الأخير على باب المجلس .. ليضحك بمكر ..
- و الله ما اتخيل غيث خوية يعيش هنيه .. اتخيل هزاع موظفينه لي فالشركة شوه بيقولون ..
ابتسم هزاع هو الآخر ..
- صدق و الله .. امرررة هب لايق على غيث يعيش هنيه .. حالته صعبه هالبيت .. يطلب الرحمه ..!
هزت روضة قدمها بفروغ صبر ..
- شباب لو سمحتم .. ليكون يايين ويايه عسب تتأملون البيت .. خلصونا العرب يرقبوناا ..
رفع هزاع عينه للسماء ..
- و الليييييل .. ذليتيناا عاد .. يايين وياية .. يايين وياية .. كانا نحن يالسين نشحت زيارة و الا ما بيدخلونا لو ما كنتي ويانا آنسة رويض ..
رفع أحمد حاجبا و هو يتقدم من الباب نحو الحوش ..
- انتي تحمدين ربج انه نحن يايبينج ويانا ..
ثم دق الباب الحديدي بمفتاح سيّارته مصدرا صوتا عالي و هو يصيح منبها ..
- هوووووووود .. هوووووووووود ،،
صوت إمرأة كبيرة أجابه على الفور ..
- هدااا .. اقرب ..
دلف أحمد بسرعة و خجل غريب ..]راوده يتبعه هزّاع بنفس الاحساس .. لتدلف روضة خلفهم .. بابتسامة .. و هي تميز حور الواقفة في الطرف الأقصى .. و أمها التي تحمل طفلا بين يديها .. و خالتها التي كانت هي من أذن لهم بالدخول ..
تقدّمت روضة خلفهم و هما يسلّمان بصوتٍ عالٍ و يجلسان في نفس المكان يفصل بينهما متكأ واحد يستندان عليه .. و هما يتبادلان الأخبار و التهنئة بالعيد .. رغم الصعوبة التي واجهاها في التواصل مع أم نايف ..
فيما تصب الشابة المختفية خلف الغطاء القهوة لهما و هي تدني منهم أوعية الطعام بأدب ..
لم يستطع هزاع منع نفسه من تأمل جدران البيت المتقشف بشيء من الفضول ..
مرّت الزيارة بهدوء ظاهر .. لم يمكثا طويلا قبل أن يعتذرا و روضة توضح بأنها ستبقى هنا و تعود مع السائق ..
ودّعا الجميع قبل أن يمضيا .. و أم حور و خالتها يتوجهن للداخل لوقاية الطفل من البرد ..
فيما روضة تسأل بمرح ..
- وين البنات ..؟
وقفت حور تشير بيدها مبتسمة ..
- داخل .. يتريّقن ..
ظهرت المها أمامهن و هي تسلّم على روضة برقّة .. قبل أن تسأل حور بعينها .. فتلوح الأخيرة بيدها أنهم .. قد رحلوا ..
لتشير الأولى بأنها ستنظف المكان خلفهم .. و روضة تتبعها بعينها ..
- ما شا الله عليها .. الله يحفظها .. لو ميوزينها غيث أخوية ..
قرصتها حور بقوة و هي تنظر لها شزرا حين ضحكت ..
- آآآه .. عورتينيه .. أقول لووو ..
.
.
.
- لحظة ..!!
التفت هزّاع له بفضول ..
- بلاك ..؟
فتح أحمد الباب و هو يترجل من السيارة ..
- تلفونيه نسيته داخل ..
هز هزّاع رأسه بتذمر ..
- معثور ..
فيما يتحرك أحمد متوجها للداخل بسرعة .. و يده تثبّت - العقال - على رأسه ..
ما أن بلغ الباب حتى طرقه مجددا بصوتٍ عالٍ .. و هو يصيح ..
- هوووووود .. ..
لم يتلقى إجابة على صيحته ..
ليعود إلى الطرق و الصياح مرة أخرى .. حين لم يلقى الرد أيضا أيقن أنه ما من أحد في الطريق ..
لذلك آثر الدخول و استعادة الهاتف و الخروج بسرعة .. لكن ما ان تجاوز عتبة الباب حتى تجمد مكانه و عينه تتسلط على الفتاة التي انحنت على - الفوالة - و هي تعيد ترتيبها .. ليشيح بوجهه متوترا .. و هو ينبهها لوجوده ..
- آحمممم .. ياهل البيت ..!
لم يسمع صوتا خلفه فالتفت ليجدها واقفة أمامه تتجاهله ببرود .. و كأنها لا تراه ..
تعلم أنه هنا .. و لم تتحرك لرفع غطاء شعرها و ستره ..!
لاتزال في مكانها و لا يرى سوى جانب وجهها .. بدت غير مبالية بوجوده هنا ..
شعر بشيء من الخجل و الذنب و هو يقف ناظرا إليها متمعنا في جانب وجهها الجميل ..
حتى و لو كانت تتعمد الظهور هكذا .. ليس عليه أن يقف بغباء ناظرا إليها ..!
لذلك تحرك بتوتر نحو مكان جلوسه .. و هو يقول باعتذار ..
- السموحة منج .. نسيت تيلفونيه ..
لم ترفع رأسها حتى لتجيبه .. و هو يلتقط الهاتف .. بدا واضحا أنها غير راغبة في الرد ..
لكن ما إن تحرك بغيّة الخروج حتى هبّت هي واقفة لتلتفت ورائها .. فتجده أمامها مباشرة ..
كانت ردة فعلها هي الأغرب على الإطلاق .. اذ اتسعت عيناها برعب و هي تشهق بصوتٍ مرتفع و تسحب غطائها على وجهها بسرعة كبيرة كأنما لم تلاحظ وجوده إلا الآن .. و تركض لباب الصالة القريب ..
ظل ينظر خلفها مذهولا للحظات طويلة .. فكه يتدلى بعدم فهم ..!
لقد صاح مطولا .. و اعتذر منها .. تكلّم قربها و لم تبالي بوجوده ..!!!
ما خطب هذه الفتاة ..
ابتلع ريقه بشيء من التشوش .. و هو يحمل هاتفه و يتوجه للخارج بإضطراب ..!
بدا الأمر غريبا .. أو غير مفهوم .. و هو يبلغ السيارة لدلفها و هزّاع يقول بغيظ ..
- رحت اتييب تيلفونك و الا تدقها سوالف .. خيستنا يا ريال ..!
لكن أحمد لم يجبه و هو يشد على مقود السيارة بشرود ..
يديرها .. و ينطلق بها ..!
.
.
.
.
كانت لا تزال تنتفض بقوة و هي تضع يدها على قلبها .. دمعة تقف على أطراف الهدب .. تشير لحور بأن هناك رجل في الخارج .. قد رآها ..
- آهنااك .. آآياال .. شوفنيه ..
راح قلبها يخفق بجنون .. فيما الفزع يلجم روحها .. كيف لم تنتبه لوجوده في الحوش .. ألم تشعر بحركة ما ..؟ أدنى شيء قد يجذب ناظريها ..؟!
كان قريبا للغاية منها ..! رآها .. و أمعن النظر لوجهها ..
لم يبعد عنها سوى خطوتين ..
شعرت بعبرة تسد حلقها .. تخنقها ..
أ كان يختلس النظر إليها أولا دون أن تدري ..؟!
ماذا لو فعل ..؟
عادت حور من الحوش مع خروج روضة و نورة للصالة .. و الأولى تنظر لوجه المها الشاحب و هي تضع يدها بذعر على صدرها .. فيما حور تشير لها بيدها .. صائحة بصوتٍ عالٍ ..
- محد .. محد .. هنييييييييه ..!!
هزت رأسها رفضا و هي تشير لعينيها الكبيرتين .. و بدا أن الكحل سيسيل بعد لحظة دمعا أسود و شفتيها الرقيقتين ترتجف ..
- أنا شووفه .. آيااال .. داخيي هوووش ..
عقدت روضة جبينها فيما نورة تسأل ..
- بلاها المها ..؟
قالت حور بضيق ..
- اتقول ريال دخل الحوش .. و هي هناك ..؟!
شهقت نورة بقوة ..
- يميييييييه ..! منوه ..؟
التفتت روضة نحو حور ..
- يمكن أحمد و الا هزاع ردّوا .. انشديها شوه لابس ..؟!

راحت حور تشير بيدها للمها متسائلة .. قبل أن تلوح المها نحو لون الباب البني الحائل ..
فيحمر وجه روضة ..
- أحمدوووه الهرم .. دقيقة بس ..
و أخرجت هاتفها تتصل به .. لحظات فقط قبل أن يجيبها بصوت متوتر ..
- هلا رواضي ..
ابتسمت روضة لبنات عمها و هي تخرج للحوش بعيدا لتكلمه ..
- يا الهرم .. انته رديت مرة ثانية ..؟
بدا صوته غير واثقا ..
- آحم .. رديت وين ..؟
- رديت الحوش ..؟
- هيه نسيت تيلفونيه ..
- آهااا .. و ما لقيت حد في الدرب ..؟
أصبح متوترا ..
- شوه ..؟ آآ هيه .. ليش ..
صرّت روضة بأسنانها و هي تهمس ..
- عنلاتك يا السبال ..و تتنشد بعد .. كان اتصلتبيه و ظهرت لك التيلفون .. هب تعفد فبيت الخلق .. و بناتهم قدّامك ..
رد أحمد بصوتٍ غاضب ..
- انزين ترانيه هوّدت الين بح صوتيه .. و يوم شفتاا تحمحمت بعد .. و رمستاا .. و هي ولا عليها .. تبينيه أنا أسترها ..
شهقت روضة بخفة و هي تعاتبه ..
- حرام عليك .. ما سمعتك ..
- لا و الله .. اصارخ عند أذنها مساعة و ما سمعتنيه ..
همست روضة بقلق ..
- أحمد يا الهرم .. هاي الصمخاا من البنات .. ما سمعتك يوم تهود .. و الحين تتنافض من الروعة .. ما شافتك إلا و انته عندها ..!
.
.
كاد ينحرف بالسيارة حين سمع كلماتها .. لم يبالي بنظرات هزاع الفضولية و المتعجبة ..
قبل أن يوقف السيارة جانبا .. و هو ينظر للأمام بصدمة ..
الهواء يتعسر عليه بلوغ رئته .. و هو يلهث بذهول ..
- الصمخااا ..؟!
لامته روضة ..
- هيه ..
لم يستطع الرد عليها .. أسند جبينه بيده .. و هو يستعيد وجهها المذهول برؤيته .. عيناها الواسعتين ..
راح قلبه يخفق بثقل ..
ببطء مدوٍّ قبل أن يهمس بنبرة غريبة ..
- ماا كنت أدري ..!
ردت روضة بضيق ..
- الحين تدري .. حاذر المرة الياية .. قبل لا تحدر مكان .. هي ما طنشتك .. بس ما سمعتك ..
نظر لهزاع بشيء يشبه الإستغاثة و قد بدا الضياع على وجه الأخير .. قبل أن يهمس أحمد ..
- روضة ..
- همم ..
- قوليلها انيه آسف ..!
و أغلق الهاتف دون انتظار الرد منها .. قبل أن يدير المحرك و ينطلق من جديد .. و هزاع يسأل ..
- شوه السالفة ..
لوّح أحمد بيده عاجزا عن قول شي و هو يركّز في الطريق ..
- و لا شي ..

* * * * *

- ميعاد ..؟
كان ذاك الهمس قريبا منها ،، شعرت بصوت أختها الدافئ يخترق روحها .. تفتح عينيها ببطء .. لتجدها تقف على مقربة منها ،،
بثوب العيد الأنيق ..
كان غيث و أبوها قد غادراهما للتو ،، بعد أن أوغل الليل ظلامه ،،
جاهدت بقوة أن تخفي شيئا من حزن يخالجها .. لكنها تعلم أن لا مهرب من أختها ..
خولة تعرف كل تفاصيل روحها ..
ستدرك حتما أن شيئا ما .. يستنزف روحها ..
- بلاج حبيبتي ..؟
قالتها بصوتها الناعم و هي تمسك بيد أختها ..
- شي يعورج ..؟
ردت ميعاد بتعب ..
- لا ..
- ويهج أصفر ..!
أغمضت ميعاد عينيها تعيد رأسها للوراء مجددا ..
- ماشي .. بس متضايقة ..
استمرت خولة تمسح على رأس أختها بهدوء ..
- من شوه فديتج ..؟
قالت ميعاد بصوتٍ ضعيف ..
- خاطري أشوف سيف بن حمد الصغير ..
ثم التفتت لأختها دون أن تحاول إخفاء دمعتها ..
- أبا أشوف عيال حمد خويه كلهم ..

* * * * *

راح الهواء ينفلت من بين رئتيه .. لا يخترق صدره سوى الفراغ ..
الفراغ الأسود القاتم ..
يديه تخبط الجدران بلا توقف ..
و ظل الليل الثقيل يهبط ببطء عليه ..
.
.
فيما يفتح فمه ليصيح ..
و لا صوت يتجاوز الشفاه ..
أطرافه الثقيله لا حيلة لها لترتفع و تطرق الباب الذي لا يعرف مكانه ..
.
.
أصبحت أضلعه تضيق الآن ..
فيما يسود السواد نفسه ..
هل يختنق ..؟
.
.
سيموت لا محاله ..
راحت يده الثقيلة تتحرك ببطء مستميت ..
يريد أن يطبق على شيء من الهواء بأنامله .. ليدفعه إلى رئته ..؟
فمه يفتح على اتساعه بلا صوت ..
و ثقل غريب يطبق على صدره ..
لا يبعد الموت عنه سوى أنفاس ..
أنفاس لم تعد تصل لرئتيه ..
.
.
لكنه الآن يسمع صوت لهاثه ..
يشعر بالعرق يغرق رأسه .. جبينه ،،
و صدره العريض الذي راح يرتفع و ينخفض بجنون ،،
استوى جالسا بجهد بالغ .. و هو يعب الهواء باستماتة ..
فكرة واحدة راحت تدور في ذهنه ..
كان مجرد كابوس ..
كابوس فقط ..!
ها هو الهواء ينتشر حوله .. و تضيق به رئتيه ..
راح يمسح وجهه بيده الكبير ..
و صوته يهمس بقوة ..
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..

* * * * *
عيناها تتعلقان بعقرب الساعة الذي توقف أمام الثانية عشر إلا ربعا ..
تعلم أن جميع من حولها رقود .. و هذا ما كانت تنتظره من بداية المساء ..
لن تستطيع فاطمة الهرب بأي حجة الليلة .. عليها أن تضع حدا بنفسها لما يحدث ،،
تذكّرت تلك العبارات المختصرة التي أرسلتها في رسالة صغيرة لفاطمة حين لم تعد تستجب لضرباتهن على زجاج نافذة مطبخهم ..!
أصبحت تتهرب .. و خشيت عفرا أنها تعرف السبب ..!
رغم كل هذا لم تجد في نفسها رغبة سوى الاندفاع لتتيقن .. لذلك بعثت لها بالرسالة تلك تطلب رؤيتها في تمام الثانية عشر ليلا ..
لن تخاطر بالتحدث معها عبر فجوة الجدار .. خشية أن يسمعها أحد ,,
ليس على أي كان أن يعرف بالأمر .. ستنهي الموضوع بهدوء ..
تستشف من فاطمة عذرا لتملصها في آخر الأيام ..
و تعرف إن كانت قد وجدت طريقة لحل المشكلة رغم أن هذا ما تشك فيه حدوثه ..التقطت غطاء رأسها الأبيض الكبير تلفه حولها .. و هي تفكر في لو أن فاطمة تخلّفت عن المجيء ..
أم أنها عند وعدها و ستكون الآن في انتظارها في الزقاق الفاصل بين البيتين ..
تمنت من قلبها أن تكون كذلك .. أن تقطع الشك باليقين خيرٌ من أن تقتات على أملٍ بائس ..!
تسللت على أطراف أصابعها .. تغلق باب غرفتهن خلفها ..
صوت بكاء سيف الصغير يصلها من غرفة أمها .. لتنسل بسرعة للحوش ..
فركت يدها بخوف .. لا تدري مما هو ..
لكن الأمان لم يعد سوى وهمٍ في قاموس أيامها الآن ..
تشعر بأن أحدا يتربص بها في كل منعطف ما ..
هناك سرٌّ قد يفضح في أي لحظة .. يقتلها كتمانا .. و ذعرا من لحظة ستأتي يوما لتجد نفسها مجرّدة أمام أحدهم و قد كشف ما تخفي ..
ما إن تجاوزت الباب الفاصل لممر المجلس .. حتى توقفت بشيء من القلق .. ضوء ضئيل يتسرب عبر ستائر النافذة البالية ..
ألا يزال زوج أختها مستيقظا ..؟!
تذكرت تلك اللحظات المشؤومة بضبابية .. لم تعد لديها الكثير من الصور عن تلك الحادثة أو ما أعقبها ..
لكنها تعلم أنه كان شاهدا على تحطمها تلك الليلة ..
نفضت فزعها و هي تتقدم ..
اذا كانت فاطمة موجودة فستتأخر عليها .. و قد تظن تلك أنها لن تأتي ..
و اذا لم تكن موجودة ليس عليها سوى أن تعود أدراجها دون أن يعلم أحد بتسللها ،،
توسلت إلى الله أن تكون فاطمة في انتظارها .. تحتاج لواقع تقف عليه الآن .. و بشدة ..
تريد أن تعلم أين تقف قدماها بالضبط .. كي تتمكن من متابعة المسير ..
فتحت الباب الحديدي الذي أصدر تكّة مسموعة .. لتعض على شفتيها بذعر ..
لحظات دون أدنى حركة قبل أن تطمئن بأن أحدا لم يسمع الباب يفتح ..
تحركت ببطء خارجة من الباب .. و هي تعيده خلفها بهدوء تحسبا لملاحظة احدهم أنه مفتوح ..
خطوتين فقط قبل أن تطل على الزقاق المظلم .. لتتبين شبح أحدهم فتقول بصوتٍ خافت ..
- فاطمة ..؟!
تحرك الشبح بسرعة نحوها .. لتتراجع هي بذعر قبل أن يسقط ضوء الشارع على وجه فاطمة القلق .. و هي تقول بصوتٍ مهموم ..
- عفاري ..؟
تنهدت عفرا براحة قبل أن تشد على يدها و تسلّم عليها بتوتر ..
- و الله لو حد يدري انيه هنيه ليذبحونيه ..
أومأت فاطمة برأسها متوترة ..
- حتى أنا بس سلـ .. آآآ .. خوية هب في البيت .. و .. شحالج عفاري ..
ردّت عفرا بصوتٍ بائس ..
- الحمد الله .. انتي شحالج .. ليش ما تيينا شرات قبل ..
أطرقت فاطمة برأسها ..
- بخير .. انشغلت ويا الدراسة شوي .. و أماياا ..
- آهاا ..
ثم صمتت لدقيقة كاملة قبل أن تعود عفرا لتسأل بصوتٍ مرتجف ..
- فاطمة شوه سويتي في السالفة ..؟
عضت فاطمة على شفتها و هي تقول بصوتٍ خافت ..
- و الله مادري شوه أقولج يا عفرا .. مستحية منج .. بس عدها السالفة على حطت ايدج .. ما أشووفه .. يظهر من صباح الله و ما يرد الا في الليل .. و مرات يبات خاري البيت ..
وضعت عفرا يدا مرتجفة على فمها ..
- ما رمتي ترمسينه .. ما لقيتي فرصة وحدة ..؟!!!!!
بدت فاطمة خجلى من نفسها .. و عفرا تقول بانكسار ..
- معقولة ..؟
قبل أن تجيب فاطمة بأسى ..
- رمسته مرة وحدة ..
اتسعت عينا عفرا .. و هي تلهث ..
- رمستيه ....؟ متى ..؟
- عقب السالفة بيومين ..
ارتاعت عفرا ..
- و ليش ما خبرتينيه ..؟
سكتت فاطمة مطولا .. قبل أن تقول بصوتٍ خافت ..
- لن السالفة ما تستاهل ..يعني ما لقيت فايدة ..
- كيف ما تستاهل ..؟ انتي رمستيه ..؟ شوه قالج ..
- قال .. رمسة .. فاضية .. صدق عفاري .. الموضوع ما كان يستاهل .. بس أخبرج انيه رمستـ ...
قاطعتها عفرا و هي تلمس تهربا هنا ..
- فاطمة .. قولي .. شوه قال أخوج ..
اضطربت فاطمة ..
- ما عليج منه عفرا .. بيصطلب .. و ان شا الله نحـل الموضـ ....
- فاطمة شوه قال أخوج ..؟؟
- عفـ ..
- خبرينيه .. الصدق كله ..
شدت فاطمة بيدها على غطاءها بقوة ..
- قال .. انج .. كـ .. كذّابة .. و تتبلين عليه .. و ...... و .. عفرا دخيلج ما يحـ ..
قاطعتها عفرا بألم ..
- كملي ..
- قال انج ظاهرة ويا واحد و تبين تعقين بلاج عليه ..
أغمضت عفرا عينيها بقوة لتنهمر دموعها وجعا .. شيء كالنصل راح يمعن الطعن في قلبها و هي تقول بصوتٍ مرتجف ..
- انتي صدقتيه ..؟
- لااا .. و اللــ ..
تابعت عفرا بصوتٍ متهدج ..
- فاطمة شفتي شيلتيه في ميلسكم .. أخوج اعتدى عليّه .. ضيعنيه .. و ضيّع شرفي .. تعرفين شوه يعني اعتدى عليه ..؟ امنوه بيصدقنيه انه السالفة كانت غصب ..؟ بيتحرونيه خايسة .. و الله حرااام .. ما سويتله شي .. ما تدرين .. دمرني .. ذبحني .. كل يوم أموت مليون مرة .. و الحين ياي يتبلى عليّه ..!
بكت فاطمة و هي تقول بحسرة ..
- أدري عفرا .. و الله بحل الموضوع .. بس السالفة يبالها وقت شوي ..
- وقت الين متى ..؟ نحن شهر بس و بننتقل .. خبرينيه .. كم تبين وقت .. سنة .. عشر .. أنا خلاص .. يئست .. يئست ..
بلعت فاطمة ألمها و هي تعدها بصدق ..
- و الله بحل الموضوع .. بأسرع وقت .. بس الحين هو شارد .. ما نشوفه .. مادري هو خايف انج خبرتي حد ..
- ما بخبر حد .. فطووم قوليله .. و الله ما بخبر حد .. بس يصلح غلطته ..
مسحت فاطمة وجهها ..
- خلاص .. بس انتي لا تخافين ..
هزت عفرا رأسها و دموعها لا تتوقف ..
- سيري برايج .. بس لا تقطعينيه فاطمة . و الله اموت و أنا أحاتي ..
- لا تحاتين .. ان شا الله ما يستوي الا كل خير .. بيحلها ربج .. تبين شي ..؟
-لا ..
استدارت فاطمة و انطلقت نحو بيتهم بخطى مستعجلة متعثرة ..
فيما توقفت عفرا لوهلة فقط قبل أن تعود هي الأخرى خطوتين للوراء .. ما إن تركت الزقاق خلفها ..
حتى أطلقت صرخة صغيرة من حنجرتها .. و هي ترى الجسد المستند على جدار الزقاق بهدوء ..
دون أن تعلم بوجوده ..
كان هناك من هو في إنتظارها ..
يصيخ السمع لتلك الحكاية القذرة ..!

أمواج
19-02-2008, 10:47 PM
ياترى منو اللي كان يسمعها ؟ حور ولا غيث ؟

مشكوره أختي على الجزء ويعطيج ربي العافيه

الشقردي
20-02-2008, 10:29 PM
غيث سمع كل شي


مزيد من التشويق


ونحن بالانتظار

.: المــاس :.
21-02-2008, 05:45 PM
ياترى منو اللي كان يسمعها ؟ حور ولا غيث ؟

مشكوره أختي على الجزء ويعطيج ربي العافيه

ان شاالله غيث .. والله يستر من ردة فعله .. :f63:

منوره يالغلا ..


غيث سمع كل شي


مزيد من التشويق


ونحن بالانتظار


والله يعينا ع الانتظار ..

السنافية
21-02-2008, 10:59 PM
تسجيل حضور ،، و مشاركة :)


لا هنتي يا الماس :icon30:

what ever
22-02-2008, 08:54 PM
الخوف انه غيث يكون فهم السالفه غلط ..

احس الفصل هالمره قصير ...


بانتظار الفصل الجاي بشووووق ..

يسلمووو الماس ..

.: المــاس :.
23-02-2008, 11:14 AM
تسجيل حضور ،، و مشاركة :)


لا هنتي يا الماس :icon30:

حااااااااااااااااضرين لطيبين :em03:

وناطرين مشاركتج معانا فالمجالس ^^

الخوف انه غيث يكون فهم السالفه غلط ..

احس الفصل هالمره قصير ...


بانتظار الفصل الجاي بشووووق ..

يسلمووو الماس ..

لا عاد ما ابي الامور تتعقد اكثر من ماهي معقده على المسيكينه عفرا :frown(1):

تسلمين لي ع التعقيب العطر ..

.: المــاس :.
07-03-2008, 01:57 PM
الخطـــــــــــــــوة الخامســـــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }



[ خطوات على شوك .. تُدمى ..! ]









مال أبوها يحادث شيخة الجالسة بجانبه بصوتٍ خافت .. و تعبير من الحنان الدافئ يعلو وجهه ،، فيما أحنت شيخة رأسها للأرض .. ترتدي بنطالا واسعا .. و فانلة طويلة تكاد تصل لركبيتها بأكمام طويلة ..
لم يكن الحديث الهامس يصلها .. فانتقلت عيناها لأمها التي كانت مشغولة بتقطيبة صغيرة في الإشارة لشعر حامد الذي يصل لياقة ثوبه بضيق .. و علمت في الحال أن تأمره بقصّه فيما يومئ حامد برأسه لها مجاريا خطبتها المعتادة بهدوء .. فهو لا يرى شعره بالطول المبالغ فيه ..
عينها تتعلق الآن بأحمد الذي استرخى في جلسته .. مباعدا بين ساقيه و مادا إياها للأمام .. يعيد رأسه للخلف و هو ينظر للسقف بشرود ..
مدت قدمها بخفّة لتضرب بطرفها قدمه الممدودة فينتفض ثم ينظر إليها ..
ابتسمت بهدوء .. و هو يقطب جبينه .. ثم تزحزحت قليلا تقترب منه ..
- علومه بو شهاب ..
رفع حاجبه ببرود ..
- علوم الخير .. من شوي شايفنج و مخبرتنيه قصة حياتج .. !
لكزته روضة بابتسامة ..
- انزين نتخبر ليش زعلان ..؟
- هب زعلان .. تخبري ع راحتج ..
- علومه هزّاع .. من العيد ما شفناه ..
- فنعمة .. بينفجر .. بتشوفينه و بتشبعين منه يوم بتعرسين .. لاصق عندكم في البيت ..
ابتسمت روضة بخجل ..
- أحلى ما في السالفة انيه بشوفك تقريبا كل يوم ..
رفع أحمد حاجبا ..
- قالوا لج ما عنديه شغله ..؟! بعدين انتي بتعرسين و بتنسيناا .. يقولج البنات عليهن منكر .. يوم الوحدة تعرس .. تسير بيت ريلها و تقول هذا بيتيه .. و هذاك بيت أبوية ..! يعني بيتج لي انتي فيه أكثر من عشرين سنة .. استوى بيت أبوج .. !!
ضحكت روضة بصوتٍ خافت ..
- سنة الحياة شوه بتقول .. و لو ها لي مزعلنك .. فالك طيب .. بيتم هذا بيتيه .. و هذاك بيت سيف ريلي ..
ضيق أحمد عينيه عليها ..
- صدق ما تخيلين .. حشمي أخوج يالس .. و تقولين ريلج .. عده ما استوى حبيبتي .. في أي لحظة أكنسل الموضوع أنا ..
رفعت روضة رأسها بغرور ..
- احلف و الله ..!
نفخ صدره ..
- عيل .. أنا مسويله واسطة الإرهابي .. و الا ما وافقوا أهلي .. حتى هب عسب سواد عيونه .. خفت يستهدفنا ..
مطت روضة شفتيها بعدم رضى ..
- ترى ما تعيبنيه هالتعليقات .. وايد بايخة ..
- حلفي و الله .. اذا هو عادي عنده و هب زعلان من السالفة .. انتي شلج ..؟ بس أنا الحين أهيئج نفسيا .. انتي ما تعرفين هاللحية وراها تبعات .. و لا ترمسينيه عنه المطوع هاليومين .. حاقد عليه ..
- هههههههههههه .. تستاهلون .. بعدين تعال بتخبرك .. ليكون رابطينك بذيل هزاع .. أخوه و هو حر فيه .. ما قال لك لا تسافر يا حمود لقطر ..؟!
نظر لها أحمد بغل ..
- حلفي انتي بس .. اولا أنا ماروم أسير مكان بلا هزّاع .. هذا شقيق الروح ..
- ههههههههههههههههههههههههههههه .. شقيق الروح ..؟ منوه حفّظك اياها ..؟
تشدّق أحمد ..
- سمعتها في المسلسل بس لا تخبرين حد .. – ثم ظربها بخفة على كتفها – لا تضحكين .. انا أييبها و أييب لي يابوها بعد ..
- ههههههههه انزين صدقت .. هو قال لهزاع لا تروح .. و انته ضحيت عشانه ..؟
مطت أحمد شفتيه ..
- لا الصراحة بغيت أسوي حركة نذالة و أسير بلا هزاع .. بس غيث درى ان هزاع هب مسافر .. و أصدر أمر بحظر التجوال خارج الحدود .. عنبوه رياييل بلحانا .. و عدهم يتأمرون علينا .. تعالوا و روحوا ..
- لمصلحتكم يا خوية ..
- فكيييينا زين .. مصلحتنا أونه .. شايفتنيه أشرب من مرضعة .. و الا ظاهر من الروضة .. لكن هاي خصلة شينة في العايلة .. كل واحد يتعنطز ع لي أصغر عنه ..
- دكتاتوريين ..؟
- شوي .. و أولهم بو لحيّة .. صاك على خوانه صكّة ..
- شرا ما غيث صاك عليكم .. يبونكم تظهرون رياييل ..
مسح أحمد على لحيته ..
- ليش ادافعين عنه الحين ..
- امنوه ..؟
- بن لادن ريلج ..
- أحمدووووه .. اصطلب .. (يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) *،
- حي .. أثر عليج المطوع .. بالله رويض بس يوم بتسوين ليلة حمرا ع قولتهم و تحطين شموع .. طالعي في اليدار لي عدّاله .. – ثم وضع يده مفرودة أمام ذقنه و هو يحركها طلوعا و نزولا – بتشوفين اللحية داقة يابس ..
احمر وجه روضة بقوة ..
- ما عندك سالفة .. بعدين اللحية بياض ويه الريّال .. اخس ريّال أشوفه واحد يالدها و مافي الويه شعره ..
ربّت أحمد على لحيته بخفة ..
- الحمد الله هب طايح من عينج .. طلعتي داخله على طمع .. تبين لحية الريّال ..!
رفعت روضة حاجبا واثقا و هي تقول بخفوت ..
- سيف ريال ينشرى بفلوس ..
مد أحمد يده يقرصها بقوة ..
- حشمي يا مسودة الويه .. لا أنا نويت خلاص أكنسلها السالفة ..
ابتسمت روضة بهدوء ..
- حبيبي طلع الموضوع من ايدك .. مالك رمسة عقب أبوية .. و بعدين الحين طلعت اعتراضاتك .. ما بقى شي و ينتقلون قوم عميه ..
- مستعيلة على رزقج ..!! بس صدقتي .. ما خاب منطوقج .. سيف ريال ينشرى بفلوس .. ما عليج من رمستيه .. تراها امزوح .. و هو يدري بها .. يسدج انه ريال يخاف ربه في هله .. بيحشمج و لا بياذيج .. و بتظمنين ان عينه ما بتزيغ منيه و الا مناك .. هيه صح ..تعالي متى بينتقلون بني حمد ..؟
- ههه حلوة بني حمد .. يوم توفي أمهم الاربعين ... الحين يرتبون عمارهم .. و سامان البيت .. يعني أول ما تخلّص سيده بيشلون عمارهم .. و بييون هنيه .. أصلا غيث ما فيه صبر .. يبا يرد بسرعة ..
ضحك أحمد بخفة ..
- مالومه الصراحة ..

* * * * *

في لحظة واحدة .. توقف الزمن ،،
الإحساس ..
حتى الهواء من حولها .. لما يعد يصل لرئتيها ..
صرخات تتفجر احتبست في حلقها حين هوت يده الثقيلة تجر شعرها عبر الغطاء جرا ..
جذوره تقتلع تحت قسوة تلك اليد التي دفعتها لداخل البيت بعنف ..
لم تصرخ ..!
لم تستطع حتى التنفس و الألم يندفع في رأسها .. و هي تقاد كالبهيمة ..
نفس الموقف يتكرر في أقل من شهرين ..
تجر للمجلس .. فيما تكافح التقدم إليه بذعر رهيب ..
تحاول التملص من بين يديه ..
لقد سمعها .. سمعها .. لن يعاملها هكذا لمجرد خروجها من البيت في مثل هذه الساعة ..
راحت تتخبط و هو يخطو بسرعة نحو باب مجلس بيتهم المفتوح .. تحاول يدها عبثا إبعاد قبضته عن رأسها و يدها الأخرى تسعى بجنون لتغطية وجهها ..
لكن أنى لها ذلك ..؟ غطائها يسقط على كتفيها و هي تتجاوز عتبة المجلس ..
تأوهاتها و توسلها الخافت لم يلقى صدى لديه ..
- آآآآي .. عورتنيييييييييييه .. ودرنيه .. ودرنيه .. لحظة بس .. بفهمك .. و الله بفهمك .. لحظة .. آآآي ..
قذفها بقوة .. لتصطدم بالجدار المقابل و تسقط أرضا .. شعرت بأضلعها تسحق من قوة الصدمة ..
قبل أن تلتفت بسرعة .. ترتجف بشدّة .. و هي تلتقط غطائها بجنون .. تحاول ستر شعرها ..
و لكن يداها شلّت و عيناها تتسعان بفزع هائل .. حين التقط – العقال – يفرده ..
كان لا يزال بإزاره و الفانلة البيضاء .. شعره الكث تشعث بقوة .. ووجه الأسمر الصلب قسا و قد لمعت عيناه بغضب مجنون ..
راحت تهز رأسها بشهقات مفزوعة و هي تنكمش على الأرض ..
- لا .. لا .. لا ...
لكنه هوى به عليها .. يجلدها ..
مرة .. و مرتين ..
راح الألم يلسع كل جزء من جسدها يلامسه العقال بحرقة ..
و هي تتلوى .. بألم .. و تدفن وجهها بيديها لحمايته ..
- لااااا .. آآآآآآآآآه .. دخييييييييلك .. حراااااام .. و الله ما يخصنيه .. ما يخصنييييييييييه .. لحظة .. بفهمك ..
بكت بشدّة تتوسل رحمته .. و إحدى الجلدات تصيب يدها التي تحمي وجهها بقوة ..
- لاااا .. آآآآه.. بقولك .. و الله بقولك ..
.
.
لم يكن جلدها بالعقال يهدّئ شيئا من النار التي التهبت في صدره .. ما يريده حقا هو قتلها ..
تمزيقها بوحشية .. و دفنها .. ليطوي تلك الكلمات التي سمعها للتو ..
هذه الفتاة عار عليهم .. عليه أن يدفن كلماتها معها ..
أن ينهال بالتراب على تلك القصة القذرة ..
كل ما أراده الآن .. و يده تجلدها بالعقال .. بكل قوّته ..
هو إحاطة عنقها بقبضتيه .. ليهشمه ..
يريد أن يزهق انفاسها .. ان يمزق روحها .. أن يكتم شهقاتها الباكية .. و صوتها المتلوع الصارخ ..
- لاااااااااااااا .. هوووو .. هوووو الكللللب .. و الله ما سوييييييييت شي .. و الله .. و الله .. ما يخصنييييه .. آآآآآه .. الحيواااااااااااااان .. و الله ماليه دخل .. غصبا عنيه ..
راح صوتها يخفت و هي تلتصق بالأرض ساجدة.. فيما تتتابع ضرباته على ظهرها .. و صوتها الباكي اليائس .. يمزق مسمعه ..
- ما يخصنيييه .. ما يخصنييييه .. هو ظربنيييه .. غصب عنيييه و الله .. الكلللللب .. الكلللللب ..
راحت يده ترتجف و قد توقف فجأة .. و الجمود يكسو أطرافه ..
الكلــــب ..؟!
وجهها في الأرض ..
لم يعد بمقدوره التنفس بالانتظام بعد ضربها ..
فيما لا يزال في روحها ذرّات من قوة ..
بقي القليل .. لتزحف باستماتة .. يد واهنة تلتقط غطائها الذي سقط أرضا ..
لتعيده على رأسها بنحيب مفزع .. و تعيده على وجهها ..
مزّق جلدها بالعقال للتو ..! و لا زالت تخشى أن ينكشف غطاء وجهها ..
عادت لوضعية السجود .. وجهها المغطى يلتصق بالأرض ..
و صوت عويلها المخيف أعاده لتلك الليلة ..
نفس ذاك الحطام .. لكنه أمامه الليلة ..
صوت ميّت .. خافت .. مرتعش .. صدر من بقايا تلك الروح المتكومة أمامه ..
- ياااا رب أمووووت .. ياااا رب .. خذ روحيه ..ابااا أرتااااح .. ارحمنيه يا رب .. ارحمنيييه ..
.
.
كفى ..
فلتتوقف الأنفاس .. لم تعد تريد هذه الحياة التي ترتد في رئتيها ..
لماذا توقف عن ضربها ..؟
لماذا ..؟
لا تكترث الآن .. فليقتلها ..
بدا لها الموت راحة لذيذة .. شيئا بعيد المنال ..
أم تراها أمنية قريبة ..؟
لما لا يخنقها .. لن يكلفه ذاك جهدا ..
لن تقاوم .. تقسم أنها لن تفعل .. و لكن فليفعلها ..
لينهي سلسلة الألم هذه ..
لم يعد في جوفها شتات روح قد تحتمل اشراقة شمس جديدة ..!
- صارخت .. محد سمعنيه .. محد سمعنيه .. ليش..؟ شوه سويت انا ..؟ يكفي .. ما روم أتحمل .. خلاااااص .. اذبحنيه .. اذبحنيه ..
راحت الدموع تنزلق مع كلماتها المتوسّلة .. قبل أن يشيح هو بوجهه عنها ..
في لحظة واحدة .. وجدت نفسها وحيدة في المجلس ..
تكورت على الأرض .. تنشج ..
راح بكائها المرير يعلو على أنفسها ..
هي هنا .. على الأرض .. تنتظر موتا .. يبدو أنه يعاندها ..
لن يأتِ ..!
.
.
ذاك الهواء البارد راح يزيد الحرقة التي راحت تتصاعد في جوفه ..
صور مُرّة تعاد الآن أمام ناظريه ..
فتاتها الذي جمعه ذات يوم في نفس المكان الذي أنصت لاعترافها الليلة فيه ..
بكاءها ذاك .. و صرخاتها .. استغاثاتها .. مقاومتها .. و ضرباتها ..
كل ذلك راح يدور أمام عينيه الآن بجنون ..
لم يكن له ان يتخيل و في أسوأ أحلامه طرا أن يكون هذا السبب ..!
لطالما شك في أن هناك خطبا غير تلك القصة التافهة الغير قابلة للتصديق ..
تلك الحكاية الوهمية التي ألقتها على مسامعه زوجته العتيدة ..
أ كانت تعلم ..؟ هل أخفت الموضوع .. ؟ اللعينة ..
ألم رهيب يكتنف صدره .. هو من وجدها .. هو أول من اصطدم ببقاياها ..
بعد فعلة ذاك الحقير مباشرة ..
كيف ..؟ كيف تجرأ ..؟
كيف انتهك عرضهم .. و تحت أنفه !
أين كان هو ..؟
الجنون الذي يتصاعد في ذهنه راح يتفجر داخله في غضب اعمى من جديد ..
راحت قبضته تلكم الجدار الصلب أمامه بجنون ..
يتجاهل الألم الذي سرى في مفاصل أصابعه .. لكمة و اثنتين .. و ثلاث ..
قبل أن يشعر بجلده يتمزق تحت قسوة الجدار ..
فيلصق جبينه عليه بوهن .. و هو يلهث بمرارة ..
رغبة عارمة تكتنفه يريد أن يقتل شخصا ما ..
يريد أن ينهي حياة .. أن يمزق روحا ..
لا يهم روح من كانت ..
عادت نظرته المقهورة نحو باب المجلس ..
حيث تركها للتو ..صوت بكاءها يعود مرة أخرى لذهنه ..
أراد العودة .. ليمزق العقال مجددا على جسدها ..
بأي ذنب ..؟
و لأي سبب ..؟
لا يهم ذلك .. أراد أن يطفئ لهيبه المحرق ..
عيناه تحرقانه ..
و هو يصر على أسنانه حتى كادت تتخلخل ..
رغم ذلك أبت قدماه التحرك ..!
و رغبة أخرى تصارع ثورته ..
لم يرد العودة ليعاقبها على ما لم يكن لها ذنب فيه ..
لكن .. سكوتها .. تسترها ..
كان ذلك خطأ لا يغتفر ..
.
.
لحظات طويلة ..
ممتدة ..
مرّت و هو يستند على الجدار يكبح جماح غيظه .. قهره .. غضبه الأسود ..
قبل أن يلتفت لباب المجلس مجددا ..
يسحب نفسا عميقا ..
لا زال يحتاج لبعض الأجوبة ..!
لذلك دفع الخطوات نحو الباب الموارب خلفه ..
تمتد يده لتدفعه ببطء .. فينزاح جانبا ..
كاشفا خلفه ضيق المجلس الذي انزوت هي في زاويته البعيدة ..
تحتضن نفسها على الأرض ..
و قد أسدلت غطائها الكبير على شعرها و وجهها ..
تنتفض بقوة .. و صوت نحيبها المتقطع يصله بوضوح .. ترك مكانه بهدوء ليجلس على السرير ..
للحظات ظل يترنم بشهقاتها تلك .. بوجع ..؟ ربمـــا ..!
لكنّه قال بصوتٍ أجش انتزعها من غمرة بكاءها ..
- عفــــرا ،،
كتمت أنينها باستماتة مذعورة .. فيما يقول هو بصوتٍ خرج قاسيا رغم هدوءه ..
- قولي الحين .. شوه لي صار ..؟
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أسند مرفقيه على ركبتيه و هو يدفن وجهه بين راحتي يده .. جالسا على السرير .. يخفي عينيه عن منظرها ..
كل تلك الكلمات التي تناثرت من بين شفتيها للتو لتنغرس في صميمه ..
في كرامته .. في رجولته ..
أما كان يجدر به أن يكون هنا لحمايتها ..؟ ألم يترك بيت جده خوفا على هذه العائلة .. و لحمايتها ..
ماذا فعل اذا ..؟ ما الذي فعله باستثناء تلك اللعبة الغبية التي راح يمارسها على زوجة لن يُعجزه إجبارها على الزواج ..
بكائها ذاك لم يعد سوى شهقاتٍ متهدجة .. تهز جسدها المستند على الجدار .. لا يتبين وجهها من خلف الغطاء ..
متقين بأنه لم يعد خلف هذا الستار سوى تمزُّق ،،
سوى شبح..
ذاك الحقد الرابض في صدره.. يسعى لتحطيمها بشكل ما ..
و لكنه يتريث ..
عقله راح يدور بجنون .. يعمل في ذاك الصمت الثقيل الذي لا يخرقه سوى بكائها ..
شيء في داخله راح يتصاعد مع كل أنين يصدر عنها ..يريد أن يخنقها ليتوقف صوتها عن تعذيبه أكثر ..
دفق من الكراهية .. الحقد .. القهر ..
يسري بقوة في عروقه .. راح يهدّ ترابطه ..
من ..؟
من هو المسئول هنا عمّا حدث ..؟
قالت أنه أجبرها على ذلك .. و مظهرها في تلك الليلة لا يدل على غير ذلك ..
يصدقها ..
لماذا هذه الثقة ..؟
و من أين مصدرها ..؟
لا يهم .. يعلم أنها طاهرة .. و أنها انتهكت قسرا ..
هذه الشهقات التي انزلقت من كومة المرارة هناك ..
راحت تمزّق أعصابه بوحشية ..
كأنما تعيّره بما فعل ..
.
.
كان صوته أجشا.. بدا جليّا أنه يكبت رغبات مريرة في صدره .. يكبح غضبا أهوج يربض بين أنفاسه ..
- بس خلاص .. صخي ..
لكنها لم تستطع السيطرة على شهقاتها المتتابعة .. ظل صوتها ينفلت نشيجا مرهقا من بين شفتيها ..
شيئا أثاره أكثر فأكثر ..
لن يفيدها أن يحطّم وجهها الآن أبــدا .. عليها أن تتوخى الحذر حتى يهدأ ..
بدا صوته أكثر غضبا و هو يزمجر ..
- بااااااااس أقووولج .. صخي .. ما اباا أسمع نصخج ..
شهقت بقوة تبتلع بكائها وجسدها يرتجف كالورقة الخريفية المتراقصة ..
حتما ستدهس تحت الأقدام ..
ستتفتت .. و تتناثر ..
لتذروها الريح بعيدا ..
حيث لا أذى ..
ما الذي أوقفه عن قتلها ..؟ لا زالت تلك الرغبة تنبض بقوة ..
متأكد بأن لا ذنب لها .. كل ما ترى عينيه يشير لذلك .. كل ما سمع بأذنيه ..
تلك الليلة الغريبة ..
يعلم أنه لا ذنب لها .. و لكن ذلك لا يخمد نيرانه ..
هي وصمة .. وكفى ..
كيف و لماذا .. و ذنب من .. لا يهم ..
عليه فقط أن يهدأ .. أن يهدأ ..
عليه أن يستخدم عقله ..
الانفعال لن يفعل شيئا سوى تعقيد الأمور و فضحها ..
أغمض عينيه بقوة يسحب نفسا عميقا .. لبرهة فقط شعر بالإختناق وكتلة ثقيلة شائكة .. من كلماتٍ لا تروى ..
تسد حلقه .. قبل أن يخرجها بحشرجة .. وعينيه الحمراوين تلمعان بشيء يكبحه في جوفه ..
- أبا أعرف .. حد يدري ..؟ حور تدري ..؟
تمنى لو أنها تجيب بنعم .. تمنى ذلك بشدة ..
أراد فقط أن ينهض من مكانه ليقتحم بيتهم ثم يجرها من شعرها كما فعل بأختها قبل قليل ..
كم سيسره أن يمزّقها على استغفاله بهذه الحماقة ..
لكن صوتها المتقطع رغم خفوته حمل إجابة واضحة ..
- لااا ..
صرخ بها حاقدا ..
- لا تكذبين ..!
بكت مجددا .. و في صوتها الهامس نبرة يائسة .. أثقلت على روحه ..
- و .. و الله .. ما تعرف .. محد .. محد يعرف .. ما خبرت حد .. و الله ماخبرت حد ..
اعتصرت قبضة من الأسى فؤاده .. و هي تتابع بانكسار مؤلم ..
- كنت خاا .. خايفة .. خفت .. مادريت أخبر منوه ...؟
قال بمرارة راحت تنفث قهره ملوحة في فمه ..
- كان خبرتينيه .. ليش ما خبرتينيه ..؟
لم تجبه .. ترتج أركان جسدها مع كل شهقة تخنقها ..
.
.
تخبره ..؟!
من هو لتفعل ذلك ..؟
ليس سوى غريب يشاركهم السكن بحجّة لم ينجح في تحقيقها ..
أما كان له أن يحميهم ..
إمتداد حمايته لم يبلغها إذا ..
كان يجلس الآن متصلبا .. عبر الغطاء لا تتبين سوى وجه إسودّ من الغضب ..
و عينان بدتا تنفثان لهبا ..
شعرت بالوهن .. إن فكر في اللحظة التالية في قتلها لن ترفع إصبعا واحدة لتقاومه ..
لربما يمنحها هدّية عظيمة و يقوم بذلك متعجلا ..
كم ستشعر بالراحة بعدها ..
أي شيء يمكنه أن يصلها بعد الموت ..؟
لا شيء إلا جزاء من رب العالمين ..
هذا الرجل انتزع تلك التفاصيل القذرة من بين أسنانها .. يعلم كل شيء ..
هذا الغريب الذي لا يعني لها شيئا يدرك حجم مصيبتها و الفضيحة التي كانت تخفي ..
الخطب الذي خجلت و خشيت من إخبار أختها الأقرب لها .. غدى أمرا معروفا له ..
أغمضت عينيها بيأس شديد .. أي ذلٍّ قد يفوق هذا ..؟!
انتفض جسدها المتورم من الضرب و صوته الخشن يقول بقسوة ..
- ما فكرتي تقولين لحد ..؟
- كـ .. كنت بخبر حور ..
ثم أجهشت مجددا بالبكاء ..
- بس ما رمت ..
صرخ فجأة بقوة أجفلتها ..
- لا تصيحين .. و ردي عليه ..
ضغطت بيدها على فمها و الدموع تبلل غطاءها ..
فيما هب هو ينقل قدميه في المجلس الضيق ..
بدا كالليث الحبيس و هو يدور بيأس في المكان .. ابعاد يده عنها ..
و عدم التهجم عليها مجددا توجب منه قدرا كبيرا من ضبط النفس .. و ها هي النيران تلتهم صبره مجددا ..
- اسمعي .. و اسمعينيه عدل .. الرمسة لي بقولها مابا عيدها .. الموضوع مابا حد يدريبه .. و الله .. ثم الله .. لوأدري انج رمستي به بينج و بين عمرج .. ينه الذبح ما يسدنيه منج .. تسمعين ..؟
صرخ بالجملة الأخيرة بغضب مجنون ..و هي تومئ برأسها مع انفلات شهقة متلوعة ..
ها هي السيطرة ستولي بعد قليل .. أغمض عينيه بشدة .. كابحا رغبة مميتة في اقتلاع شعرها من جذوره .. و ركلها حتى تموت ..
همس بقوة ..
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
عاد ليجلس على طرف فراشه..و عينيه ترتكز عليها وهي تكتم أنفاسها و لكن ذلك لم يوقف ارتعاش الجسد و إحساسها ..!
فطر قلبه مظهرها .. شيء في تجردها هذا من الحياة أعاده لأيام أجبر فيها مرارا على ابتلاع أوجاعه .. و آلامه ..
على المعاناة بصمت تحت وطأة الخوف ..
لم أرسل القدر هذه الفتاة إلى طريقه ..؟ كل ما فيها راح يستفز مواطنا خفيّة من الروح ..
أشياءً جاهد على مر سنين عمره الطويلة في طمسها ..
في انتزاعها من الذاكرة ..
كان صوته عميقا .. يحمل ثقلا كبيرا يجثم الآن على صدره ..
نظر للأرض متجنبا النظر إليها ..
- الموضوع أنا بحله .. انا بحله .. كل شي لازم يتصلح ..
و لكن كيف ..؟
هذا حتما ما سيفكر فيه لاحقا ..

* * * * *

دفعت كرسيها ذو العجلات بقوة خارج الغرفة حين راحت أصواتهما تتعالى بقوة لتصلها ..
لكن ما إن بلغت الممر حتى فُتح باب غرفة أخيها الأكبر بشيء من العنف .. لتخرج أختها الكبرى منها مندفعة ،،
كان شعرها البني اللامع قد ارتخى في عقدة ناعمة على قمّة رأسها ،، ليحتضن رقة ملامحها التي انكمشت بألم واضح فيما راحت عبراتها تتدفق بلا توقف ..
اتسعت عينا ميعاد لرؤية أختها تبكي .. فارتجف صوتها و خولة تشيح بوجهها متوجهه لغرفتها ..
- خولـــــــة ..؟
- خولة ..!
كانت تلك صرخة نهيان الصادرة من الغرفة التي خرجت منها خولة للتو .. قبل أن تغلق الاخيرة بابها بقوة .. ثم يصدر تكّة ناتجة عن دوران المفتاح فيه ..
دفعت كرسيها تتقدم من باب غرفة الجلوس المفتوح .. لتتوقف أمامه ناظرة لنهيان الذي أخفض غترته على وجهه باستياء أخافها ..
- نهيـــان ..؟
أزاح نهيان الغترة ليكشف وجهه المتجهم .. عاقدا حاجبيه ..
- ميعاد ..؟
دفعت كرسيها بقوة نحوه و صوتها يرتجف بقلق ..
- بلاكم .. شوه مستوي ..؟
امتعق لونه لبرهة قبل أن يشيح بوجهه متجاهلا عينيها ..
- و لا شي .. ما رقدتي ..؟
قالت بتوتر تتجاهل سؤاله ..
- نهيااان شوه السالفة خبرنيه .. ليش خولة تصيح .. حد استوابه شي من خوانكم .. حد قال شي ..؟
- قلت لج و لا شي .. لا تخافين .. سيري رقدي ..
نظرت له ميعاد بلوم ساخط ..
- ماباا .. و مابا اتحرك من هنيه الا يوم تخبرنيه .. لا تخبّي عليّه .. ارمس ..
نظر لها مطوّلا قبل ان يزفر بقوة .. محملا أنفاسه شيئا من ثقل همّه ذاك ..
- اليوم واحد من الربع في الدوام كان يرمس عن موضوع .. يعني عن الزواج و كذيه .. و تكلموا عن زواج المتعة ..كيف انه بنية الطلاق .. و شكّيت في ..
صمت و هو يعتصر غترته بيده و ميعاد تنتظر أن يقول شيئا .. ثم تحثّه باصرار ..
- شكيت فشوه ..؟
نظر لمواطئ قدميه يقول بصوتٍ متألم ..
- اتصلت بمطوع و خبرته ظروف زواج أختج .. و انها هي و ريلها بيتطلقون أول ما يرتبون أمورج ..
اتعست عيناها صدمة .. و هو يتابع بشيء من الألم ..
- قال إن الزواج باطل ما دام بنيّة الطلاق .. حتى و لو لم يكتب هالشرط في العقد ..
شحب وجه ميعاد بقوّة و هي تهمس بصوتٍ متقطع ..
- بـ اا .. باطــ .. باطل ..؟؟
اومأ نهيان برأسه أسفا و هو يقول بصوتٍ متألم ..
- الزواج لازم يكون زواج طبيعي .. او يطلّقها .. و يخليها تشوف نصيبها .. خولة هب صغيرة .. لي بعمرها .. عندها درزن عيال .. نحن طاوعناها و طاوعنا غيث عشانج يا ميعاد .. بس الحين خلاص .. العلاقة غلط .. و الزواج باطل .. أنا برمس غيث و أشوف شوه رايه .. و الين ما يقرر .. تنسى انه حرمته .. العقد لي بينهم ما يعني شي ..
ارتعشت دمعة في مقلتها و هي تعجز حتى عن النطق ..
زواج باطل ..؟
باطل ..؟! باطل ..؟!
أين ألقت بأختها ..؟
لم تتخيل و لو مرة أن ....
يا إلهي ..
و كأنما تلك الفاجعة المؤجلة أقبلت تهرول على قدمين ..
ستدوس حتما كل أمل لأختها مع زوجها ..
كل حلم سخيف رسمته لن يصبح إلا غبارا ..!
خياران تعلم أن غيث لن يتردد كثيرا في الجزم بينهما ..
فهو لم يكن الا مضطرا للزواج منها .. و لن يضريه أبدا أن ينحيها جانبا إن أصبح الموضوع أكثر تطلّبا ..!
يديها المرتجفتين راحت تدير عجلات الكرسي للخلف ..
تخرج من الغرفة لتتقدم نحو باب أختها .. تلك الشهقات الباكية تنسل من تحت الباب و ميعاد ترفع يدها بألم لتقرعه ..
هي السبب .. هي السبب ..
ما كان لغيث أن يتزوجها لولا أنه مضطر لزيارتهم كثيرا .. حتى في غياب نهيّان ..
دوما كانت خولة تشعر بالخجل من زيارته .. تظل حبيسة غرفتها لساعات ما زال هنا ..
و كان يشعر إبن أخيها الذي أخذ يتردد عليهم بعد فترة طويلة من معرفته بوجودها بالحرج ..
و يحس بالضيق من احتمال أن يعيق حركتها في البيت .. او التواجد فيه و أخوها ليس هنا ..
حتى أتى أمر السفر ذاك ..
ذاك الموعد الذي حدده طبيبها الكندي للكشف على ساقيها بغيّة فحصها .. خوفا من أي عطب سيصيب تلك العضلتين الواهنتين
ساقيها اللتان لا تتجاوزان ساقي طفل في سمكها .. رغم طولها الطبيعي ..
لطالما شبّهتها في صغرها بعودي معكرونة مسلوقين ..
و كم كان يؤلمها مرآها ..
لم يكن الأمل يختبئ في مكان ما لتنتظر أن يخرج مفصحا عن نفسه ..
تعلم أنها عاجزة .. تماما ..
لا تستطيع الوقوف .. و لا المشي .. لن تركض كالأطفال .. و لن ترقص كالفتيات ..
لن تتباهى بمشيتها أو ما ترتدي ..
ليس لها حتى أن تمني نفسها بأحلامٍ كسيحة .. كل شيء في حياتها يتربع على هذا الكرسي .. لا تحركه إلا عجلات ..
و كان السعي إلى آخر العالم لمجرد الإطمئنان على ساقين نحيلتين .. لا فائدة منهما مجرد اهدار للمال و الوقت ..
لكن أباها لم يكترث ..
أصر على ذهابها .. و لم يكن سفرها إلا بعد شهرين من عمليّته الخطيرة تلك ..
ثم ماذا ..؟ من كان سيرافقها غيره ..
ابن أخيها الأكبر ..
ذاك المتعجرف الذي ظهر ذات يوم على باب بيتهم يطالب برؤية ابنة جدّه ..
لا تنسى قسوة تلك النظرة التي راح يسلّطها بكراهية نحوها .. متأملا جلوسها الصامت ..
حين راح ينفث حقده و صدمته .. و اعتراضه المتأخر .. كلماتٍ وقحة .. دفعت شجارا كلاميا ليشتعل بينه و بين نهيان الذي سرعان ما رافقه لخارج البيت طالبا منه عدم القدوم إلى هنا مجددا ..
تلك النظرة الكريهة على وجهه و هو يخرج .. أعلمتها بأنه لن يعود إلى هنا ..
و كم كانت مخطئة ..
لقد عاد ..
كثيرا .. ما فعل ذلك ..
بعدها بيومين فقط .. أتى نهيان للبيت يصطحب ذاك الرجل معه ..
هل اعتذر أبدا عن قسوته ..؟
هذا ما لا تعرفه ..!
في تلك المرة كان جافا ..و لكنه أكثر هدوءا ..جلس لمدة ساعتين ينظر اليها بصمت ..
و كأنما يدفع عينيه للاعتياد على مرآها ..
مر وقت طويل .. طويل للغاية .. قبل أن تجد نفسها على وفاق معه ..
و لم يكن ليجد مشكلة في السفر معها حينها .. لولا استحالة مرافقة أختها الكبرى لها مع غياب محرمها ..
ثم رمى هو الحل في وجوههم .. سرد اقتراحه ذاك بنفس البرود الذي يشرب به قهوة الصباح ..
طلب من أختها الزواج مقيدا الأمر بينهم بكرسيها هي ..!
و أعطاها الحريّة في أن تتجاهله .. و أن تغطي وجهها عنه ..
و تعامله كغريب ..
تتذكر الآن هياج نهيان و رفضه الشديد .. إعتراضها هي ..
و لكن خولة لها كلمة أخرى ..
أصرّت على المضي في الأمر ..
لم يكن لديها أدنى فكرة أين سيرمي بها هذا الزواج ..
و الآن ..؟!
باطل ..؟!
تبـــــا ..
ذلك سيسحق مشاعر أختها ..
رفعت يدها تقرع الباب مرات عديدة ..
و صوت خولة المبحوح يرتفع بحدّة ..
- ماريد أرمس حد .. خلونيه اروحيه ..
ضمت ميعاد قبضتها .. و دمعتين متمردتين تتطفلان على وجنتيها و هي تناجي بتعاسة ..
- خولة .. بطلي الباب برمسج شوي ..
لكن الصرخة تلك أصرت على ما تريد ..
- ماااااااااااااااااريـد .. ماريد أرمس حد .. مااااريد ..!

* * * * *

بعيدا ..
بعيداعن كل شيء ..
أوقف سيارته في أقرب مكان يمكن لها أن تجتازه عبر هذه الكثبان ..
ليترجل وحيدا عنها ..
يسير ببطء و قدميه تنغرس بين ذرّات الرمال الباردة ..
خيوط النور ترتعش بردا على حدود الكون ..
و الهواء يعبق برائحة الحياة ..
الحياة التي يمقتها في هذه اللحظة ..
لا يريد أن يشتم رائحتها النافذة مع نسائم الفجر الباردة التي اخترقت رئتيه الساخنتين ..
ليتمرد إنتعاش يومٍ جديد على تلك الكآبة التي ارتسمت بخطوط عريضة على جبينه ..
الريح الباردة .. تحرك ثوبه الثقيل .. تعبث بشعره الكث الطليق ..
تتحدى شموخ ذاك الأنف الذي رفعه و هو يصعد تل الرمال الصفراء ..
ليجلس على قمّته العالية ..
يشخص ببصره للسماء للحظات طويلة ..
السماء الداكنة ..
لم تمزق ستار ظلماتها سهام الفجر بعد ..
لكنها قد نالت من أفق دامي ..
صوت خوار .. صياح ديك .. و غثاء يأتي من البعيد .. البعيد ..
و تلك نجمة الصباح معلّقة لتزيّن السماء الزرقاء القاتمة ..
كيف تنظر الأمر من هذا العلو يا ترى ..؟
أتراه بالصغر الذي يراها به الآن ..؟
.
.
منهك ..
منهك ..
منهك ..
يخلع حذاءيه الفاخرين ببطء .. ليدس قدميه بين ذرات الرمال الباردة ..
لو كان للجنون معنى .. فهو ما يحدث الآن بين أضلعه ..
يتنازعه قهر .. و غضب ..
يمزقه ذنب عظيم ..
و يقتله ذاك الهدوء الذي ينتابه الآن ..
هذا الصمت الذي لا يفضح فوضى ما يشعر به ..
أحاسيسه و أفكاره المتخبّطة ..
فكرة واضحة تجلّت أمامه ..
وصورة ضبابية ليده الثقيلة و هي تهوي - بالعقال - على جسدها الضعيف ..
صيحاتها المتوسلة وهي تمزّق روحه ..
قبضة من تربة يعتصرها في يده ..
و ألم غريب راحت يسري في داخله ..
شيء من الحزن يتسلل ببطء لروحه ..
حين ضج سمعه بكلماتها اليائسة ..
(( يارب أموت .. يا رب ارحمنيه ))

تفكيره الآن بما قد تكون مرت به ..
خوفها .. حزنها .. وجعها ..
تلك اللحظات المريرة التي أعاد تمثيلها بالأمس ..
تستنجد به ..
وتتوسله أن تشرح ..
لم يكن بحاجة أن تشرح له .. حتى مع علمه بأنها ليست مذنبه ..
أراد شيئا يطفئ غليانه ..
غيرته التي لم ينفس عنها سوى على جلدها ..
ضغط براحتيه على عينيه ..
ذاك الحثالة سيجده ..
و سيندم على ما فعل ..
لن يكفيه تمزيقه إربا بأسنانه ..
عندها سيبرد هذا الغضب قليلا ..
سيسلط عليه جحيم ما يخالجه الآن ..
و سينتزع من عينيه سوء فعلته تلك ..
أما عنها ..
ماذا عنها ..؟ ما الذي سيفعله ..
هذا ما يحتاج للتفكير فيه ..
لكنه سيجد حلا لهذه المعضلة ..
سيعلم كيف عليه أن يحل الموضوع بهدوء تام ..
الأهم هنا هو التكتم ..
فكرة أن يعلم جده أو أعمامه .. أو أي حد بالموضوع .. لم ترق له ..
هناك الكثير من التبعات التي ستلحق بها ..
الكثير من الأذى الذي يمكن تجنبه ..
الحذر يجب توخيه الآن ..
حين يحين الوقت ..
سيفجّر غضبه كلّه ..
.
.
كل هذا لم يزح الضغط الهائل الذي ترزح تحته روحه ..
و هو يرفع رأسه مستنشقا الهواء ..
و يدفن قدميه أكثر بين الرمال ..
كم سيستمتع باقتلاع عيني ذاك الحقير ..
صر على أسنانه بشراسة حاقدة ..
سيمزّقه ..

* * * * *

اتسعت عينا مزنة و هي تفرد أصابعها و تثنيها مرارا ثم تنظر للأعلى بتفكير عميق قبل أن تميل رأسها أخيرا لحور ..
- يعني باقي عشر أيام .. صح حور ..
هزت حور رأسها مشغولة بالكي الذي بين يديها ..
- صح حبيبتي ..
هبت مزنة واقفة و اقتربت من حور تجلس بجانبها تماما ..
- و بنشل ثيابنا ويانا ..
- هيه ..
تساءلت الطفلة مجددا ..
- و البطانيات ..
عقدت حور جبينها تثني ثوب نايف الأسود .. الذي كان غيث قد اشتراه مع جموعة أخرى كبيرة من الثياب ..
ذاك القرب و التفهم الذي يغدقه على أخيها يخلّف إحساسا دافئا في قلبها ...
- لا حبيبتي عندهم بطانيات ..
- بيعطونا بطانيات نرقد عليها ..
اخفت حور ابتسامة ..
- هيه بيعطونا ..
- و الثياب بيعطونا ..
تنهدت حور مجددا ..
- لا بنشل ثيابنا ويانا ..
- انزين وين برقد انا عندكن و الا عند امايا ..
طوت حور الثوب الاخير تجيبها بحزم ..
- مزون فديتج هاك اليوم يصير خير .. بعدنا فبيتنا الحين ..
اسندت خدها بيدها الصغيرة و هي تقول بابتسامة ..
- حور بيتهم كبير ..
أطفات حور المكواة و اسندتها على الجدار.. قبل أن تجيب نورة التي تستلقي تحت التلفاز مباشرة و ترفع قدما على طاولة التلفاز ..
- أذيتيناا انتي .. عنبوه هب شايفة خير ..
نهرتها حور حين رأت انكماش أختها الصغرى ..
- مالج حاية فيها .. و نزلي ريلج ..
أنزلت نورة قدمها و هي تهدد ..
- بعد شوي بتسيرين تسوين الريوق .. بنشوف كيف بتستقوي هالياهل ..
الآن بدا الخوف على وجه مزنة و حور تصر أسنانها بغيظ ..
- نورة اصطلبي .. ما في فوادج رحمه .. عنبوه دوم و انتي ملعوزة هالمسكينة ..
التفتت نورة نحوها تشهق بمبالغة ..
- مسكيييييييييييينة ..؟ إلااا سكييينة .. ما تعرفينها هاي أم الدويس .. ما يضيع لها حق ..
وقفت مزنة خلف حور و هي تقول بتحدي ضعيف ..
- انتي أم الدويس ..
- هيه أنا أم الدويس .. بييبه داسي و انتي راقدة و بحش ريولج .. و خلاف بذبحج كذيه ..
و كشّرت بشراسة و هي تمرر يدها عرضا على عنقها .. لتصيح حور بضيق ..
- نوووروووه .. افففففف منج .. كبري عقلج ..
- ماروم الصراحة .. هو ينمو بروحه .. مزنة منوه هالشيبة لي واقف وراج ..
و تظاهرت بالخوف مع تصلب مزنة الحذر ..
- يماااااه طالعووو ريوله .. ريول حماااار ..!
أطلقت مزنة صرخة خوف مروعة و هي تبتعد قبل أن تتلفت حولها .. و هي تلهث باكية ..
- كذااابة .. نورة كذااابة .. حووور قوليلها تخوفنيه ..
قبل أن تقول حور شيئا تنهدت نورة و هي تعود للاستلقاء و رفع قدمها على الطاولة ..
- أنا هب كذابة .. كان وراج سيده .. و شفته يأشر يقول بييج يوم ترقدين .. أوووف ما شفتي ريوله كيف .. كانها ريولج مزنووه .. قصدي كانها ريول حماار .. طبعا انتي انسانه هب حماارة .. الا اذا انتي حمارة و انا مادري .. انتي حمارة ..؟؟
تقدمت حور لتنزل قدمها بقوة من على الطاولة و هي تنهرها مع ارتفاع صوت بكاء مزنة ..
- أقسم بالله يا نورة .. لو ما تودرين حركات النذالة هاي يا تندمين .. أذيتي البنية .. أذيتينا .. اففف .. خلينيه أسمع صوتها .. و الله لداويج ..
رفعت نورة حاجبا و عيناها تتعلقان بالتلفاز ..
- ما تلاحظين آنسة حور انج عصبية هالايام حبتين ..؟؟ اذا متضايقة من شي لا تفكين حرتج فيّه ..!
أغمضت حور عينيها تهدئ من نفسها ..
- يا صبر أيوب .. متى حطيت حرتيه فيج آنسة نورة ..؟
أجابت نورة بسرعة ..
- ما حطيتي حرتج .. بس انتي على وشك فعل ذلك ..
صفقت بيدها بحماس ..
- سلااااامي بس على وشك .. مادري كيف طلعت وياي .. المهم .. بعدين حنانج على ناس .. أشوفج تراعين و ادارين عفرا .. و لو بيدج يبتي سعفة و يلستي تهوينها .. و نحن النا السب و الهزاب .. تقولين عيال البطة السوداا .. ما تسويلنا سالفة ..
شهقت حور بقوة ..
- أنا ما سويلج سالفة .. و منوه لي عاطنج اجازة اسبوع من شغل البيت عشان امتحاناتج يا الشيخة .. انا أستاهل .. لو فينيه الخير كان خليتج اتشلين دورج في المطبخ غصب .. لنج هب ويه يماله ..
- انزين هاي عفرا من شهر ما تسوي شي ..
- عفرا تعبانة .. تعرفين انها أمس ما رامت تنش من مكانها .. و تشتكي من ظهرها و بطنها ..
عادت صورة عفرا بيدها المتورمة و الكدمة الزرقاء على جانب وجهها أمام عيني نورة ..
كانت قد سقطت بالأمس في الحمام بقوة على يدها لتنال ضربة أخرى على وجهها ..
أما آن لحوادث هذه الحبيبة أن تنقضي ..!
- أدري و الله أدري .. بس أغاار أنا .. عطيني حنان ..
رفعت حور حاجبها ..
- و كيف أعطيج حنان ان شا الله ..
قالت نورة بابتسامة واسعة ..
- ابتسامة .. ضمة .. كلمة و لا جبر خاطر ..
قطبت حور ..
- انقلعي زين .. يوم بملك عليج ذكرينيه بس ..
ضحكت نورة و هي تتنهد ..
- لو أنا عفرا .. كان عطيتينيه حنان .. بس شوه نقول ..
لوحت حور بيدها ..
- خلي عنج .. يوم انج فاضية نشي شوفي لج شغله ..
رمشت بأهدابها في براءة ..
- عنديه امتحان علم نفس .. لا تنسين انيه ثنوية عامة ..
- عندج امتحان علم نفس يام ثنوية عامة و يالسة هنيه ..؟
التفتت نورة للتلفاز ..
- هيه أغير جوو .. لو أنا عفرا كان خليتينيه أغير جوو ..
و ضحكت بصوتٍ مرح ..
- شكليه بعلق عليها ..
ثم استقامت في جلستها بسرعة و حور تتوجه للمطبخ ..
- لو أنا عفرا كان عطست ..
و عطست بقوة .. لتعقب العطسة بمدة طويلة متعمدة ..
- تشووووووووووو هووووووووووووو ..
ثم حكت أنفها ..
- لو أنا عفرا كان قلت الحمد الله .. وين مزنة .. أخخ .. شردت .. ما عليه اليايات أكثر ..
ثم وقفت لتطفئ التلفاز و تتوجه لغرفتهن ..
أمام مقبض الباب مباشرة توقفت يدها عن المسير ..
ببطء .. ببطء ..
راحت تتصاعد ..
تتضخم ..
ثم ،،
تبخّرت تلك الابتسامة المرحة و عبرة كالشوك تسد حلقها ..
ثقل هبط على قلبها .. و هي تزيح كل شيء جانبا .. و صورة وجه أختها تطفو أمامها في الفراغ ..
ما الأمر ..؟
أين رونق الحياة ..
بريق من الإحساس ..
لماذا لا ترى في مقلتيها إلا انعكاس الإنطفاء ..؟
كيف أصبحت فجأة مجرد طيف باهت .. يعمل على أوراق الدراسة بلا كلل ..
يحصر وقته في صمتٍ بين دروس تعزله عن العالم ..
ذاك البهتان لا يعجبها .. تكره خطوط يأس بلا معنى تحفر في أيام اختها ..
في كلماتها ..
في ضحكاتها الباردة ..
ابتسامة أصبح لها رنين صدئ ..
لا تحمل للفرحة صوت ..
ما الأمر ..
أصبح هذا يزهق أرواحهم جميعا هنا ..
يقتلهم مرارة على حالها ..
صدقا أختي .. ما الذي فعلها .. او من فعلها ..
من دثركِ تحت أتربة أحزانٍ مجهولة ..
.
.
ليش قلبج يا بعد عمري حزين والله مب لايق عليج هذا الزعل
يا حلاتج يوم انتي تضحكين.. افتحي قلبج وقولي وش حصل؟
من تجرأ من قطف هالياسمين؟ من حرمه الزين قبل لا يكتمل؟
منهو ارخص قيمة الغالي الثمين؟ ويدري انه في عيوني له محل
ومن يقول الورد ما يقطر حنين؟ ومن يقول اته وسط قلبي ذبل؟
.
.
ما نطقت بشي وانا ميت حزين.. والدمع من فوق وجناتي همل
قمت اشاهق ما ابي نوحي يبين .. كني خيل باعلى صرخاته صهل
.
.
في بعض الاوقات اقعد مستكين بس افكر لين يذبحني الملل
بالفعل قطفوا زهور الياسمين
قطفوا الزهرة قبل لا تكتمل **

* * * * *






<<

.: المــاس :.
07-03-2008, 02:01 PM
تتمـــة




عينيه القاسيتين كانت تجول في وجهيهما .. و جسده الكبير يستريح على الأريكة التي يألفها ..
هذا المنزل بشكل ما منزله ..
فيه فرد مهم من العائلة ..
و زوجته ..!
هه ..
أين هي هذه الليلة ..؟
إعتاد أن تهرول بلهفة كي تستقبله و تفتح الباب .. لا يرى لها أثرا الآن ..
رفض شرب القهوة .
و اكتفى باعتكاف الصمت .. عيناه تبحث عن إجابة ما لهذا الاستدعاء الغريب .. و لهذا التوسل الصامت في عيني ميعاد ..
و للتوتر الغريب الذي اكتسح جسد أخيها ..
لكن مهلا ..
ليس هو من سيسأل هنا .. سينتظر .. لا يهم كم من الوقت .. لكنهم سيتكلمون ..
و كأنما شعر نهيّان بما يفكر فيه استعجل بالقول و هو يفرك لحيته ..
- أكيد مستعيب ليش متصلبك يا بو سيف ..
رفع حاجبا .. و هو يهمهم بعدم اهتمام ..
- هممم ..؟
بدا أن هذه الاستجابة الباردة غير مشجّعة البتة ..
لكن نهيان تابع بصلابة أكبر ..
- الموضوع وايد مهم و ما كان ينفع إننا نرمس فيه بالتيلفون ..
هذه مقدمات تضجره .. لذلك التوت شفتيه بابتسامة باردة ..
- ارمس يا نهيان .. شعندك ..؟
صمت خيّم بعد هذه الكلمتين .. قطع أي طريقة للتمهيد .. لذلك مرت لحظات طويلة قبل أن يرفع نهيان عينيه ببطء ..
- يا غيث أنا اتصلت بمطوع اليوم .. و سألته عن حكم الزواج بنيّة الطلاق .. و قال إنه باطل ..!
تعلقت عينا الإثنين بوجهه الجامد الذي لم يبدو عليه أثرا واحدا لأي تأثر .. قبل أن يقول بهدوء ..
- انزين ..؟
قطب نهيان قبل أن يشرح ..
- زواجك بخولة كان بنية الطلاق .. يعني أول ما ترتبون أمور ميعاد كل واحد بيروح فطريقه ..
أعاد الكلمة بابتسامة كريهة ..
- انزين ..؟
شعر نهيان بأنه يستفزّه .. ضيق كبير راح يمد أوصاله بين أضلعه ..
أخذ نفسا عميقا و علة وشك شرح أهم نقطة ..
و أكثر جزء يضايقه في الموضوع .. شعر بأنه أمام ملامح غيث المتهكمة قد يرخص بأخته بشكل ما .. لذلك قال بقوة .. ليخرج صوته غاضبا بشكل ما ..
- الزواج باطل .. يعني لازم نصلّح الوضع ..
ضيّق غيث عينيه .. متجاهلا نظرة ميعاد الصامتة .. كأنها ستضغط عليه بشكل ما ..
- و كيف تبا تصلح الوضع ان شا الله ..
إنه لا يسهل الأمر أبدا ..!
أغمض نهيان عينيه لثانية قبل أن يفتحها و يقول بهدوء ..
- يعني لازم يكون الزواج طبيعي .. بنيّة شرعية .. في الارتباط و مواصلة الحياة ويا بعض ..
سحب نفسا عميقا مع اتساع ابتسامة غيث الماكرة .. قبل أن يستطرد ..
- و الا تطلق ..
أصدرت ميعاد صوتا متقطعا . قبل أن يسود الصمت ..
تعلّقت عينا الإثنين بوجه غيث .. الذي انحنى للأمام يسند كوعيه للركبتين و يعقد انامله بنظرة متكبّرة ..
.
.
تجنب متعمدا النظر لوجه عمته .. لن تؤثر فيه هذه المرة .. لن تفعل ..
تزوج تلك المرأة من أجلها ..
جميلة .. بل فائقة الجمال لا ينكر ..
لكنه لا يريدها .. يعلم كم هي متلهفة للحصول عليه ..
و لا يبالي بذلك البتة ..
لا تهمه ..
و هذه الخدعة الرخيصة التي يحاول أخاها من خلالها أن يحشره في الزاوية لن تنجح أبدا ..
لذلك تجنب النظر لميعاد و هو يرفع رأسه ليقطع السكون الذي جثم عليهم مطوّلا .. و يقول ببساطة ..
- خلاص .. و لا يهمّك ..
ثم هب واقفا و عينا ميعاد تسترخيان لبرهة .. فيما تلين ملامح نهيّان .. ليقول هو ببرود ..
- ورقة أختك بتوصلها باكر ..
شهقة ميعاد المصدومة .. و شحوب نهيان أكدت له أنهما كانا على ثقة بأنه سيضطر للزواج بها ..
لكنه لم يكن ليفعل ..
لديه إمرأة واحدة ..
لا تضاهي أختهم في شيء ..
لكنها تكفيه ..
و ليس بحاجة لغيرها ..
لذلك استدار بهدوء حين شعر بثقل دموع ميعاد .. و الخيبة التي علت وجه نهيّان تؤنّبه ..
ترك مكانا هنا ..
سيجد صعوبةً في العودة إليه لاحقا ..
.
.
أطرق الهدب وجعا .. لتنزلق تلك العبرتين الدافئتين على وجنتها ..
لم تلتفت لأخيها ..
لا داعٍ لذلك .. فلا ينقصها أن يمزقها اللوم على محيّاه ..
كل لديها فتات ..
القليل .. القليل من الأمل ..
بأنه سيكون شهما .. و لم يتخلى عن أختها بهذه البساطة ..
حتى و لو كان هو من فرض تلك الحدود سابقا ..
شعرت بأن رجولته قد تمنعه من تركها ..
رغم تجاهله إياها .. رغم نفوره ..
خيط من رجاء انقطع الآن بلا مبالاته ..
كيف لخولة أن تواجه الأمر ..
كيف ..؟
و كيف لها هي أن تعيش مع الذنب الذي راح يخنقها ..
يكتم أنفاسها ..
رحماك يا ربي ..!
.
.
.
.
عينيها تخترقان النافذة الزجاجية و هي تراقبه بحب ..
ظهره العريض يوليها إياه و هو يمشي بتلك الطريقة الواثقة ..
يقطع الطريق لسيارته المتوقفة أمام البيت ..
قلبها يخفق بعمق .. ما يحمل هذه الليلة ..
هل أخبروه ..؟؟
تضخم الخوف مجددا في صدرها .. و اللوعة ..
توسلت ربها أن نهيان تراجع و لم يخبره بالأمر ..
و تعلقت عيناها بلهفة تلقي نظرة أخيرة على ملامحه التي بدت غامضة إثر المسافة و الظلام ..
حين راحت السيارة تتراجع في الطريق الداخلي لخارج المنزل بسرعة .. ارتعش فؤادها وجعا ..
و هي تخنق دموعها باستماتة ..
شيء ما أنبأها بأنها تراه للمرة الأخيرة ..!
لذلك تلامس بأناملها الناعمة برودة الزجاج و هي تغمض عينيها ببطء ..
آذنه لدمعة باردة أن تنزلق على خدّها الصافي ..
هل علم بالأمر ..؟
ما الذي سيقدم عليه ..؟
سيتركها ..؟
هل سيفعل ..؟
.
.
ليه أحـــس إني وأنا اشوفــك حزين
وقــلبــي الـلـيـلــه بــهـــمــي ممتـلــي
كانهـــا الفــرقى طلبـــتك حـــاجتين
لا تـــعــلــــمنــي ولا تـــكـــذب عـلــيّ
خـلنــي مــا بـــين شكــي والــيقيــن
الــسـكــوت رضـــــاي عنــك وزعلــي
بــاكــر الـلــي خـــافــيٍ لازم يبيــن
والــوعــــد بـلقــى مكـــانك بــه خلــي
وانتظــــــر لــي ليلــة او لـــيلتيـــن
لين مـا يـقـفـــي الـسحــاب وينجلـــي
ولا طويت اليـــاس بـذرف دمعتين
للـهــوى الــغــــالــي وبـا وادع هـلـــي
صاحبي بمـــــوت من كثر الحنيـن
خــلـنــي بــخـــتـــار لــحظـــة مقتلـــي .. **
.
.
انتفضت مع طرقات الباب الذي انتشلتها لتمد أصابعها الطويلة مرتجفة و تمسح دمعتها تلك ..
قبل أن تبتلع حزنها و تجلي صوتها الرقيق ..
- امنوه ..؟
أجابها صوت نهيّان الأجش ..
- أنــــا ..
خطت بسرعة نحو الباب تفتح لأخيها .. انتفض قلبها ذعرا من تلك النظرة المتجهمة على وجه أخيها الصامت ..
حدّق فيها لبضع ثوانٍ مؤلمة ..
قبل أن تنزلق الكلمات من شفتيها ..
يائسة .. يائسة .. يائسة ..
- خبرتوه ..؟
انتظرت بأسى قبل أن يومئ نهيان برأسها .. و بريق الحزن في عينيه ..
لم تسأله هذه المرة ..
وحده غرس ذاك النصل في روحها ..
- يقول ورقتج بتوصلج باكر ..
.
.
انفجر قلبها ..
شظايا تبعثرت في جوفها آلاف القطع ..
لتشد على الباب بقوة حين راحت قدميها تعجزان عن الوقوف ..
و تعتصر جفنيها باستماتة ..
تمنع طوفانا من الدموع كان على استعداد للنزف لحظة الرحيل ..
لم يفكر حتى في الأمر ..
آثار زهق الأمل ببساطة و تحطيمها ..
.
.
إلهي ..
لا تريد أن تنفجر الآن .. لا تريد أن تتهاوى الروح في لحظة الذل هذه ..
لا ترغب في أن يركع الإحساس متوسلا بقاءه ،،
هي أبوابٌ للرحيل شرِّعت ..
هي مواكب للمضي تنتظر ..
تنتظـــــر ،،
تنتظــــــــر ..
و موطن في الروح استفحل فيه حبه ..أراد أن يُقتَطع منها ..
ليلتصق بظله الذاوي الذي استدار دون أن تراها ..
يهديها التفاتة ظهر أقفا .. عازما الإبتعاد ..
.
.
يمنحها أمنية كاذبة ..
و دمعة ..
و رحيل ..!

* * * * *

( و بهذا فكل إرتفاع للدخل لا يعني سوى إتساع ابتسامة التاجر الجشعة .. و ثقل جيبه .. هل يزداد مدخول الفرد هنا .. أم ان المقصود ليس إلا ازدياد ارباح المنتج .. و كيف للمستهلك سد حاجاته مع تزياد الاسعار الذي راح يلتهم الاخضر و الاحمر من العملات النقدية .. تلك البيضة الذي قد يحتاجها الطفل لاكمال هرمه الغذائي
.. او ليس من الاجدر استبدالها بدجاجة تسكن السطح ليضمن الواحد منا على الاقل ان الدجاجة لن ترفع انفها مطالبة بزيادة في الحَب مع كل فلس يضاف لتحفيزنا .. ام ان الدجاجة اصبحت حكرا على التجارات الداخلية ايضا .. اذ لن يضري نساء – الفريج – ان يخفضن نصف القيمة و تقديم عروض خاصة على كل بيضة تباع بين الجيران .. كيف لنا مقاومة طوفان ارتفاع الاسعار يا ترى .. لن ترك اعمالنا بلا شك لمقاطعة المنتجات و زرع ما نحتاجه في - حوش - البيت هذا ان استطاع اطفالنا مقاومة اقتلاعها .. حتما سياتي الوقت الذي نجد فيه ان كيس - الصمون - ليس سوى رفاهية لا تحتملها الميزانية .. هل سنجد حينها فنون زوجات الجيل الجديد في صنع - الخبز رقاق - نافعة ..!! )
.
.
- ساخر ..!!
قالتها بابتسامة و حاجب مرفوع .. قبل ان تلتقط كوب القهوة لترتشف منه جرعة كبيرة .. القت نظرة لا مبالية على ساعة يدها .. قبل ان تتسع عينيها بدهشة .. تجاوزت الساعة فرصة الغداء .. التفتت للمكتب الخالي جوراها .. كانت زميلتها قد تركته بصمت ..
الحقيقة انها لم تبني علاقة طيبة مع هذه الزميلة التي تشاركها الغرفة اطلاقا ..
بل رفضت ان تتدنى للتفكير حتى في التبادل مع تلك العجوز صاحبة النظرة المنتقدة .. رغم يقينها بانها لا تتجاوز الخامسة و الثلاثين الا انها بدت في الستين بحجابها الثقيل و ذاك الوجه الجاف .. و تعاملها الرسمي الكئيب .. لن تنسى عوشة قط نظرتها المتمعنة و لمعان الاحتقار في مقلتيها حين التقتها للمرة الاولى .. تلك البلهاء .. لا تعلم ان بامكان عوشة ان تشتريها و تشتري كل هذا المكان بنفوذ عائلتها ..
هه .. تلك الغبية ..
رغم هذا كله لا تنكر انها تسبب لها ازعاجا كافيا مذ حلت مقيمة في هذا المكتب ..
استطاعت استبدال مكتبها بواحد جديد و جهاز الحاسوب القديم بواحد أكثر حداثة ..
تشعر بتفوق مع ابراز كل تلك المزايا التي تمتلكها و يقدمها المال بسهولة ..
ربتت على سطح المكتب باناملها البيضاء الناعمة في رضا ..
لن تنكر ان جمالها يلعب دورا خلاقا هنا .. فرغم هذه العباءة المغلقة ،، و شعرها الذي تدسه بعناية تحت غطائها ..
إلا أن ملامحها الفاتنة لا تخطئها النظرات الملهوفة ..
تلك العجوز الشمطاء تكره نظرة الموظفين المعجبة لعوشة ..
خصوصا ..
أوه او كان عليها ان تفكر فيه ..
ها هو المغفل الوسيم اتى يهرول على عجل .. و نفس النظرة الجائعة تبرق في عينيه .. ليستند على حافة الباب بجسده الضخم ..
- مساء الورد ..
قالها بصوت تعمد ان يكون خشنا .. فيما تنهدت عوشة ..
المغفل .. انه قد يبدو كالذبابة امام غيث ..
لكنها اجباته بنعومة و هي تهب من على مقعدها في احترام كاذب تخفض اهدابها الطويلة في خجل مصطنع ..
- مساء النور .. هلا استاذ فلاح ..
ارتكزت عيناه النهمتين على تفاصيل وجهها المكشوف .. و قد ساعدت عباءتها السوداء و غطائها الداكن ذو النقش الوردي في ايضاح اللون الزاهي الذي صبغت به وجهها ايضا .. قبل ان يقول ببطء ..
- هلا بج زود .. شحالج انسة عوشة ..
- يسرك الحال استاذ .. احم .. شحالك ..
بدت ابتسامته جشعة بشكل ما .. اشعرتها بالقرف ..
- بخير يعلج الخير .. حصة وينها ..
القت نظرة اشمئزاز على المكتب الخالي بجانبها ..
- ظهرت تتغدا ..
- و انتي ..
- انا شوه ..
- ما بتتغدين ..
كانت تهدئ نفسها بصبر .. لازال بامكانها احتمال ثقل ظله قليلا .. لا تنكر انها تستمتع بهذا الاعجاب .. و لكن ان حاول ان يتمادى معها .. ستكون سعيدة بان تريه حجمه ..
اوه كم سيرضيها ذلك .. لذلك تخلت بهدوء عن خجلها الخادع و هي ترفع حاجبا ..
- لا .. اسوي ريجيم ..
حدج جسدها الملفوف بالعباءة بنظرة متمهلة قبل ان يعلق بخبث ..
- ما شا الله .. ما يحتاي ..
نفسا عميقا .. و نظرة محتقرة متكبرة .. قبل ان تقول و هي تنظر له بتعالي ..
- استاذ فلاح .. عندك شغل هنيه ..
ابتسامته الخبيثة لم ترق لها ..
لم ترق لها البتة ..
- مشغولة ..
ردت بوقاحة ..
- عطلتنا ..
ضحك بملئ فمه ..
- عطلتج .. عن شوه .. انتي ما عندج شغلة احين الا متابعة مقالات الكتاب الكبار عدنا ..
صرت على اسنانها بغيظ .. تكره ان يذكرها احد بذلك .. بدت و كانها تافهة بلا قيمة ..
- ما عليه اسمحليه استاذ .. لكن المقالات مالت الكتاب الكبار لي - و ضغطت على الاحرف بحلاوة زائفة - عندكم و اتابعهن اهم عن سوالفك الفاضية ..
فجاة اختفت ابتسامته الكريهة ليتصلب جسده الضخم و انتصب ليبدو اكثر طولا ..
- سوالفيه فاضية .. ما شوفج اشتكيتي قبل ..
و راح يمرر عيناه عليها من القمة الى القاع .. شعرت بشكل ما ببؤس غريب ..
لماذا حشرها في زاوية رخيصة بتلك النظرة المحتقرة .. جلست على كرسيها بهدوء .. و اشاحت بنظرها للجهاز امامها ..
تستطيع ردعه برد لاذع .. و لكنها احجمت عن ذلك ..
تكره ان تكتسبه عدوا لها .. و هو من الادارة .. هذا التافه .. الحثالة ..
لن يستطيع ان يجمع ربع ما يملك والدها و لو سعى لذلك طوال عمره ..
تعلم ان خلف هذه الثياب الفاخرة .. و المظهر المنهدم فقر مدقع ..
راحت تصدر صوتا عصبيا باظافرا على سطح الطاولة .. فيما يحدق هو فيها دون ان يرفع عينيه ..
فجاة شعرت بانها ستقفز لتقتلع تلك الكرتين النهمتين من مقلتين .. السافل ..
لكنها نظرت نحوه بادب لتقول بهدوء مستفز ..
- استاذ فلاح .. المكتب مكتبك .. لو عندك شي لا تخلينيه اشغلك ..
مرت لحظة متوترة قبل ان يرميها بابتسامة غريبة كرهتها .. و يستدير تاركا اياها لوحدها .. لتسحب نفسا مجنونا ..
تبا له .. تبا له ..
يخيفها كما يفعل الكثيرون باهتمامهم المتحذلق ..
لا تبالي و ان ابدى الملايين اعجابهم ..
اللعنة ..
لا تكترث ..
لا تريد سوى رجل واحد ..
رجل لا يتقن سوى تركها في منتصف الشوق ..
تنهدت ببطء .. الأحمق .. حتما سيأتي اليوم الذي يتلهف هو الآخر لها ..
تشاغلت بما يلمع في الشاشة من كلمات ..قبل ان تتلفظ بالإسم مرة أخرى ببطء ..
- قلم حر .. آمممم ..
ضيّقت عينيها بحدّة ..
غمار الكلمات الذي تخوضه مع هذا القلم مجنون ..
لا شيء تخرج به كالمتعة التي تخلّفه مقالاته الجريئة..!

* * * * *

هوت قبضته على المكتب بقوة و هو يصيح بصوتٍ رددت صداه الجدران لامرتفعه بغضب ..
- كيف ما لقيتوووه ..!!!!!
فرك بطي يديه بتوتر و هو يتجنب النظر لوجه رئيسه الذي احمرت عيناه بغيظ ..
- ما قلت ما لقيناه .. بس نحن مراقبين المكان من اسبوعين و الريال ما ظهر صوب هذاك البيت ..! تيلفونه بطاقة مدفوعة ما انروم نراقب فاتورته ..
- و رقم لوحة السيارة ..؟
- ندورها .. بس يبالنا شوي وقت .. طال عمرك انته قلت انك ما تبا حد يحس انك تباه .. و نحن متكتمين على الموضوع .. بس لو تعطيناا وقت شوية ..
صاح غيث بقهر ..
- وقت .. كم من الوقت تبون .. من اسبوعين و انتو ادورونه و الين الحين ما لقيتوووه ..
صمت بطي دون أن يرد عليه .. خشي ثورة غيث الذي راح يدور في المكتب بجنون ..
ذاك الحثالة لا يزال طليق ..
هاربا ..
هل يعلم بأنه قد اكتشف الموضوع ..
أ لذلك لاذ بالفرار و لم يستطع ايجاده حتى الآن ..؟
شعر بشيء شيطاني يتلوى داخله ..
سيجده .. حتما سيفعل ..
و حين ينال من تلك الحشرة ..
سيسحقه ببطء ..
سيرى كيف يكون الموت مجرد أمنية ..
حين يواجه مصيرا أسوأ من الموت ..!

* * * * *


تدير عينين ضجرتين في أرجاء المقهى الجامعي .. و هي تسترخي في مقعدها الخشبي .. قبل أن تعود لتستقر على شاشة هاتفها التي أضائت معلنة عن مكالمة صامته .. فتلتقط هاتفها فورا ..
- هااا هدوي .. مساعة يالسة أرقبج .. هيه في الكوفي ..
أغلقت الهاتف دون كلمة أخرى .. أحسنت فعلا بالإحتفاظ بتلك الفتاة كرفيقة ..
فلولاها لوجدت نفسها تتخبط وحيدة .. تكره أن ترى تلك - الحمدان - أنها بلا أصدقاء دونها ..!
شخصت بصرها نحو باب المقهى الذي دُفع للتو ترتقب دخول هدى .. لكن عيناها تجمدت على تلك المجموعة التي دلفت للتو ..
هه .. ماذا ..هل تجسدت أفكارها يا ترى ..؟
لم تخطئ عيناها التقاء تلك النظرات الكريهة التي سلّطت على وجهها مباشرة ..
و لا ذاك الوجه الذي كشّر أمامها باحتقار ..
جمدت ملامحها بلا مبالاة واضحة و هي ترفع حاجبا متحديا .. قبل أن تتقدم حمدة مع المجموعة التي تحيط بها و تجلس على طاولة ليست ببعيدة منها ..
لحظات فقط لتجد شيخة نفسها تبذل جهدها لتجاهل وجودهم .. فقد أخذن يضحك بصوتٍ عالٍ حين راحت حمدة تلقي بتعليقاتٍ خبيثة و عيناها لا تفارقان شيخة .. تحاول شغل ذهنها بأي شي .. لتصم أذنيها عن وقاحة حمدة و تنسى تلك النظرات الفضولية و المشمئزة التي توزعت بين طاولتها و طاولة حمدة ..
لن يفيدها حقا أن تنقض على تلك الفتاة و برفقتها ما يقارب العشر فتيات ..!
كانت يداها قد تقبّضت بقسوة .. و تصر أسنانها .. تأخرت هدى .. تأخرت كثيرا ..!
صوت حمدة راح يدفع صور شتى لذهنها .. تلك الرؤى المشوّهة ..
أمام عينيها الغائمتين الآن .. أوجــه ممطوطة .. و أصوات شتى تتداخل في ذهنها .. ضحكات .. و همس قبيح يدنو من أذنها ..
قهقهات مزعجة تمتزج بذاك الصخب الذي اعترى روحها ..
حين راحت الأنفاس تتصارع في صدرها ..
و قبضتها تشتد ..
نبضات قلبها راحت تضج في أذنيها .. تصمّها عمّا حولها ..
فيما يرتخي جفنيها ببطء ..
ببطء ..
تلك الظلال الثقيلة تكسو كل شيء أمـامها ..
تجثم على روحها ..
تثقل عليها .. و قد بدا أن كل شيء راح يتحرك ببطء ..
ببطء ..
- شيخة ..؟؟!!
انتفضت و قد انتشلها الصوت المتساءل من ذاك المستنقع الذي كانت تغرق فيه منذ لحظات ..
لتجحظ عيناها في حملقه غريبة ..
قبل أن يعود الصوت ليتساءل مجددا من خلفها ..
-شيخة علي ..؟ شيخة علي سيف ..؟؟
أدارت رأسها ببطء اتجاه مصدر الاستفهام .. وهن غريب اعترى روحها و هي ترى ذاك الوجه الغريب .. استطاعت بأن تخرج صوتها الغليظ أجشا ..
- نعم ..؟
قالتها و هي تنظر للفتاة الواقفة خلفها .. جالت ببصرها على جسد الغريبة السمين ..
من هذه ..؟ احدى صديقات حمدة ..؟
التفتت نحو طاولة الأخيرة باحتقار مرّ .. قبل أن تقول الفتاة بصوت طفلة مبتهج و ابتسامتها تتسع لتنتفخ أوداجها بسرور ..
- و الله شكيييت انيه غلطانة ..!!!
ثم انحنت تسلم على شيخة بسرعة .. فيما بدا العجب يخالط الضيق على وجهها ..
- شيخووووه .. تغيرتي .. لو ما سمعت اسمج في المحاظرة اليوم .. ما عرفتج .. قصيتي شعرج يا الهبلة ..
كانت كلماتها واضحة .. متضايقة ..
- منوه انتي ..؟
اتسعت عينا الفتاة قبل أن تضحك مجددا ..
- كلوديا شيفر .. أفاا .. ما عرفتينيه .. بس ما لومج .. شكل الريجيم عطى مفعوله ..
و أطلقت ضحكة مبتهجة اخرى .. واحدة رنّانة دفعت الكراهية لوجه حمدة التي كانت شيخة تختلس النظر اليها ...
- شيخوووه .. ما عرفتينيه ..؟
ضاقت ذرعا بهذه الفتاة ما خطبها .. من هي ..؟
- لاااا ..
- صدق هوش و ما تبين في عيونكن يماله .. خاصتن انتي يا أم مديحة ..
تلعثمت شيخة بحيرة ..
- أم .. مديـ ..
قبل أن تتسع عينيها بدهشة كبيرة و هي تتساءل بعدم تصديق ..
- أسماا ..؟ أسماا خميس ..؟؟
ضحكت الفتاة بانتصار ..
- و الله ما تين الا بالسب ..
لم تكن تنظر شيخة أو تهتم بوجه حمدة التي راحت تراقب المنظر من بعيد بتعبير مبهم ..
كل ما يهمها هو ..
حقا ..
من أين أتت هذه الفتاة بعد تلك السنوات ..!!

* * * * *

تدفق السائل الأبيض من فوهة الإبريق ليملأ الكوب .. يتصاعد البخار منه و نورة تمرره لحور التي كانت تجلس بجانب عفرا على فراشها .. و هي تهز كتفيها ..
- من ناحية زعلانة .. فأنا زعلانة .. و وايد زعلانة .. بس هب لا زم أصيح عسب يعرفون الناس انيه حزينة يوم بفارق بيتنا ..!
ثم التقطت قطعة خبزٍ ساخنة و هي تقضمها .. ثم تنتفض بتمثيل ..
- بناات و الله البرد موت هالمرة ..!!
هزت دانة رأسها موافقة و هي تحتضن كوبها بين راحتي يدها لتدفئها ثم تضعه على رجلها ..
- آآآه .. و الله صدق برد .. يقولون شبه الجزيرة العربية بينزل فيها ثلج عقب عشر سنين ..! بس هالمرة البرد خايس .. أول نستانس يوم نشب الضوو ..
ارتشفت رشفة من كوبها بشيء من الألم ..
- الله يرحمك يا بويه .. وايد أشياء تغيرت ..!!
قالت حور ببرود .. و هي تراقب المها التي راحت تخط بقلم على كتاب كبير بين يديها ..
- بعدج ما شفتي شي .. وايد أشياء بتتغير ..
ابتسمت نورة بهدوء ..
- قصدج يوم بننتقل ..؟
التفتت حور لعفرا و كأنها تسألها رأيها ..
- و الانتقال شي هين ..؟ كل شي بيتغير .. بيتنا .. و الناس لي حولنا .. طريقة حياتنا .. كل شي ..
ردت عفرا بهدوء .. و نظرة جامدة ترتسم على وجهها الشاحب ..
- و لو اتغير كل شي .. ما يهم .. أهم شي يحافظ الانسان على نفسه .. و ما يتغير لن الظروف لي حوله تغيرت ..
اتسعت عينا دانة باهتمام ..
- لا حبيبتي .. التغيير مطلوب لو كان القصد منه التأقلم مع ظروف حياتنا المطلوبة ..
عقدت عفرا جبينها بتعب ..
- ما اختلفنا .. شرط انج ما تغيرين مبادئج و تسلخين نفسج عن كل شي كنتيه .. لنج تبين تتأقلمين مع الجو لي حولج .. يعني لو ما توافقت روحج مع الظروف بتغيرين ذاتج ..؟
هزت دانة كتفيها ببساطة ..
- يمكن .. هاي حور غيّرت ذاتها ..!
أخفضت حور الحليب الذي كانت تشرب منه ..
- متى غيرت ذاتي يا الهبله .. و اشدراج انيه غيّرت ذاتي أصلا ..؟
التقطت دانة خبزة و هي تأخذ نفسا عميقا قبل أن تقول بحذر ..
- أدري .. يعني انتي ما تحسين انج غيرتي ذاتج ..
شخرت حور ساخرة ..
- أقول دانة علمي .. تعرفين أصلا شوه غيرت ذاتي يعني ..؟
- يمكن لا .. بس انتي غيرتي وااايد من أفكارج و قناعاتج ..
عقت حور ذراعيها باستهزاء ..
- انزين يا فيلسوفة زمانج .. و كيف غيرت أفكاريه و قناعاتيه ..؟
أصبحت دانة أكثر دقة الآن ..
- تبينيه أقول ..
- قولي ,,
- و لا بتعصبين ..؟!
- شوه بتسبينيه ..؟
- لا ..
زفرت حور بضيق ..
- ارمسي زين ..
أجالت دانة نظرها فيمن حولها بفخر ..
- انتو شاهدين .. غصبتنيه أرمس .. - ثم رفعت حاجبها - و جنت على نفسها براقش .. اسمعي مدام .. حور .. في نقطة فاصلة في حياتنا .. توقفتي انتي عندها .. و ودرتي وايد أشياء .. و يوم تجاوزتيها كنتي غير .. يعني غير عن حور لي نعرفها ..
ضحكت نورة ..
- يا عيني .. شهالتعبير ..
- جب .. عدنيه ما خلصت .. انزين حور .. خلينا نعتبر موت أبوية النقطة .. قبل ما يموت .. كنتي مغصوبة على ريلج .. ما يعنيلج شي .. و ما تحبين طاريه .. أهل أبويه .. ضمير غايب .. ما نرمس عنهم .. ما ندري بهم ..
ثم ضغطت على مخارج الأحرف مع نظرة الإهتمام التي راحت تعلو وجوههن ..
- و ما يعنون لنا شي .. كنا وايد نضحك .. و وايد نلعب .. مع انه ابويه ما يحب هالشي .. عايشين حياتنا يعني ..
سألت عفرا بصوتٍ مبحوح ..
- و الحين ..؟
لوحت دانة بيدها ..
- لأ .. بعدنا ما وصلنا النقطة المهمة .. يوم توفى أبويه كل شي تغيّر .. أهل أبوية دخلو في السالفة .. في يوم و ليلة .. صاروا هم أهل الميت .. و العزا فبيتهم .. عيالهم يراعوناا .. و بنتهم تزورنا .. و أخيراا .. ريل بنتنا لي مالك عليها سنة و نص .. يظهر على الساحة و يسكن عدنا .. و يتقرب منا ..!! و فوق هذا كله يبونا نسكن وياهم الحين ..
حكت نورة ذقنها بتفكير و هي تقاطع دانة ..
- هيه و الله أنا حتى فكّرت .. و قلت لج دانة تحيدين ..؟؟ ليش ما يكون أبوية هو لي كان الحاجز لي بيناا و بينهم .. و عقب موته هالحاجز انهار ..
ثم هتفت بسرعة .. حين رأت التجهم و الغضب على وجه أخواتها باستثناء المها التي كانت لا تزال تنظر للكتاب الذي بين يديها بشرود ..
- حوووه لا تفهمنيه غلط .. أنا قصديه .. يمكن كانوا خايفين من أبوية .. و الا أبوية هو لي رافض قربهم .. بس ..!
استرخت حور في مكانها دون أن تفارق عينيها الضيقتين وجه دانة ..
- انزين آنسة دانة .. و كيف غيرت قناعاتي ..؟؟
رفعت دانة سبابتها و هي تقول بتحذير ..
- انتي قلتي ما بتزعلين ..
أومأت حور برأسها ..
- ما بزعل .. اتحفيناا .. دانة علمي ..
فردت دانة أصابعها تشير لها ..
- واااحد .. كنتي ما تدانين قوم يدي .. أهل أبوية تكرهينهم .. كم مرة رغتي ولدهم من البيت .. هذاك شسمه ..؟ مادري .. المهم .. و الحين ..؟؟ الحين بننتقل بيتهم .. بنودر بيتنا و بنعيش وياهم .. و انتي .. يعني ..
ترددت قبل أن تقول بسرعة ..
- عادي عندج حور ..!!!!!
رفعت حور حاجبها ببرود .. فيما استمرت نورة و عفرا في مراقبة هذا الحوار المثير للاهتمام ..
- و اثنين ..؟
- اثنين .. ما كنتي تحبين طاري ريلج .. لي ملك عليج و من سنة و شي ما شفناه .. فجأة غديتي تيلسين وياه .. ترمسينه .. تروحين له .. يعني ..مادري .. - ثم سألت بحذر - تحبينه ؟؟
إحمر وجه حور على الفور .. و صوتها يتحشرج ..
- ما يخصج .. خليج في تحليلج ..
لكن نورة هي من تكلّم الآن بحماس ..
- تونيه قلت لكن .. يمكن أبوية كان الحاجز .. يمكن هو ما خلى غيث يتصل بحور و الا يشوفها ..؟
أمسكت حور رأسها ..
- نورة دخيل أمج .. انتي و تحليلاتج الغبية .. لو ما يباه يتصلبيه و الا يشوفنيه .. ليش يوزني اياه غصب ..؟
صفقت نورة مجددا ..
- يمكن أبوية ندم .. و الا يبا يتحدى أبوه .. و الا ..
قاطعتها حور بغيظ ..
- و الا يمكن هذا لي فراسج قوطي صلصة هب مخ .. اففف ..
مطت نورة شفتيها تصب لها كوبا آخر من الحليب ..
- أنا أستاهل .. يوم انيه أحلل الكن الموضوع .. اشوفج مستانسة برمسة دانة ..
ربتت حور على صدرها بسرعة .. و هي تقول بغية اسكاتها ..
- انزين آسفين أخت نورة .. دانوووه .. خلصينيه .. تراج بتسيرين تودين كشرة المطبخ انتي و نورة ..
ارتخا كتفي دانة باحباط ..
- حووور .. الدنيا تمطر الحين ..
-لا .. لا .. وقف المطر عقب المغرب .. بسرعة .. و ثالثا ..؟؟؟؟؟؟؟
صمتت دانة لبرهه قبل أن تقول بتفكير ..
- ثالثا .. انتي تغيّرتي .. يعني أول تصارخين .. و تضحكين .. تلعبين .. و ترابعين في البيت .. مادري .. أحسج الحين هادية .. وااايد هادية .. هب حور لي نعرفها قبل ..!!
نظرت لوجه حور الجامد للحظات طويلة .. اعقب كلام دانة صمت بارد .. فيما شعرت حور بنظراتهن تتعلق بوجهها .. حتى المها الصامتة راحت تراقب الوضع الآن ..
أعادت حور كوبها للصحن أمامها ببطء شديد .. قبل أن تعتدل مرة أخرى .. أجالت بصرها فيهن .. ثم ركّزت نظرها على دانة ..
- أولا .. دوام الحال من المحال .. الشي لي مرينا به هب شويه .. أبويه فجأة يموت .. و أميه تعبانه .. و أنا أروحيه لازم أدبر حاية البيت و خوانيه .. و أراعي أمي المريضة .. أصعب فترة مرت بيه كانت هاييك الفترة .. حسيت انيه عاجزة .. و خايفة .. شكيت انيه يمكن ما أعرف أدبر عمريه .. و لا أدير البيت و لا أربي خوانيه .. منوه بيصرف علينا .. و المعاش بالموت يسد البيت ..؟ منوه بيتابع نايف يوم يكبر و بيغدي ريّال .. امنوه الرقيب عليكن .. منوه بيربيكن و بيوزكن ..؟ يوم توفّى أبويه .. طاح كل شي كان يشلّه على ظهره .. مسؤوليات و حمل ما كنا نقدره .. و لقيت عمريه لازم ألعب هالدور .. بس كيف ..؟ أنا اروحيه كنت خايفة ..
ابتلعت غصّتها و احساسها بالألم يأتي مع تلك الذكريات ..
- وايد خايفة .. غير الحقد لي حسيت به يوم العزا ما كان فبيتنا .. كرهت العالم .. و كرهت أهل أبوية .. حسيت انيه ما شوف الا سواد الدنيا .. الحزن .. الكره .. و مستقبل قداميه ما أعرف شوه يايب ليه وياه ..
عضت نورة على شفتيها بقوة .. و نظرتها الممزقة تحكي أي وجع خلّفته كلمات أختها ..
- فيه حد قاليه عقب موت ابويه الله يرحمه .. ان كرهي للغير ما بيفيدنيه .. لكن التسامح يمكن يجنبنيه المشاعر الخبيثة لي يمكن أحس ابها .. الرمسة هاي يوم انقالت ما عنتليه شي .. بس عقب فترة فكرت ابها .. يوم قوم ابوية تدخلوا فحياتنا .. كنت أبا أطردهم .. اباهم يبتعدون عنا .. و يتمون ناسينا .. بس مع الوقت عرفت انيه هب قدهم .. هم أعمامنا .. و أحق ابنا .. و أي ريال فيه نخوة ما بيخلي أهل أخوه بلا والي .. أول مرة حسيت بسلطة العم ..!!! بعدين .. رياييل .. و كبار .. و أهل خير .. ما يصعب عليهم شي ..
التفتت لدانة بابتسامة حزينة ..
- يعني الاستسلام حزتها ما كان الا تفكير سليم .. لو تميت أعاندهم شوه بيصير ..؟ بيينيه طراق يطير مخي .. و لي يبونه غصب بيصير ..! أنا مادري بظروفهم .. و لا بظروف القطاعة لي بينا و بينهم عسب كذيه شفت انه من الأفضل انيه أفهم كل شي حوليه قبل لا أحكم ع الأمور .. بيتمون أهلنا .. لو بينا و بينهم ثار .. أمايا تقول انها ما تعرف شوه السالفة .. مع انيه أشك انها يمكن تاخذ ريال بدون ما تعرف أسراره .. و أمايا عذيجة نفس الشي .. فيه شي صار.. و محد يبا يرمس عنه ..! بس أكيد بعرف شوه هو ..
ثم تساءلت بألم ..
- بعدين منوه قال ان موضوع انتقالنا عادي ..؟ أنا أعرف السالفة هاي من يوم سكن غيث عدنا .. كم .. سبع شهور ..؟ سبع شهور و أنا على نار .. هب رايمة أرمس .. و لا أخبركم ... تعرفين شوه يعني أخلي البيت لي عشت فيه .. كبرت فيه .. و تيتمت فيه ..؟ و أنا أدري انه حياتنا كلها بتتغير .. بس ساكته .. لا تحكمين على شي ما تعرفينه ..
أصبحت أكثر هدوء و هي تخفض بصرها .. تعقد أصابعها في حجرها ..
- أما عن مشاعري لريلي .. فأعتقد هالشي خاص فيني .. و ما برمس عنه .. يكفي أقولج انيه أعرفه الحين عدل .. و أعرف انه هب شرا ما كنت أتوقع ..
كانت نبرتها متحدية أكثر مما كانت تريد ... رأت انعكاس ذلك في وجه دانة الذي احتقن بلونٍ قاني .. و شيء يشبه عبرة احتبستها خلف حدود الجفن .. و صوتها يهمس ..
- حور .. ما كــان قصدي و الله .. أنـــا ..
قاطعتها حور بسرعة و هي تشعر بأنها قد أثقلت على نفس أختها .. لتخفض رأسها و هي ترفع عينيها لوجه دانة بنبرة لطيفة ..
- دندن فديتج .. أدري شوه كنتي تقصدين .. بس أنا كذيه بسرعة أتنرفز من هالسالفة ..!! ما عليكن منيه .. خبرنيه شوه شعوركن و نحن بنودر البيت و بنسير بيتهم ..؟؟؟
شيء يشبه الأمتنان الكسير غشى مقلتي دانة .. و نورة تجيب بسرعة لتغيير دفة الحديث ..
- قلنالج زعلانين .. بس بعد الحزن في القلب .. بس تدرن شوه ..؟ قولن شوه ..؟
أسندت حور خدّها بابتسامة غريبة .. و هي تتشاغل بكلمات أختها عن دفق غريب من الإحساس .. راح يمتد في داخلها ..
- شوه ..؟
- في جوانب وايد زينة لروحتنا اهناك ... وايد .. غير الحالة الإقتصادية .. فكرن .. هلنا ..! خوان أبوية .. عماميه .. و الشباب .. هذاك المطوع لي شفناه في المستشفى شكله طيب .. غريبة ..!! أحيد كل واحد عنده فلوس يصيع ..!!!
ضحكن عفرا و دانة معا .. و حور ترد باستياء ..
- وجه نظر بايخة ..
لوحت نورة بيدها لا مبالية ..
- المهم .. و الاثنين لي وياهم شكلهم كشيخين .. و راعين سوالف .. يا سلاااام .. تخيلن عيال عمنا ..!!!! الله يرحم أبوية ما غصبنا نحن بعد ..!!
الآن كانت عفرا هي من تنهرها باستنكار ..
- نوراااه .. استغفري ربج ..
- أستغفر الله .. انزين .. عميه سعيد و عميه مطر طيبين .. صح ما نعرف عميه أحمد .. و عميه علي .. بس أكيد طيبين .. يعني عيال عمي علي شيوخ .. روضة .. و غيث .. لو بنات عمنا الباقياات ..؟؟ كم عددهن ..؟؟؟
أجابت دانة بسرعة ..
- ثنتين ..
تنهدت نورة باحباط ..
- هيه صح بس ثنتين .. لو بنات عمنا هالثنتين .. يكونن شرا روضة .. تخيلن .. بيق فاملي .. الله .. أنا متفائلة خير .. أحس اننا يوم بنروح وايد أشياء بتتغير للاحسن ..! شوه لي أخير عن لمتنا بهلنا .. نعيش وياهم و يداروننا ..؟
ارتفعت شفة حور بنبرة غريبة ..
- هيه صح .. شوه لي أخير عن هالشي ..!
برودة غريبة راحت تلتهم إحساسها ببطء .. و دوامة أفكار تكاد تبتلع عقلها ..
ما الأمر ..؟
لم تكن تكذب فيما قالت .. و لم تدّعي شيئا ..!
لمَ إذن يحتضن خواء مؤلم فؤادها ..؟
سحبت نفسا عميقا تملأ به صدرها قبل أن تطلقه ببطء ..
و هي تشعر بزخم متدفق من المشاعر على وشك ان يُسكب و يغرقها ..
راحت تكافحه بشدة و هي تركز على ما حولها ..
هناك العديد .. العديد من الأشياء ستعيد النظر إليها لاحقا ..
ركّزت بقوة على ما كانت دانة تقوله و هي تنظر لها ..
- حور تحيدين العشر دراهم لي خذتيهن السنة لي طافت منيه ..؟
عقدت جبينها بشيء من الضياع ..
- أي عشر دراهم ...؟
أكدت دانة ما تقول ..
- العشر دراهم لي عطيتج اياهن يوم تعشينا هذا اليوم من المطعم و كل وحدة تدفع لعمرها و انتي ما كان عندج شي ..؟
رفعت حور حاجبا في شك ..
- ما حيد ..
راحت دانة تلح بإصرار ..
- أنا حيدهن .. عشرتيه !! .. كان عنديه عشر زيادة و سلفتج اياهن .. قبل حتى ما يموت أبوية الله يرحمه ..؟ يوم شلينا التلفزيون حجرتنا نشوف الفلم .. و رديناه عسب لا يدري ابوية ..؟ كان يوم الخميس حتى .. نورة تذكرين يوم الفلم الهندي ..؟
تدخّلت عفرا بهدوء ..
- السنة لي طافت .. و عشر ربية ..؟ الله يسامحها فيهن .. شوه بتطاليبن برد الدين الحين ..؟
تمطّت دانة بكسل ..
- هيه بطالب برد الدين .. و الا بشل من حسناتها يوم القيامة ..
اتسعت عينا حور ..
- أعوذ بالله .. بنعطيج عشر يا شحفان القطو ..!!
لكن دانة لوحت ..
- لا .. لا .. صدق .. تحيدينهن .. أمس حلمتهن ..
- حلمتي العشر ربية ..؟
- هيه و الله .. حلمت حور ردتهن ليه مية ربية ..
ضحكت نورة ..
- خيبة .. حتى في الحلم طماعة ..!! شوه بالفوايد ..؟
- لا صدق و الله .. حلمت حور عطتنيه امية ربية تقول هاي حقج بدال العشر لي خذتهن .. أنا أقول إن تفسيرهن إن حور بتعطينيه امية ربية هبة لوجه الله ..
و رسمت ابتسامة واسعة لمع من خلفها صف أسنانها الأبيض لترد حور ابتسامتها بخبث ..
- للأسف أنا ما أتعامل بالربا في الحياة الواقعية .. يعني لازم ترضين بالعشر لي بتييج .. و نشي انتي و نورة ودن الكشرة .. الساعة تسع الحين ..
مطت دانة شفتها باحباط .. و نورة تستعطف أختها الكبرى ..
- خليها باكر بنوديها قبل لا نسير المدرسة ..
صفقت حور يديها بحزم ..
- على هندي حبيبتي .. اعرفها حركاتكن هاي .. كم مرة وديتها أنا و المها بدالكن ..؟؟ يا الله انتي وياها أشوف .. تحركن .. و نورة .. المواعين هاي اغسليها لا تخلينها الين باكر في المطبخ ..
- أنا أستاهل لي متعنية و مسوية حليب و خبز رقاق .. ما تستاهلن ،،
- يوم اننا ما نستاهل ليش سويتيه ..؟ حد مطج من خشمج و غصبج ..
حملت نورة بعد مناوشات عدّة صحنها .. و توجهت هي و دانة للخارج ..
تلتقط حور هاتفها المتحرك و تلعب به في شرود و هي تسأل عفرا ..
- شوه تانسين الحين ..؟؟
ابتسمت عفرا بشحوب شديد .. و على وجهها النحيل آثار التعب و الألم ..
- أحسن .. الحمد لله .. وايد أحسن ..
كانت تعني ذلك .. تعنيه بحق ..
شيء بثقل الخوف أُسقِطَ عن كاهلها ..
تبا لذلك الذل .. و هذا الخجل .. و الإحراج المميت الذي يخالجها كلما فكّرت بأن أحد يعلم بما حدث لها ..
لا يهمها أن يشمئز هو منها .. أو يحتقرها ..
كل ما يشعل شمعة بين أضلعها ..
هو أن ذاك الكبير قد علم بالأمر ..
و أنها لم تعد لوحدها ..
غاضب هو .. و يكرهها الآن ..
و لكنه يعلم .. يدري بكل تفاصيل مواجعها الخفيّة ..
يدرك أبعاد تلك المأساة و سينتشلها من عمق يأسها حتما .. لن يتركها فريسة أقدارها وحيدة ..
أضاء هذا اليقين قبسا من أمل أدفأ فؤادها ..
فللمرة الأولى منذ وقت طويل ..
تضع رأسها المثقل على المخدة .. لتطبق جفنيها المتعبين .. و ترقد ليلا .. لم يعد أسودا كيومها ..
سيحل الموضوع .. قال انه سيحلّه ..
ليس لديها خيار سوى أن تثق به .. فإذا كان هناك ما تعرفه .. فهو أنه سيكون أحرص منها على التكتم و معالجة الأمر بصمت ..
هذا الوضع يقتله الآن بقدر ما يقتلها ..
و احساسها بانه يشاركها المأساة خفف قليلا من وطأة احزانها ..
نظرت لحور التي انشغلت بهاتفها .. لتسألها بهمس ..
- شوه تسوين ..؟
تنهدت حور و هي تلوح بالهاتف ..
- أطرش مسج لمايد .. القاطع .. تولهت عليه ..!كم خطف من يوم العيد ..؟ اسبوعين .. و ليتنيه شفته زين .. سلام ع الباب .. و شرد .. !!
.
.
.
.
ألقت نورة بالحجرة الصغيرة نحو الحاوية الحديدية الكبيرة قبل ان تطلق صوتا حادا ..
- ميااااااااااو .. مياااااااااااو ..
نظرت دانة للحاوية باهتمام ..
- الحمد الله ماشي قطاوة ..
تقدمن و كل منهن تحمل طرف السلّة المهملات الكبيرة الخاصة بالمطبخ .. ليدنينها من الحاوية فيلقين الكيس الأسود المصرور بعناية .. قبل أن يعدن أدراجهن للبيت .. فتقول نورة بهدوء ..
- على فكرة .. الرمسة لي قلتيها لحور ثقيلة .. و مالها داعي ..
رفعت دانة عينيها للسماء دون أن تراها نورة من خلف الغطاء ..
- أنا قلت بتفهمونيه غلط ..! و الله .. و الله مالومها و هب قاصدة شي .. و ما أنتقدها .. بس لاحظت هالشي و بغيت أشوف اذا كان عندها سبب خاص .. صدق ما تشوفينها انتي تغيرت ..؟ يعني وين العداوة لي قبلا .. وين الحقد و الكره ..
- تبينها اتم حاقدة ..؟
- لا .. و الله .. و مرتاحة لنها فكّرت بهالطريقة .. لنيه أشوف انه أحسن لنا نتعرف على هلنا .. يسد السنين لي راحن و نحن مقاطعينهم ..
همست نورة مع اقترابهن من باب البيت ..
- صخي .. هذا غيث معسكر عن باب الميلس ..
شهقت دانة بخفة ..
- يدخن الحمار .. يتحراه بيت أبوه ..!! اشوف حلت له اليلسة .. و ما خذ راحته ..
- جب .. سلمي و امشي بسرعة .. ما فيناا يهزبنا ع سالفة عميه مطر ..
ابتسمت دانة تخفض صوتها أكثر ..
- يا الخبلة السالفة من رمضان مستوية .. تلقينه الريال ناسي ..
ثم قلن معا عندما تجاوزن الباب الحديدي ..
- السلام عليكم ..
رفع رأسه نحوهن قبل أن يجيب بهدوء ..
- و عليكم السلام و الرحمه .. نبرته المتسلّطة بدت كريهة و هو يضيّق عينيه عليهن بقوة و يسأل بقوة ..
- من وين يايات ..؟؟
نظرت دانة بطرف عينها لنورة قبل أن تجيبه ..
- من عرس و الله .. بغينا نعزمك بس الدعوة لشخصين .. من وين يايات يعني .. ما تشوف - و رفعت سلة القمامة قليلا - سرنا نودي الكشرة ..
نظر لها غيث متسائلا بخشونة حين تعرف صوتها ..
- دانة ..؟
ردّت دانة بشيء من الفخر ..
- هيه نعم ..
- لمي ثمج و انطبي .. و مرة ثانية اصلبي عمرج يوم بترمسين ..
شعرت دانة باحراج بالغ و هي تلتزم الصمت قبل أن يسأل بنبرة فولاذية ..
- و انتي منوه ..؟ نورة ..؟
قالت نورة بنبرة ضعيفة و قد شعرت بأنها ستكون الضحية الثانية بشكل ما ..
- هيه ..
رفع حاجبه قبل أن يخرج صوته الرجولي العميق بشكل أرهبهن ..
- أنا ما لقيتكن من سالفة المستشفى .. بس و الله يا بنات حمد لو ما تحشمن عماركن انيه أنا لي بعلمكن السنع .. انتن ما تخيلن ..؟ اظربن ريال ..!! و ترادنه .. و الله لولا اننا في مستشفى ان كان داويتكن ..
شعرت نورة بالضيق و الحقد اتجاهه .. قبل أن تقول دانة بهدوء مصطنع تخفي خوفها منه ..
- اسمحلنا .. المرة الياية يوم ايي ريال غريب و ما نعرفه و يوخي على نورة يبا يوايهاا .. بنرد سلامه .. ترانا اخوة في الاسلام ..
حين رأت الغضب الأسود يلوح على وجه غيث استدركت بسرعة ..
- نحن ما كنا نعرف انه عمنا .. ريال و يبا يسلم على نورة .. يعني ردة فعل تلقائية ..
صر غيث على أسنانه و هو يقول بغيظ ..
- محد بيتعرض لج لو انتي حاشمة عمرج .. و ودرن الهياته ..
قالت نورة بحذر ..
- أي هياته ..
- شلي كشرتج .. و حدري انتي وياها .. يا الله أشوف ..
بدا و كأنهن أجبرن على ابتلاع كلماتهن .. قبل أن يحملن السلة تحت نظراته المهينة و يتوجهن للمكان و كل واحدة منهن تتميز غيظا ..
من يعتقد نفسه ..؟!
أيظن أنه له الحق في التحكم فيهن لمجـرد أنـ ..
- اييييه .. تعالن ..
توقفن مكانهن لبرهة قبل أن يتبادلن نظرة سريعة .. ثم يعدن أدراجهن نحوه في خطوات متعجلة ..
قبل أن يتفوه بشيء .. رفعت دانة راحته بهدوء و هي تقول بوقار ..
- لا تعتـــــذر ..
وافقتها نورة بلهفة ..
- خلاص سامحناك ..
.
.
لذقيقة كاملة جاهد بصبر و هو يضغط على أسنانه بقوة ..
يشعر بأنه سينفجر في وجه هاتين المجنونتين ..
هدأ رغبته الغريبة في الضحك و الصراخ عليهن معا ..
قبل أن يرفع رأسه بنفس عميق ..
- ذلفي انتي وياها داخل و خلن حور تطلع ليه .. اباها ..

* * * * *


* الحجرات / آية 11 ..

** من قطف هالياسمين / لطارق المحياس ..

*** لا تعلمني / للبدر ..

أمواج
07-03-2008, 03:28 PM
جزء رائع يعطيج العافيه أختي

الحمد لله غيث درى بالسالفه والاهم بيحلها

وعجبني رد دانه ونوره في الاخير لا تعتذر ههههههههههه

بس رد غيث كان قوي لهم

يعطيج العافيه وننتظر البقيه

.: المــاس :.
09-03-2008, 11:11 AM
جزء رائع يعطيج العافيه أختي

الحمد لله غيث درى بالسالفه والاهم بيحلها

بس ما عجبني لما ضربها :( .. مع ذلك ما الومه من حر ما فيه المسكين

وعجبني رد دانه ونوره في الاخير لا تعتذر ههههههههههه

هههههه رهيبات هالبنات

بس رد غيث كان قوي لهم

يعطيج العافيه وننتظر البقيه

يعافيج .. منوره يالغلا ..

الشقردي
09-03-2008, 08:51 PM
غيث غريب الاطوار


يتصرف بتناقض في كثير من الامور

شخصية نورة تعجبني

.: المــاس :.
10-03-2008, 08:26 PM
غيث غريب الاطوار


يتصرف بتناقض في كثير من الامور


شخصية نورة تعجبني

من زمان وهو غريب اطوار ..

هلا فيك شقردينا :)

.: المــاس :.
10-03-2008, 08:31 PM
امس الاحد ..

بسم الله الرحمن الرحيم ،،

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

مساؤكم ولــــــــه ..

مستعدين للأخبار المحبطة :)

حبيت أستسمح منكم لنيه في يوم الأربعاء الموافق 19 / 3 بغلق القصّة ..

حتى يوم الخميس الموافق 3 / 4

لظروف قاهرة تضطرني للإبتعاد عن البيت ..

و بما إنيه بكون عاجزة عن الكتابة أو على الأرجح مقصّرة فيها هالفترة لانشغالي ..

فضّلت انيه أغلق القصّة ..

لنه من خاطريه ما ريد أكتب على - عجل - ..

أبا أستمتع و أنا أكتب .. و أبا أكون صادقة فيما أكتب ..

و الضغط ما يسمح ليه بهالشي ..

يعني الخطوة القادمة بإذن الله بتكون تاريخ 3 / 4

إلا إذا ربكم راد و كتبت شي قبل هالتاريخ فأوعدكم انيه أنزله ..

و الين موعد الخطوة القادمة بكتفي بالتعليق على ردود الخطوتين السابقتين قبل إغلاق القصّة ..

أدري إن هالشي محبط نوعا ما بما إننا في البداية الفعلية و الحقيقية للأحداث ..

بس صدقا في هالمنحنى الخطير للقصة ..

أكره انيه أكتب شي و أنا مستعيلة و ما ترقى القصة للمستوى لي أباه ...


سامحونيه ،،

و إدعوليه



ختكم / ليتني


مسموحه يالغلا .. خذي راحتج ..

وفأنتظارج فأي وقت ..

الشقردي
10-03-2008, 08:45 PM
افا


الله يعينها

ننتظر ايش بيدنا غير الانتظار

أمواج
10-03-2008, 09:59 PM
ننتظرها

والقصه لما تكون بتفكير عميق ورويه أفضل

والله يعدي ضروفها على خير

مشكوره أختي

what ever
14-03-2008, 12:28 PM
غيث وايد شايف عمره وظالم ..
احسه ماعنده قلب ولا رحمه ..

مسكينه عفرا تعذبت ..


بانتظار الجزء الجاي ..
ولو انه بيطول ..

.: المــاس :.
05-04-2008, 11:58 AM
اليومـ الساعه 2:09 AM ..



صباحكم ورد ،، و خجل

أبطيت عليكم ،،

دقايق .. لمراجعة سريعة و أطرح الخطوة ،،

لكن بغيت أحط ملاحظة مهمة ،،

(( للخطوة السادسة عشر لي بطرحها عقب شوي تتمة بتنزل يوم الثلاثاء بإذن الله ))

سمحولنا ع القصور ..

و التأخير :)



ختكم / ليتني

.: المــاس :.
05-04-2008, 12:03 PM
الخطـــــــــــــــوة السادســـــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }

[ خطوات تغشاها الدموع ،، ]







من بعيد .. راحت أصواتٌ مبهمة تخترق ذاك السكون الذي لفها ..
صمت غريب احتوى روحها .. شيء بثقل الرحيل هبط على مشاعرها ..
و هي تقف بينهم .. لا تتحرك .. تنظر إليهم ..تلك الحركة السريعة ..
و هم يتنقلون في المكان ..
منهم من ينقل الحقائب .. و من يتحرك للخارج ..
نورة تحث الخطى لخارج البيت دون إلقاء نظرة أخيرة عليه ..
ليعود صوتها و يرن في أذنها بمرارة ..
(( بظهر .. و ما بطالع ورايه .. لنيه لو طالعت البيت .. بدري انيه ظاهرة منه .. ظاهرة و ما برد له .. ماريد أصيح .. ما ريد ..!! ))
أبناء عمّها الإثنين يعاونهم إبن خالتها الأصغر في نقل حقائبهم الأخيرة للخارج ..
تلك الحقائب المحمّلة بملابسهم البسيطة ..
مهلا ..!
أ ما من متسع لأحلامهم .. لذكرياتهم .. لكل يوم مضى لهم هنا ..؟!
لم توضّب شيئا من إحساسها بين تلك الملابس الرثة ..
لم تخفي بين طيّات الثياب أي أمنية خرقاء سكنت روحها يوما و هي تكبر بين هذه الجدران ..!
زوج خالتها يقف في أقصى – الحوش – مع زوج أختها الكبرى .. الذي اختفت نظراته الثاقبة خلف زجاج نظارته الداكنة .. و هو يستند على الجدار الحائل اللون بجسده الكبير ..
بدا مسترخيا للغاية .. و كأنما هذه البلبلة التي تدور حوله لا تهمه ..
أ لا يهمه أنهم مجبرون على القدوم معهم إلى ذاك البيت الكبير ..
ألا يكترث لهجرهم هذا المسكن .. الذي لطالما احتوى خيالاتهم .. أوجاعهم .. و الكثير من الضحكات ..!
احتضن حزن صامت فؤادها و هي تضم كفيها لصدرها بوجع ..
أرادت أن تنطلق راكضة نحو كل جدار في البيت .. لتعانقه ..
تودّعه ..
تبلله بدموعها ..
تمسح على الأبواب بيدٍ حانية ..
ترسم في مآقي تلك النوافذ وعدا بالعودة ..!
أرادت أن تنقش إحساسا لا يذوي هنا ..
شيء تلتمسه .. كلّما أعادها الحنين إلى هذا المسكن ذات يأس ..
شيء من السلوى .. حفنة من الحب .. و قطرات من حلم أرادت أن تنزفها دمعا في زوايا هذا البيت الصغير ..
هنا جزء من روح أبيها .. تحوم في المكان ..
حيث فارقت الجسد يوما .. تلحق بقوافل الرحيل إلى السماء ..
هنا وجوده الصارم لا يفارق المكان .. و ابتسامته المتصلبة ..
و وجه الأسمر الخشن الذي لوّحته أيام الشقاء الطويلة ..
تلك التي قضاها يجمع بين راحتيه الكبيرتين المتشققتين سببا للحياة يعيلهم ..
هنا فقدوه .. و لا زال شيء من عبق روحه ينتشر بين أضلع هذا البيت ..
يدٌ مرتجفة تلك التي مدتها و هي تمسك بمفتاح ما في يدها .. تقترب من الجدار الذي تقشّر طلاءه ..
بدا بائسا لرحيلهم ..
تراه متألم مثلهم ..؟!
متوجعون بصمت .. تصارع المرارة في صدورهم التوجس .. و الفرح بلقاء قريب ..؟
مذهولون لما قادتهم نحوه الأقدار من مصير ..؟!
تحك طرف الحديد بشيء من القوة الحانية ..
تحفر ندبة تتركها هنا ..
كلمات ستخدش بها هذا الجدار دون أن تؤذيها ..
أتأذن لي بذلك يا جدار ..
هل لي أن أخلّد لحظة موجعي هذه .. أريد أن أنحت رحيلي على ظهرك ..
لأعود يوما فأتعجب و أنا أنظر إلى تلك الكلمات العتيقة .. كيف فعلتها ..
و انسقت مذعنة .. تاركة كل شي خلفي .. كل شيء عنى لي ذات يوم ميزة ..
لم أحمل معي سوى خرقي البالية ..
و ذاك الجمود المترقب .. و شيء من الذكرى ..
و أيضا .. دمعه ..
أواصل وأدها على شفير الهدب باستمامته ..!
راح المفتاح يحتك بالجدار حافرا فيه تلك الأحرف المتعرجة .. بخط غير متقن .. بدا كخربشة طفلة عابثة ..
.
.
( إذكريني يا الأماكن ،، )
.
.
و ارتعش قلبها ..
شعرت بأنها تدفن جزءا من روحها .. هنا ..
تلك اليد التي تمتد بلطف إلى ظهرها .. و الصوت الدافئ يناديها بهدوء ..
- دندن ..!
- أبا اسير لندن ..
قالتها و هي تستدير لأختها الكبرى بابتسامة خادعة لن تراها من خلف الغطاء .. سترت الكثير من الوجع الذي سكن جوفها ..
لترد حور بصوتٍ مرح يخالف الإضطراب الذي خالط صوتها المرة الأولى ..
- لندن مرة وحدة ..!
ردت دانة بسرعة مرحة ..
- ع الوزن يختي .. ها ..! بنسير ..؟
تنهدت حور بهدوء ..
- هيه .. ببند الحجر و البيت .. يا الله .. أمايا و البنات كلهن خاري ..
سحبت نفس عميقا قبل أن تزفره ببطء في الوقت الذي دلف فيه أبناء عمّها - الجدد- و ابتسمت لهذه الفكرة .. على الأقل إعتادت على وجود عبيد في حياتهم ..
و لكن هؤلاء ..!
همست بخفوت لحور مازحة ..
- يخرب بيته أبو كوت .. شكله طرر ..!!!
لكزتها حور و هي تنهرها بقسوة هامسة ..
- دااانة ..!!
تشدّقت دانة بسخرية ..
- بلاج ..؟!! ولد عميه .. رابيه وياه .. شرات خوية ..
- لا و الله ..؟
ضحكت دانة بخفة ..
- عيل .. هذا عذر كل وحدة ما لقت سبب و تبا تتفصخ عند الخلق ..
- انزين عيبتج الوقفة هنيه ..
- خلينا نتشمس .. و عدنيه ما شبعت من الشوفه ..
ثم تنهدت بمبالغة ..
- الله يغربله ..و الله ان أبو كوت غاوي ..!!
همست حور بغيض تجذبها من يدها ..
- يا قليلة الأدب .. أبو كوت اسمه هزاع .. و يا الله قداميه ..
ضحكت دانة بخفوت .. و هي تهمس لها قبل أن تتوجه للباب ..
- هادمة اللذات ..!
تنهدت حور و هي تراها تتجاوز الباب نحو الممر المؤدي للمجلس ..
تلك الخفّة التي تتقنها أختها أزاحت ثقلا ما عن روحها ..
هناك من الأرواح حولنا .. من يحمل في جوفه عبق من الراحة .. من الطمأنينة .. و البهجة ..
يمكنه بثّها في من حوله .. حتى لو كان الظرف عسيرا ..
سيحتاجون للثبات و القوة في اللحظات القادمة ..
سيكون الأمر كبداية صعبا .. لكن سرعان ما سيعتادون الأمر ..
رأت مايد يدلف للتو من الباب الفاصل بين الحوش و المجلس .. ليتلفت قليلا .. قبل أن يتجاهل الجمع الذي وقف قريبا منها .. و يتقدم نحوها بثبات ..
تأملته بحب جارف .. و هو يبتسم لها بحنان قبل أن يصل إليها و يحيط كتفيها بذراعه القوية و هو يتساءل ..
- هاا .. بندتي الحجر ..؟
رفعت عينيها عبر الغطاء الثقيل .. تهمس له ..
- لا بعدنيه ..
صمت لبرهة و كأنما لمس تلك الاستغاثة الصامتة في صوتها ..
- تبينيه أنا أبندها ..؟
سارعت تقول بصوتٍ مهتز ..
- لا .. هب مشكلة ببندها .. بس .....
سحبت نفسا عميقا تحتبسه في صدرها .. تحتضن رئتيها برودته .. و هي ترفع رأسها للسماء الملبّدة بالغيوم .. تمنع تدفق تلك الدموع الحمقاء .. برهة من سكون قبل أن يتهدج صوتها ببطء ..
- فواديه يعورنيه .. هب هاين عليّه نروح و نودر بيتنا .. و نسير لبيتهم ..
شعرت بذراعه تشتد على كتفيها أكثر قبل أن يقول بعمق ..
- بتودرون بيتكم .. و بتسيرون لبيتكم بعد .. حور لا تحاولين من الحين تعزلين عمرج عنهم .. هاي أول حركة تفصلج عنهم .. لا تقولين بيتهم .. هذاك بيغدي بيتكم بعد .. هاييلا هلج .. و لو بينكم قطاعة سنين .. حاولي تتقبلين هالشي .. و لا تصعبين السالفة .. و بعدين هاذوه بيتكم .. بيتم مبند و في الحفظ و الصون .. لج منيه كل اسبوع أييب هندي ينظفه لكم .. و متى ما تولهتي ع البيت .. تعالي شوفيه .. يلسي فيه .. و العبي فيه ..
قال بصوت حريص .. يبثّها الثقة ..
- يمكن انتي خايفة الحين من سالفة الروحة .. و انج تتعرفين عليهم و تعيشين وياهم .. بس صدقينيه .. أنا متأكد انهم خايفين و متوترين أكثر عنج .. بس لي أشوفه انهم متحمسين لييتكم .. حور غناتيه .. قوي قلبج .. انتي الكبيرة .. و هلج يعتمدون عليج .. خلج هادية .. و رزينة .. و واثقة .. محد جبرهم يخلونكم تعيشون وياهم لو هم ما يبون .. و بعدين لو انتي تميتي خايفة .. و هم خايفين .. منوه لي بيخطي الخطوة الأولى ..؟
علت شفتيها ابتسامة مرّة ..
- غادي فيلسوف ما شا الله ..
ضحك بهدوء ..
- أنا مرتب الرمسة قبل لا اييج .. شرايج بس ..
- خطيرة .. بس مع ذلك أنا خايفة ..
- الخوف بيخرب عليج .. توكلي على الله .. و احسني الظن بالناس .. تصرفي على طبيعتج .. و لو ما حبّوج .. بغيّر اسمي ..
ابتسمت بهدوء ..
- لي يسمعك يقول انيه بسير بروحيه .. هاي أمايا و خوانيه كلهم ويايه ..
هز رأسه بوقار ..
- بس انتي العودة .. و هم معتمدين عليج .. لو استقرت أمورج .. استقرت أمورهم .. فهمتي ..
- شوي .. تستعمل مصطلحات و الله ..
ربت على ظهرها و هو يقول بهدوء ..
- يا الله حبيبتي .. بندي حجر البيت .. و اظهري .. العرب يرقبونج ..
رفعت عينيها نحو المجموعة امامها .. لتتعلق عينيها على الفور بذلك الوجه الأسمر الجامد .. يستند بظهره العريض على الجدار .. و عيناه تختفيان خلف نظارة داكنة .. لا تعرف إلى أين يسلّط تلك النظرات الثاقبة الآن ..؟!
لا تدري لما تمنت لوهلة أن تتقدم لتمسك بيده القوية .. و تجذبه نحو عتبة المجلس لتجلس معه قليلا ..
تلك الرغبة السخيفة .. السخيفة .. السخيفة ..
بدت ملحّة للغاية في تلك اللحظة .. و فمه القاسي يلتوي بشبه ابتسامة ساخرة ..
هل ينظر إليها يا ترى ..!
تجاهلت كل ذلك تتقدم لداخل البيت .. توصد الأبواب بشيء من الألم ..
ليس من السهل أبدا .. أن يهجروا هذا المسكن ..
هنا .. في كل بقعة .. و كل زاوية .. و كل جدار ..تركوا شيئا من ذواتهم و هم يرحلون ..
راح شوق مبرح يتفاقم في صدرها و هي لم تهجر البيت بعد ..!
أمنية تطابقت مع أمنية سكنت جوف اختها منذ هينهه دون أن تدري ..!
تحتضن كل جدار .. و تطبع قبلة على كل جبين مقشّر متعب لها ..
تربت على ظهر كل باب حائل اللون .. و تصافح تلك النوافذ القديمة ..
تمنت بقوة أن ينسوها هنا .. و يتركوا المكان ..
ستتكور في الزاوية ..
تحتضن الذكرى و حنينها ..
لتنام قليلا ..
مجهد ذاك الإحساس بالفراق ..
يتركنا مخطوفي الأنفاس ..
لاهثين .. ممزقين ..
حاملين على الكاهل دمعة ..
لا نعلم حقّا أين تقودنا الطرقات ..!
.
.
ودي أسرق من زماني بس لحظة ..
من دفا ذاك الجدار .. و ابتسامات النوافذ في النهار ..
من تفاؤل .. كل فجرٍ .. مع سنا شمسه يلوح ..
من حمام .. يغفا .. ساهي .. فوق أحجار السطوح ..
من فرح ذيك الشوارع ..
و باص مدرستي يعجل .. للعلم ودّه يسارع ..
و الصغار يدفنون كفوف لعبٍ في التراب ..
يغرفون الحلم حفنة .. ما تضاهي هالسراب ..
يلعبون .. و يلتهون .. و يرسمون بصوت ضحكة ..
لوحة حلوة .. ملونة ..
ما لها طعم التعاسة .. ما تعرف الإغتراب ..*
.
.
يميل برأسه نحوهما عبر نافذة السيّارة الكبيرة .. و صوته الخشن يأمرهما بصرامة ..
- الشناط كلها إلا شناطيه لي خبرتكم عنها ..
ثم تجاوز ابن عمه بنظره لأخيه الجالس على مقعد السائق ..
- أحمد .. سامانيه عقب الغدا ودّه لبيت أبويه علي .. خل روضة لي ترتب أغراضي ..
هز أحمد رأسه مجيبا بسرعة ..
- أمايا و روضة مرتبين الحجرة من اسبوع ..
عقد جبينه دون أن يتبينوا نظرته من خلف زجاج النظارة .. و هو يقول بصرامة ..
- المهم .. مثل ما قلت لكم .. سلطان و عياله بيتغدون عدنا بعد ..
التفت لهزاع بسرعة ..
- حارب ظهر من الكلية و الا محجوز ..؟
أجاب هزاع بسرعة ..
- ظهر .. العرب كلها هناك ..
- خبروا سيف .. ما ظنتيه يدري ..
- لا يدري ..
يبتعد غيث قليلا عن السيارة ملوحا لهما بيده ..
- توكلوا ..
انطلقت السيارة مبتعدة ..
قبل أن يستدير هو للوراء .. ناظرا نحو اليبت حيث كان مايد و عبيد هناك ..
و تقف هي بينهما ..
ذاك الحجم الصغير .. الذي لا يبلغ كتف مايد الطويل ..
شعر بانقباض في معدته .. و شعور بالحرقة يسري في صدره حين احتضن عبيد جسدها الضئيل ..
نفس الإحساس الحاقد الذي راوده منذ برهه و هو يراها تقف مع مايد في الداخل يتهامسان ..
صر بأسنانه يخنق رغبته الغريبة في ضرب أخيها ..
ما الخطب ..!!
التوت شفتيه بسخرية .. لا يمكن أن تكون هذه غيرة من إخوتها بالطبع ..!
تجاهل الإحساس و هو يراها تنفصل عنهما بهدوء متوجّهة نحو سيارته .. في ما مر هو بسلطان الذي كان يحادث أم نايف .. بحركات كثيرة من يده .. لا تدل سوى على ألفة اعتادها في الحديث معها ..بعد لحظات ابتعد هو الآخر من السيارة التي سيوصلها السائق إلى البيت ليستقل سيارته العتيقة مع ابنيه ..
كانت قد احتلت المقعد الأمامي حين استقل السيارة .. ليلاحظ الفتاة التي تجلس في المقعد الخلفي أيضا .. مع مزنة و هند .. الصوت المألوف قليلا يقول بعد صمت و هو يدير محرك السيارة ..
- شحالك غيث ..
رفع عينه في المرآة و قد تعرف الصوت المألوف فورا .. ليقول بهدوء ..
- هلا نورة .. شحالج ..
قالت بصوتٍ حرج أعلمه أنها لم تنسَ بعد آخر توبيخ ..
- بخير الله يعافيك ..
التفت للجالسة أمامه و هي لا تزال تسدل ذاك الغطاء الثقيل على وجهها رغم التظليل الداكن على زجاج السيارة ..
تلصق جبينها بالنافذة و هي تراقب البيت القديم .. فيمد يده بهدوء .. ليعتصر كفّها الصغير بخفّة ..
لا يمكنه أن يدعي اللامبالاة ..
يصعب عليهم ترك بيتهم .. و يتفهم هذا ..
يدرك رفضها ذاك و كرهها لهم .. و لا يعلم حال المشاعر تلك الآن ..
هل لا زالت تخالجها .. أم أنه استطاع استئصالها ببطء ..؟
ذاك الرفض كان يشمله يوما .. و هو على يقين الآن بأنه انقلب لشيء آخر تماما ..
هل لا زال يسلّط على عائلته ..؟ أم أن الرضى امتد إليهم يا ترى ..
قلّما تهمه مشاعرها السلبية .. متأكد بأنها سرعان ما ستنخرط بينهم ..
الحقيقة أن الكثير من الأمور ستتغير .. الكثير .. الكثير ..
لن يكون وصول أبناء حمد للعائلة بالأمر السهل .. يعلم في قرارة نفسه أن هناك من الحواجز ما سيهدم .. و من الفجوات ما سيردم ..
كيف لهؤلاء القادمين الجدد أن يؤثروا على العائلة يا ترى ..؟!
عيناها لا تفارقان أسوار بيتهم الواهية ..و بابه الحديدي الصدئ الموصد ..
يترك يدها ببطء .. ليمدها نحو محرك السرعة ..
قبل أن تستوقفه شهقتها العالية و هي تقول بقوة ..
- غيث .. لحظــــة ..!!
.
.
لم تعد ترى أمامها و هي تتعثر في ذاك الزقاق بخطواتٍ أغشتها الدموع ،،
شهقاتها راحت تنفلت من أعماقها بألم ..
راحلون ..!
رأت ذاك الركب يوشك على الانطلاق ..
سيمضون إذا .. حاملين الفرحة .. و أحاسيسها الحلوة التي شاركتهم ..
تاركين لها حفنة من الصور الرمادية في الذاكرة .. لحظات مميزة عرفتها بجوارهم ..
و صدى الضحكات المتلاشية .. الغابرة ..
التي ستذوي ببطء ..
لتجد نفسها يوما قد نسيت هذا الجوار .. و ساكنيه ..
لم يخلّفوا بهجرهم هذه المساكن .. و هذه الشوارع ..
سوى هوّة في روحها ..
ستمتص شعورا عميقا بالأخوة .. إحساس حقيقي عرفته معهم ..
حين كان ذاك الأب أبوها .. و ذاك الصغير أخوها ..
و لم يكنّ لها سوى الروح أو أكثر ..
كم هي خاوية هذه الأيام القادمة ..
ترتعش بردا فلا يدفئها وجودهم في قربها ..
كم ضيّعت من الوقت في ذنبٍ لم تقترفه ..؟!
ذنب لم يدفعها إلا للابتعاد عنهن .. مذعورة .. من أن يعلم أحدهم ما الذي اقترفه ذاك الأخ في حقّهم ..
تمنت لو أنها لحقت بهم .. ركضت خلفهم بقدمين حافيتين ..
و صرخت مرات و مرات لتوقفهم ..
لتراهم مرة أخيرة ..
فتقبل جبين ذاك الحب الذي لطالما انعكس في أحداقهن .. في ضحكاتهن .. و مزاحهن ..
تمد أنامل الوعد .. تمسح على راحاتٍ من نقاء .. لطالما احتوتها بينهن ..
بأنها لن تنسى .. أبدا لن تنسى ..
و تنشج باكية ..
لساعات و أيامٍ و أعوام ..
تعتذر عن كل شيء .. و تودّع ..
تمنت لو ..........
- فاطمـــــــــة ..!!!!!
تتعثر الخطوات لبرهة مسروقة من الزمن ..
أهذا الصوت من الواقع .. أم أنه انزلق من غياهب مخيّلتها ..؟!
تستدير بيأس ..
يا رب .. يا رب ..
إجعل الأمر حقيقة .. لمرة أخيرة فقط ..!
.
.
و كان أن حدث ..
ذاك الجسد المتشح بالسواد يقطع الزقاق الضيّق متجها إليها .. و كف مرتجفة ترفع الغطاء عنه ..
كاشفة وجه أغرقته الدموع وجعا ..
ليقفن على بعد أنفاس و صمت ..
عيونهن مثقلة .. بالكلمات ..
أ هو وقتٌ للعتاب ..؟
راح أسئلة تتفجر في مقلة حور الكئيبة .. تسأل هذه الأخت الثامنة عن غيابها .. عن الهجران ..
تتوسلها أن تسقي ذاك الظمأ الذي إعتلت به روحها ..
أيام طويلة مرّت و تلك الصديقة تبتعد دون سبب ..!
الآن .. و هم يرحلون ..
خيّل إليها أنها ترى طيفها المتردد بين البيوت العتيقة يرقب ذهابهم ..
و ها هي ترى الأعذار .. و كلماتٍ لا تبرر تكتسح سحنتها المتألمة ..
.
.
ما الأمر صديقتي ..؟!
لم يكن الأمر بهذا السوء قط ..
نلتقي دون أن تتلهف كف إحدانا للقاء الأخرى ..
نجتمع على الطريق في جوٍّ محملٍ بأنفاسٍ من عتاب .. تخنقنا ..!
.
.
همست ببطء شاعرة بتمرّد الدمعة التي ولّت من طرف جفنها الذي انسدل لبرهة ..
- فاطمة ..
شهقة معذّبة من الأخيرة و هي ترفع عينيها للأعلى بسرعة .. تمنع تدفق المزيد من الدموع و صوتها الضعيف يتردد بوجع ..
- حمود بن عنتر يا بيتنا .. قال .. قــ ..ا..ل ..
وضعت يديها على خاصرتيها دون أن تخفض العينين الشاخصتين للسماء .. تعظ شفتها و عبراتها تنزلق بقوة ..
- انكم خلاص بتسيرون ..!
تخفض حور رأسها و هي تومئ بصمت ..
فيما تلتفت فاطمة لحركتها الصامتة قبل أن تومئ هي الأخرى بابتسامة ممزقة ..
لحظات طويلة .. طويلة من السكون .. قبل أن تطرق الأخيرة برأسها مشيرة بكف مرتجف لجدار البيت .. و صوتها يتهدّج بضعف ..
- أناا .. كنت أبا .. أبـ .. اا ..
لكنها لم تكمل .. غطّت وجهها بكفيّها بقوة ..
لترتجف تلك بقوة .. عبراتها تتابع دون توقف ..
قبل أن تقطع المسافة .. الخوف .. و غيابها ..و تحتضن صديقتها بقوة ..
تمسك بين يديها كل تلك المشاعر الطيبة .. الجيرة .. و السنوات المشتركة ..
.
.
لم تشعر بوجود الأخريات أيضا إلا حين رحن يتبادلن الوداع أحضانا و دموع ..
واحدة تلو الأخرى ..
إلا هي تقف بعيدة عنهن خطوات .. مثقلة خطواتها التي تأبى التقدم ..
كل ما بينهما لا يمكن الإدعاء بأنه غير موجود .. بل هو الآن أكثر قوّة ..
ينهمر من أرواحهما قطرات مالحة ..
رغم ذلك تُجَرُّ الأقدام نحوها .. بطيئة ..
تختصر جروحا لا زالت نديّة .. تنزف وجعا لن يفارقها العمر كلّه ..
رغم هذا .. تتكسر الروح توسلا .. ترفض الرحيل دون أن تحتوي نقاء هذه التي لا يد لها فيما حدث ..
ربما ألقت اللوم عليها لأوقات طويلة .. لكن الآن ..
الآن لم يعد الأمر يخصّها .. أصبح بين كفّي رجل قادر على فعل الكثير ..
أكثر مما قد يفعلن هن معا ..!
آثار ترسم في زقاق الجفاء ذاك و هي تتقدم .. تسوق روحها .. في برهة حقيقية ..
أصبح الفراق جليّا أمام عينيها الآن ..
ستترك كل شيء خلفها ..
كل ما حدث و كل الألم .. و كل أوجاعها التي ابتلعتها شوكا .. ستتركها ملتصقة بجدران هذه البيوت ..
وراء ظهرها ..
و لن تلتفت و لو للحظة ..
لا تريد لعبراتٍ .. و ابتسامات مؤلمة أن تناشدها الرجوع ..
ذراعين من صدقٍ الآن إلتفت حول جسد تلك الفتاة التي كانت لهن أكثر من أخت ..
سنوات مرّت و هن يلعبن .. يمرحن .. يتقاسمن الفرحة في ما بينهن ..
هذه الفتاة لم تكن سوى إحداهن .. و ستظل كذلك دوما ..
مهما فصلت بينهم مسافاتٍ و سنين ..
جسدها يرتعش وهنا .. و دموع تبلل سواد عباءة عفرا ..
فيما تهمس فاطمة بنشيج مزّق ما حولها ..
و أذهل الأخريات .. صوت مفجوع .. أدرك عمق خطيئة أخيها .. و أي سوء إقترفه و لم تستطع هي إصلاحه ..!
- عفــ .. ر ..اا .. ساا .. سامــ.. سامحيني .. دخيـ .. لـ.. ج .. سامحيني .. حلليني .. ياا .. عفــراا ..
ودّت عفرا في تلك اللحظة لو تنتشل الإحساس بالذنب الذي زرعته في صدر هذه الصديقة ..
شعورٌ علمت أنه سيلازمها طوال حياتها فيما هي تتسائل ماذا كان سيحدث لو أنها مدت يد العون ..؟
هل كان للأمور أن تختلف ..
كرهت أن يثقل ذاك الحزن على غيرها ..
كان الألم ألمها وحدها .. و ستحملها على عاتقها ما بقيت حيّة ..
ستظل تلك الحادثة وصمة في الذاكرة تؤرّقها .. و تقض مضجع راحتها ..
ثقب في الروح لن يسد إلا بيد الله .. و رحمته ..
أرادت أن تريحها .. و أن تسر لها بأن لا ذنبا يلحقها مما جرى ..
لكن ذلك لم يكن ليقال بكلمات قط ..
بل هو إحساس يمنح .. يزرع بعناية بين الأضلع .. لذلك شدّت على الجسد بين ذراعيها بقوة ..
و دموع دافئة تلسع خديها ..
.
.
لكِ العذر يا صديقة ..
لم يكن الأمر سوى قدر نقش على الطريق يرتقبني ..
يقتنص فرصة ليصيب فرحتي ..
و يدق آخر مسمار على نعش تلك البراءة التي فقدت ..
وجودكِ كان السلوى ذات ألم ..
و قد آن الأوان لأكمل طريقي الحالك وحدي ..!.
.
.
رغم ذلك كلّه ،،
لن تكل قدماها .. لن تكل الخطوات ..
دوما سيسوقها الوله .. ذليلة ..
لتنشق و تعب رئتي الإحساس مما تحتضن تلك الشوارع .. و تلك البيوت ..
و قد أدمنت رائحة ما مضى ..
.
.
دوما ستجد شيئا يشدها للماضي ،،
و لو كان مفجعا ..
هناك سحر يغرقنا في الشوق لكل ما هو ماضٍ و بعيد ..
و ندرك استحالة عودته ..!
.
.
اسمحي لي يا الأماكن ..
ما بقى في ايدي شي ..
غير أرحل عن دياري ..
حاملة شنطة ثيابي .. و حزن ساري ..
همّل دموعه يودّع ..
ما تبرد حر ناري ..
.
.
اسمحي لي يا الأماكن ..
ما بقا لي اليوم حيلة ..
غير أبكي ..
أشتكي الرحلة الطويلة ..
غير أمشي ..
تقودني الخطوة ذليلة ..
غير أخنق ..
دمعتي المرة في عيني ..
كل ساعة و كل يوم و كل ليلة ..!
.
.
اسمحي لي يا الأماكن ..
أنا برحل ..
شايلة كل الحنين ..
و كل أحلام السنين ..
و شوق ظامي ..
وسط هذا القلب ساكن ..
اسمحي لي يا الأماكن ...
.
.
بس أمانة ..
كل حلم .. و كل فرحة ..
و كل يوم لي بجرحه ..
كل ضحكاتي البريئة .. و ابتساماتي الجريئة ..
كل عبرة ..
كل دمعة فارقت عيني بحسرة ..
و السواليف الهبيلة .. و أمنياتي المستحيلة ..
حتى أسراري الهزيلة ..
ادفنيها في الزوايا .. و الا على رف اتركيها ..
اغرسيها في التراب .. و الا في حضنك خذيها ..
مابي من الدنيا طمعة ..
غير أظمن ان لي في يوم رجعة ..
أنبش الذكرى الجميلة ..
من الزوايا ..
و في انعكاسات المرايا .. **

* * * * *



>>

.: المــاس :.
05-04-2008, 12:05 PM
تتمة






بدت ابتسامتها فاترة في وسط وجهها الشاحب و هي تمد فنجان القهوة لإبن أخيها ..
- و ليش ما تعرس ..؟ نبا نفرح بك ..
أشار و هو يلتقط الفنجان من يدها نحو نهيّان ..
- أعرس ..!! خلي شيبتنا نهيّان يعرس أول ..
رفع نهيان حاجبا و هو يقول ..
- عمك نهيان يا الهرم .. انته ما تعرف تحترم حد ..!
ابتسم ذاك دون ان يبالي و هو يرد ..
- يا بوك فرق سبع سنين ما تسوي شي ..
رفع نهيان حاجبا و هو يرد ..
- لا تسوي .. لكنشوه بنقول .. امبونك ما فيك خير و ما تعرف تحشم ..!
- أوووف .. ليش الغلط ..
- عيل .. أشوفك من رديت من استراليا ..و انته تخورها ..
لكن ذلك لم يؤثر فيه .. استمر بالضحك .. و خولة تنظر لنهيان بعتب ..
- ما عليك منه يا عمر .. هو كذيه يوم يوم معصب ..
نظر لها نهيان بجبين معقود ..
- منوه قال انيه معصب ..؟؟
رفعت خولة حاجبيها ..
- زين ليش معقد حيّاتك الحين ..؟
ثم التفتت لعمر دون أن تنتظر منه اجابة ..
- علومه أبوك .. رب ما يتعب من السكّر .. من زمان عنه ..
أجاب عمر و هو يمد قدميه الطويلتين للأمام ..
- علوم الخير .. ما به شر .. بس هو لو يطيع رمسة الدكاتره كانه معافى .. الله يهديه .. و بعدين ليش مقاطعيناا .. هب الدنمارك يا بوج ..
ابتسمت خولة ..
- فديتك .. تعرف رمضان مشاغل ..
- الا العرب تتراحم في رمضان .. و بعدين رمضان خلّص الحول ..
- انزين ييناكم في العين ..
- شوه الشيخة غادية حلوة عمانيه ما تتواجدين الا في المناسبات ..
- ها ها ها .. بايخة .. لا عقب العيد ميعاد ختيه تعب شويه صادتها حمى ..
- هييييه .. و لا شر عليها ..
- الشر ما ييك ..
- و عقب ما صحت ..؟؟
- هههههههههههههههههه .. خيبة .. شوه تحقيق..؟؟
- هيه تحقيق .. اعترفي .. ليش ما تيينا ..
تنهدت بابتسامة شاحبة .. و قد بهت وجهها حين راح الوجع يخز روحها بقوة مع العودة للواقع الذي تعايشه ..
- أحس ماليه خاطر أسير مكان هالايام .. أبا أيلس في البيت ..
- بالعكس .. المفروض أحينه تحاوطين و ما تخلين مكان .. عقب ما افتكيتي ..
كان للكلمة الأخيرة مذاق كريه .. و رنين محتقر .. و قد تألق الحقد في عيني إبن أخيها ..
آلمها أن تلمس أحاسيس عائلتها العدوانية نحو من تحب ..
رغم كل ما فعل إلا أن فؤادها لا زال يحتضن تلك المشاعر القوية اتجاهه ..
تعلم جيدا أن أحدا لم يكن موافقا على زواجها منه .. رغم أن سبب ذاك الزواج لم يعرفه أحد ..
إلا أنهم لم يريدوا لها أن تتزوج من يعتبرونه غريبا بينهم .. و كأنما لا يريد زوجها السابق إلا أن يؤكد لهم كم كانت مخطئة حين أصرت على اختيارها ..
متقامر بقلبها .. و أحاسيسها الغبية المتلهفة ..
الآن لا يفتئون يلوموها على ما أقدمت ..
الكثير منهم يتشمت .. و الكثير غاضب ..
و ما يؤلمها حقا هو من يشفق ..
ليست بحاجة لشفقة أحد ..
ستنتزع هذا الألم قريبا من صدرها .. و تواصل المسير ..
ستكمل حياتها .. حتما ستفعل ..
حين تنسى ذاك الرجل الذي مزّق روحها بمديّة جفاءه قبل أن يدير ظهره تاركا اياها أشلاءا على الأرض ..
و إلى ذاك الحين ..
لا حيلة لها سوى أن تضغط على قلبها براحتها ..
تخنق كل نبضة خائنة .. فاضحة .. محطمة ..
تشهق بإسمه ..
ستجد الوسيلة لتفعل ذلك ..
ستنساه ..
ليس ذلك صعبا إن فكرت بإقتلاع قلبها على كل حال ..!

* * * * *

شعرت بضربات قلبها المجنونة .. و كأنما يريد أن يثب من صدرها .. تترجل ببطء من السيارة الكبيرة خلف أمها .. أمام باب البيت الأمامي الكبير ..
هذا البيت الذي قدمت مع اخوتها إليه ذات مرة بأمرٍ من أبيهن ..
هنا كانت قد رأت زوج أختها للمرة الأولى .. حيث فهمت لاحقا أنه إعتقدهن مجرد متسولات ..!
عيناها المضطرتين تصطدم ببناء حجري لم يكن موجودا المرة السابقة .. لا يبعد كثيرا عن البيت الكبير .. و من الواضح أن أعمال الصيانة لا زالت تجري فيه ..
شعرت بشيء يعتصر فؤادها و هي تدرك حقيقة تلك الأحجار البيضاء المتراصة ..
هذا بيت أختها الزوجي .. لا شك في ذلك ..
راحت عيناها تفتشان عنها .. لتجد أنها تقف بجانب أمها .. تدير ظهرها للبناء ..
كأنما ترفض رؤيته ..!
انتفضت حين شعرت بلمسة على كتفها لتستدير بسرعة ..
فتجد نفسها في مواجهة عفرا .. ذات الطول المميز ..
لتلوح الأخيرة لها بأن تتقدم ..
كم تخشى ذلك ..!
ما الذي يخفيه القدر لكل منهم خلف هذا الباب ..؟ كيف سيعيشون هنا ..!
الحقيقة أن الذعر كان يتملكها .. راح يلتهم بقوة إحساس الأمان الذي يبثه وجود إخوتها هنا ..
ابتلعت ريقها مرّات عديدة و هي تراقب زوج أختها يتقدمهم نحو الباب الكبير .. تتبعه أمها و أخواتها ..
لذلك راحت تدفع قدميها المرتجفتين ورائهم ..
بدا التنفس صعبا في تلك اللحظات ..
هي .. الفتاة التي عاشت بمعزل عن الناس لسنوات طوال .. حدود معارفها و تعاملها يقتصر على أقاربها المقربون ..
لا تعرف غيرهم ..
الطفلة .. نقيّة الإحساس .. بروحها الشفافة ..
على وشك أن تفتح ثغرة في حياتها ليتدفق منها كل هؤلاء الناس الذي يفترض بها أن تتقبلهم كأهلٍ لها ..
ذاك الصمت الذي يلفّها مذ وطأت الدنيا .. العدم السمعي ..
بدا مزعجا في تلك اللحظات ..
الحقيقة أنها لا تعرف معنى للسكون .. أو اللاسكون .. الصمت .. و خلافه ..
لم يكن ذلك يعني لها شيئا ..
عالمها الهادئ .. لا يعرف من الأصوات .. سوى خشيش يائس يصلها ببؤس .. و استماته ..
لذلك كل ما في الأمر هو اللا صوت ..
لا تعرف الصوت لكي تميز الحال به أو بدون ..
لكنها الآن تمنت لو أنها تسمع .. أرادت أن تخترق أذنيها أصواتهم .. أفعالهم .. و كل حرف سينبسون به ..
لتتعلم الكثير عن هؤلاء الغرباء ..!
الآن ينسلون واحدة تلو الأخرى .. لتصل هي و نايف معا للباب ..
يدها المرتعشة تنحني لتحتضن كفّه الصغير .. ليرفع أخيها عينيه بشي من التساؤل .. قبل أن يعتصر يدها و كأنما يريد أن تصلها الطمأنينة التي تنشدها ..!
في اللحظة التي تجاوزت فيها الباب .. علمت أن الكثير لم يتغير .. نفس الذهول و الإنبهار راح يتردد في صدرها و كأنها تزور المكان للمرة الأولى ..
جمهرة من اللون الأسود و الألوان راحت تتحلق حولهم ..في بضع نسوة .. قبل أن تدرك بأن زوج أختها ترك المكان .. يلحق به نايف ليترك فراغا ما في يدها ..
و الروح ..!
و قد أخذن أخواتها ينزعن أغطيتهن الثقيلة .. حتى حور التي لم تنزع غطائها إلا الآن ..!
مدت يدها بشيء من التوتر و هي تنسل ببطء خلف عفرا .. لتجذب الغطاء ببطء ..
عيناها تلتصقان بالأرض فلا ترفعها ..
رباه ..!
ما الذي ينتظر النظرات حين أرفعها يا ترى ..!!
.
.
من تحت أهدابها الطويلة المثقلة بالماسكرا راحت نظراتها تلتهم الوجوه الجديدة التي بدت من خلف الأغطية ..
تدور بعينيها ..
أيهن ..؟! أيهن هي ..؟
إحدى هذه الوجوه ستكون غريمتها ..
هي لا تكن لهذه العائلة أي شيء .. لا شيء من مشاعرها و سلبيتها تنعكس على الجميع ..
اللامبالاة هي الأقرب لوصف إحساسها نحوهم .. لا يهمها أي أحد منهم ..
تريد أن ترى فقط تلك الفتاة التي استطاعت سلب حبّا من تحت أنفها ..
سترى ما الذي رآه غيث فيها و لم يجده لديها ..!
أيهن يا ترى ..؟
الوجوه تتشابه بشكلٍ عام .. لا مميز فيهن .. تلك الملامح البسيطة .. التي لا تقارن البتة بجمالها ..
إلا ............
مهلا ..!!
ذاك الوجه الرقيق الذي راح يتوارى خلف أطولهن ..
شيء بعمق النقاء راح يبرق في عينين انتكست نظراتها خجلا ..
ارتباك طفلة في انعقاد ذاك الجبين الأبيض الصافي .. و في شفة مضمومة بتوتر دفين ..
في يد نحيلة انعقدت بهدوء ..
و صمتٍ ملائكي راح يلفّها ...
شيء أفجعها بقوة ..
هذه الفتاة تعكس شعورها حولها فيكاد ملموسا .. هالة من الشفافية قد تلفهم جميعا حين ينظرون إليها ..
انتزعت عينيها من ذلك الوجه و هي تدير بصرها متوترة في الجميع الذي انشغل بالسلام تباعا ..
أيخالجهم الشعور الذي لمس روحها ..
هي ..!! هي ..!
لابد أنها هي .. لن تكون سوى أكثرهن تميزا ..
تبا لها ..
تكاد أطرافها أن تسقط قطرات صافية من ندى .. أي طهارة إجتذبت ذاك الرجل ..
يمكنها أن تفهم ..
و لكن كيف ..!! بدت صغيرة .. صغيرة للغاية ..
تكاد تكون بعمر ابنته ..
لماذا تجاهلها .. هي الناضجة و هرع نحو هذه الــ ..
- هاي عوشة بنت مطر ..
كان هذا صوت جدتها المتهدج .. انتشلها من دوامة أغرقها فيها الذهول ..
لتستدير نحو المرأة النحيلة التي تحمل رضيعا بين يديها .. و فتاة أقصر منها قليلا ..
لتهز عوشة رأسها قليلا بارتباك ..
هل لاحظ أحدهم نظراتها لتلك التي تقف في الزاوية ..؟؟
ها هي تتحرك الآن لتقف خلف أمها و أختها التي بدت أكبر سنا منها ..
ألم يقولوا أن غيث تزوج أكبرهن ..؟؟! لما بدت زوجته ...
- عوشة فديتج .. ها وديمة حرمة عمج حمد الله يرحمه .. و هاي بنتها حور .. حرمة غيث ..
ذاك الخد الذي مدته لتقبلها عليه الفتاة أمامها تشنج بذهول ..
من ..؟؟؟!!!
أيمكن لها أن تخطئ السمع ..
اتسعت عيناها الكبيرتين بصدمة .. و هي تحملق في ذاك الوجه أمامها ..
- حــــور ..؟؟
هزت الفتاة رأسها بابتسامة صغيرة مضطربة .. قبل أن تتحرك من أمام عوشة مفسحة المجال لأخواتها بالسلام ..
لكن عينا عوشة تصلبتا .. دون أن تتبع ذاك الجسد .. لتسقط على الوجه الناعم الذي توقف أمامها مجددا ..
حور ..؟؟؟!!!
من هذه إذا ..؟!!!!
يبدو أنه قد فاتها التعريف بالقادمين الجدد .. فلم تعد تدري من هؤلاء ..
صوت جدتها المتهدج المثقل بدموع الفرح .. يتردد داخلها .. و الجميع يستقرون جلوسا ..
قبل أن تحول عينيها للمعنية ..
فتعيد توجيه مشاعرها ..
بحثت بلهفة عن حقدها .. و استيائها البالغ .. عن الغيرة و الكراهية التي تحسّها نحو الصورة التي رسمتها في ذهنها للمرأة التي استطاعت استدراج الرجل الذي تحب ..
تأملت البشرة الصافية .. و الوجه المستدير .. و النظرة الهادئة ..
ملامحها العادية لم تعكس أي إنطباع لديها ..
لا شيء .. لا شيء ..
سوى برودة غريبة راحت تسري في عروقها .. و إحساس عميق بالشفقة تملّكها ..
لا تصدّق أنها أسرفت ساعات في زينتها اليوم صباحا .. و في إختيار ملابسها ..
أرادت أن تبدو متألقة .. و لا تقارن بزوجته ..
لكن ..
الآن .. و أمام هذا الجسد الصغير الذي بدا أنه لمراهقة كبيرة أكثر من شابة تقارب الرابعة و العشرين ..
و هذه الملامح العادية .. و شخصيتها البسيطة ..
أدركت أنها لو أتت ببيجاما النوم إلى هنا لبدت أكثر إشراقا و لفتا للانتباه ..
رغم هذا .. لم تجد شيئا من الاشمئزاز لتشحذ به مشاعرها ..
كل شيء تحوّل لشعور هائل بالخيبة .. الشفقة .. و التوتر ..
الصدمة سلبتها قوة أحاسيسها .. لتتركها مجردة من أسلحتها ..
على سجيتها فقط .. تنظر لذاك الوجه بابتسامته المضطربة الفاترة ..!
أختها تلك بدت أجمل منها .. أكثر تألقا .. و نقاءً .. و لو أنه إختار تلك اليانعة لأدركت لما ..
لكن هذه ..!!
تبا له ..
إنها تبدو باهتة للغاية أمام رجولته الطاغية ..
هذه المسكينة لا تدرك حقا حقيقة الرجل الذي تزوجت ..
بتكبره .. و قوّته .. و جبروته ..
بتحكمه الهائل و سيطرته ..
بذكائه الفذ .. و صرامته ..
سيسحق هذه الطفلة في لحظات ..
لن تعلم حتى ما الذي حدث لها ..!
أتعلم حقا أي نار يتوقد بها ذاك الرجل ..؟؟!
هي ذاتها قد كويت بحر تجاهله .. و لذعت بمر جفاءه ..
لحظــة ..!
لحظة واحدة فقط ..
أ يخيل إليها ..؟! أم أنها أصبحت عطوفة فجأة ..
ما الأمر ..؟
أين كل ذاك الاستعداد .. و الحماس .. تري تلك المتطفلة حجمها و حدودها ..
لما فتر الحقد فجأة ..
لا يعقل أن تكون قد نسيت أن هذه الفتاة هي نفسها من يربطها عقد زواج بالرجل الذي تحب ..
هذه الفتاة التي اختطفت الرجل الوحيد الذي تشعر نحوه بالتملك ..
إذا ..؟!
لا يمكن أن تندفع خلف إحساس غريب بالعطف إتجاهها ..
عادت لتنظر لها ..
تتمعن في وجهها الصافي .. الهادئ ..
بدت صغيرة .. و عديمة الخبرة بشكل مهول ..
و أتت هي هنا اليوم متوقعة أن تجد شابة واثقة .. أنثى مكتملة ..
نصفا يكمّل رجلا بتلك الفظاظة ..!!
و كل ما وجدته هو فتاة شاحبة .. بدت مذعورة بشكل ما .. و هي تجيل عينيها الكبيرتين فيما حولها ..
عجبــــا ،،
لما بدا أن إندفاعها و حماسها لتأديب هذه الدخيلة قد خبا فجأة ..؟!
.
.
- الله يغربلها محلاها ..!!!!!
همست نورة بتلك العبارة المثقلة بالإعجاب .. و عيناها تتعلقان بوجه ابنة عمهم الشارد ..
ماذا كان اسمها ..؟! نعم .. عوشة ..!
لتجيبها دانة بنفس الهمس ..
- هيه و الله .. أحلى عن روضة و ختها .. طالعي ختها كيف تطالع عفرا .. شكلها معجبة ..!
رفعت نورة عينها للفتاة التي كانت تمعن النظر في عفرا ..
بوجهها الخالي من المساحيق عكس عوشة و روضة .. و تلك الجلسة المسترخية .. و ثوبٍ قطني فضفاض ..
و قدمين تستريحان في صندلين خشبيين .. بدت لعيني نورة المرحتين أكثر خشونة من أن تلبسها فتاة بجمال تلك الملامح ..
لم تكن تشبه روضة كثيرا ..
بل بدت أكثر ميلا لأخيها الأصغر .. ذاك الذي كان يتردد مع ابن عمه على بيتهم في الآونة الأخيرة ..!
لكن نظراتها المنصبة على عفرا لم تكن مريحة ..
كانت تتمعن في وجه عفرا المتصلب .. التي كانت تبادلها النظر بشيء من البرود ..
قبل أن تميل نورة نحو أختها و هي تهمس ..
- حي .. بلاج يا الناقة .. كلتي البنية بعيونج ..!!!
أشاحت عفرا بنظرها عن شيخة و هي تجيب أختها ..
- ما تشوفينها هي كيف اتطالع .. قسم بالله ما توقعت أشوفها هنيه ..!!!
اتسعت عينا نورة بدهشة ..
- تعرفينها ..!!!
هزت عفرا رأسها رفضا ببساطة و هي تقول ..
- اشوفها في الجامعة ..
- ما قلتيلنا يا الناقة ..
- شوه أقولج عن كل بنية بشوفها في الجامعة ..
- هاي هب بنية .. هاي بنت عمنا يا الغبية ..
رفعت عفرا حاجبا مشمئزا دون أن تعيد النظر لابنة عمّها ..
- صدقج و الله هب بنية ..!!
.
.
أدارت شيخة عينها أخيرا من وجه عفرا و هي تنظر حولها قبل ان تقع عينها على الفتاة الجميلة الجالسة بجوار روضة .. فيما جلست أختهن الكبرى على الجانب الآخر .. و روضة تتبادل معهن حديثا باسما إختلط بأصوات النسوة المتحمسة .. و المتعالية .. و حركات بهلوانية رحن يقومن بها في وجه زوجة عمها الجديدة ..
صمّاء ..!!!
كم هذا مضجر .. كيف اذا ستتعرفهم و تعيش معهم .. أ و لم يكن أفضل لها أن تواصل حياتها بعيدا عن إزعاج هذه العائلة ..
راحت عينها تتفحص الأوجه الجديدة .. لا شيء منها قد يجذب إهتمامها سوى الفتاة التي بدا وجهها مألوفا و علمت أنها قد رأتها أكثر من مرة في الجامعة .. و تلك الفاتنة التي تجلس بجوار روضة بهدوء دون أن تتكلم أو ترفع عينها عن الأرض ..
و زوجة أخيها الأكبر ..
الحقيقة أن زوجة أخيها كانت مفاجأة حقيقية ..
لم تكن تتوقع بأنها ستكون هكذا .. لم تبدو ملائمة بأي شكلٍ من الأشكال لغيث ..
القوي .. المتكبر .. البارد .. الصارم ..
ذاك الرجل المتحكم ليس بحاجة إلا لإمرأة تكون ندا له ..
و لكن ما أثار حيرتها هو ردة فعل عوشة ..!
عوشة التي أقبلت بكامل زينتها .. تبرق الألوان في محيّاها ..
و هي ترفل بثوبٍ ناعم بدت فيه كأميرة باذخة الحسن ..
لتجلس الآن في مقعدها بهدوء .. شرود يعلو محياها و عيناها تتعلقان بحور .. التي بدت مضطربة لمثل هذه النظرات ..
الغريب أن هذه الجلسة بدت متوترة بشكلٍ ما .. جميعهن باستثناء النسوة يلتزمن الصمت .. أو أحاديث جانبية ..
سحقا لهم ..
لو علمت ان الأمر سيكون بهذه السخافة لما كلفت نفسها عناء المجيء إلى هنا ..!

* * * * *

يجلسون في حلقة واسعة في ذاك المجلس المترف .. بعد الغداء ..
فيما انزوى ثلاثتهم بعيدا عن الجميع ..
لم يتوقف عن الضحك و هو يطالع الوجه المألوف في الجريدة .. قبل أن يلقيها في حضن عبيد الذي راح يطالعها بجبين معقود .. قبل أن يوجه هزاع الضاحك حديثه لأحمد ..
- و الله و سووها .. طاع ويهه .. لو مكان حمدان ما بمشي في الشارع الا و انا متلثم ..!!!
نظر أحمد للصورة في يد عبيد بابتسامة مكتومة قبل أن يقول بوقار مهزوز ..
- لا تتشمت لا يبلاك ربيه ..!!
شخر هزاع بشيء من السخرية ..
- لا أنا مواطن صالح ما أقحص في الشوارع عسب يزخونيه و يحلقونيه ع الزيرو خلاف يصورونيه و أنا أخم الشارع و ينشرونها باسميه في الجرايد .. في الأماكن النائية و القانونية فقط .. بو حميد تيك كير .. لا تسويها شرات هالمخبل و يزخونك ..
وضع عبيد الجريدة بابتسامة هادئة ..
- و الله ياخي أنا هب فاضي لهالسوالف التافهة .. و ما ضيّع وقتيه و بترول موتريه في التقحيص ..
وضع أحمد يده على وجهه يضحك ..
- أخخ .. كانها نغزة ..
ضحك عبيد بهدوء ..
- لا و الله هب نغزة .. بس صدق .. أشغل وقتيه فشي ينفعنيه أخير عن الهياته و الدوس بموتر .. حياتيه هب رخيصه يا خوك .. ورايه هليه .. يبون العون ..
ابتسم هزاع ..
- يا ولد ..!! منطق عجيب .. المهم .. الليلة بنسير لتركي بنتعشى عنده في السكن .. و معزر انييبك ويانا .. شرايك ..
بدت ابتسامة خجولة على شفتي عبيد و هو يجيب موافقا ..
- و الله ما عنديه خلاف .. عقب المغرب بنتلاقى فمكان ..
لكن أحمد أشار بيده ..
- لا .. لا .. بنخطف عليك نحن .. و بنسير رباعة ..
هز عبيد كتفيه .. و هب واقفا حين رأى أبوه و أخوه الأكبر على وشك المغادرة ..
- خلاص و لا يهمك .. يا الله يا شباب .. نشوفكم ع خير ..
- عقب المغرب ..؟
ابتسم عبيد مؤكدا ..
- عقب المغرب ..
.
.
لولا واجب يفرض عليه الحضور إلى هنا ..
و لولا إندفاع غريزي لمرافقتهم .. لما خطا بأثر على أرضهم هذه ..
عيناه المتحفّزتين الكارهتين كان تخفي بغضا دفينا و هو يتجنب النظر لوجه رئيسه المتكبر ..
ليس رئيسه هنا .. ليس سوى قريب له .. و بشكل ما صهره ..
رغم ذلك كان تكبّره و تعاليه البارد يرسم حواجز عدّه ليجعل الحديث في مستوى رسمي ،،
لم يشعر بالنفور و الحقد نحو شخص كما يشعر بها الآن نحو زوج أخته ..
الآن هو هنا من أجلها ..
لذلك لم يستطع نفسه من تسديد نظرات متحديّه و هو يتوجه نحو الباب الخارجي مع عبيد أبوه و غيث و جدّه و عمّه مطر .. و يقول بنبرة قوية ..
- بو سيف و لا عليك أمر .. خل خالوه و حور ختيه يظهر بنسلم عليهن قبل لا نسير ..
تصلب الملامح السمراء القوية .. و غطاء من القسوة أسدل على عينيه الحادتين أنبأت مايد بأن هذا الرجل يتوقع منه حذرا و خشية في المعاملة ..
حسنا .. هذا ما سيحصل عليه ..
في حدود مكتبه فقط ..!
لذلك استمتع بالصمت قليلا بينهما و توديع سلطان للجد و إبنه يأتي من البعيد .. قبل أن تلتوي شفتي غيث بسخرية و هو يرفع حاجبا .. قبل أن يلتقط هاتفه ليضرب عدّة أرقام بهدوء .. ثم يصدر أمرا قاطعا بصوته الرجولي الخشن ..
- خلو حور و أمها يظهرن عند الباب لي قدام .. بو مايد و عياله بيروحون ..
و ثانية للطرف الآخر يرد فيها قبل أن يعيد الهاتف بصمت لجيبه .. مشيرا بيده نحو الباب و صوته البارد يتشدق في وجه مايد ..
- حيّاك الله ..
.
.
لو كان الموقف سانحا ..
لحطّم فك مايد الذي انزوى قليلا بحور و قد بدا على وجهها الإهتمام قبل أن يدنو منهما عبيد .. ليحيط كتفها بذراعه ..
شعر بشيء من التملك يكتنف صدره و هو يتشاغل بسلطان الذي يلوّح في وجه أخت زوجته مع كثير من الصراخ ..
شيء كاللهيب راح يسري في عروقه .. لم يخمد مع افتراق الإثنتين عنها و هي تراقب رحيلهما بجانب أمها ..
رحن يرقبن قفا تلك السيارة المتواضعة و هي تتجاوز البوابة البعيد .. فيما تمد حور كفيها لبرهة مع استدارة أمها و توجهها للداخل ..
بدا عليها التململ .. و كأنما تريد الحراك و تخجل من التحرك دون كلمة ..
غريب ذاك الشعور الذي تملكه و هو يفصل البضع الخطوات بينهما .. ليمد يده لها .. يطبق على يدها .. و يجذبها نحو زاوية المدخل المظللة ..
مكان يثق بأنه لن يراها فيه العمّال .. أو الخارجين من المجلس ..
فيرفع غطاء وجهها بسرعة ..
بدت عينيها زائغتين لبرهة .. قبل أن تخفضهما باضطراب ..
يتأملها لثانية قبل ان يسأل بصوت عميق ..
- شحالج ..
هه .. كم هو مضحك هذا السؤال ..
أ و لم تكن معه في السيارة حين جلبها إلى هنا ..؟؟!
لكنها لم تنبس بحرف .. لم تلقِ التحية حتى ..
رغم هذا .. أراد أن يعرف بما تشعر .. كيف تواجه الأمر بالداخل .. ما الذي يخالجها ..
ما سبب هذه النظرة الخائفة و كأنما انسل الأمان برحيل سلطان و أبناءه ..
صوتها المرتجف لم يسعف تظاهرها بالشجاعة و هي تقول ..
- الحمد الله ..
أحن رأسه و هو يحملق في تعابيرها بعناية ..
- شفتي هليه ..
أومأت بنعم ..
- شرايج ..؟؟
بدت الحيرة على وجهها ..
- كيف يعني ..؟؟
- ما عيبوج ..؟
فتحت فاهً بضياعٍ قبل أن ترخي أهدابها بخجل .. لتجيب بصوتٍ منخفض .. متوتر ..
- طيبين ..
طيبين ..؟؟
فقط ..! لا بأس .. لن يطلب منها الكثير .. ستعتاد الأمر سريعا ..
ثم مهلا ..
لمَ هذه اللهفة الغريبة و الاندفاع لمعرفة ما هو شعورها نحوهم ..؟!
فلتفكر بما يريد .. لما عليه أن يكترث ..
و على هذه الفكرة أطلق يدها .. لتقف أمامه بصمتٍ مزعج .. ثم تهمس دون أن ترفع عينها عن الأرض ..
- أنا بحدر داخل ..
هزّ رأسه موافقا .. تستدير هي بسرعة .. تنوي الدخول ..
لكنّه لم يشعر سوى بيده التي امتدت مجددا لتقبض على طيفها قبل أن تتركه ..
تلتف يده القوية على عضدها يديرها نحوه .. و يجذبها بسرعة ليدفن وجهها في صدره بقوة ..
عمق أنفاسٍ ساخنة انفلتت من صدره تلفح غطاء رأسها و هي تستكين بهدوء .. فيما يحكم بذراعيه حولها ..
قبل أن تضع راحتيها الصغيرتين على صدره الفسيح تدفعه بخجل ..
أبعدها عنه دون أن يفلتها .. عيناه تلتهم تقاسيم وجهها المحمر الوجل ..
و عيناها الضائعتين .. لمع فيهما مئة إحساس ممزق ..
لم فعل ذلك ..؟!
هل هي الرغبة في بثّها الأمان لتدرك أنها بمنأى عن الأذى حتى برحيل إخوتها ..؟؟
ما الذي يدفعه للحيرة الآن .. تلك المشاعر الغريبة بدت أكثر وضوحا و هو هنا ..
في بيته .. و أرضه ..
إحتضن وجنتها بكفّه .. قبل أن يتنهد بقوة و هو يقول بصوتٍ أجش ..
- سيري يا الله ..
عيناها الواسعتين تلمعان بقوة و هي تنظر له بشيء من الذهول ..
إذا إستمرت تنظر إليه هكذا فسوف ...
قال بحزم و هو يحركها بلطف ..
- حور .. حدري بيظهرون الشباب الحين ..
خفقت أهدابها بسرعة قبل أن تنزع نفسها بسرعة و هي تتوجه للباب الكبير .. تكاد تهرول بجزع ..
تملكته نشوة حمقاء ..
تبا لها ..
بدأت تحفر ثقبا في جدار يلف روحه ..!
.
.
- يا الله أحمد يرقبنا براا ..
قالتها روضة بضيق واضح .. لترفع شيخة حاجبيها باستغراب ..
- الحين بنسير ..؟؟
هزت روضة رأسها بقهر .. و قد بدت لهفتها للبقاء جليّة ..
- يبون قوم عميه يرتاحون .. و يرتبون أمورهم ..
- و عوشة ..
- ما تشوفينها لا بسة عباتاا .. بتسير الحين .. حتى عماتيه .. العرب كلها بتسير ..
مطت شيخة شفتها بلا مبالاة و هي تقف بملل ..
- أهاااا .. بييب عباتيه ..
توجّهت نحو المقعد البعيد الذي رمت عليه عبائتها تلتقطها و هي ترتديها .. عيناها لا تفارقان النظرة الزجاجية الباردة التي علت وجه عوشة ..
فيما تفكر يا ترى و هي تجلس قرب زوجة الرجل الذي تحب ..؟
ألا يحرق ذلك فؤادها الغيور المتملك ..ألا يدغدغها خبث مشاعرها ..؟!
تجاوزت الجمع المتفرق الذي انشغل بسلام الوداع .. لتنسل بهدوء .. الحقيقة انها ليست حمل المجاملة و لعب دور المضيفة الطيبة ..
لذلك تحركت للخارج ..
و ما إن لفحت أشعة الشمس وجهها .. تنفست براحة عميقة ..
تتقدم بخطوات متعجلة و هي ترى سيارة أخيها اللامعة تنتظر على مقربة من الباب ..
و لكن ما إن إقتربت حتى ظهرت من الجانب الآخر سيارة مسرعة تتوجه نحوها تماما ..
تصلبت في مكانها بذعر .. لكن السيارة واصلت التقدم نحوها بتهور و سرعة متعمدة و كأنما تقصد الإصطدام بها ..!
و على مسافة انشات من جسدها توقفت مقدمة السيارة السوداء .. فيما راح الغضب يتلوى في صدرها .. و صاحبها ينزل زجاج نافذته .. ليطل بوجهه الضاحك من خلف نظاراته الداكنة و هو يقول ساخرا ..
- حوووه يا بو الشباب .. بطل عيونك ..
تصاعدت الكراهية في داخلها إثر تلك الكلمة .. فيما يضحك هزّاع .. ممازحا إياها ..
- شويخ شحالج .. ما شفتج تصدقين عاد ..!! لو اذنيج مخرمة كان انتبهت ..
لكن المزحة لم تكن مضحكة إطلاقا ..
كانت شائكة ..
خدشتها بقوة ..!!
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
لا زالت تنتفض بقوة .. قلبها يخفق بجنون ..
سلبها القدرة على الإحساس بما حولها الآن .. فراحت تتحرك بآلية ..
بشكل ما .. عزلها بذاك القرب عنهم جميعا و عن مشاعرها المتخبطة ..
تلك الأحاسيس التي لم تستطع تفسيرها أصبحت رمادا حين ألهبها بدنوه منها ..
كان الجميع قد ترك المكان .. لم يعد في هذا البيت الضخم سواهم و أصحابه ..
فيما راح قلبها يخفق بثقل .. و فكرة أخرى تقتحم عالمها المجنون ..
الآن و في أي لحظة .. ستراه .. و ستلتقيه ..
ذاك الرجل .. الذي لم تعرفه يوما .. سوى لفظٍ مكملٍ لإسمها ..
رجل أبعدهم لسبب لا تعرفه .. ليعود و يطالب بهم الآن ..
بعد ماذا ..؟!
بعـــ ...
ماذا ..!
أ يخيل إليها .. أم أن جدتها الفرحة تقول بإبتسامة واسعة .. غضّنت وجهها المعجد ..
- إقرب ياب بو علي ..
.
.
بو علي ..
بو علـــي ..
بو علــــــي ..
رفعت عيناها ببطء ..
تؤجل لحظة فقط من رؤيته ..
ثم ..
أمام باب المدخل الذي انفتح بعرضه .. دلف ثلاثة رجال .. يتقدمون نحوهم .. تعرفت عمّها مطر الذي رأته في المستشفى عند ولادة سيف الصغير ..
فيما تتسع عيناها بقوة .. و هي تصطدم بمرأى الرجل الذي تقدم الإثنان ..
ليصبح ما حولها مجرد خيالات باهتة .. و تغرق هي في إحساس مجهولٍ لفّها ..
في مشيته المختالة .. و جسده القوي رغم كبره ..
في تلك العينين ..
تلك الحدقتين الناعستين .. و تلك النظرة الصارمة .. العينين اللتان ضاقتا قليلا ..
أُلفة بثّها ذاك التحديق المتكبر .. و ذاك الأنف الشامخ ..
لتشعر في تلك البرهة التي توقف فيها أمامهم .. بقشعريرة تسري على طول ظهرها ..
تكاد تلمس روح راحل تحوم الآن حول رؤوسهم .. تراقب هذا اللقاء البارد ..
.
.
يدغدغ صوت إحدى أخواتها أذنها و لا تعرف من هي ..
تهمس بإحساس انتزعته من ركنٍ في قلب حور ..
- أبويه ..
و أيقنت أنها لا تشير لأي شبه قد يربط أبيها بهذا العجوز القوي ..
شيء مختلف .. أشعرها بأنها في حضرة والدها مجددا ..
شيء راحت تنبش في عينيه الباردتين اللتان راحتا تدوران في وجوههم ..
شيء لم تجد الوقت لبحثه بعد .. أو إيجاده .. فتفسيره ..
كل ذلك إنهار و انتهى في لحظة واحدة ..
حين دوى من خلفها صوت ارتطام ثقلٍ ما على السجادة الغليظة .. امتزجت بشهقة ..
و صوت عفرا تهتف بذعر ..
- المهــــا ..!!!!!
لتلتفت بجنونٍ إلى الخلف ..
أمام عينيها المذهولتين .. كانت المها ممددة على جنبها بهدوء ..
.
.
و كأن روحها الشفافة أُرهقت بما فيه الكفاية ..
فآثرت النوم ..

* * * * *

ليلٌ بارد أطبق فكيّه على ليبتلع قرص النور في الأفق ..
مخلفا نزفا داميا يشهد تمزقها بين أنياب وحشته ..
لتوغل الظلمة .. فتغفو أجفان المخلوقات بأنفاسها المتعبة ..
ليل شتاء .. إمتد بشكلٍ داخله .. بل بدا أن ينبثق من روحه ..
و هو يترجل من سيارته ببطء .. عيناه تتعلقان بالفيلا الضخمة الرابضة بكسل على الأرض امامه ..
تبعثره الأيام ..
تتوهه بشكل ما .. و تبعده عن أحضان بيت أبيه مرغما .. ليجد الأيام وحدها ..
تلك التي أبعدته تعيده ..
رغم تغيّر البيت .. لم يستطع قط العودة للعيش مع أبيه و زوجته و إخوته ..
لم يستطع قط أن يفعل ..
فضل أن يمضي عمره تحت كنف جديّه الحبيبين ..
و الآن .. و هو مضطر لترك المكان ..
لفترة سيحرص حتما على أن لا تطول ..
يجد نفسه على عتبات بيت أبيه مجددا ..
عائد إلى هنا ..
كم سيكلفّه ذلك باستثناء ذكرياته الموجعة التي ....
.
.
ربما كان رنين هاتفه رحمه .. الذي انطلق شاقا صمت روحه .. و تدهور أفكار كادت تقوده نحو ما لا يرغب في أن يفكر به ..
لكن من ..؟
من سيتصل به في هذه الساعة المتأخرة من الليل ..
لقد تجاوز الوقت منتصف اليل فعلا ..!!
دس يده في جيبه يرج هاتفه المحمول قبل أن تتلهف عيناه لاسم مساعده .. فيجيبه دون مقدمات ..
- ألووه ..
يتدفق صوت بطي المتوتر ..
- ألووه مرحبــــا ..
إجابة واحدة يحتاجها أكثر من هذه المجاملات ..
لا سبب قد يدفع بطي للاتصال به في هذا الوقت سوى عذر أعطاه إياه .. لذلك قال بإختصار قوي ..
- لقيتووه ..؟؟
رد الصمت جوابه للحظة قبل أن يعود بطي ليجيبه باختصار ..
- هيه طال عمرك ..
برقت عينا غيث بوحشية و هو يكشر بقوة ..
- لقيتوه وين ..
- لقينا موتره قدام شقه فراس الخيمة .. و راقبناه .. و يوم ظهر .. يودناه ..
- و بعدين ..
- هو ويانا الحين و موتره ويانا بس ....
عقد غيث جبينه .. و هو يستعجل محدّثه ..
- بس شوه ..؟؟!
- آآ .. طال عمرك .. الريااال .. الريال شكله هب صاحي .. عسب كذيه رمنا عليه و يبنا موتره بعد .. عبدالرشيد يسوق الموتر و الريال وياية أنا و محمد .. يبالنا ساعة و نكون في العين ..
لكن غيث لم يفهم لذلك قال بحذر ..
- هب صاحي ..؟؟
- هيه طال عمرك .. شكله ..كان .. يعني .. أظنه سكران و الا متعاطي شي ..
انفجر شيء ما في داخل غيث .. شيء كالانتصار الحاقد .. و هو يهمس بصوت وحشي ..
- هذا المطلوب .. تعرف طريق المزارع ..؟؟
- أي واحد ..؟؟
- لي صوب الخزنة ..
- ما تبانا نييبه العين ..؟؟؟
- لاا بلاقيك هناك .. كم يبالك عسب توصل ....؟
- يمكن ساعة الا ربع ..
- خلاص أول ما توصل سوليه تيلفون ..
- إن شا الله طال عمرك ..
أنهى المكالمة بعجل .. قبل أن يلقي نظرة أخيرة على المبنى الذي بدت عليه الخيبة بشكل ما ..
لن تؤرقه كوابيسه هنا .. لهذه الليلة على الأقل ..
وراءه عمل مهم عليه أن ينهيه ..
عمل لا شيء في الدنيا قد يمنعه من التلذذ بإنهائه ..
.
.
و بدا أن مجنونا يقود السيارة المسرعة التي انطلقت خارج البيت ..
تنهب المسافات للمكان المقصود نهبا ..
ليلة الحظ ذاتها هذه ..
و كأن الرب راح يهيل عليه العطايا تباعا ..

* * * * *

قدماها اللتان لا تتوقفان عن الدوران تغرق في السجادة العجمية الفاخرة .. و هي تفرك يديها ..
شيء من الخوف الغريب أخذ يتمدد بين أضلعها .. و قلبها ينبض توجسا .. و هي تدير عيناها بوحشة في الجدران الذهبية العالية .. و السرير الوثير بمخدّاته الناعمة ..
و تلك الستائر الطويلة الثقيلة التي راحت تتدلى لتحجب نافذة تعتزل الظلام الذي هبط ..
لا صوتٌ يمكن أن تسمعه الآن .. سوى الدم يضج في أذنيها توترا .. و عقارب الساعة التي راحت تشير للثانية بعد منتصف الليل ..
كانت قد استيقظت قبل الفجر .. و لكن النعاس لا يقارب عيناها الآن ..
أنى لها أن تغفو و هي تحت سقف الرجل الذي نفى والدها خارج حدود عائلته .. ليعيش سنوات عمره وحيدا .. مبعدا ..
عن إخوته .. أمه .. أمان عائلته ..
كيف طاوعه قلبه ..؟!
تذكرت رجفة قلبها .. مع ذاك الشعور المبهم .. تكاد تقسم بأن تلك العينين .. تلك النظرة الصارمة ..
نافذة روح أبيها الراحل ذاتها ..
هي ..
متأكدة بأن الشعور نفسه راود اخواتها .. نظرة الصدمة الممزوجة بالحنين و الألم الصاعق كانت مشتركة ..
ذاك الرجل لم يكن يشبه أبيهم بأي شكل .. بل بدا أصغر سنا لو فكّرت بذلك ..
بشرته العجوز كانت أفضل من الشقوق التي كست وجه والدها الكالح اثر شقاءه تحت جحيم شمس النهار طوال اليوم ..
لكن بشكل ما .. زرع حضوره القوي شيئا يشبه عودة لوالدهم ..
شيء دفعهم للبكاء .. للتشتت .. شيء أثار ذعر طفلة طاهرة كالمها ..
لا تعرف من الدنيا سوى حدود عائلتها الصغيرة ..
ليصبح ما واجهة اليوم أكثر مما قد تحتمل .. شيء أذهب وعيها ..
و دفعها للاستتار خلف اللاوعي ..
تمنت بيأس لو أنها أصرت على ملازمتها .. و لكن الجميع أجمع بأنها بخير .. و عليهن أن يأوين للفراش .. بعد يومهن الطويل ..
لكنها لا تريد النوم .. تشعر بالوحدة ..
لم تعتد قط على النوم وحيدة ..!
ماذا ..؟!
أهذه أول خطوة للعيش هنا ..
التشتت و توزيع جميعهم على الغرف العملاقة الممتدة بطول الطابق العلوي الفسيح ..
هذا الهدوء الذي يلف المنطقة البعيدة عن المناطق الشعبية الممتلئة بالسكان يطبق على أنفاسها ..!
ماذا عليها أن تفعل الآن ..؟!
استلقت على السرير الذي اهتز تحت ثقلها ..
فيما غاص جسدها في نعومة الدثار الثقيل ..
راحت الوجوه المشوشة العديدة تدور أمام عينيها .. يلزمها الكثير من الوقت لتعتادها ..!
تقلبت لبرهة .. ثم ..
انعقد جبينها ببطء و هي تصيخ السمع ..
لا .. لا تتوهم..
الصوت واضح للغاية .. شيء كالخشخشة أمام باب حجرتها .. لتجد نفسها تقفز على قدميها و هي تدنو من الباب ببطء ..
تقوس ظهرها بخوف .. من هذا الذي يريد اقتحام غرفتها في الثانية فجرا ..
تحركت بسرعه نحو الباب بشجاعة زائفة .. تريد مفاجأة القادم و لكن ما ان اقتربت حتى فتح الباب باندفاع ..
لتصرخ بقوة ..
صرخة امتزجت بعدة صرخات .. و دانة تقفز في الهواء خوفا و هي تحتضن اللحاف فيما اهتزت أجساد أخواتها خلفها ..
قبل أن تلهث عفرا بفزع ..
- أووصصصصصصصص .. الله يغربلكن .. بتوعن هل البيت ..!!!!!
تتدارك حور أنفاسها باختناق ..
- عنلااااتكن .. روعتنيه .. ما تعرفن ادقن الباب ..؟؟ بغيت أموت ..
زفرت نورة و هي تجتذب اللحاف و المخدة اللذان تحملها بين يديها ..
- ع الأقل انتي شايفة ويوه فيها الخير .. شوه نقول نحن يام دويس ..
- احترمي نفسج ..!!
- انشا الله عمتي ..
و فجأة راحت تركض حين رأت دانة تتقدم بسرعة نحو السرير ..
ليتحول الأمر فجأة لمسابقة جري قبل أن يقفزن الاثنتين معا على السرير ..
فيما تهز عفرا رأسها و هي تدخل .. و حور تسرع لحمل لحاف المها من بين يديها .. و هي تقول ..
- خير .. خير .. شوه يايبنكن ..؟؟؟
هزت دانة كتفيها ..
- الشوق لو تدرين ..!
ابتسمت حور بخبث .. و عفرا تفرش لحافها مثنيا على الأرض و تلتقطج لحاف المها لتفعل به المثل ..
- برا لو سمحتن .. أنا ما صدقت انيه افتكيت من شركن و غدت ليه حجرة بروحيه ..
دفنت دانة نفسها تحت الأغطية ..
- ان شا الله .. أقول .. خلي نورة تخوز .. لنيه ما بتحرك .. حيزت المكان قبلها .. و الشبرية ما تسد الا ثنتين منا ..
قبل أن تنظر لحور باستعطاف ..
- الا اذا بتضحين يا أختنا الكبرى .. و ترقدين في القاع ..
وضعت حور يدا على خصرها فيما تندس المها الذي بدا التعب جليا على وجهها .. و عفرا في البطانيات المرتبة على الأرض ..
- اكسكيوزمي ..؟؟!!!البيت بيت ابونا و القوم حاربونا ..!! يا الله .. ولا وحدة منكن .. المها بترقد اروحها ع الشبرية .. و نحن كلنا في القاع ..
مناوشات عدّة و اعتراضات .. و تذمر ملأ المكان قبل أن يتوسدن الأرض جميعا .. و تستلقي المها بلطف على السرير .. ثم تتوجه حور أخيرا نحو زر الانارة بهدوء .. فتطفئة ..
ظلام دامس أعمى عينيها و هي تتلمس الطريق للفراش الذي وضعته بجانب عفرا ..
- آآآآآآآه .. حووووووور .. دستي ع ريليه ..
كانت تلك صرخة نورة المتذمرة ..
- ما شفتج زين ..!
- اففف..!!
- لا تتأففين ..
- بتذليناا شكلج ..
- عيل .. حجرتيه ..
- خيبة ..! من الحين عايشة الدور ..
- برا لو سمحتي .. ارقدي اروحج ..
- و اللييييييييييل ..!! شكلي بنش صدق .. ما تعرفينيه ..
ثم راحت تستشهد ببيت شعري بصوتٍ مسرحي ..
- أظما و لا ارجي حاسدي شربة الماي .. لا قرب الله بيد النذل شربتي ..
ابتسمت حور في الظلام ..
- انا حاسدج !!.. تعالن .. ليش يايات ..؟؟
تنهدت دانة ...
- أقول حور .. صدق مذلة .. استحي ع ويهج .. هاي يزاتنا .. قلنا أكيد حور اروحها و خايفة بنسير و بنرقد وياها ..
ضحكت حور ..
- حلفي بس ..
- هيه ..
لكن صوت عفرا الهادئ وصل حور و هي تجيب ..
- الصراحة ما رمنا نرقد .. أنا ما يانيه رقاد مع انيه ميتة من التعب .. و هالثنتين ين عنديه يبن يرقدن ويايه .. قلت بنخطف ع المها .. و لقيناها واعية بعد ..آخر شي شلينا قشارنا و قلنا أكيد انتي هب راقدة .. و لو راقدة بنرقد عندج ..
تنهدت حور بقوة ..
- يا حظهن مزنة و هند .. ما عليهن من حد .. رقود عند أماية .. و نايف ريال.. متعود يرقد اروحه .. بس المصيبة نحن .. كيف بنتعود كل وحدة ترقد اروحها ..؟
تذمرت عفرا بصوت مثقل بالنعاس ..
- لو حاطين لأمايا حجرة عدنا فوق ع الأقل ..
لكن الاعتراض أتى فورا من صوت نورة ..
- لا شوه .. تعب عليها .. أخير لها .. أهم شي راحتاا .. و بعدين تكون قريب من يدوووه ..
ثم قالت بصوت مختلف ..
- فديت يدوووه .. اليوم طااااايره .. طااااااااايره ..
ضحكت دانة ..
- طايره و الا سيارة بوووووو .. صدق .. مستانسة و متشققة .. حرام .. غمضتنيه ما دري ليش .. تخيلت ولديه معرس و عنده عيال .. و ما اعرفهم ..!!
ضحكت حور بعمق ..
- خيييييييبة كيف يشطح الخيال .. عرستي و يبتي عيال .. و لحقتي تظاربين ولدج و تروغينه .. و تعيزين وراه بعد ..!! بس تدرن شوه .. حتى أنا رحمتها .. بنات شرايكن في عوشة ..؟؟؟؟
هتفت نورة و دانة معا ..
- كشخـــــــة ..!
وافقتهن حور باعجاب ..
- هيه ما شا الله عليها وايد حلوة .. حتى مشيتاا حلوة .. و يلستاا حلوة .. و دلعها بعد حلوو ..
شخرت عفرا ساخرة ..
- و الله ..!! اخطبيها ..
- لا صدق ما شا الله أنا أقول رويض ملكة جمال .. طلعت هاي لي فيهن .. بس مادري كيف خت رويض متكبرة حسيتاا .. شسمها ..؟؟ شيخة صح ..؟؟
أجابتها دانة ..
- أونج عاد ما صميتي أسامي هل غيث واحد واحد .. انا متأكدة انج تعرفين حتى أسماء أسلافه .. شيخة تعرف عفرا ..
تفاجئت حور ..
- تعرفينها عفاري ..؟؟
أنكرت عفرا بقوة ..
- لااا .. ما عرفها .. بس أشوفها في الجامعة .. بس ع فكرة .. شكلها غير في الجامعة ..
ضحكت نورة ..
- شوه تحط ماسك ..؟؟
- هه .. هه .. هه .. باايخة .. لااا .. الهيئة غير عن لي تشوفن .. أظنيه انها بوية ..
صرخت نورة و دانة بصدمة ..
- شوووووووووووووووووووووووه ..!!!
صرت حور على أسنانها بغيض ..
- غربلللللللللللللللللكن الله مسوداااااااااااات الويووووه .. طريتن اذنيه .. بتوعن القوم بصريخكن .. بلاكن ..!!!
تجاهلتها نورة و هي تسأل عفرا بذهول ..
- كيف عرفتي انها بوية .. ؟؟؟
ردت عفرا ببساطة ..
- شكلها .. و مرابعة أخس بوية في الجامعة .. بنت ريال معروف حتى .. و لامة عليها بنات و مخبل شراتا و مسوية شلة خايسة ..
شعرت حور بأنها ضائعة لبرهة قبل أن تتذمر ..
- حوووووووووه .. شوه يعني بوية ..
كان صوت دانة حانقا ..
- وين عايشة انتي ..؟؟ يعني مستريلة .. عفاري شوه تلبس شيخة في الجامعة ..
- عباة مصكّرة مبطلة من الصوبين من تحت و تلبس تحتها بناطيل تبين يوم تمشي .. و مرة شفتاا لابسة عباة مفتوحة ..
- حلللللفي ..!!!!
- و الله ..
- هلها يدرون ..
تردد صوت عفرا بسخرية ..
- ما سألتها تصدقين ..!!
فيما تهمس نورة بصوت مذهول ..
- بوية ..!! يخرب بيتها بتفضحناا .. يدرون ربيعاتج انها بنت عمج ..؟
- من وين بيعرفن .. ؟ أنا اروحيه اليوم دريت .. اسميج غبية بشكل ..
زفرت حور و هي لا تستطيع فهم المشكلة أين هي بالضبط .. بدت الفتاة متكبرة فقط .. و لم يبدو أنها ترتكب أمرا سيئا .. لذلك قالت تقاطع أخواتها ..
- أقول بنات شرايكن في العود ..؟؟
ضحكت دانة ..
- العود ريلج و الا الشيبة ..
- الشيبة يا السبالة لا تستهبلين ..
زفرت عفرا بقوة و هي تقول بصوتٍ خافت ..
- يوم حدر انتفض فواديه .. حسيت ابويه لي مقبل مادري ليش .. بس ما يشابه أبوية ..!!
لكن نورة قرأت أفكار حور .. تقولها بصوتٍ مسموع ..
- عيونه يمكن .. حسيتاا نظرة أبوية يوم ينازع .. مادري كيف ..
وافقتها دانة بلهفة ..
- و الله نفس الإحساس ..!! قلت فجأة بيهازبنيه لنه شافنية أرقى السطح ..!!
اعتصر الحنين قلب حور بقوة و هي تبتسم بمرارة ..
- الله يرحمه ..
ترددت عبارتها على ألسنتهن .. قبل أن يصمتن لدقائق .. لتقول عفرا بصوتٍ ناعس ..
- أكيد المها راقدة الحين .. أخخخ .. يا حظها .. ع الأقل رحمها ربيه من هذرتكن ..
تجاهلتها نورة .. و هي تبدي رأيا
- انا متفائلة الصراحة بالعيشة هنيه .. اليوم الأول يبشر بخير .. بس الشيبة يباله حد يلين خشمه ..!
ضحكت دانة بتعب .. قبل أن تتثائب بصوتٍ عالٍ ..
- أنا حتى أقول المكان و العرب ترتوب .. بس شوي هادي .. يبالهم حد يربشهم .. – و تثائب مرة أخرى – أحسنيه بموت من التعب ..!!
ابتسمت حور برفق .. قبل أن تشد الدثار حول جسدها أكثر و هي تقول ..
- كلنا تعبانات .. صخّن .. نبا نرقد .. عده باكر ورانا لو ربيه أحيانا ..!
.
.
و علمت في قرارة نفسها بأنها محقة ..
غدٌ يومٌ آخر .. ستواجه فيه تلك الأوجه التي التقتها اليوم ..
و ستكافح كثيرا لتعيش هذه الحياة الجديدة ..
تراءى أمام عينيها مبنىً يكاد يكتمل بنائه .. داخل حدود سور هذا البيت الواسعة ..
بيت يفترض بأن تعيش فيه يوما ..
كل ما خالجها لحظة رؤيته طمأنينة عميقة .. و حقيقة واحدة تتجسد في روحها ..
لن تبتعد عن عائلتها إذا و هذا هو المهم ..
ما دامت بينهم .. ستلتمس أبدا .. أمانا صادقا .. و حبّا حقيقيا .. و إحساسا ملموسا بذفءٍ لا ينضب ..
ستكون بخير مادامت قبهم ..
هذا هو المهم ..
نعم ..
هذا فقط ..
و أنفاس عفرا العميقة تتردد بعمق قرب أذنها ..
كم من المريح أن تدرك بأن قوّتك تنبثق من وجودهم في حياتك ..
أحبتك هم ..
لن يمضوا يوما ليتركوك في منتصف الطريق ..

* * * * *
* ودي أسرق / من بوح قلمي ..
** اسمحي لي يا الأماكن / من بوح قلمي

أمواج
05-04-2008, 01:31 PM
والله تمنيت لو الجزء أطول

تسلمين وننتظر الجزء القادم

الشقردي
06-04-2008, 04:15 AM
هل يفكر غيث بالقتل

اتصور الامر صعب شوي

.: المــاس :.
06-04-2008, 06:23 PM
والله تمنيت لو الجزء أطول

تسلمين وننتظر الجزء القادم

للجزء هذا تتمه ..

راح تنزل يوم الثلاثاء ان شاالله ..

منوره غلاي ..

.: المــاس :.
06-04-2008, 06:26 PM
هل يفكر غيث بالقتل

اتصور الامر صعب شوي

ما اعتقد .. لكن بيوريه نجوم القايله هالخايب ..

مع ذلك ما ندري عن المفاجئات اللي محضرتها لنا الكاتبه ..

ويا أهلا وسهلا فيك ..

أمواج
06-04-2008, 06:51 PM
للجزء هذا تتمه ..

راح تنزل يوم الثلاثاء ان شاالله ..

منوره غلاي ..

في الانتظار على أحر من الجمر

:4s2j9s (26):

.: المــاس :.
09-04-2008, 10:52 AM
تتمــــــــــــــــــة الخطـــــــــــــــوة السادســـــــــــــــــــة عشـــــــــــــــــــر .. }

[ خطوات تغشاها الدموع ،، ]






تلك النسائم الجليدية لم تجمّد ناراً راحت تلتهب بقوة في صدره ..
تبعثر شعره الكث الأسود على جبينه بعد أن ألقى غترته جانبا ..
عضلات ذراعيه و ظهره تتقلص بشدة و هو يتحفز للهجوم المرتقب .. فيما تضيق عيناه و هو يراقب الجسد المتكئ على مقدمة السيارة العتيقة قبل أن يصله صوت بطي المتشكك ..
- طال عمرك لو تبا .....
لكن غيث يزمجر بصوته القوي رافضا ..
- قلتلك تيسّر .. شل محمد وياك و عبدالرشيد و توكلوا على الله ..
- بس ..!!
ألقى غيث عليه نظر صارمة ..
- لا بس و لا غيره .. يا الله ..
هز بطي رأسه بطاعة .. قبل أن يستقل السيارة الأخرى التي قدم فيها .. يرافقه محمد و عبد الرشيد .. لحظات طويلة تمر قبل أن تبتعد أضواء سيارتهم .. فلا يضيق المكان سوى ضوء واهن من قمر إختنق خلف السحب الكثيفة ..
و ضوء السيارة المهتز إثر الضباب الثقيل ..
النور يسلط على الرجل المتهاوي و هز يهذي بكلماتٍ كثيرة متفرقة .. و هو يرى السيارة المبتعدة تختفي ..
- حوووه .. انتووو مخبل ..!! هاتوو موتريه ..
ثم نظر لغيث و جسده يترنح بشدّة ..
- بلاهم هاييل .. أووه ..!! ليكون حراميه و صارقين موتريه ..! أغبيااء نسوو موترهم ..
قالها و هو يضحك بشناعة و يربت على مقدمة سيارته .. ليؤكد لغيث بأنه ليس في وعيه ..
يتصاعد الإسمئزاز .. و الكراهية .. في حلق غيث .. و هو يتقدم بخطى واسعة ..
يده تسمك بتلابيب الرجل بسهولة .. ليواجهه بقوة ..
الحقيقة أن هذا التحكم في نفسه يتطلب منه مجهودا جبّارا ..
فكل ما يريده في هذه اللحظة هو نزع أظافر هذا الرجل .. و اقتلاع عينيه .. ثم الاستمتاع بسلخ جلده حيا ببطء شديد ..
عندها فقط و هو يترنم بصراخه المتألم .. سيرتاح ..
لكن بدلا من ذلك .. جذبه بقسوة و هو يدني وجهه حتى شعر بأنفاسه ذات الرائحة الكريهة قريبة منه .. ليسأل بقرف امتزج بالإحتقار ..
- تعرفنيه يا الكلب ..؟؟
بدا سالم و هو يترنح كأنما يرى هذا الرجل للمرة الأولى هنا ..
- أوووووهووووووو .. انتوو تتحرونيييه أعررررف .. كل الناااس .. يا بوووويه أنااا ..
ثم سكت فجأة و قد أصابته نوبة فواق ..
- هئ .. الله يغربلك .. تصدق ويهك هب هئ .. غريب .. هئ .. وين هئ .. وين هئ .. هئ .. انته سليمان ولد خالووه .. هئ ..
ثم صفق ذراع غيث المفتولة و قد تصلبت عضلاتها ..
- ياااا ريااااااااااااال وينك .. من زمان هئ .. هئ .. اقرب .. هئ ..
أبعده غيث قليلا فقط .. قبل أن يكور قبضته ليهوي بها على أنف سالم الثمل .. ليطلق ذاك صرخة مذعورة ..
تفجرت الدماء من وجهه و هو يتلوى ألما على الأرض .. ليتقدم غيث من سيارته و يلتقط فنينة مياه كبيرة باردة .. ثم يجذب سالم مجددا من ياقة ثوبه .. و يرفعه عن الأرض .. كان الهواء متجمدا حولهم .. و سالم يرتعش بقوة .. ألما و بردا .. فيما يهذي بصراخ مرتفع بوجع شديد .. و يده على أنفه النازف ..
صب غيث القنينة كلّها على رأس سالم .. فيشهق الأخير بقوة .. مقاوما الاختناق ..
- انته صاااااااااحي ..
و أطلق بعدها سبابا وقحا متصلا .. ليرميه غيث أرضا ..
وقف فوقه بهدوء ..
ينتظر .. ينتظر ..
فيما يتخبط سالم في هذيانه .. محولا التشبث بوعيه .. امام هذا الهجوم الغريب ..
ما يقارب الساعة قد مر قبل أن يعود غيث ليرفعه عن الأرض بقسوة .. ثم يقرب وجه سالم منه ليسأله مجددا ..
- ما عرفتنيه ..؟؟؟
نظرة سالم الضائعة و عينيه الزائغتين لم تسعفاه .. و هو يتمتم من بين الدماء التي غطت وجهه ..
- ما .. مااا ..
و لكمة ثانية سريعة تهوي على فمه الآن .. قوية للغاية .. خلخلت أسنانه فكادت توقعها .. فيما يصرخ سالم بصوت متألم محاولا التفلت بقوة من قبضة غيث المحكمة ..
- يااااااا كللللللللللللب .. شووووووه تباااااااابيه .. منووووه انته ..
أدناه غيث ليقول في أذنه بصوت قوي ..
- أنا غيث .. ولد حمد بن سيف ياركم .. تحيده ..؟
ثم انحنى همس بوحشية و عينيه تلمعان بشراسة ..
- و البنت لي اغتصبتها ختيه ..
قالها و أيعد سالم عنه بهدوء .. ليتبين الذعر الفضيع الذي شحب إثره وجهه .. فبدا أشبه بأوجه الموتى .. أدرك أن سالم الآن يفهم جيدا من هو .. و يعلم سبب ما سيحدث الآن ..
و كأنما انقطع بعدها حبل التعقل ..
راحت قبضات غيث تهشّم وجه سالم بقوة تباعا ..
تهوي على أنفه .. و على عينه .. تسقط أسنانه القذرة ..
فيما الذهول و ما بعد الثمالة يعيق سالم الذي راح يدافع عن نفسه بوهن ..
لم يكن يجدي منه سوى لسانه المتسخ الذي راح يمعن غرس ذاك النصل في كرامة غيث ..
- أختتتتتك هااااااااايييك .. ماخبرررتك .. شوووه سويت بها .. أووووووه ..
و ها هي لكمة أخرى تهوي على فمه .. ليبصق الدم من حلقه .. و هو يقول بعينين حمراوين بائستين ..
- آآآه عليها .. و على جسسسسسمها .. عدها رطببببة ..
كان الألم يتصاعد الآن في جوف غيث الذي راح يكيل الركلات أيضا .. فيما بدا أن سالم يستمد قوته من كلماته .. اذ بدأ في تجنب بعض ضربات غيث .. و محاولة الرد عليها ..
- لحاااااالي أنااا و هي .. يوم كااااااااااانت فحظنيييييه .......
لكنه لم يكمل عبارته تلك لأن اللكمة الأخيرة التي أسقطها غيث على فمه أطارت ما تبقى من أسنانه الأماميه .. ليسقط سالم مولولا .. يسب و يلعب و الدماء تتدفق من فمه بلغة غير مفهومة ..
يتقدم غيث بعزم إلى سيارته ..
و يتجاهل ذاك الأسى العميق الذي يجتاحه .. و ذاك الوجع الذي اعتصر روحه ..
وجه عفرا الباكي يلوح أمام عينيه الآن ..
ليمد يده نحو الدرج الصغير في سيارته الفارهة ..
يتلمس بأنامله الجسم الحديدي الصلب .. و يلتقطه بسرعة ..
يستدير نحو سالم مجددا .. صراخه المتوجع و سبابه القذر يختلط بنشيج عفرا الذي راح يدوي في داخل غيث بقوة ..
ليقف فوق سالم تماما ..
يجذب مشط مسدسه محدثا تكّة مسموعة .. قبل أن يوجه ماسورته نحو سالم الذي لم يكن يفصل بينه و بين غيث سوى انشات ..
ليرقب الفزع المميت ينتشر في وجه سالم بسرعة رهيبه فيخرسه ..
الوجه النحيل راح يرتعش فزعا و هو يستوعب كنه الحديد الصلب اللامع تحت أشعة القمر الشاحبه ..
و الجسد المرتجف الملقي أرضا عند ساقي غيث الطويلتان ينتفض بخوف مخزي ..
ليصرخ بفزع ..
- لا لا لا لا لا لا لا... لاااااااااااااااا .. لحظااااااااه .. آسف .. و الله آآآآآآآآآآآسف .. غصبن عنييييييييه .. دخيييييييييييلك .. دخييييلك لا تقتلنييييييه ..
ثم نشج باكيا .. و هو ينحني ليقبل قدم غيث ..
- أحب ريوووووولك .. بسترر عليهااااااااااااا .. و الله بستر عليهااااااااااا ..محد بيدري باللي استواااا .. بسوي لي تبااااااه .. كل لي تباااااااه .. لا تذبحنييييييه ..
لكن صرخاته لم تجد الصدى لدى غيث ..
كل الذي كان يفكر فيه هو كم توسلت عفرا قبل أن ينتهكها هذه الحثالة .. كيف كانت لحظاتها المميتة تلك ..
حين صرخت .. و توسلت .. و استنجدت ..
حين راحت تخدش بأظافرها .. و تعظ بأسنانها .. فيما هي تُضرب بقسوة .. لتُجرَّد من أحلامها .. و أنوثتها ..
تحت وطأة فعل هذا الحقير ..
لذلك كان صوته واثقا .. صارما .. يرتفع فوق نشيج سالم المذعور ..و توسلاته ..
- انته سكران .. و حتى لو ما كنت سكران .. انته جبان .. و بتخاف تخبر الشرطة منوه لي ظربك .. عسب لا يكون الحكم لك إعدام و انته تعرف هالشي ..
ثم مالت نبرته لسخرية شرسة ..
- لكن لو قررت تضحي بحياتك .. و تخبّر عنيه مع انه محد بيصدقك و انته فاقد.. إعرف انيه بييب غير الشاهد عشرة انك كذّاب و انيه كنت فمكان ثاني .. مليون واحد مستعد يكون مكاني و يعترف انه هو لي كان هنيه الليلة .. هالفرد هب مسجل .. فلا تضيع وقتك ..
بدأ اللون يرجع لوجه سالم الذي أدرك أن غيث بهذا التهديد سيتركه حيّا ..!
لكن حيّا كيف و المسدس الأسود لا يزال مصوّبا نحو رأسه .. لا يفصله عن رأسه سوى بوصة واحدة ..
فيما تشد اصابعه على الزناد ..
تدفعه .. آلامها .. أوجاعها .. و كل ما عانت ..
هذا الرجل هدم أمنياتها .. و مزّق براءتها ..
فليعش بقيّة أيامه البائسة بأحلامٍ كسيحة إذا ..
.
.
لذلك تنحرف ماسورة المسدس و هو يدنيها من ركبته ..
ليطلق الرصاصة عن بعد سنتيمترات .. متجاهلا صيحة سالم ..
- لاااااااااااااااااااااااااااااااااا ..
لتتحول فجأة لصرخة ألم هائلة .. فيما يجذب غيث مشط المسدس مرة ثانية .. و يطلق الرصاصة التالية على ركبته الأخرى ..
فقط ..
و صوت الرصاصة يضيع في الفراغ .. و صرخات سالم تخفت إذ بدا على وشك فقد الوعي من شدّة الألم ..
يدير ظهره ببرود .. حاملا مسدسه .. بلذة الانتقام ..
و همٌّ تقلّص نوعا ما ..
سيجد طريقة لانهاءه .. و لمعالجته بروية ..
الآن يستقل سيارته بسرعة ... و ينطلق بها تاركا المكان .. و خلفه ذاك البائس الذي قد ينزف حتى الموت قبل أن يدركه أحد ..
لكن ذلك لا يهمه أبـــدا ..
كل ما يهمه هو تلك النشوة التي انبسطت في جوفه الآن ..

* * * * *

(( إليك ..
لكِ إنتِ فقط دونهم .. لمَ كانت أنتِ من أكتب لها .. هذا ما لا أعلمه .. لربما كان سبب جهلي هو أني لا أعرفك .. ستُكتب الكلمات هنا لوحدها .. سأسكب سيلا من روحي يغرق الورق .. يبلله ..
و لتختار وحدها أيضا لمن ستكون ..
أ حبرا كان ما أكتب به .. أم دمعا ..
لا يهم ..
ما يحيرني هو لمَا .. لما كانت أنتِ من أكتب لها .. و ليسَ .. أنتَ ..؟؟
لما إخترتها أنثى تلك التي سأسوق لها أحرفي يوما .. حين ينضج الهذيان .. و يغدو بيده القرار ..
مستعدا لاختيار الانامل التي ستقلب الأوراق .. و العين التي ستلتهم الكلمات .. و القلب الذي سيتذوق حزني و الفرحة ..
ماذا عساي أن أقول في أولى رسائلي إليك ..
لو كان لي .. لأخترت أن تصلكِ الوريقات بعد إحراقها .. فتلامس أصابعكِ الرماد ..
عجبي ..!
ما بال تلك الكَسرة تحطم كل تاءٍ لتأنثها رغما عنها ..
ما أعرفه أن بي لهفة لتكون الأذن المصغية لي إنثى ..
أريد إمرأة تفهم طبيعة جنسها ..
تعذر غيرتي .. و شكّي .. كل مشاعري المتملكة .. و جنوني ..
تتفهم غروري .. و تبجحي ..
و تدرك لما اللهفة تسكن عيني لرجل لم يكن لي ..
.
.
أريدكِ أنتِ .. أن تصغي لي ..
فيما تتخبط كلماتي هنا .. كحكايات طفلة .. تتبعثر أحرفها على الأسطر ..
أحلامها المتقطعة .. و أفكارها التي تأتي من العدم .. لتأوي أيضا إلى العدم ..
أريدكِ أن تكوني أمي ..
أن تحتضني وريقاتي بين يديكِ فتضميها إلى صدركِ .. لتقبلي جبينها بعد حكاية النوم ..
و تهمسي بصوتكِ لها .. أحلاما سعيدة يا ورق ..
.
.
أم لكِ ان تكوني لي صديقة ..؟
لا .. لا تكوني صديقة .. لم أعرف الصديقة يوما ..
يكفيني أني أجهلكِ الآن ..
فإن سميّتكِ صديقة .. أضحيتِ ضمير غائب ..
مجرد لقب يترنم به الآخرين ..
له وقع في أذني .. و تطرب له روحي ..
صديقة ..
طيف روحٍ لم ألتقه ..
و لن أفعل ..
أعلم ذلك جيدا .. لأنني بلا أصدقاء ..!
لا أعرف أصدقاءً أبدا ..
لم يكن لي أحدهم ..
هناك من العثة ما كانت تعشش على محفظة نقودي .. أسايرهم في مراحل حياتي المتعددة ..
لكنهم ليسو أكثر من عثّة ..
أحدثت ثقبا في حياتي ..
شيء لم أجد ما يسده حتى الآن ..!
أعتذر يا أنتِ ..
لستِ أنتِ بصديقة ..
.
.
ماذا عن أخت ..
سحقا ..
تلك أيضا لم أعرفها ..
لكنني رأيتها ..
رأيت أشكالا و ألوانا منها تخص الآخرين ..
و آخر واحدة إلتقيتها ..
لم تكن إلا واحدة رغم عدّتهن ..
كن كثيرات في واحدة ..
هي أخت .. و أخت .. و أخت .. و أخت ..
و لكنهن واحدة ..!
هل سئمتِ ..لم أبدأ بعد ..
ما رأيكِ بأن ننسى مسألة الأخت أيضا ..
فآخر مرة رأيت فيها أولئك الأخوات ..
خالجتني رغبة غبية بأن أجهش بالبكاء .. و أصرخ للجميع بأن لا أخت لدي ..!
لذلك انسي الأمر ..
لا أريد أختا ..
.
.
أتكونين معلمتي ..
مرشدة ..؟
تمسكين بالكف لتدليني إلى ذاك الطريق ..؟
لا .. لا أعتقد ..
فمعلمة عليها أن تضغط على كتفي .. لتوجهني إلى الصواب ..
تكلمني بنبرة عميقة لتولج شيئا من الحقيقة في دماغي الفارغ ..
لكنكِ صامتة ..
لا ترشدين .. و لا تردين ..
تصغين أنتِ فقط ..
لا .. لن تكوني معلمة ..
فالمعلمة أكثر من أذنٍ صامتة ..!
.
.
من أنتِ إذا ..
أ أعرفكِ حقا ..؟
لم أكتب لكِ يا أنتِ ..؟
قد تكونين أي أحد .. أي أحد ..
لست أنا من سأصل إليكِ
هي الأوراق ستتركني بعد الختام لتقع بين راحتيك ..
أتظنين أنني سأعر